صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

المباحث السنبوكية في الفنون الاصولية

نشر في آذر 13, 1404 في

المباحث السنبوكية في الفنون الاصولية

(قدس الله نفسه الزکیة)

آ الباحث:

البيانات الرئيسية: ، ، 1327 هـ ش ـ

العنوان والمؤلف: المباحث السنبوكية في الفنون الأصولية / .

بيانات النشر: إسلام شهر: ، 1393 هـ ش.

الصفات الظاهرة: 60 صفحة؛ 19 × 5.9 سم.

الرقم المعياري الدولي للكتاب (شابك): 978-600-7347-28-7

حالة الفهرسة: فيپا

ملاحظة: عربي

الموضوع: أصول فقه الشيعة ـ القرن 14 هـ ش

تصنيف الكونجرس: 1393 2 م 8 ن / 8 / 159BP

تصنيف ديوي: 297 / 312

رقم الفهرس الوطني للكتاب: 3503979

المباحث السنبوكية في الفنون الاصولية

آية‌الله (قدس الله نفسه الزکیة)

الناشر:

الطبعة: الاولى التاريخ: 1393 ش ـ 1436 ه  ق.

المطبوع: 3000 نسخة

السعر: 35000 ريال

قم ـ شارع الأمين ـ زقاق 24 ـ رقم 76.

تلفون: 78 15 90 32  025

www.nekoonam.com

ISBN: 978 – 600 – 6435 – 28 – 7

حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

الطليعة

هذه الرسالة تصنيف صغير في أهمّ مباحث الأصول العقليّة؛ ملاحظةً المنهج القويم المختصّ لنا في هذا الفنّ. وهي التحقيق عن بعض المواضع المعيّن من مباحث الأصول العقليّة خالٍ عن أىّ خليط وبحث غير ضرور. وفيها المناقشات والتنقيدات حول آراء الأصولييّن الخمسة؛ أعني الشيخ الأنصاري، والآخوند، والكمباني، والعراقي، والميرزا النائيني بعد تمحيص المسائل والتّدقيق حول آراءهم، وفيها النظريات الأصوليّة التي تفرد بها في بعض مقاصدها السنبوكيّة. ولنا كتاب ضخم في فن الأصول على عشرة مجلّدات، وفيها اقتراحات وتصوّرات جديدة حول جلّ المباحث اللغويّة والعقليّة التي لم يستوف حقّ البحث عنها في سائر الكتب خلاف ما جرى ديدن الأصولييّن في مسفوراتهم الرائجة، وفيه طول الكلام في النقض والإبرام.

هذه الرسالة بداية الأمر كراسة كتبت فيه خلال التدريس ما هو مقتضى التحقيق والتدقيق، ومنها ما هو الموضوع في فنّ الأصول، ومباحث الأصول العملية من حيث المكلّف والمجتهد والعامي، وتقسيم المباحث الأوّليّة والأصول الأربعة. وفيها أيضآ تبحث عن القطع والظنّ، والحسن والقبح العقليين، والملازمة العقليّة بين الأوامر والنواهي والمصالح والمفاسد في الأشياء.

وتبحث أيضآ عن الشبهة المصداقيّة والمفهوميّة وما يرتبط بهما، وأيضآ عن الأصول الأربعة الكلّية من البراءة والإستصحاب والتخيير والإشتغال. وفي الختام نرجو من الله التوفيق، والحمدلله أولا وآخرآ.

السّنبوک الأوّل : موضوع فنّ الأصول

التمايز في العلوم بوحدة مّا في جهة موجودة، وهو إمّا في الموضوع كما في العلوم الحقيقيّة، أو في الغرض كما في العلوم الإعتباريّة. فلابدّ لكلّ علم من وحدةٍ حقيقيّة في جهة الموضوع، أو وحدةٍ اعتباريّة في جهة الغرض.

فلا تمكن المساعدة في التمايز بالإطلاق من جهة الموضوع أو الغرض، بل في العلوم الحقيقيّة كان التمايز بالموضوع ـ جوهريّةً كان أو عرضيّةً أو فوقهما ـ كما في الحكمة، والمثال للوحدة الحقيقية العلم الطبيعي وللاعتبارية العلم الرياضي.

 

والوحدة في العلوم الاعتباريّة في الغرض؛ مثل الفقه والأصول وسائر العلوم الاعتباريّة؛ سواء كانت موضوعات المسائل متباينةً أو مختلفةً أو متماثلة.

وأمّا الإطلاق من الآخوند في جهة الغرض، ومن النائيني في وحدة الموضوع مع قيد الحيثيّة، ليس بتام، والحقّ مع الكمباني في الاتّخاذ والاستفادة من صاحب الأسفار، وإن كان هذا النظر موجودآ في مطاوي كلمات المتقدّمين من الحكماء، ولكنّ صدرالمتألّهين بيّنه بشكل تامّ، ولا يكون هذا من خصائصه كما نسب إليه الكمباني.

وأما سائر العقائد من الشيخ وصاحب الفصول والآخوند وغيرهم من المحقّقين في اثبات الموضوع للأصول ليس بشيء؛ لأنّ أصل البحث في هذا الموضوع مخدوش، وهذا بيّن، ولا يحتاج إلى مزيدة بيان.

 

ولا يخفى أن العرض الذاتي هو ما كان المحمول في عروضه غير محتاج إلى تخصّص استعداد، وإلّا لا يكون المحمول ذاتيّآ لموضوعه. فالعرض الذاتي لا يحتاج في عروضه لموضوعه إلى واسطة مخصّصة، بل التخصّص يحصل بنفسه لا بغيره.

و لا فرق في ذلک بين الأخصّ والأعمّ والمساوي؛ لأنّ العروض في وعاء الهويّات الذاتيّة، والحقائق الإعتباريّة يكون لا بشرط، ولا يكون على وزان بشرط لا، ولهذا لا فرق في الهوهويّة بين الأقسام الثّلاثة من هذه الجهة.

فما قال العلّامة مع تفصيله ودقّته في الباب واستفادته من الشيخ في المواضع المتعدّدة من الفرق بين عارضي الأخصّ والأعمّ والمساوي ليس بشيء؛ لأنّ عارض الجنس وإن كان حصّةً منه، ولكن يمنعه؛ لأنّ الحصّة على نحو الّلابشرط عين الطبيعي، وإن كان في لحاظ بشرط الّلائيّة غيره، كما هو مقتضى التحقيق في المقام وموردآ لقبوله أيضآ، مضافآ إلى الفرق بين العارض الأخص والعارض على موضوع أخصّ.

فالقضيّة الموجبة الجزئيّة ـ مع أنّها بعض الطبيعي ـ يكون عينآ له أيضآ؛ لأنّ الحصر في الموجبة إضافي، وليس جزءً لها على نحو التقييد، بل يكون على وزان التقيّد. فالموجبة الجزئيّة تكون شاهدةً للأسفار لا للعلّامة كما عنونها العلّامة بهامش الأسفار.

هذا تمام الكلام في موضوع العلم والعرض الذاتي، و سائر المباحث في هذا الباب ليس موردآ للاعتناء، وفى هذا الباب ليس للعلماء الخمسة المتأخّره شيئآ جديدآ إلّا أنّ العراقي والكمباني كانا على الحقّ من جهات مع اختلاف مّا في بعض الجهات الآخر.

أمّا موضع البحث وحقّه وتفصيله يكون في الحكمة، كما عنون الحكيم ابن سينا وصدرالمتألهين و غيرهما، وهذا البحث من المباحث الدخيلة في الأصول و صار بحثآ أصوليآ بصبغةٍ خاصة.

السّنبوک الثّاني :

مسائل الأصول

هذا من المباحث الآليّ الطريقي و يكون مدخلا للورود في المباحث الأصوليّة الفنّيّة. و فيها أربعة مسائل: مسألتان في موضوع الأصول، ومسألتان في مسائلها.

أمّا المسألة الأولى في المكلّف. المكلّف في كلام الشيخ هو المكلّف الشأني لا الفعلي، وقيد «التفاوت» لازم، وليس بزائد، خلافآ للشّيخ، والتنقيد حوله باعتبار قيد التفاوت غير وارد كما بيّنه المحقّقون في رفع الإشكال عن صاحب الكفاية.

أمّا المسألة الثّانية في تعريف المجتهد والعامي. للمجتهد و العامي إلى الأحكام الشرعيّة حكم سواء، وليس تفاوت فى البين. والمكلّف شامل للمجتهد والعامي، وإن كان المجتهد متقدّمآ في وصول الأحكام بالنسبة إلى العامي، كما يكون المجتهد أيضآ كذلک ويكون كالعامي بالنسبة إلى المعصوم. والدليل عليه أدلّة الأحكام؛ لأنّها شاملة لكليهما وتامّة من هذه الجهة، والمانع في العامي من جهة عدم تحقّق الفعليّة في الموضوع، وفي المباديّ التصوّريّة والتصديقيّة، ووجود المانع لا يكون دليلا؛ لعدم المقتضي من الإطلاق في الأحكام للعامي، فلا منافاة بينه وبين وجود المقتضي كما هو مدّعي الشيخ في الرسائل.

فالحقّ مع الشيخ والآخوند والعراقي؛ لا المحقّق النائيني، فالموضوع في المجتهد فعلي وللعامي وغير المجتهد شأني، ولو كان عالمآ.

المسألة الثّالثة في انقسام المباحث الأوّليّة في الأصول. تنحصر مسائل الأصول العمليّة في ثلاثة أبواب كما قال الشيخ. وليس في التقسيم إشكال من جهة أصل القسمة. وتنقيدات الآخوند غير وارد كما بيّنها المحقّقون ولا سيّما العراقي في «التقريرات» لا في «المقالات». نعم في تقريره وحجّته عليه نقوض، ولكنّ المدّعي حقّ؛ لأنّ المقتضي للتقسيمات الأوّليّة يكون كذلک، ولا يرتبط هذا بالحجّة الفعليّة كما توهّم الآخوند في الكفاية والهامش.

أمّا المسألة الرّابعة في انقسام الأصول العمليّة الأربعة. وفيها تقريرات وانقسامات شتّى. التقرير الأوّل من الشيخ في بداية الرسائل. وهو مخدوش من بعض الجهات كما واقف عليه نفسه وأورد فيه تقسيمآ ثانيآ، و هو مناسب، وإن لم يكن خالٍ من الإشكال. وأمّا سائر التقريرات فى تقسيم الأصول العمليّة من المحقّقين ولا سيّما تقرير الآخوند في الحاشية غير لائق بهم، وتقرير الآخوند خالٍ من شرائط التقسيم، وهو تفصيل جميع المباحث التي في الأصول على نحوٍ غير متعارف.

والأمر في تقسيم الأصول سهل. وهو ليس بمهمّ. وهو واضح. وسائر الأمور المذكورة في هذا البحث يليق بالكتب المطوّلة.

السّنبوک الثّالث :

الظنّ

وفيها أربع مقامات: المقام الأوّل في معنى الإمكان و الامتناع في الباب، والثّاني إثبات عدم الامتناع في الاعتبار، والثّالث تأسيس الأصل، والرّابع إحراز الدليل والحجّية للظنون الخاصّة الشرعيّة والعقلائيّة. نورد مقامي الأوّل والثّالث من هذه المقامات في سنبوک خاصّة.

وقبل جميع ذلک لابدّ أن يبيّن الفرق بين القطع والظنّ من حيث الانكشاف والحجّية.

لا بحث فى أنّ الحجّية للقطع ذاتيّة، والحجيّة فيه لازمة عقليّة للانكشاف التّام فيه، ولكنّ الحجّية في الظنّ عارضيّة، وليست بذاتيّة، وإن كان فيه انكشاف ناقص، وهو له ذاتي؛ لأنّ له أيضآ انكشاف مّا على قدر القوّة الظنّية، ولا يكون الظنّ من مقولة الشکّ من حيث الحجيّة؛ لأنّ في الشکّ لا يكون أىّ انكشاف، خلافآ للظنّ الذي تعرضه الحجّية، لا في أصل الظنّ. نعم للشکّ في بعض الموارد النادرة انكشاف مّا كما يبيّن في الفقه والعلوم الاعتقادية العقليّة.

والعقلاء أيضآ اعتبروا هذا الانكشاف في الشکّ في هذه الموارد المخصوصة من حيث الآثار أو الحجيّة الاعطائية من الشارع، وإن لم يسمّ في هذه المرتبة بالشکّ الاصطلاحيّة و لم يلاحظ فيه الانكشاف والحجيّة كما في الظنون المعتبرة.

فعلى هذا التبيين الانكشاف ذاتي للظنّ أيضآ، وإن كانت الحجيّة عارضة له وغير ذاتيّة فيه؛ لأنّها من جعل الشارع، يجعل في مورد ولا يجعلها في مورد آخر، وليس جعلها على حسب المناطات الحقيقيّة والملاكات الواقعيّة.

فالقطع وجميع موارد الظنون الخاصّة المعتبرة وبعض موارد الشک ذو اقتدار في الانكشاف على سبيل التشكيک ولحاظ مراتبها. نعم كما سبقت آنفآ حجيّة القطع ذاتيّة، وحجيّة الظنون الخاصة عرضيّة وكانت من جعل الشارع أو من اعتبار العقلاء في بعض الموارد مع المناطات الاعتبارية فيها. أمّا الانكشاف ذاتي للجميع؛ حتى للظنون الخاصة والشكوک النادرة المحدودة التي سبقت ذكرها. فعلى هذا في كلام الآخوند واعتقاد سائر الأعاظم في خلوّ الظنّ من أيّ انكشاف مغالطة من حيث أخذ العارض مكان المعروض.

فالبرهان حاكم على وجود الانكشاف في الظنون وفي بعض موارد الشکّ أيضآ. والعقلاء ومنهم الشارع في صدرهم يعتبرون هذا الانكشاف، ولكن لا يلتفتون إليه. والشارع لا يجعل الحجيّة في جميع موارده، بل يعتبر الحجية التي كانت فيها بالمناطات العقلائية في حدود الأمور والأحكام، ويعتني به في كثير من الموارد حتّى في بعض الشكوک الثّانويّة في الأمور الاعتقادية وفي بعض الأحكام الفقهيّة. فظهر بهذا بتمام الوضوح أنّ الانكشاف أمر، والحجيّة أمر آخر، وأنّ الانكشاف أمر نفسي، والحجيّة وصف للطريق، ولا ملازمة بينهما.

ولا يخفى أنّ العمل بالظنّ عند العقلاء في كثير من الموارد ليس من باب التسهيل بل هو من باب المناسبة والموقعيّة في المقام. وقول المشكيني في الحاشية وبعض الأعلام مخدوش في هذا المقام؛ لأنّ العقلاء يهتمّون في الموارد العامّة من حيث الدليل بقدر الأهمّية في المقام، والأهمّية لهم في الموارد بحسب المقامات ومن حيث الواقعة.

في معنى الإمكان و الامتناع في الباب

الإمكان التشريعي عند النائيني هو نفس الإمكان الوقوعي بلسان التشريع و ليس اصطلاحآ جديدآ حادثآ منه. والمراد من الإمكان في المقام هو الاحتمال. وكلام الشيخ فيه بعيد عن التحقيق. ولا يكون بمعنى الأصل أيضآ كما توهّمه البعض.

أمّا كلام الخوئي في الايراد على الآخوند خالٍ عن المعنا؛ لأنّ الاحتمال مع الوقوع في الشرع كافٍ للوصول إلى المطلوب في مقامي الأوّل والثّاني.

وفي هذه المسألة فروض ثبوتيّة للجمع بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة، لا تخلو تقريرات الأصوليّين كلّها من الإيراد والإشكال، جميعها فروض ثبوتيّة، ليس لها مقام اثبات، و تصوّرات عقليّة محضة لدفع الإشكال عن المقام، وليس شيء من ذلک في مقام الإثبات مقرونآ بالدليل.

نعم أنّهم بيّنوا الايراد على بيان وافٍ متقن، ولكن جوابهم عنه هيهات من الواقعة، وليس فيه شيء أزيد من الإقناع والإسكات.

وأمّا الأقوال المشهورة في هذا الباب من أعاظم الأصوليين على سبيل التلخيص فهي :

الأوّل منها: قول الشيخ الأنصاري في الرسائل. أنّه سهّل الأمر بتصوير الاختلاف في موضوع الحكم الواقعي وموضوع الحكم الظاهري.

والثّاني: قول الآخوند. هو يقول: المجعول في باب الأمارات إن كان نفس الحجّية كما كان كذلک عنده، فلا إشكال في الباب رأسآ؛ لأنّه مع المطابقة بينهما طريق إلى الواقع. ولا تعدّد حتّى يتوهّم المضادّة بينهما، ومع المخالفة بينهما المكلّف معذور بلا لزوم التتبّع لحكم تكليفي، وإن كانت الحجيّة مع الاستتباع والاجتماع، وكان موجودآ في الحال، ولكن هذا النحو من الاجتماع في الأحكام لا يكون بمثلين أو ضدّين؛ لأنّ المناط في الحكم الواقعي في متعلّقها، وفي الحكم الظاهري  في نفس الطريق.

والثّالث: قول الميرزا النائيني. أنّه يجعل الأساس في ثلاثة مقامات: الأمارات و الأصول المحرزة، والأصول الغير المحرزة.

للأمارات الشرعيّة طريقيّة محضة، وكاشفيّة صرفة، وطريقيّة الأمارات إلغاء احتمال الخلاف، فلا حكم تكليفي في البين ليضادّ؛ لأنّ حال الأمارات حينئذٍ حال العلم والقطع.

والأصول المحرزة أيضآ كذلک؛ أي لها طريقيّة من حيث الجري العملي في موردها فقط، فلا حكم مجعول في موردها أيضآ حتّى يجتمع ويضاد.ّ

والإشكال في غير المحرزة من الأصول التي ليست ناظرة إلى الواقع كثير، وهي لبيان الوظيفة العمليّة فقط بالتنجيز كما في مورد الاحتياط أو التأمين كما في مورد البرائة، وكان في مورده حكم ظاهري، ولكنّه يسهل الأمر فيه أيضآ على ما قال الشيخ في الأمارات مع تفاوت مّا، وهو في رفع المضادّة يورد الإشكال في هذا القسم أيضآ؛ لأنّ الحكم في الظاهري من الأحكام يكون في طول الحكم الواقعي، فلا مضادّة في البين أيضآ، مضافآ على أنّ وجوب الاحتياط طريق لمتحفّظ الواقع، فإن صادف الواقع فلا محذور أصلا، وإن خالفه بينهما فلا وجوب في البين لعدم الحكم الواقعي حتّى تحفّظ عليه، فلا تعدّد في الحكم بل التعدّد في الإبراز والإظهار.

أمّا ما يسهل الأمر في الجميع أمور :

منها، أنّ قانون التضادّ وأحكامه العقليّة سواء للحقائق النفسيّة والاعتباريّة ثابت لهما بلا تفاوت فيهما، نعم غاية الأمر أنّه في الأمور الحقيقيّة نفس الامتناع ثابت، وفي الاعتباريات مناطها. فالدفع من بعض الأعاظم منهم الخوئي والعلّامة الفقيد لا محصّل له.

الأمر الثّاني، أنّه لا تعدّد في الأحكام الواقعيّة والظاهرّية أصلا في جميع موارد الحكم وأقسامه من الأمارات والأصول المحرزة و غيرها، والأحكام في الحقيقة هي الأحكام الواقعيّة، وأمّا الأحكام الظاهريّة جميعها نفس الداعي والتحريک إلى الواقع، ومن هذا الحيث لا فرق بين المطابقة والمخالفة وغيرهما، والمكلّف مع عدم التقصير مأجور في الحالين، وإن كان من حيث الآثار الوضعيّة متفاوتة، ولكنّ التفاوت من حيث الاستناد إلى الفاعل والفعل لا من حيث الاستناد إلى الشارع؛ لأنّ الواقع ثابت في جميع الحالات، والجعل في الدّاعي من جهة الشارع نفس التحريک إلى الواقع، ولا شيء غيره، وهذه الحيثيّة من جانب الشارع غير الحيثيّة الفاعليّة، وفي جانب المكلّف الحيثيّة الفعليّة، فالبحث خالٍ عن الفائدة وزائد من الأصل مع طول المدّة والعدّة. فعلى هذا لا تعدّد من حيث الموضوع، و كلام الشيخ غير واقع، وأمّا بيان الآخوند ذو أطوار، بعضها من بعض الجهات صحيح، ولكن بيانه في جميع المواضع مضطربة.

وبيان الميرزا النائيني مع تفصيله وتعدّده في الجهات الثّلاث مخدوش في بعضها، وغاية الأمر أنّه كرّ على ما فرّ منه، وبيان الكمباني مع كثرته زائد، لا يرتبط بالمقام، وليس فيه شيء أزيد من كلام الأعلام إلّا وفيه موارد من الإشكال، وليس في هذا الباب غير هذا مطلب، وإن كان التطوّرات في الباب كثيرة.

مقتضى الأصل في المسألة

وفي هذا المقام أربعة أبحاث تنبىء عن مقتضى الأصل في المسألة، وهو عدم حجيّة الظنون.

الأوّل، هل الحرمة في التشريع مولوي أو إرشادي؟ الشيخ والنائيني يثبتان الأوّل، ومعتمد الآخوند والعراقي الثّاني، وكلام الشيخ حقّ؛ لأنّ التشريع واقع في بيان المناط، والاستتباع للخطابات الشرعيّة.

والبحث الثّاني أنّ قبح التشريع هل يسري إلى الفعل أم لا، فيه قولان: قول الأوّل للشيخ، والثّاني مختار الآخوند، والحقّ أنّه لا يسري، ونفسه فعل محرّم.

وأمّا الثّالث أنّه هل تلازم التعبّد بالأمارة في الاعتقاد والالتزام بمؤدّاه في مقام العمل مع الحجّية أم لا، رأي الآخوند أعمّ منهما، وهو باطل، والحق مع الشيخ والنائيني، وأصرّ على خلافها وتأييد الأعمّية العراقي.

الرّابع أنّ الحكم بقبح التشريع هل هو طريقي أم نفسي، والأوّل قول الميرزا، وهو الحقّ لعدم الربط بالواقع في هذا الحكم.

وأمّا مقتضى الأصل كما هو كلام الآخوند عدم حجّية الظنّ ما لم يقم عليه دليل، ولا يرتبط الحرمة بهذا البحث في الأصول، وما لابدّ منه، وهو ضروري للأصولي أنّما هو الأصل فقط ولا غير.

السّنبوک الرّابع :

التّجرّي

يبحث في هذا المقام عن التجرّي وفي استحقاق المتجرّي للعقاب والذمّ بمقتضى الدلائل الثلاثة الشاملة له وعدمه، وهي الخطابات الأوّليّة، والإجماع على استحقاق العذاب أو الذمّ، والعقل من أنّه من المستقلّات العقليّة لا من باب الخطابات اللفظيّة.

والاختلاف في هذه المسألة كثيرة جدّآ، وما يعتني بها الأقوال الستّة :

الأوّل، قول الشيخ، وهو أنّ التجرّي كاشف عن سوء سريرة الفاعل وخبث باطنه الحاكي بهذا الفعل فقط، ولا دلالة للتجرّي على غير هذا المعنى. التجرّي في رديف سائر الصفات المذمومة النفسيّة كالبخل والحسد المستور المستحقّان فاعلهما الذمّ واللؤم.

الثّاني، أنّ المتجرّى مستحقّ للذمّ على القبح الفاعلي من حيث الصدور لا من حيث ذات الفعل، ولا يستحقّ للعقاب؛ لأنّ الاستحقاق في القبح يكون من حيث الفعل لا من جهة نفس الفاعل وسوء سريرته.

الثّالث، الاستحقاق للعقوبة ينشأ من العزم الذي يكون فعلا جنانيآ، وإن لم يكن فعلا خارجيّآ مثل التشريع الذي يكون من الأفعال الجوانحيّة لا من الأفعال الجوارحيّة.

الرّابع، المتجرّي مستحقّ للعقاب لا للجهة النفسيّة بل لانطباق عنوان الطغيان عليه، وإن كان الفعل باق على ما هو عليه واقعآ.

الخامس، أنّ التجرّي زيادة على الاستحقاق العقلي محرّم شرعي، لكن بالوجوه والاعتبارات العارضة على الفعل؛ لأنّ القبح في التجرّي لا يكون ذاتيآ، وتحصل المزاحمة بين الأحكام الواقعي والظاهري.

السادس، أنّ التجرّي زياده على الاستحقاق العقلي، والحرمة الشرعيّة له حرمة ذاتيّة أيضآ، ولا يكون مزاحمة بين الأحكام الواقعيّة والظاهريّة؛ لأنّ الجهات الواقعيّة لا تكون مزاحمآ لعنوان التجرّي؛ لأنّ التجرّي هتک لحرمة المولى.

وفي التجرّي أبحاث :

منها، أنّ هذا البحث لا يكون مختصّآ بالقطع، بل يجري في كلّ ما يمكن أن يطلق عليه الحجّة أو الرجحان الصرف ويخالف المكلّف به.

والبحث الثّاني، أنّه هل يكون بحث التجرّي أصوليّآ أم لا، والحقّ في المقام أنّه منوط بنوع العنوان فيكون البحث أصوليآ على نحو، وعلى نحو آخر يكون فقهيّآ أو كلاميآ.

صريح البحث كان كلاميّآ؛ لأنّ فيه يبحث عن العقاب، ومن حيث الكليّة في العنوان يمكن أن يكون بحثآ أصوليّآ، وليس البحث في العنوان بمهمّ.

الثّالثة، أنّه هل يكون العلم بالشيء صفةً مغيّرةً لحسن الشيء وقبحه الذاتي أم لا؟ والحقّ القاطع في المقام الثّاني؛ لأنّ الحسن والقبح معلولان لذات الشيء، ولا تأثير لعلم العالم في ذات الشيء، مضافآ على أنّه لا علم في صورة الفرض، بل هو تخيّل؛ لأن الصورة الغير المطابقة للواقع ليست بعلم أصلا، ولا يكون هذه الصورة حاكيةً عن الخارج، والصورة الغير الحاكية ليست بعلم؛ إذ العلم هو الصورة الحاكية عن محكي الشيء في الخارج؛ نعم عند فقدان الانكشاف، صورة صوريّة وخيال للعلم على وزان العلم ولا يكون هو علمآ أبدآ.

وبعد ذلک يبحث عن موضع الحق في أنّه هل يكون للتجرّى الاستحقاق للعقاب الشرعي أم لا. ولأنّ العقاب يكون تحت المناطات في الأحكام النفس الأمريّة الواقعيّة مضافآ على عدم إمكان جعل الأحكام المولويّة في المقام، والحقّ عدمه.

وكذلک في العقاب العقلي، ولا يكون للمتجرّي استحقاق للعقاب العقلي؛ لأنّ الاستحقاق ملازم للتحقّق الواقعي، والمناطات النفسي، وفي المفروض ليس كذلک.

التنبيه: لا يخفى أنّه لا يكون في التجرّى هتك للمولى؛ لأنّ نفس المعصية المحقّقه ليس هتكآ للمولى، فضلا عن أن يكون في المقام توهّم المعصية؛ لأنّ المعاصي نوعآ تكون من شغوات النفس الأمّارة، ومن غفلات الخيالات الباطلة، وإن كان من الممكن تحقّق المعصية بعنوان الهتک أيضآ، ولكنّ المعصية ليست هتكآ للمولى بالذات.

والعاصي في حال المعصية غافل عن الحقّ نوعآ، وشاغل بالهوى والباطل، وكيف يمكن أن يكون هذا الحال هتكآ للمولى، وكيف يمكن أن يقصد الغافل الهتکَ، ونفس الهتک لا يمكن أن ينسب إلى الغافل العاصي.

وكذلک لا تكون في التجرّى بعنوان الفعل الجناني معصية ليكون له العقاب؛ لأنّ الأفعال الجناني وإن كان موجودآ في مقام النفس إلّا أن لا يكون لها وجود في الخارج، والتحقّق الجوارحي تابع للمكلّف حتّى تصدق عليها المعصية ويشمل عليها العقاب، وللعزم العاصي وجود نفسي وخارج علمي وإن كان العزم للعصيان منقصةً ومتنزّلا النفس عن مدارج الإنسانيّة العاليّة إلّا أنّ هذا لا يصدق عليه المعصية حتّى يحقّق له العقاب عقليّآ أو شرعيّآ.

حيثيّة مذموميّة المتجرّي

نعم المتجرّي مذموم؛ من حيث أنّه الفاعل، ولكنّ الفعل مترتّب أثره على النّفس؛ لأنّ القبح الفاعلي يرجع إلى النّفس العاصي، ولا يرجع إلى الفعل المتحقّق في الخارج، وللفعل الخارجي مناط نفسي غير هذه الجهة الفاعليّة التي لا مثار لها إلى العقاب الشرعي والقبح العقلي.

فالقبح الفاعلي لا يكون علّةً للعقاب والعذاب، غاية الأمر عذاب للوجدان ومنقصة للنفس، ويكون في عمله إظهار لسوء سريرته الخبيثة.

هذا مقتضى دليل العقل. أمّا الاجماع ليس متحقّقآ في المقام، وإن ادّعى؛ لأنّ وجود الإجماع مع هذا الاختلاف بعيد جدّآ، على أنّ التجرّي لا يكون مسألةً إجماعيّة، والاجماع في الفروع لا في مثل هذا البحث الكلّي، مضافآ إلى أنّه بحث مدركي، سواء كان المدرک عقليّآ أو نقليّآ، ولا يكون شيء في هذا الباب، فأنّ بعض المأثورات غير مرتبط بالمقام، وبعضها مؤوّل مع وجود البرهان العقلي على خلافه، وأمّا العقل فالغاية في بابه الذمّ الفاعلي، وليس منه غير ذلک شيء أصلا؛ هذا تمام الكلام في باب التجرّي.

السّنبوک الخامس :

قطع القطّاع

صريح الكلام أنّه لا يمكن المنع من لوازم القطع من القاطع، ولا المنع من العمل على طبقه، ولو كان القطع حاصلا من غير الكتاب والسنّة؛ لأنّ القطع مطاع نفسه للوصول الوجداني، ولا يمكن التصرّف فيه من حيث هو هو ـ لا من الشّارع ولا من غيره ـ بطريق من الأمر أو الإرشاد؛ نعم يمكن التصرّف فيه من جهة التصرّف في مقدّماته بلطائف الحيل.

وكلام الميرزا النائيني في توجيه بيان الأخبارى ثبوتآ في إمكان التصرّف من الشارع في المقطوع به ثبوتآ لا التصرّف في القطع، كلام شعري؛ لبطلان بعض مقدّماته المترتّبة. مضافآ إلى عدم الفرق بين القطع والمقطوع به من حيث الواقع والاعتقاد الصرف الذي حصل للقاطع. نعم غاية الفرق بينهما بالاعتبار من حيث الذات الفاعلي، فالحقّ في هذا الأمر مع الشيخ وكلّ من تبعه فيه. ولا تفاوت من هذا الحيث بين القطّاع وغيره، وإن كان بينهما تفاوت من جهات أخر.

السّنبوک السّادس :

المستقلّات العقليّة، وفيه بحث عن الحسن والقبح العقليين

انكار الحسن والقبح العقليين سخيف جدّآ، وإن نسب إلى جملة من الأشاعره؛ لضرورة البرهان والوجدان، ولا يكون هذا من شأن أيّ عاقل وكيف بالمسلم.

والاعتقاد بأنّ المصالح والمفاسد يكون في الطبائع فقط لا في الأفراد، باطل أيضآ؛ لأنّهما في الخارج يتحقّق بوجود واحد، وإن كان الطبيعي بالعنوان غير الأفراد، ولكنّ المصالح والمفاسد تابعان للوجود لهما بالاطلاق بالسواء كما حقّق في مقامه.

و لا شأن بالقول بأنّ الأوامر والنواهي تابعان للمصالح والمفاسد في أنفسهما لا في المتعلقات؛ لأنّ المصالح والمفاسد تكونان مطلقآ في المتعلّقات و غيرها مع وجود تمايزات في مواردها؛ لأنّ الغاية أوّلا وبالذات متوجّه إلى المتعلّقات وإن كان الأمر والنهي في أنفسهما مطلوبين في نفس الأمر.

والحاصل أنّه لا سبيل إلى انكار التبعيّة في متعلّقات الأحكام، والعقل مدرک لهذا الأمر بنحو قضيّة موجبة جزئيّة، والملازمة موجودة أيضآ في حكم العقل والشرع بنحو الموجبة الجزئية، والإنكار من الأخبارى في نفس الملازمة، ومن الفصول في الملازمة الواقعيّة بلا وجه بعد تماميّة الدليل عليها.

والانكار من المنكرين لا يكون ناشئآ من الدليل، بل من جهة الظهور في بعض الأدلّة القابلة للخدشة من جهات أخرى؛ لأنّها لا ينافي بأسرها مع الملازمة العقليّة، وهى إمّا مرتبط بالقياس أو المولويّة في العباديّة من جهة دفع الشرک والمضارّ من حريم العبادة أو في جهة الإرشاد للعوام من صعوبة الطريق وقلّة البضاعة، ولا مدخليّة في السّماع مع فرض حصول البرهان والقطع العلمي.

السّنبوک السّابع :

الإجزاء

الإتيان بالمأمور به الذي يتعلّق الأمر بها هل يقتضي الإجزاء أم لا؟

فيه ثلاث مباحث: الأوّل، الإجزاء من نفسه عند الإتيان؛

الثّاني، أنّ الإتيان بالأمر الواقعي الثّانوي هل يكون مجزيّآ عن الأمر الواقعي الأوّلي عند تبدّل الموضوع أم لا؛

الثّالث، أنّ الإتيان بالمأمور به الظاهري هل يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي عند التبدّل أم لا.

قبل الورود في البحث لابدّ أن يذكر أمران في المقام :

الأوّل، أنّ المراد بالوجه هو الكيفيّة الملحوظة مع الأمر؛

والثّاني، الفرق بين هذا البحث وبحث المرّة والتكرار.

والمراد من الأوّل هو الكيفيّة الملحوظة مع الأمر؛ لا الوجوب و الاستحباب الكلامي؛ لأنّه المناط في البحث لا الثّاني.

والمميّز بين هذا البحث وبين بحث المرّة والتكرار واضح مع أدنى تأمّل؛ لأنّ البحث في الثّاني ملحوظ في جهة اللفظ بخلاف الأوّل؛ فإن الإجزاء بحث عقلي، وإن كان في مقام التطبيق في بعض المقام يرجع إلى اللفظ في بعض المواضع إلّا أنّ الملاک مختلف، وفي الواقع لا يبحث عن الإجزاء إلّا بعد تمام الأمر من جهة الدلالة.

أمّا البحث في الجهة الأولى من أنّ مقتضى كلّ مأمور به الإجزاء من أمر نفسه، وغاية ما في الباب ما يقال تحت عنوان تبديل الامتثال بعد سقوط الأمر، وهو بحث آخر لا بدّ له من تعليل إمّا بأمر آخر أو ببقاء الأمر الأوّل بلسان الحال أو المقال كما مثّل له بإتيان الماء وعدم الشرب من جانب المولى؛ سواء كان بقاء الأمر بتمام الفرض أو البعض.

أمّا المقام الثّاني، وهو البحث عن الأتيان بالأمر الواقعي الثّانوي هل يكون مجزيّآ عن الأمر الواقعي الأوّلي عند التبدّل أم لا؟ فيه بحثان: الإجزاء بالاتيان في الوقت وفي خارج الوقت عند التبدّل؛ والثّاني مجزي بلا كلام؛ ووجهه أنّ الطهارة المائيّة ليست بركن مطلقآ، والطهارة الترابيّة طهارة مع وجود المصلحة، فأنّ الطهارة المائيّة لو كانت مطلقةً لم يمكن الأمر بالطهارة الترابيّة، بل الأمر فيها يكون كفاقد الطّهورين، والحال أنّه ليس كذلک، وفي الوقت أيضآ كذلک مع جواز البدار؛ لأنّه مع جواز البدار لا يمكن الركنيّة المطلقة للماء، بل تكون الطهارة الترابيّة مقيدةً بالمصلحة.

وأمّا الجهة الثّالثة من البحث هي الإجزاء بالمأتي به الظاهري عن الأمر الواقعي عند التبدّل، وفيه أيضآ بحثان: الأوّل أنّ المأتي بالأمر الظاهري الشرعي مثل جميع موارد الطرق والأمارات والأصول الشرعيّة، والثّاني أنّ المأتي بالأمر الظاهري العقلي مثل موارد القطع. فالمأتي بالأمر الظاهري الشرعي في الأحكام الكليّة عند الانكشاف القطعي الشرعي غير مجزي أصلا مثل العمل بالخبر الواحد، وتبدّل الخلاف بالخبر المتواتر بالنسبة إلى المجتهد والمقلّد، فيكون حاله حال العلم في عدم الإجزاء.

فالمأتي بالأمر الظاهري بالأمارة في باب الموضوعات الشرعيّة أيضآ كذلک، مثل البيّنة على النجاسة والصلاة مع التيمّم وكشف الطهارة المائيّة، فلا يكون مجزيّآ أيضآ.

والمأتي بالأمر الظاهري الذي يكون مؤدّى الأصول الشرعيّة العمليّة أيضآ كذلک، ولا يكون مجزيّآ مثل أن صلّى على قاعدة الطهارة أو الاستصحاب المحرز ثمّ انكشف له بالقطع النجاسة السابقة لعدم الحكومة، فإنّ الحكومة بين الأدلّة عرضيّة، وفي المقام طوليّة، وهذا مطلق بالنسبة إلى الشبهات الكليّة والموضوعيّة.

والمأتي بالأمر الظاهري الشرعي مختصّ بما إذا انكشف الخلاف بالدليل الظنّي الآخر؛ سواء كان الأمر الظاهري مؤدّى الأمارة أو الأصول العمليّة.

وهو في الموضوعات الخارجيّة غير مجزي بلا كلام، وفي الأحكام أيضآ كذلک؛ فالأوّل مثل مستصحب الطهارة والملكيّة بعد البيّنة على النجاسة وعدم الملكيّة.، والثّاني مثل تبدّل الاجتهاد والتقليد؛ سواء كان التبدّل بالاستظهار أو الوصول إلى المقيّد والمخصّص أو العارض الأقوى، وهذا الأقسام الأربعة في الجهة الثّالثة.

وبيان المطلوب لا بدّ من ذكر الأمرين :

الأوّل، أنّ متعلّق الأمارة والأصول متّحد مع العلم؛

والثّاني، أنّ نفس الأمارة والأصول متّحدة أيضآ مع العلم، وهما يبيّن بعد التنبّه بالأمور الآتية :

الأوّل منها، أنّ الحكم الظاهري لا يكون شيئآ غير الحكم الواقعي الذي متّخذ من الحجّة، ولا يكون الحكمان إلّا من جهة الاعتبار، فالفرق يكون في جهة اعتبارهما. هذا على مسلک التحقيق من المخطّئة عند الشيعة.

والتصويب بجميع أقسامه محال، والممكن الثبوتي باطل، ويكون بلا دليل إثباتآ؛ سواء كان التصويب الأشعري الذي لا يكون في الواقع شيئآ غير المؤدّى أو التصويب المعتزلي الذي يكون في الواقع شيئآ من الحكم، ولكن عند الأمارة تحدث مصلحة غالبة في متعلّق الواقع أو التصويب الإمامي الذي يكون سلوكآ إلى الواقع فقط بلا عارض من مصوّبتي الأشعري والمعتزلي.

والأمر الثّاني في مرتبة العلم والحجّة بالنسبة إلى الواقع. وهو أنّ العلم بالواقع متأخّر عن الواقع، وإحراز الحجّة متأخّر عن الواقع أيضآ، كما أنّ احراز الحجّة متأخّر عن الحجّة أيضآ، فعلى هذا لا يوجد في الواقع موسّعآ أو مضيّقآ.

أما الثّالث من هذه الأمور أنّ الأمارة تكون في مقام الإحراز، والطريقيّة تكون متوقّفة على العلم، فيكون في المال تبدّل الرأي تبدّلَ الإحراز، وهو يكون تبدّل الحجّة أيضآ، والحجّة أنّها تكون حجّةً في وعائها فقط وإذا كان في غير ظرفها فلا تكون حجّةً؛ لعدم الوجود لها في وعاء غيرها، فحال الطرق حال العلم، وحال متعلّق الطرق كحال متعلّم العلم أيضآ.

والأمر الرابع في الخطأ النفسي. وهذا مبنيّ على أن يكون اجتهاد الفقيه من الحجّة، وإلّا لو كان الاستنباط من عند نفسه بالتمايل والاستحسان والخطأ في الرأي من جهة المقدّمات المخدوشة لم يكن حجّةً من الأصل، وهو في الواقع لا يكون تبدّل الاجتهاد والرأي، بل يكون ظهور بطلان الاجتهاد الأوّل، والاستنباط حجّة إذا كان من اصوله و معتمده الدليل والحجّة لا استنباط من عند نفسه وباستحساناته، وإلّا لا يكون حجّةً أصلا ولا يكون معذِّرآ أيضآ. هذا تمام الكلام في هذا البحث من جهة الأمر الشرعي.

أمّا الاقتضاء في الإجزاء من جهة الامر الظاهري العقلي أيضآ يكون كذلک، ولا يكون مقتضيآ أيضآ، لأنّ الأمور العقليّة الغير المستقلّة يكون من الظّنون الاجتهاديّة، وهو معذِّر عند عدم التقصير في المقدّمات، وإلّا ـ مضافآ على أنّه لا يوصف بالحجّة ـ فلا يكون معذِّرآ أيضآ عند التبدّل، وأمّا عند عدم التبدّل فليشتبه الأمر عند الخاطيء.

السّنبوک الثّامن :

تخصيص العام وتقييد المطلق

واعلم أنّ تخصيص العام وتقييد المطلق لا يوجبان المجازيّةَ مطلقآ؛ لأنّ حكم العموم والاطلاق من حيث الشمول مختلف، ومع فرض صدق الشمول عليها لا فرق بين السعة والضيق النسبي بين المراد قطّ، والبحث في هذا الأمر زيادةً على هذا المقدار بعد تصوّر معنى العام والمطلق صحيحآ لغو.

فعلى هذا، بعد التخصيص في العام والتقييد في المطلق لا ينبغي التوهّم في حجّيّة العام والمطلق في الباقي؛ لأنّ الحجيّةَ مترتّبة على عدم المجازيّة.

أمّا أقسام التخصيص والمخصّصات بالمعيار الكلّي كثيرة جدّآ؛ لأنّ الإجمال في المخصّص إمّا أن يكون مفهومآ أو مصداقآ، ولكلّ واحد منهما أقسام كثيرة.

وإجمال المفهوم يكون تارةً من باب التباين، وأخرى من باب الأقلّ والأكثر، وعلى كلا التقديرين فتارةً يكون المخصّص متّصلا، وأخرى منفصلا، وفي المجمل المصداقي أيضآ كذلک من جهة الأقسام، وإن كان الأحكام في البابين في كثير من الجهات مختلفةً، فالبحث في بابين: الأوّل، الإجمال المفهومي، والثّاني الإجمال المصداقي مع أحكامهما تمامآ.

أمّا في المخصّص المتّصل، فالعام يسقط عن الحجّية في موارد الإجمال مطلقآ؛ سواء كان العام والخاص متباينين أو كانا بين الأقلّ والأكثر؛ لسراية إجمال المخصّص إلى العام وعدم انعقاد الظهور له؛ لاختفائه بالمخصّص المجمل، ولا تكون له دلالة تصديقيّة.

وأمّا إن كان المخصّص منفصلا في الأقلّ والأكثر فلا يسرى إجماله إلى العام أصلا، وفي المتباينين يسقط العام عن الحجيّة مطلقآ؛ لأنّ العامّ ـ وإن كان له العموم أيضآ بعد التخصيص بالمنفصل المتباين ـ إلّا أنّ العلم بالتخصيص يبدّل الأمر له، ومع الشکّ في التخصيص يكون العام حاكمآ.

وأمّا إذا كان الإجمال بحسب المصداق، فلا كلام في عدم جواز التمسّک بالعامّ في صورة الاتّصال، والعلم بالتخصيص لعدم انعقاد الظهور للكلام إلّا في الخاصّ. وفي المنفصل خلاف. والحقّ أنّ الحجيّة أيضآ لا يكون ثابتآ في المقام؛ لأنّ الخاصّ وإن لم يكن دليلا في الفرد المشتبه إلّا أنّه يوجب اختصاص الحجيّة في العام في غير عنوانه من الأفراد؛ لأنّ المصداق المشتبه وإن كان من أفراد العامّ إلّا أنّه لم يعلم أنّه من مصاديق الحجّة أيضآ أم لا، فلا فرق في المتّصل والمنفصل في عدم الحجّية في المقام، وإن كانا من جهة الشمول البدوي مختلفين، ولا يقاس المقام بالأصول العمليّة في موارد الشبهة؛ لأنّه في الأصول العمليّة مجعولة في فرض عدم الوصول واليأس عن الواقع؛ بخلاف المقام الذي يكون بصدد الإجزاء. فلا يثبت جواز التمسّک بالعام في الشبهة المصداقيّة في الموضع الذي لا يكون فيه أصل للعامّ أو الخاصّ، وإلّا يتمسّک بالعام ولو كان الأصل عدمآ للعدم الأزلي.

مفاد كلام الآخوند في الايقاظ هو أنّ المخصّص المنفصل أو المتّصل بالاستثناء لم يوجبا تعنون العامّ بالعنوان الخاصّ، فبالشکّ في فرد وباستصحاب عدم النسبة له من جهة الخاصّ يخرج عن تحت الخاصّ، وتبقى مندرجآ تحت العامّ، ويترتّب عليه حكمه كما في المرأة القريشيّة، ولكنّ التحقيق يحكم في المقام بأنّ العدم الأزلي لا يوجد نسبةً أصلا؛ لأنّ العام بعد التخصيص بأي مخصّص كان، يتنوّع بعد التنويع في المسلوب ـ ولو كان عدميّآ ـ ويحتاج إلى الموضوع، ولا فرق من هذه الجهة بينه وبين الواجب. وفي العدم الأزلي لا يمكن أن يتحقّق الموضوع بلا كلام في بيان ذلک.

أنّ العدم الأزلي يمكن أن يتصوّر ثبوتآ على ثلاثة أقسام: العدم المحمولي أو النعتي أو ليس الناقصة، والأوّل مثل زيد لم يكن أو قيام زيد لم يكن أو ليس زيد، وليس قيام زيد، وكانت النسبة بينهما في الأوّل لم يكن، وليست النسبة بينهما في الثّاني، وهذا النوع من الاستصحاب ممكن، كان له أثر التحقيق شرائط الاستصحاب.

والثّانى، العدم بنحو كان الناقصة، وهذا هو العدم النعتي أو القضيّة المعدولة المحمول كما تقول: «كان زيد غير قائم» أو «لا قائم» ولا يمكن هذا النوع من الاستصحاب لعدم وجود الموضوع، والنعت يحتاج إلى المنعوت، وفي الفرض لا يكون منعوتآ في السّابق.

والثّالث، أن يستصحب العدم من الأزل بنحو مفاد ليس الناقصة كما تقول: «لم يكن زيد قائمآ» أو «ليس زيد قائمآ»، وهو السلب بانتفاء الموضوع، وهو محلّ الكلام في الأصول في العدم الأزلى، والمشهور قائل بالجواز، وفي الجواز إشكال من جهة عدم وجود الموضوع فيه كما في العدم النعتي، والإشكال بارتفاع النقيضين من جانب المجوّز ليس بشيء؛ لأنّ الارتفاع في غير المرتبة جائز بلا كلام، فالفرق بين السلب التامّ والناقص واضح؛ لأنّ الأوّل لا يحتاج إلى موضوع، والثّاني كما في النعتي والمعدولة المحمول يحتاج إلى الموضوع، ولا فرق في الأمر من جهة تفصيل الآخوند وغير ذلک أصلا.

والختام في التمسّک بالعام أنّه لا يصلح في تحقّق موضوعيّة الموضوع أو رجحانه وسائر شرايطه وأجزائه؛ لأنّ العمومات كبريات لأحكام الموضوعات، ولا تكون محقّقآ ومشرّعآ لموضوعات الأحكام أيضآ بلا كلام، ولا يحتاج إلى التطويل في البيان كما في الكفاية، ومسألة النذر للحجّ والصوم في السفر لا يرتبط بالمقام أصلا، كما توهّمه الآخوند.

وكذلک لا يمكن التمسّک بالعموم في مورد الشکّ في التخصيص أو التخصّص؛ لأنّ العموم يتمسّک به في الشک للمراد فقط، وبعد تحقّق المراد ومعلوميّة الأمر لا يمكن التمسّک به لأمر آخر؛ لأنّ دليل التمسّک في المقام لبّي ولازمه التمسّک بالقدر المتيقّن للشکّ في المراد، وما زاد على هذا محتاج إلى الدليل، ولا دليل في البين.

السّنبوک التّاسع :

الأصول العمليّة وأقسامها

الآن تتبيّن الأصول العمليّة وأدلّتها بالإجمال؛ المسألة الأصوليّة هى ما يمكن أن تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الفرعي.

والمسائل الأصولية على أقسام: الأوّل ما يكون نتيجته القطع الوجداني بالحكم الشرعي، وهو مباحث الاستلزامات عقليّة، وهي مباحث العقليّة لا لفظيّة كما كان دأب القدماء من الأصوليّين.

القسم الثاني ما يكون نتيجته التعبّد؛ صغرويّآ كان أو كبرويآ، كمباحث الألفاظ والحجّة الشرعيّة.

أمّا القسم الثالث هو ما يبحث فيه عن القواعد المتكفّلة لبيان الأحكام الظاهريّة في موضع الشکّ بالحكم الواقعي، وهذه القواعد تسمّى بالأصول العمليّة الشرعيّة، ويعبّر عن الدليل الدالّ على هذا الحكم الظاهري ب «الدليل الفقاهتي»، كما عبّر عن الدليل الدالّ على الحكم الواقعي ب «الدليل الاجتهادي».

والتفاوت بين الحكم الواقعي والظاهري رتبي؛ لأنّ الأوّل لا ينوط بالشکّ، والثّاني معنون بالشکّ، ومجهول في ظرف الشکّ، ولا فرق بينهما غير ذلک شيئآ.

القسم الرّابع هو الأصول العمليّة العقليّة التي متكفّلة لتعيين الوظيفة الفعليّة عقلا عند العجز عن جميع ما تقدّم من الأقسام الثّلاثة.

فجميع أقسام مباحث الأصول العمليّة على أقسام أربعة من القطع الوجداني، والتعبّد الشرعي والأحكام الظاهرية في موضع الشک، والأصول العمليّة العقليّة التي تعيّن الوظيفة الفعليّة عقلا عند العجز عن الجميع.

ومباحث الأصول العمليّة التي هي المرجع عند الشکّ منحصرة في أربعة. وهي البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب؛ لأنّ الشکّ إمّا أن تكون له حالة سابقة، وهو مورد الاستصحاب أو لا، والثّاني إن كان الشکّ في أصل التكليف كان مجرى البرائة، وإن كان الشکّ في المكلّف به مع العلم بأصل التكليف وأمكن الاحتياط فهو مجرى الاشتغال، وإن لم يكن كما في المحذورين فهو مورد قاعدة التخيير. فالأصول تمامآ يكون في مقامين: الشک في الحكم الواقعي مع حالة سابقة أو بدونها، والثّاني أيضآ يكون في بابين: الأوّل، الشکّ في التكليف، والثّاني في المكلّف به، وكلاهما إمّا أن يكون الاحتياط فيهما ممكنآ أم لا. الأوّل يكون مورد الاستصحاب، والثّاني مجرى البراءة، والثّالث الاحتياط، ويجرى في الرابع التخيير.

الاحتياط والتخيير يكونان في مورد العلم بأصل التكليف، والاستصحاب يكون في مورد الشکّ في التكليف أو المكلّف به.

والمراد من الشکّ في موضوع الأصول لا يكون الشکّ الاصطلاحي، بل المراد مطلق الشکّ أي خلاف اليقين، والفرق بين الأصول والأمارة واضح لأدنى تأمّل؛ لأنّ الأمارة كاشفة عن الواقع، والأصول أحكام ظاهريّة في مقام الشکّ، ومع الأمارة ينتفى الشکّ أو لا يعتنى به؛ لأنّ موضوعه الشک.

وعلى هذا فالأصول أربعة: واحدة منها في جانب، وهي الاستصحاب، وثلاثة منها في جانب أخرى، وهي البراءة والتخيير والاشتغال. فالأمر في الاستصحاب منحاز من الأصول الأخر؛ لأنّ الشکّ في هذه الثلاثة لا يكون مع حالة سابقة.

والشکّ في البراءة إمّا تحريميّة أو وجوبيّة، وكلّ منها إمّا حكميّة أو موضوعيّة، ولا فرق في جهة المناط الكلّي، فالمسائل في البراءة أربعة: وجوبيّة أو تحريميّة، حكميّة أو موضوعيّة، فبيان الشيخ بالتفصيل أنسب.

والبحث في التخيير أيضآ في مسألتين: الشکّ في الوجوب والحرمة من حيث الدليل، فالشبهة تكون إذن حكميّة، وإما من حيث الترديد في الأمور الخارجيّة، فالشبهة تكون موضوعيّة.

والأمر في أصالة الاشتغال أيضآ تكون في بابين؛ لأنّه لو شکّ في المكلّف به مع العلم بالتكليف من الايجاب أو التحريم، فيكون تارةً لتردّده بين المتباينين، وأخرى بين الأقلّ والأكثر، ارتباطيّين كانتا أم غيرهما، وإن كان الأمر في الثّانى سهل؛ فالأمر في المتباينين كما في البراءة من الكلام من الشيخ والآخوند، وما قلنا في هذا المقام، وإلّا فرق من حيث الشبهة المحصورة وغيرها وسائر الأبحاث أيضآ.

أمّا دليل الحكم في الأصول الأربعة، ففي البراءة الأمر سهل، والمهمّ دفع ايرادين من الأخباريين في النزاع المعروف بين الأصولي و الأخباري في البراءة، وهو يكون في الصغرى من تماميّة البيان من قِبل الشرع وعدمها، وفي الكبرى ـ وهي عدم استحقاق العقاب مع عدم الوصول ـ مسلمّة عند الجميع، ولا يمكن أن يقع فيه النزاع بشهادة العقل والشرع.

فالأمر في البراءة يكون في تماميّة البيان وعدمها. الأخباري يدّعي تماميّة البيان من جانب العقل والشرع من حيث العلم الإجمالي، والأخبار الكثيرة في الباب، والأصولي ينكر هذه التماميّة في البيان من جانب الشرع والعقل.

فعلى هذا يضطرّ الأصولي إلى أن يدفع الأمرين المدّعيين من جانب الأخباري؛ أي: العلم الإجمالي والأخبار التي يتوهّم الأخباري أنّها دليل على الاحتياط كما يكون كذلک جدّآ، وبيان الأخباري مع علوّ شأنه قاصر من أساس؛ لأنّ العلم الإجمالي ينحلّ بما عثرنا عليه من الأحكام التي دلّت عليها الأخبار مع كثرتها، وتكون للإرشاد إلى حكم العقل لتحصيل المُؤمّن، فتكون ناظرةً إلى الشبهة قبل الفحص وقبل الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي.

فالبحث في البرائة بعد دفع هذين الايرادين سهل، ولكنّ الأصوليين يستدلّون للبراءة بالأدلّة الأربعة من الكتاب والسنّة والعقل والإجماع. والمهمّ من الأدلّة السنّة؛ لأنّ الإجماع لا يثمر في المقام مع الاختلاف الكثير، ومع اثباته واحرازه. والعقل لا يأتي إليه، والكتاب فيه مجمل، فلا يبقى في البين إلّا السّنة المرويّة من جانب الشرع، وهي كافية في اثبات البراءة، ولا يبقى في المقام أمر إلّا التفصيل في الباب، ولسنا في مقام بيانه الآن.

والأصل الثّاني من الأصول الأربعة هو الاستصحاب. وقد يستدل له بالأدلّة العقليّة والنقليّة أيضآ، ولكنّ العمدة في الباب الأخبار المستفيضة؛ لأنّ الإجماع مخدوش من أساس ودليل العقل ـ وإن كان له وجه في ظاهر من الأمر ـ إلّا أنّه لا يخلو من النقوض والإبهام، مضافآ على أنّ المستند في الأحكام الشرعيّة يكون فوق هذا المقدار.

فالعمدة في الباب الأخبار المستفيضة في المعنى التي يفهم منها حجّية الاستصحاب في الأحكام مطلقآ ـ كليّةً كانت أو جزئيّةً، مصداقيّةً كانت أو حكميّة ـ في المقتضي والمانع تمامآ، و البحث أصولي ومفاده شرعي، ولو كان المناط والجهة في بعض هذه الأخبار مختلفآ، ولكنّ المآل فيها واحد.

والاصل الثّالث دوران الأمر بين المحذورين، والمورد للدوران هو الوجوب والحرمة فقط، وهذا هو عنوان الباب.

وفي هذا الباب أقوال شتّى من ترجيح جانب الحرمة أو التخيير شرعآ أو عقلا وغير ذلک من الأقوال.

والحقّ جريان البراءة شرعآ وعقلا لعموميّة دليلها وجريان الأصول النّافية في موردهما عقلا وشرعآ مطلقآ لوجود مناطها فيه بحكم العقل بالقبح في مورد لا يصدق فيه البيان وعموم النقل وإطلاقه حتّى في مورده، فلا يكون مناط الترجيح أو التخيير في هذا الباب موجودآ.

والعلم الإجمالي في هذا الباب كالشکّ البدوي لا باعثيّة له، ولا بيان في موردهما من جهة المشي العملي، ولا تمكن الموافقة القطعيّة كالمخالفة القطعيّة، والمخالفة الإجماليّة لا مناص عنها أصلا، ولا محذور في ارتكابها.

والأصل الرّابع، هو الاشتغال، وميزان الشکّ فيه هو علم المكلّف بأصل التكليف، وتردّده في متعلّقه في ما زاد من الواحد، وأمكن الاحتياط فيه، وبالتقريب ما يقال في ميزانه الشکّ في السقوط، كما في ميزان التكليف يقال الشکّ في الثبوت.

لا بحث في مورد العلم الوجداني بالتكليف الفعلي في وجوب الموافقة وحرمة المخالفة لأجل لزوم اجتماع النقيضين في الإرادة أو لغير ذلک. ومورد هذا البحث القطع، والعمدة في الباب العلم بالحرمة أو الوجوب لشمول الإطلاق والعموم من جانب الدليل على المورد المردّد فيه، هل يمكن الترخيص فيه بأدلّة الأصول أم لا؟ وهذا هو الذي ينبغي أن يبحث عنه في المقام، وكذلک في المتباينين.

فالبحث في المكلّف به في جهة قيام حجّة من الإطلاق والعموم بلا علم وجداني في المقام هل يقيّد هذا الإطلاق أو العموم بالأصول أم لا؟ ويقال في المقام ملخّصآ: أنّ الترخيص في العلم الإجمالى لا يوجب تقييدآ في الأدلّة الواقعيّة أصلا بل التفويت لغرض أهمّ مع فعليّة الواقع، وكمال مطلوبيتها كما في موارد والأمارات والشكوک البدوية بلا خلط في خصيصة الموارد والمقامات.

فبعد هذا يكون البحث في مقامين: إمكان الترخيص ثبوتآ ووقوعه إثباتآ. إمّا في المقام الأوّل فيقال: العلم بالحجّة ضروري في نظر العقل بلا فرق في الإجمال والتفصيل، ولكن لا مانع للشارع من جعل الترخيص ولزوم الاتباع ليس مانعآ من جعل الترخيص؛ لأنّ الترخيص في المخالفة لا يكون ترخيصآ في المعصية لعدم العلم بالواقع والحكم كما كان كذلک في العلم الوجداني، وممتنع لا قبيح فقط لعدم أمانه ذاتآ. وعمدة مناط الترخيص أو عدمه في مقام الإثبات روايات الباب، ولكن دون إثباته خرط القتاد، ولزوم الاحتياط متّبع جدّآ. هذا بالنسبة إلى الأصول الأربعة الكلّيه، وتفصيل البحث وتنبيهاته في مقامها.

شناسنامه:

سرشناسه : ، ‏
‏عنوان و نام پديدآور :
‏مشخصات نشر : اسلام شهر: ‏
‏مشخصات ظاهری :
‏شابک :
‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا
‏يادداشت :
‏موضوع : اصول فقه شیعه ‏
‏رده بندی کنگره :
‏رده بندی دیویی :
‏شماره کتابشناسی ملی :

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V