صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

الثورة الإسلامية: التحديات والمقاربات

نشر في آذر 13, 1404 في

الثورة الإسلامية: التحديات والمقاربات

المعلومات التعريفية:

المرجع:
، (مواليد 1948)
العنوان والمؤلف: الثورة الإسلامية؛ التحديات والمقاربات /
مكان ودار النشر: طهران: ، 2014
الصفات: 72 صفحة؛ 9.5×19 سم
رقم الكتاب المعياري الدولي (شابك): 978-600-7347-57-7
الحالة: الطبعة الثانية
ملاحظة: الطبعة السابقة بعنوان “ظهور الشفق”، 2007
الموضوع: إيران – التاريخ – الجمهورية الإسلامية، 1979- – مقالات وخطابات
الموضوع: إيران – السياسة والحكم – 1979- – مقالات وخطابات
تصنيف الكونغرس: DSR1570/N8 A8 2014
تصنيف ديوي: 955.084
رقم الفهرس الوطني: 3703726

المقدمة

إن إدراك الأضرار التي تواجه الثورة الإسلامية الكبرى في إيران من الضرورات التي تستدعي تركيز أذهان الباحثين والنظريين والمهتمين بالنظام الإسلامي. يتضمن هذا العمل سبع مقالات تتناول أهم التحديات وتطرح سبل الخروج من هذا المسار الصعب.

ومن أبرز التحديات التي تواجه نظام الجمهورية الإسلامية، هي التزييفات التي تُروّج باسم الدين للجماهير، أو بعبارة أخرى، نقص الفهم الصحيح والمنهجي للدين والشريعة. والتحدي الثاني هو عدم وجود نموذج صحيح لتطبيق التعاليم الدينية والاكتشافات الشرعية.

فهم المنطق الصحيح لاستيعاب الدين وتربية منظّر ديني شامل يعد من الأولويات الضرورية لتجاوز الأزمة الراهنة، وتناقش المقالة الأولى هذه الضرورة ومراحلها، والمعوقات التي تعترضها، وطرق الخروج من هذه المشكلات.

تُوضح المقالة الثانية قانون الطبيعة “لكل فعل رد فعل”، وتؤكد أن الطبيعة الواعية في هذا العالم تعاقب الفاعل على أفعاله.

المقالة الثالثة تناقش التجارة المربحة والمليئة بالفوائد، وتبيّن خصائص الجماعات الاجتماعية والسياسية في نطاق الإسلام، مثل القاسطين، المارقين، الناكثين، والمجاهدين، وتؤكد وجود حرية التعبير في حكم أمير المؤمنين وضرورة ذلك في المجتمع الإسلامي.

تتطرق المقالة الرابعة إلى بعض المشاكل التي تواجه الحكومة والشعب، متناولة التبرير وتأويل الحقائق في مجال الفكر، والنفاق والتزييف في مجال العمل.

المقالة الخامسة تشدد على ضرورة اكتشاف طرق سهلة وواضحة.

المقالة السادسة تقدم مثالين عن اختلافات في فهم الفقيه والحكيم للموضوع والحكم.

وأخيراً، تناقش المقالة السابعة سير نزول وصعود الظواهر وهداية الحق في هذا المسار.

والحمد لله رب العالمين.

مقترح لكفاءة المجتمع الديني

إن ما يسبب التحديات اليوم في المجتمع الديني هو فهمنا للدين وغياب أدوات تطبيقه، وهذا ما يسبب أزمة في واقع المجتمع. من الواضح أن الدين الصامت والمهمل لا يستطيع إدارة شؤون العيش والمعنويات، وبالتالي هناك نقطتان أساسيتان:

  1. مشكلة الفهم الديني تحول دون التوصل إلى فهم صحيح للدين، الذي يمكن بناء نظام ديني جديد على أساسه، لإدارته بشكل منظم في مجالات السياسة، الثقافة، الاقتصاد، والروحانيات.
  2. هناك فجوة بين الفكر والعمل، لأن القيم الدينية والمبادئ لا تتحقق عملياً في المجتمع، ويجب ملء هذه الفجوة من خلال مقاربات ونماذج متكاملة يقدمها المختصون والمتخصصون في الدين، ليُحكم النظام الديني وتُقاد الدولة الإسلامية بالشراكة مع الباحثين والخبراء.

نظرًا لأن الثورة في إيران كانت ذات طابع أيديولوجي وعقيدي ديني في المقام الأول، فإن أهم عامل للحفاظ عليها هو وجود منظّر ديني قادر عبر الزمن على فهم الدين بعمق ووضوح. ولا يمكن لأي شخص أن يبدع في نظرية دينية دون إدراك موضوعي وعيني لقضايا ومظاهر المجتمعات.

لذلك، يجب إعداد منظّرين قادرين على نقل الحقائق الدينية وفقًا لتطورات الثقافة والحضارة إلى حياة الفرد والمجتمع، وهذا من مهام المؤسسات الدينية التي يجب تنظيم نشاطاتها نظامياً. ومن ثم فإن الهدف الأهم للنظام الديني هو تربية منظّري الدين، وهذا ممكن بإذن الله عبر اختيار علماء دين شاملين وتقدير آرائهم وتنظيم العمل الديني بناءً عليها.

مشكلات النظام الديني

الدين ليس مهملًا، وهو قادر على هداية الإنسان والمجتمع إلى السلامة والسعادة. أما الشك الوحيد فهو الاعتقاد بأن الإنسان بالعقل يمكنه بناء حياته بدون دين، كما في المجتمعات الحرة، لكن هل وجدوا طريقاً يتجاوز الراحة والسكينة والروحانية؟ لا.

ومع ذلك، قد تتعرض جميع أوامر الدين للنقد. لذا، يجب إثبات أن الدين كامل وثابت وواضح، وأنه نظام رياضي تربوي شامل لإدارة الفرد والمجتمع، ولا يمكن قبول النظريات المجردة غير التطبيقية.

ولو افترضنا قبول الإسلام كدين كامل، يبقى السؤال: لماذا لم يتمكن الحكم الإسلامي حتى الآن من تلبية حاجات المجتمع وخاصة الفئات الضعيفة والداعمة له؟ يجب أن تكون الإجابة متأنية، فالمشاكل ترجع أساساً إلى المعرفة الدينية والذهنية الحوزوية، لأن المشكلات العملية تتولد من ضعف الفهم الديني لدى العلماء والنخبة.

مشكلات فهم الدين

المشاكل العملية في الدين ترتبط بقضايا المعرفة الدينية وتصوّرها، وعدم وجود تعريف علمي إسلامي دقيق، وتعدد الآراء غير المدعومة بالأدلة، فضلاً عن قلة الفتاوى في القضايا الاجتماعية التي غالباً ما تكون غير قابلة للتطبيق، إضافة إلى المشكلات التنفيذية المرتبطة بالزمان والمكان والبيئة، مما يفتح المجال لمن يستغلون الوضع.

المشكلة المنطقية أو المنهجية

ترجع كل مشاكل فهم الدين إلى منطق الدين، إذ لم تُعرّف المعايير والأحكام التنفيذية بشكل واضح. يجب تحديد معيار صحة أو خطأ الأحكام، وإذا أردنا تعديل الفهم الديني اليوم، فلا بد من تعريف مقياس ذلك حسب الإسلام. إذن، يجب التأكيد أن منطق الإسلام هو التوحيد، وأن جوهره وعقيدته تعود إلى التوحيد، ولا يمكن تعريف أو تنفيذ شيء إلا إذا كان الفكر والمجتمع توحيديًا.

لكن الإيمان العام بالتوحيد لا يكفي، بل يجب متابعة كل العقائد بوضوح وشفافية، وهذا ما لم يتوفر بعد بشكل كاف في مجتمعنا.

فيما يتعلق بمشكلات الثورة وما تبعها من تصاعد في القضايا المطروحة والتي لم تُنفَّذ بالشكل اللائق والمناسب، يجب القول إنّ النظام يجب أن يكون دينيًا إلهيًا وليس نظامًا دينيًا حكوميًا؛ لأن الدين الحكومي لا يشعر بالألم، ولا يتحمّل مسؤولية حلّ مشاكل المجتمع والناس، ولا يسعى لازدهار المجتمع روحيًا وقيميًا وعلميًا. أما الدولة والنظام الديني، فإنهما ينبعان من حرارة الإيمان بالمسلمين والمسؤولية والالتزام الديني، فلا يغفلان لحظة عن تنفيذ ذلك، وبما أنهما يعتبران أنفسهما مسؤولين أمام الخالق، يعملان بصدق واجتهاد، ويحثان الآخرين على ذلك ويراقبانهم. وإذا ما عمل كل مسؤول في نطاق عمله باتباع الدولة الدينية على أساس مبادئ الشرع المقدس، فإن الجهاز الإداري للمجتمع يمكن أن يوجه المجتمع نحو المعايير الإسلامية ويحقق الأهداف المتوافقة مع أبعاد الإنسان الوجودية.

لذا، يجب في المقام الأول أن يرسم علماء الدين المهرة والمخلصون خطة هندسية ومعمارية واضحة وعملية لنظام ديني، ويوظفوا الأشخاص المؤهلين لبنائه، ومن ثم يضمنوا استمراريته بالمراقبة الدقيقة، والحفاظ على التوازن، وتجنب الغلو أو التفريط، ويكفلوا صحته وسلامته من خلال امتحانات مستمرة، ويمنعوا الانحرافات بحكمة ووعي للمواقف في الوقت المناسب. وهناك ثلاث نقاط هامة ينبغي الانتباه إليها:

أولًا ـ يجب أن يتحلّى علماء الدين بالشجاعة والجرأة لتنفيذ المبادئ الدينية، وألا يخافوا من اللوم أو الانتقاد، خصوصًا في ظل التقدم التكنولوجي، وأن يطبقوا ما أوصت به الشريعة من الله والرسول وكلام الوحي.

ثانيًا ـ يجب على القائمين على الشؤون الدينية وعلماء الدين في المجتمع أن يعتنوا بالجيل وتنظيم النسل، وأن يهيئوا صناعة إصلاح الأجيال لكي تقلّ المشاكل في المستقبل لا أن تزيد. (يجب أن تشمل الإصلاحات جميع الجوانب الجسدية والعلمية والأخلاقية والروحية والنفسية…).

ثالثًا ـ يجب أن تُطبق كل هذه الأسس بالتنسيق التام والانسجام في الأداء.

فيما يخصّ الحكومة الدينية بشكل جزئي وليس كلي، وأسباب فشلها خلال عشرين عامًا من الثورة، وكذلك كيفية إقامة حكومة دينية ناجحة وفعّالة، هناك عدة تساؤلات تتطلب شرحًا مفصلًا، نذكرها باختصار:

بما أن أساس الحكومة الدينية ينبع من دينٍ مصداقي حقيقي وواقعي، يجب أن يُوضّح في البداية ما هو حقيقة الدين ملموسًا، وكيف يتم التعرف المفهومي والمصداقي عليه؟ هل هناك أصلاً شيء اسمه الدين، وإذا كان موجودًا، كيف تتمثل فاعليته في حياة الإنسان؟ وكيف يمكن للدين أن يوفّر لجميع جوانب حياة الإنسان المعاصرة بشكل كامل؟ فعلاً، في آلاف السنين الماضية من عمر الإنسان، ما هي فعالية الدين؟ وما هي نقاط ضعفه؟ ولماذا لم يتمكن من توفير الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والروحية للناس؟ وإذا تمكّن، فما هي الأدلة التاريخية والمجتمعية على ذلك؟

هل المشكلة في الدين نفسه أم في علماء الدين النظريين أو في الناس الذين لم يستطيعوا تطبيق الدين عمليًا؟ ويمكن القول إن هذه العوامل وغيرها ساهمت في الفشل.

للنقاش بشكل أكثر واقعية، يمكننا أن نأخذ مثال الثورة الإيرانية التي بدأت بدعوى الدين وحقًّا تم تحقيق هذا الواقع في مجتمعنا، فلماذا لم تتمكن من النجاح وإدارة شؤون الناس بأفضل صورة؟ رغم الإنجازات الواضحة، إلا إذا كان هناك قصد عداوة وحقد.

ما هي مشاكل هذه الثورة التي أدّت إلى إنكار كفاءتها؟ هل المشكلة في الدين الذي بنيت عليه الثورة؟ هل المشكلة في الحكومة بسبب فهم خاطئ للدين؟ هل بسبب غياب علماء الدين النظريين أو ضعف الفهم السياسي للإدارة؟ أم أن عوامل الفساد والآفات التي ترسخت عبر القرون لعبت دورًا في ذلك؟

السؤال الآن: كيف يجب أن تُصمّم حكومة دينية ناجحة وفعالة وقابلة للتطبيق لتتمكن من إدارة الحكم بقوة في عالم اليوم الذي تُدار فيه الحكومات على أسس عقائدية وفكرية، وفي ظل تنافس شديد، وتقدّم متسارع في الصناعة والتكنولوجيا، وعصر المعلومات والاتصالات؟ كيف يمكن إقامة حكومة دينية تتفوق على منافسيها، وتتمتع بقبول شعبي واسع، وقابلة للتطبيق، وتضمن معيشة الدنيا والآخرة للناس معًا؟

بالتأكيد، هذه الحكومة تحتاج إلى أدوات كثيرة، وعلى رأسها علماء دين حقيقيون قادرون على استخلاص الدين من ذاته، لا من أهوائهم أو تفكيرهم الشخصي، وينبغي لهؤلاء الإيديولوجيون الروحيون أن يتبادلوا الأفكار للوصول إلى نظرية شاملة وعملية، ثم يخططوا لها جيدًا وينفذوها تدريجيًا، ثم يختبروا فعاليتها، وبعد التأكد، يطبقوها مجتمعيًا بشكل تدريجي بحسب الأحكام والتعليمات الضرورية.

هذا المشروع يحتاج إلى معلومات ومتطلبات كثيرة يجب معالجتها في مكانها وبشكل خاص.

بالتأكيد، إنّ ما هو موجودٌ أيضاً يُؤخَذُ على عاتقه، وعلى أساس ما هو موجودٌ يُرسى ما يجب أن يكون، لذا فإنّ الاطّلاع على هذه المجالات أمرٌ مهمٌّ وضروريٌّ.

النّقطة الثّالثة هي أنّه لا ينبغي لنا، مع معرفتنا بهذه المواضيع والافتراضات الذّهنيّة والعمليّات، أن نتوجّه إلى الدّين على أساس ما هو موجود فقط؛ لأنّ تعاريف الدّين وتوضيحاتُه حول الظّواهر الخلقيّة وأهداف الخلق ومسار الاجتماع والأفراد تختلف عن الواقع الموجود اليوم أو في أيّ يومٍ في العالم. وبناءً على ذلك، فإنّ السياسة والاقتصاد والثقافة الإنسانيّة، والنّفس، ومصدر ومقصد الخلق، والعديد من المواضيع المختلفة التي تُطرح اليوم، سواء من حيث التّعريف والوصف، أو من حيث المسار والسلوك، أو من حيث الهدف والمقصد، جميعها تختلف وتختلف اختلافًا جوهريًّا عن ما يُطرَح ويُبيَّن في الدّين. وفي مرحلة التّنفيذ أيضاً، توجد قواعد وتنظيمات تميّز طريقة تنفيذ هذه النّظريات الدّينيّة عن طرق تنفيذ النّظريات غير الدّينيّة؛ مثلًا، موضوع النيّة والقُربة مهمٌّ جدًا في تنفيذ النّظريات الدّينيّة، وهو أمر قد لا يتوفّر في المدارس الأخرى بشكل قانونيّ، ولذا ينبغي أن نكون حسّاسين ودقيقين في الفهم والعمل تجاه جميع هذه الأمور.

وبالنّسبة للسّؤال الرّابع، يجب القول إنّ إحدى مشاكل فهم الدّين وتنفيذ النّظريات الدّينيّة هي الافتراضات غير السّليمة التي قد تؤثّر سلبًا، لذا يجب علينا في فهم الدّين أن نتجنّب الافتراضات غير المستندة إلى أساس ومنزّهة عن الشّوائب غير المبرّرة وغير المنطقيّة، وأن نتعرّف على كلّ منها ونتجنّبها، وفي مجال التنفيذ أيضًا، يجب ألاّ نقع في الانحيازات السّياسيّة أو معارضة المدارس غير الدّينيّة.

وبناءً على ما تقدّم، فإنّ أهمّ مشكلة تواجه المجتمع الدّيني هي الوقوع في الشّوائب وعدم المنهجيّة في فهم الدّين، وفشل الوصول إلى الأهداف والمواضيع التي جلبها الدّين لإصلاح المجتمع، وأمّا في مجال التنفيذ، فهي عدم التّوصّل إلى حلول توفر بيئة مناسبة لتحقيق تلك النّظريات في المجتمع.

ومن الأمور المهمّة الأخرى التي يجب ذكرها كعقبة في هذا المجال، هي أن الأفراد في تنفيذ التعاليم الدّينيّة يتصرّفون وفق أهوائهم، ويقدّمون المصالح الشخصيّة على المصلحة العامّة، ولا يلتزمون بالنّظريات الدّينيّة، ويقاومونها بشكل كبير. ولهذا، بسبب عدم القبول الحقيقي، وعدم التطبيق، وعدم الرقابة بعد الإبلاغ، وعدم العقاب والمحاسبة، توجد العديد من المشاكل التي يجب أن يكون لها قوانين وأُسس تنفيذية محددة.

وبالنّسبة للسّؤال الخامس، فقد جرى، حتى اليوم، بشكل تقليدي وعبادي، إنجاز أعمال مهمّة في فهم الدّين والإيمان به وتنفيذه؛ وإن كان وجود العوائق وعدم الدقّة في النتائج قد حالا دون تقييم تلك الأعمال بشكل صحيح ومعرفة العوائق بوضوح.

وبالتالي، فإنّ هناك مشكلتين أساسيتين وكبيرتين في علاقة الدّين:

الأولى: عدم الفهم العملي والمنطقي والدّقيق للدّين؛

والثانية: عدم وجود نظام تنفيذي صحيح وكامل لتطبيق تعاليم الدّين الحق.

ومن الجدير بالذّكر أن المشكلة الأولى تعمّ جميع المجتمعات، وتشمل المجتمعات التي لا تدّعي الدّين رسميًّا، أمّا المشكلة الثانية فهي تظهر فقط في المجتمعات التي تحكم إدارة دينيّة وذات قاعدة شعبيّة دينيّة. ولهذا، تظهر هاتان المشكلتان بوضوح أكبر في مجتمعنا الإسلامي اليوم، الذي يتولّى أهله مسؤولية الدّين والتشيّع والحركة العلويّة، حاملين راية الحيدري الأحمر والأخضر، وينتظرون خاتمة الحيدريّة، ويطالبون بأكبر درجات تطبيق الدّين وإدارته.

ولتلك المشكلتين الجوهريّتين – التي تعتمد عليها حياة الدّين والدّينيين – يجب أوّلاً العمل على إزالة نقص فهم الدّين الأصيل والحيويّ بشكل عقلانيّ، ولا يُعقل أن نقول إنّ البشريّة، وخصوصًا المؤمنين والمتديّنين، لم يسعوا لفهم الدّين ومعرفته، ومن المؤكّد أنّ جهودًا عظيمة بُذلت، ومعاناة كثيرة جُهرت في هذا الطريق الطويل والصعب، لكن ما لا يُبرّر تلك الجهود هو الوضع غير المرغوب فيه للمجتمعات الدّينيّة من جوانب مختلفة، فرديّة واجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة وغيرها.

والسّؤال الآن: من أين تأتي هذه الفوضى الظّاهرة والتي لا يُمكن إنكارها؟

عند التأمّل في ذلك، يبدو أنّ المشكلة موجودة على نطاق واسع وجذري، وأنّ أصل المشكلة يعود إلى فهم الدّين كقاعدة أساسيّة لكلّ المشاكل والقضايا الدّينيّة، ومع صوتٍ عالٍ وواضح، يجب أن نقول للدّين – هذه الجوهرة الثّمينة واللؤلؤة الوحيدة في عالم الوجود -:

لقد مضى الوقت وانقضى العمر

ونحن لا نزال في بداية فهمك باقون

فما حدث حتى الآن في مجتمعنا الدّيني إما عدم وجود فهم للدّين، أو عدم معرفة صحيحة به، وإن وُجدت وجوه دينيّة وبيئات دينيّة بين النّاس، فإنّها كانت ناتجة عن الالتزام والتّصديق الجازم العام. لذا، يجب أولاً أن نتعرّف على الدّين، ونستوعب معناه ومحتواه، ويجب أن نعرف الدّين بشكل صحيح وكامل، ونعرض صورته بوضوح وشفافية، ثم نبحث عن منظور هذا الوجه الظاهر في كلّ ميادين حياة الإنسان.

أولًا، يجب أن نعرف ما هو الدّين وكيف هو، ثم نعي ما يقول وماذا يريد.

المبحث الثاني، وهو نتيجة انعكاس هذا النقاش، هو موضوع الثورة الإسلامية وثمرتها العملية وأداء قادتها؛ لأنّ هذه الثورة، منذ البداية وبشكل متكرّر، ادّعت النّموّ والتطوّر في مجال الدّين والمنطقة. فالثورة مولودة من الدّين، وأحد الآثار العلنيّة والعالميّة لرؤية الشريعة، والمسؤولون عنها كانوا دائمًا يؤكّدون ذلك. والآن، يُعاد طرح السّؤال: هل كانت الثورة ناجحة في تحقيق أهدافها في المجالات المختلفة، الفردية والاجتماعية والسياسية والمعيشية وحتى الدينية؟

بعبارة أخرى، نظرًا لأنّ الثورة إسلامية والدّين قد ظهر في صورة الثورة، هل استطاعت الثورة الإسلامية أن تقضي على الشواذ والفوضى في جميع المجالات، وإلى أيّ مدى كانت جهود العاملين في الثورة ناجحة في ذلك؟ وهل الثورة قادرة على تطبيق فهم الدّين؟ وهل الدّين قابل للتطبيق والاستفادة؟ أو بشكل أعمق، هل فهم الدّين كأساس شامل وثابت للثورة ممكن بالنسبة للبشر العاديين وليس المعصومين؟ وهل الدّين قابل للفهم البشريّ أم لا؟

وبهذا الشّرح يتّضح أنه إذا أردنا تتبع سلسلة المشاكل والتحديات إلى مصدرها، والتعرّف على السبب الرئيسي لكلّ المعضلات، فلا بدّ أن نوجه تأمّلنا ونقدنا نحو وجه الدّين، وأن نبدأ بدراسة الدّين.

لذا، يجب أن نعرف: من هو الشخص الدّيني، وكيف يكون فهم الدّين، والأهمّ من ذلك، ما العوامل والدوافع التي يحتاجها الفهم الصحيح للدّين ليتمّ.

لقد انتهى المجلس وانقضى العمر

ونحن لا نزال في بداية وصفك باقون

علّنا، أيها المجتمع الدّيني، وقدرة الثورة والحكّام الصّالحين، نوفق في تقديم ترجمة صحيحة وجديّة وواضحة للدّين العملي، الذي هو الحبّ والشّغف والهيام بتعاليم الإسلام الإلهية النقية، وأن نحيي الجسد الميت للبشر النائمين المؤمنين، بالالتزام والتّفكير والعلم والعمل، وبالتجسيد والحقائق الربوبية، وأن نرسم أولًا الأبجدية المتحركة الحيّة الواعية للدّين، ومن خلالها نضع كلّ كلمات الدّين قصيرةً وطويلةً كنموذج لأنفسنا وللآخرين، ونُجسّد رقصة التمرين ورقصة العشق في مجال الدّين، وأن ننهي جميع الأوهام من خلال تقديم حقيقة الدّين والإيمان والعمل الصادق. نأمل أن يأتي ذلك اليوم.

ولا يبتعدُ ذرةٌ عن هذا القانون، والسوقُ العمليُّ والعقابيُّ دائرٌ بلا توقف، ويتحققُ مشهدُ نتائجِ كلِّ فعلٍ وقيامٍ.

كما ورد في الحديث الشريف: «كما تدين تدان»؛ أي كما تعمل يُعامَلُ بكَ، ومن اليد التي تعطي بها تُردُّ إليكَ.

إن الطبيعة الفاعلة، رغم جديتها البالغة، تُلعب أحياناً مع الأشخاص والظواهر كما لو كانت ظلَّ ظلاميّ على رقعة الشطرنج، يُحير الإنسان ويُعقّدُ حسابات الأمس واليوم، ويضعُ مشاكلَ الأب على عاتق الابن، ومشاكل الابن على الأب، ويُثقلُ الكلَّ بالصعوبات بهدوءٍ ودقةٍ، حتى يبدو وكأنَّ يده قد غرست في قلبِ القضاءِ والقدرِ، وأصابت جوهرَ الإنسان بدقةٍ متناهية، دون أن ترتجف أو ترتكب ظلماً أو خطأً.

المرجع:
أصول الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، ج2، طهران، الإسلامية، الطبعة الرابعة، ص134.

شهادةُ الدلائل
رغم كثرة الأدلة، لا شيء أبلغ من شهادة القلب؛ فالخبرة القلبية تُخبرُ بعمق هذا المعنى، وكلُّ شخصٍ وفق عمره، ودقته، ووضعه الإدراكي يعرفُ هذه الطبيعة، وقصص القلب لا تختلف عن هذه الحقيقة. ومن ذاق وسمعَ عن نفسه، والآخرين، والآباء، والشيوخ، والشباب، حكاياتٍ كثيرة في هذا الصدد لا ينكرها أحد. ولكن للأسف، يغفل الإنسان عن هذه المعاني بسهولة.

وإنّ الإنسانَ، بكل ذكائه وإدراكه الذي جعله متسلّطاً على جميع المخلوقات، يغفل عن هذه الحقيقة وكأنه لا يدركها إدراكاً صحيحاً، فيصنع لنفسه أسباب القلق والاضطراب.

ربما يكون هذا الغفلةُ ميزة دنيويةً لراحة الإنسان، وضعها الله تعالى في طبيعته، غفلةٌ قد تغيب عن مفهوم الغفلة نفسها، وتجعل الذكيّ يُغرَق في متاهة البلاء، وتقيده الطبيعة، وتجعل من حيرته سبباً لقمعه.

الدنيا والآخرة
ليس صحيحاً أن كل الحساب والعقاب يكون للآخرة فقط، فالإنسانُ في الدنيا يُجازى على أفعاله، وتُعرض عليه خيره وشرّه، وتقام له قیامةٌ في الدنيا أيضاً، وإن كان الحساب الكامل والمكافأة الحقيقية تكون في الآخرة.

وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام، وهو ميزان أفعال الجميع:
«اليوم يوم العمل ولا حساب، وغداً يوم الحساب ولا عمل.»
وهذا لا يتعارض مع القول إن الجزاء والعقاب في الدنيا هو جزء من الجزاء الأخروي، ويمثل نوعاً من التذكير والاهتمام المحدود.

فالله سبحانه وتعالى يهيئ هذا المجال للتنبيه والعقاب، ليكون بمثابة إنذار محدود للعباد، وشهادة واضحة عن الجزاء والنعم في الآخرة.

(تاريخ: 21 شعبان 96)

أسس التجارة الرابحة
قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 9]

إن التجارة ليست ماديةً فقط، بل إن مشروع القرآن الكريم يُرسّخ تجارةً رابحةً تعتمد على أربعة أُسس هي: الإيمان بالله، الإيمان بالرسل، والجهاد بالمال، والجهاد بالنفس في سبيل الله.

الإيمان بالله
هو التوحيد الفردي والجماعي، وهو ما يشكل «المجتمع التوحيدي» كما ورد في قوله تعالى:
{تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}

ويجب أن يكون الإيمان بعيداً عن السطحية، بل شهوديّاً وحقيقياً ملموساً في أعماق المؤمن.

الرسالة والولاية
الإيمان بجميع الأحكام والشرائع الإلهية، بما في ذلك الإيمان بجميع الرسل من آدم عليه السلام حتى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والاعتراف بالإمامة والولاية كطريق الحق الكامل والصحيح للعبور من عالم الدنيا إلى عالم الحق.

المنتمون للطريق
يمكن أن يُجسّد الإسلام الكامل في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتجلّى ذلك في شخصية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة المعصومين عليهم السلام.

وهؤلاء الذين أدركوا مرام الأئمة وعملوا به بحق، هم القلة الحقيقيون من أهل الحق، أما كثير من المدّعين فهم ظاهرون فقط بلا باطن.

المجال الإسلامي بعد النبي
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، انقسم المجال الإسلامي إلى أربع فئات:

  1. القاسطان (من بني أميّة)
  2. الناكثون
  3. المارقون
  4. المجاهدون في سبيل الحق (تبار هاشمي والذين جاهدوا بحق)

وكانت الفئة الرابعة هي التي واجهت الفئتين الأوليين اللتين مثّلتا العدو. أما الفئة الثالثة (المرّقون) فكانت تمثل تحدياً كبيراً للإمام علي عليه السلام، وهي تمثل في زماننا “المتشددين والمتخلّفين” الذين يشكلون عقبة كبرى في المجتمع.

إن الفئة الثالثة (المرّقون)، التي كانت تشكل أكبر مشكلات الإمام علي عليه السلام، لا تزال في زماننا تمثل مجموعة من المتشددين الذين يتمسكون بالمظاهر الدينية الجافة ويرفضون التطور والمرونة، ويعتبرون عقبة كبيرة أمام تقدم المجتمع.

أما الفئة الأولى (القاسطان) فهم من بني أميّة الذين سعوا للحفاظ على ممالكهم وأموالهم، وانخرطوا في حياة الترف والرفاهية، وابتعدوا عن جهاد الحق، محاولين فرض مصالحهم الشخصية على الدين والمجتمع. هذه الفئة أدخلت تغييرات كثيرة في أحكام الدين، وأدخلت البدع والممارسات التي تخالف روح الرسالة الإسلامية، بهدف إرهاق أهل الحق وإضعافهم.

الفئة الثانية (الناكثون) والمرقون هم من الأبناء الروحيين للقاسطان، وكانوا خصوماً للإسلام الحقيقي وساعدوا على نشر الانقسامات والصراعات.

ولهذا السبب، كان على المجاهدين الحقيقيين أن يقفوا في وجه هؤلاء، وأن يحافظوا على دين الله ومبادئه، وأن يمنعوا انتشار البدع والفساد.

دور الحق في مواجهة الباطل

لقد كان لزاماً على أصحاب الحق والمجاهدين في سبيل الله أن يواجهوا هذه القوى الظالمة، وأن يتمسكوا بالعدل والحق، وأن يدافعوا عن الدين من محاولات التحريف والتشويه التي مارسها الأعداء.

وهذا الصراع ما زال مستمراً في كل عصر وزمان، حيث تظهر أشكال جديدة من النزاعات التي تهدف إلى التشويش على الدين وحرف الناس عن الطريق المستقيم.

الخاتمة

إن فهمنا لهذه الفئات التاريخية وأدوارها، وتدبرنا في السنن الإلهية التي تحكم الكون والإنسان، يجعلنا ندرك أهمية الصبر والثبات على الحق، والتمسك بالإيمان الحقيقي والعمل الصالح.

والإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله، هما الدعامة الأساسية لأي حركة إصلاحية صحيحة، ولكل تجارة رابحة تنقذ الإنسان من عذاب الآخرة، وتجعله يعيش في الدنيا برضا الله وعونه.

ينقسمون إلى ثلاث فئات: «المتشددون المقدسون المتزمتون في المساجد»، و«المتجددون داخليًا الذين يشكلون الرجعية الجديدة»، و«المثيرون للفتنة الخارجيون والاستعماريون».

المجاهدون

الفئة الرابعة، وهم الذين استحقوا الانتماء إلى الدين والتقوى، هم المجاهدون في سبيل الحق والحقيقة، الذين بتضحيتهم ونذر أنفسهم ومالهم وكل ما يملكون، يناصرون الحق. هؤلاء هم الشيعة الحقيقيون والمؤمنون الصادقون، الذين يمتلكون الوعي والعمل الصحيح.

في صدر الإسلام، طرد الإمام علي عليه السلام الفئات الثلاث الأولى بالكامل. وهذه الفئات كانت: أصحاب الجمل أو الناكثون الطماعون، أصحاب صفين أو القاسطون الساعون للحكم والدنيا، والمارقون وهم الخوارج في نهروان والمتزمتون المقدسون.

كم هو جميل قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي نبّه قبل وقوع الخلاف والاقتتال وأخبار الأكثرية العدو، وقلة الأنصار حول هذه الفئات الثلاث وعرّفهم بوضوح.

قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قبل وفاته:

“يا علي، قريبًا ستقاتل هؤلاء الفرق الثلاثة” ثم ذكرهم واحدًا تلو الآخر:

“ستقابل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين”.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرت أخرى وقسط آخرون”.

عندما توليت الأمر والبيعة، واجهت ثلاث طوائف قامت بالخصومة والعداء لي: طائفة نقضت عهدها وكفرت ببيعتها، وطائفة خرجت عن الدين بسبب معتقدات خاطئة وحب التقدم علي، وطائفة فاسدة خرجت عن الحق بحب الرياسة والدنيا والرياء.

من الناكثين الطماعين: طلحة، زبير، وعائشة، ومن القاسطين المحتالين المتقلبين: معاوية وأهل الأمويين الذين كان كثيرون منهم يرغبون في التوصل إلى تسوية مع علي عليه السلام، أما المارقون فهم المتعصّبون الجاهلون والمتزمتون.

قال أمير المؤمنين عليه السلام: “صبرت؛ ففي العين شوك وفي الحلق عظم”.

صبرت وثابرت في سبيل الله وبقاء الدين رغم الأذى الشديد.

كيف يمكن أن يكون هذا النسب الشيطاني باطلاً، مع وجود علي بينهم، لكنهم لم يتبعوه؟ وما أجمل قوله: “من دعا الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه فهو مبتدع ضال”، فكل من دعا الناس لنفسه مع وجود من هو أفقه منهم في حل مشاكل الدين والدنيا، فهو ضال ومبدع في الدين.

صحابي

سأل أحد صحابة الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل عن شكه في قتال أصحاب الجمل: “هل يمكن أن يجتمع زبير وطلحة وعائشة على باطل؟”، فأجاب الإمام: “إنك لملبوس عليك، الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، أعرف الحق تعرف أهله، وأعرف الباطل تعرف أهله”.

علي عليه السلام والحرية

العالم اليوم مع آلاف القوانين التي تدعي حفظ الحرية والديمقراطية، ما يزال أصغر من أن يكون حرًا كما كان علي عليه السلام في الجوانب الفردية والحكومية ويتصرف كما هو.

تعامل الإمام علي عليه السلام مع الخوارج، وهم ألد أعدائه المتعصبين، كان كما مع بقية الناس؛ لم يقطع لهم من بيت المال، وكانوا أحرارًا في التعبير عن آرائهم. هذا التصرف فريد من نوعه في التاريخ الإنساني.

خلال خطابه في المسجد، كان الخصوم يدخلون ويثيرون الفوضى، مرة سأله أحدهم سؤالًا فأجابه الإمام فورًا، فصاح أحد الحاضرين “قتل الله ما أفهمه!”، حاول الناس الاعتداء عليه، لكن الإمام قال: “دعووه، لقد أهانني”.

الخوارج لم يحضروا صلاة الجماعة لأنه كانوا يعتبرونه كافرًا. مرة صرخ ابن الكواء أثناء الصلاة بقصد التشويش، وقرأ آية تحذيرية من القرآن، لكن الإمام صبر وأكمل الصلاة وأجاب في هدوء بقوله: “فاصبر إن وعد الله حق، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون”.

هذا التصرف يعكس عظمة وصبر الإمام علي عليه السلام، فكيف يمكن تقدير قيمته؟ وكيف يمكن لقائد أن يتحلى بمثل هذه العظمة؟

وما أشد حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: “إني ما أخاف على أمتي الفقر، ولكن أخاف عليهم سوء التدبير”.

إن سوء التدبير هو السبب الحقيقي في انتشار الفقر والمحن التي يعاني منها المسلمون اليوم.

نسأل الله أن يمكن للحق وأهله من قيادة شؤون الإسلام وأن يقودوا المسلمين إلى بر الأمان.

بِشكلٍ عام، إنَّ المحوَ أو الإبادةَ ليست إنكارًا للحقيقةِ أو مُقابلةً لها، إنَّما التّأويلُ والتّبريرُ الخاطئُ لهما هما ما يُخلُّ بأصالةِ الحقيقةِ ويُفسدُ صورتها الصادقةَ، ويُسهمُ في فقدان الثقةِ العامةِ، وذلك هو النفاقُ والتَّزييفُ اللذان يُعدّان من المبادئِ المدمِّرةِ التي تُؤثرُ على روحِ الأفرادِ والمجتمعاتِ.

ولذا، فإنَّ ما يُمكنُ أن يعيقَ الفردَ أو المجتمعَ في الفكرِ والعملِ، ويَجمُدَهُ على حالةِ السُّكونِ والجمودِ، هو فقطُ التّأويلُ الخاطئُ للحقائقِ في الفكرِ، والنفاقُ والتزويرُ في الوقائعِ العمليةِ في الفردِ والمجتمعِ.

يمكنُ إزالةُ التحدياتِ الفكريةِ والعمليةِ بسهولةٍ، ولكنَّ ما يصعبُ تجاوزهُ هو ما ذُكرَ سابقًا، لأنَّ كلَّ مشكلةٍ فكريةٍ أو عمليةٍ في الشؤونِ الفرديةِ أو الاجتماعيةِ تقفُ بوضوحٍ أمامَ الانتصارِ أو الهزيمةِ، ويجبُ معالجتها بالطريقةِ المناسبةِ، وهذهِ القضاياُ هي التي يصعبُ إدراكُها وعلاجُها، والعلاجُ الشاملُ لكلِّ هزائمِ الفردِ والمجتمعِ، ودفعُ كلِّ الاضطراباتِ والتأخيراتِ مرتبطٌ بفهمِ هذين الأمرين، سواءً في المجالِ الفردي أو الاجتماعي، أو أمامَ العدوِّ الداخليِّ أو الخارجيِّ، سواءً كان ذلك للفرد أو للجماعة.

«معرفةُ مراحلِ ظهورِ الظواهر»

إنَّ اكتشافَ طرقِ السماواتِ والأرضِ من أسمى موضوعاتِ الحكمةِ، فجميعُ الظواهرِ الأرضيةِ والسماويةِ ذاتُ أهميةٍ عظيمةٍ في الحكمةِ، ويتطلبُ تحقيقُ هذا المعنى جهودًا كبيرةً. لكنَّ هذا الاكتشافَ العظيمَ يُسهِّلُ على المعصومين عليهم السلام، وخصوصًا النبيَّ الأكرم صلى الله عليه وآله، والسيدةِ فاطمةَ عليها السلام، وأمير المؤمنين عليه السلام، والأئمةِ الهادين عليهم السلام، الذين هم أعلى مراتبِ الإنسانِ في هذا المجالِ. أما غيرهمُ، فكلٌّ في مقامٍ ومرتبةٍ معينةٍ يرى الوجودَ من خلالِ ما يدركه ويختبره، ويجدُ نفسهُ منسجمًا مع سيرِ اكتشافه.

إمكانية الوصول

إمكانيةُ العثورِ على الحقيقةِ والسيرِ في دربِ المعرفةِ الكاملةِ متاحةٌ للجميعِ بمستوى واسعٍ من النظرِ، وبالاستمرار والمثابرةِ يجب التفكيرُ في مراحلِ هذا الأمر. عندما يقولُ أمير المؤمنين عليه السلام: «يا أيها الناسُ سلوني قبل أن تفقدوني، فإني بأبواب السماء أعلمُ من طرق الأرض»، يجبُ متابعةُ هذا الموضوعِ والسعيُ بقدرِ الإمكانِ للتعرفِ على هذه الطرقِ، إذ إنَّ قولَ الإمامِ دليلٌ قاطعٌ على إمكانيةِ تحقيقِ ذلك.

لا بدَّ من دراسةِ جميعِ التصنيفاتِ الممكنةِ في هذا المجالِ، بما يتناسبُ مع وصولِ الإنسانِ إليها، والاستفادةِ الكاملةِ من القرآنِ الكريمِ والمعصومين عليهم السلامِ وغيرها من مواردِ الفكرِ السامي.

«فرقُ الفقيهِ والحكيمِ في إدراكِ الموضوعِ والحكمِ»

عندما يُذكرُ الكفرُ، تختلفُ طريقةُ تعبيرِ الفقيهِ عن الحكيمِ والعارفِ، ويختلفُ هدفُ وواجبُ كلٍّ منهما.

يقولُ الفقيهُ: واجبي بيانُ الحجَّةِ وحدود الطهارةِ والنجاسةِ والأحكامِ الظاهرةِ لي ولمقلِّديّ، وأعتبرُ الكافرَ من يعارضُ الضروريَّاتِ الدينيةَ، ولا سيما إذا أفضى ذلك إلى تكذيبِ اللهِ ورسولهِ.

أما الحكيمُ فيقولُ: ما يُبعدُ عن كمالِ الباطنِ، أو ما يُسمى في لغة العارفِ بباطنِ الحقِّ، هو الانحرافُ والتغطيةُ والكفرُ، وواجبي بيانُ الحقيقةِ وإدراكِ باطنِ الظواهرِ، ولا أتحدثُ عن حدودِ الطهارةِ والنجاسةِ، بل أُبدي الحقيقةَ صراحةً.

الكفرُ عند الفقيه محدودٌ، أما عند الحكيمِ والعارفِ فهو واسعٌ جدًا، بحيثُ لا يمكنُ الفرارُ منه إلا للقليلين، وعلى كل حالٍ، يكونُ الفقيهُ أكثرَ تشددًا في أحكامِ الكفرِ الظاهرةِ.

خاتمة

العالمُ كلهُ يتّجهُ نحو الحقِّ والوجودِ المطلقِ، والسالكُ هو الذي يصلُ الحقيقةَ إلى الحقِّ ويدركُ الغيريةَ، ويتذوقُ التواضعَ ويستمدُّ القوةَ من النُزولِ والصعودِ الروحيّ، ثمّ يصبحُ مخلصًا ويجدُ قلبَهُ ملجأَ الحقِّ ووطنَهُ الأوحد.

معرفةُ مراحلِ ظهورِ الظواهر (متابعة)

إنَّ مراحلَ ظهورِ الظواهرِ الكونيةِ تتضمّنُ فهمَ التفاعلِ بينَ عالمِ الماهياتِ وعالمِ الوجودِ، وكيفَ تتدرّجُ المظاهرُ من الكمالِ الإلهيِّ إلى المظاهرِ الدنيا، وصولًا إلى المخلوقاتِ الدنيا، التي تُسمّى أحيانًا «الوحوشَ الأولى». كلُّ ظاهرةٍ تمرُّ بسلسلةٍ من المراحلِ النّزوليةِ والصعوديةِ في نظامِ الكونِ، وهذا النظامُ يعكسُ جمالَ الحقِّ وعظمةَ الوجود.

وهدى اللهِ التكوينيُّ يجعلُ كلَّ ظاهرةٍ تكتسبُ شكلها الكاملَ، وتُدركُ ذاتَها وحقيقتها، من أعظمِ المظاهرِ إلى أدناها، فلا يُتركُ شيءٌ إلا وقد أُعطي حقَّهُ الكاملُ، وذلك كي تستكملَ مراحلَ وجودِها وتتحققَ في أوجهِ الكمالِ.

هذا الهدايةُ التكوينيةُ هي نظامٌ إلهيٌّ يُحدّدُ علاقةَ الخالقِ بالمخلوقِ، ويُمكّنُ العبدَ من السيرِ على الطريقِ الصحيحِ للارتقاءِ الروحيِّ والماديِّ، حتى يصلَ إلى أعلى المراتبِ، والتي فيها يقفُ الإمامُ المعصومُ عليه السلام في القمةِ، وتبقى للآخرين منازلُ محفوظةٌ يجبُ عليهم الاجتهادُ في بلوغها.

سيرُ الوجودِ وتوازنُ النزولِ والصعود

الحركةُ الكونيةُ نحوَ الحقِّ تتمُّ في توازنٍ بينَ النزولِ والصعود، وكلُّ وجودٍ يظهرُ ذاتهُ، ولكنَّهُ لا يصلُ إلى الكمالِ إلا عبرَ هذا السعيِ المتواصلِ نحوَ الحقِّ. وإنَّ كلَّ كائنٍ يحملُ في جوهرهُ عطشًا وشوقًا للحقِّ، ولا يمكنُ أن يجدَهُ خارجَ ذاته، فهو «الموجودُ المطلقُ» و«المطلقُ الموجودُ»، الذي لا نقصَ فيه ولا عدم.

السالكُ الحقُّ هو من يحققُ الوحدةَ بين الحقيقةِ والحقِّ، ويتذوقُ الذاتَ بصدقٍ، ويبتعدُ عن الأنانيَّةِ، فيتحوّلُ إلى «صاحبِ السرِّ» و«أهلِ القلب»، حيثُ لا يجدُ سواهُ ملاذًا ولا مأوىً سوى الحقِّ.

العلومُ والمعارفُ والحكمة

العلمُ الحقُّ ينبعُ من ذاتِ اللهِ، وهو سببُ فهمِ كلِّ الظواهرِ، ويدخلُ في تكوينِ وجودِ كلِّ شيءٍ. وإرادةُ اللهِ هي تحققُ الوجودِ، وعنايتهُ تعني النزولَ والتجليَّ الحكيمَ، وهدايةُ اللهِ التكوينيةُ تُكملُ النظامَ الكونيَّ وتجعلُ العبدَ في حالةِ نموٍّ مستمر.

هذه المراحلُ الخمسُ — العلم، الإرادة، العناية، الحكمة، الهداية — هي نظامٌ ربانيٌّ يُسيّرُ علاقةَ العبدِ بالحقِّ، ويوصلُهُ إلى كمالهُ، من خلالِ سعيٍ دائمٍ وتفاعلٍ مع العوالمِ المختلفة.

الفرقُ بين الفقيهِ والحكيمِ في فهمِ الكفرِ والتوبةِ

الفقيهُ يرى الكفرَ بحدودِ الشرعِ الظاهرِ، ويُعرفُ الكافرَ بأنهُ من ينكرُ الضرورياتِ الدينيةَ، كالتكذيبِ باللهِ ورسولهِ.

أما الحكيمُ والعارفُ فيوسعونَ مفهومَ الكفرِ ليشملَ كلَّ ما يُبعدُ الإنسانَ عن باطنِ الحقِّ وكمالِه، وهذا هو الكفرُ الحقيقيُّ والواسعُ الذي يكادُ لا مفرَّ منه.

في التوبةِ، الحكيمُ يُقرُّ بأنها مفتوحةٌ لكلِّ الناسِ، في كلِّ مقامٍ، وتُعدُّ من بركاتِ اللهِ التي تمنعُ اليأسَ، حتى في حالةِ الكثرةِ والعمقِ في المعصيةِ. أما الفقيهُ فيضعُ شروطًا وحدودًا ظاهرةً لإثباتِ صحةِ التوبةِ.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V