صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

البدايات

نشر في آذر 13, 1404 في

()

حضرة آية الله العظمى

العنوان: “بدايات” /

الناشر: طباعة ، طهران، 1401 هجري شمسي.

عدد الصفحات: 402 صفحة.

الرقم الدولي للكتاب (ISBN): 978-600-397-600-3

الموضوع: الفقه والاجتهاد الشيعي في القرن الرابع عشر الهجري.

مقدمة الكتاب

يتناول هذا الكتاب، من خلال عرضه للمفاهيم الأساسية لتعلم العلوم الدينية، قواعد سير وحركة الإنسان الروحية التي تُعد أساسًا للتفقه في الشريعة الإسلامية. ويُذكّر الكتاب بأن العلم، الوعي، التخصص، وفروع المعرفة المختلفة مثل الفقه الشيعي، تتطلب مبادئ وأسسًا جوهرية تحظى بأهمية بالغة. فالجهل بهذه الأسس يؤدي إلى عدم القدرة على الاستفادة الحقيقية من العلوم، بل قد ينتهي الأمر إلى الضلال والاضطراب في فهم الشريعة بشكل سليم.

كل علم له مبادئه الخاصة، والفقه الديني يتطلب أرضية متينة ومعرفة عميقة بالعديد من المفاهيم الأساسية. في هذا الكتاب، نناقش أساسيات الفقه والفهم الديني، إضافة إلى مبادئ السير الروحي ودخول عوالم العلوم الغريبة، حيث يتضح أن من أبرز أسس الفقه الديني هو الإلمام بالعلوم اللغوية العربية واشتقاقاتها. هذه المعرفة هي مدخل لكثير من العلوم، خاصةً الفقه، الحديث، والتفسير، كما أنها تهيئ للطلاب الطريق للدخول إلى مجالات علمية أخرى مثل الكلام، الفلسفة، والعرفان.

على سبيل المثال، المنطق هو العلم الذي يعنى بتعليم الطريقة الصحيحة للتفكير، التعريف، الاستدلال، وطرق الاستنتاج. من فوائد هذا العلم هو القدرة على التمييز بين الفكر الصحيح والخاطئ. وقد نُعت المنطق بأنه “مقياس الفكر”، إذ يكشف عن الأطر التي يحمي الفكر من الوقوع في الخطأ. من خلال هذا التعريف، يمكننا إدراك مكانة المنطق كقاعدة أساسية لجميع العلوم والفنون.

في هذا الكتاب، نناقش أيضًا دور “العنف” كأحد العوامل المؤثرة في ركود العلوم ووقف تطورها. من يُنتج العنف هم أولئك الذين إما وقعوا في الجهل والفساد، أو الذين يجهلون أسس الحوار العلمي السليم.

المبادئ الأساسية للفقه والاجتهاد

إن كل علم، بما في ذلك الفقه الديني، يمتلك مبادئه الخاصة التي يجب أن يتقنها كل مجتهد. بعض هذه المبادئ تشمل العلوم الأساسية مثل اللغة والأدب العربي، التي تُعتبر قاعدة للدخول إلى الفقه، الحديث، والتفسير، وكذلك مجالات الكلام، الفلسفة، والعرفان.

وفي هذا السياق، نعرض أيضًا بعض القواعد الأساسية في علم اللغة، خاصةً في مجال “التركيب اللغوي”، محذرين من الوقوع في فخ الشكلية، والإغفال عن الجوهر والمحتوى. كما نناقش عدة مفاهيم أساسية مثل: نسبية الفهم، عدم التناقض في المعاني، ومفهوم الترادف في اللغة.

أهمية الفقيه في فهم الشريعة

من أهم مبادئ الاجتهاد في الفقه أن الفقيه يجب أن يكون ملمًا جيدًا بالموضوعات الدينية وأيضًا بمعايير الحكم المنصوصة في النصوص الدينية. فلا يمكن لأي فقيه أن يصرح بحكم شرعي دون أن يكون قد فحص جيدًا موضوع القضية التي يتناولها، بالإضافة إلى مراعاة أي تغييرات أو تحولات تاريخية قد تكون قد طرأت على الموضوع.

ويُوضح الكتاب أن الفقهاء لا ينبغي لهم التحدث عن المسائل العامة دون فهم دقيق وتفصيل للموضوعات التي يتناولونها. على سبيل المثال، يجب على الفقيه أن يُميز بين مفهوم “الإسكار” (التخدير) و”السكر” (الذي يؤدي إلى فقدان الوعي) حتى لا يخلط بينهما عند إصدار الأحكام الشرعية.

التعليم في الحوزة والسبل الصحيحة للتحصيل العلمي

يتعرض الكتاب أيضًا إلى دور التدريس في الحوزات العلمية، موضحًا أهمية “الاستاد” على “الكتاب”. يعبر المؤلف عن ضرورة تحويل النظام التعليمي في الحوزات إلى نظام يركز على التعليم القائم على الإشراف والتوجيه من قبل أساتذة مؤهلين، بدلاً من الاعتماد المفرط على الكتب. كما يتحدث عن أهمية التنقل بين الدراسة والتعليم الفعلي والمناقشة النقدية من أجل ضمان تحصيل علمي حقيقي.

وأخيرًا، يؤكد الكتاب على أهمية العمل الذهني والرياضي في مسار الدراسة، مع التذكير بأن الطريق إلى العلم لا يُقاس بعدد الكتب التي يقرأها الطالب، بل بجودة الفكر والقدرة على النقد والتحليل.

في هذا الكتاب تم التطرق إلى مبادئ علوم الحوزة وأهمية وضرورة كلّ منها، وكذلك إلى الفقه الديني. تم الحديث عن الأدب والمنطق، علم الاشتقاق، أصول الفقه، التعرف على الفتاوى وحفظها، المعرفة بالفقه المقارن والتطبيقي، علم الاجتماع وعلم النفس، علم الكلام، الفلسفة، التصوف، الكتابة والتحرير، وعلم الأخلاق بشكل تفصيلي؛ لأن جميع هذه العلوم، بما في ذلك علم الاجتماع وعلم النفس، تشكل مبادئ للفقه الديني والفتوى. الفتوى أمر اجتماعي يتعامل مع المجتمع. الفقيه يريد إصدار فتوى للمجتمع أو الأفراد؛ وإذا كانت الفتوى موجهة للأفراد، فإنها تحتاج إلى علم النفس، وإذا كانت موجهة للمجتمع، فإنها تحتاج إلى علم الاجتماع. لذا، من لا يعرف هذين العلمين، هو كمن لم يدرس الصرف والنحو والأدب. في هذه الحالة، إصدار الفتوى ممنوع، لأن ذلك يؤدي إلى تفاقم الجهل والتعسير على الناس! وبالتالي، هناك العديد من المدعين للاجتهاد الذين ليسوا مجتهدين بالفعل، ولا يتفقهون في الدين، لذلك لا يجوز تقليدهم.

الاجتهاد أمر داخلي، وتحديد الاجتهاد في المقام الأول يعود إلى الشخص نفسه، حيث يكتشف ما إذا كان يمتلك الاجتهاد أم لا. المجتهد مثل الشاعر الذي يبدع الشعر بشكل طبيعي، فلا يحتاج إلى أن يُقال له “أنت شاعر”. الشعر ينبثق من نفسه كينبوع جاري، ولا يتطلب شهادة رسمية لإثبات قدرته على الشعر. كما أنه إذا حصل شخص على شهادة في الشعر دون مراعاة القواعد، فهذا لا يعني أن قدرته الشعرية ستظهر. لتحديد مثل هذا الاجتهاد، يجب اتباع امتحانات وآراء أهل الاختصاص.

الشخص لا يصبح مجتهداً لمجرد تأييد مجتهدين آخرين، بل يجب أن يخضع لاختبار أساسي وقانوني. التأييد من الآخرين قد يمنحه هيبة سياسية وسلطة اجتماعية، ولكن إذا كان هذا الشخص يفتقر إلى القدرة على الاستنباط ويعتمد فقط على فهمه الخاص دون امتلاك سلطة فقهية، فلا يمكنه أن يعد نفسه مجتهداً، ويجب عليه تقليد الآخرين. إذا قال له عارف أو محب أو حتى مجتهد: “أنت مجتهد”، وكان هذا الشخص متأكدًا أنه لا يمتلك ملكة الاجتهاد أو كان لديه شك في ذلك، فلا يمكنه أن يعد نفسه مجتهداً. وحينما يجد هذه الملكة في نفسه، يصبح التقليد محرمًا عليه. في العصر العلمي الحالي، حيث يُتاح تبادل المعلومات والمعرفة، يمكن للمختصين تقييم مستوى الشخص العلمي بناءً على أعماله ومنتجاته الفكرية، وهذا يجعل تقييم الشهادات العلمية يعتمد على تلك الأعمال فقط، وبالتالي لا يصبح المجتمع العلمي خاضعًا للتوصيات أو الوساطات.

تم في هذا الكتاب التطرق أيضًا إلى الأخلاق الفردية والاجتماعية وكيفية إدارة الأفراد والمجتمعات وشروط ذلك. من أجل إدارة فردية وأخلاق عملية، فإن الإيمان بالله والضمير والمربين (أي الوسطاء في الخيرات والكمالات) أمر ضروري. كما أن هناك أربعة أمور يجب أن تُراعى في المجتمع من المنزل والأسرة حتى المدرسة والجامعة: أولاً، إدارة المجتمع يجب أن تُبنى على قدرة الأفراد والجماعات؛ ثانيًا، يجب السيطرة على الأنانية، وإلا فإن المدير سيأخذ كل شيء لنفسه ولن يكون لإدارته أي فائدة؛ ثالثًا، يجب أن يتم توزيع الموارد والثروات بشكل عادل؛ ورابعًا، يجب القضاء على العنف. من خلال الاهتمام بهذه النقاط الأربعة، يمكن إدارة المنزل والمجتمع بشكل جيد.

تم لأول مرة في هذا الكتاب التحدث عن التصوف العام والتصوف الخاص وكذلك الحسابات الأخروية الخاصة. ما تم ذكره حتى الآن عن التصوف هو التصوف الخاص الذي يتعلق بالأشخاص الذين يؤمنون بالله، لكن التصوف ليس مقتصرًا على هذه الفئة بل هو أوسع بكثير وأشمل من ذلك. التصوف في العالم لا يقتصر على الأديان السماوية أو مذاهبها الداخلية، بل في مناطق مثل الصين والهند وموارد التبت نجد مئات المدارس التصوفية التي تمثل التصوف العام الذي يمكن أن يكون موجودًا حتى في الأيديولوجيات المادية مثل الشيوعية والمادية.

التصوف في بعض الأحيان يعود إلى الحق الذي هو التصوف الإلهي والمعرفة الربانية، وأحيانًا يعود إلى الإنسان. التصوف المتعلق بالإنسان يشمل كل الأفراد سواء كانوا رجالًا أو نساء، مسلمين أو غير مسلمين، أساتذة جامعيين أو عمال. هذا هو التصوف العام الذي يمتلكه العديد من الأشخاص في العالم. مصدر هذا النوع من التصوف هو الإنسان وتجاربهم الروحية والشهودية التي هي في متناول الفهم والملاحظة والمعرفة. لذا، التصوف العام ليس مرتبطًا بدين أو مذهب معين. التصوف المتعلق بالمصدر الإلهي هو التصوف الخاص، بينما التصوف المرتبط بالإنسان هو التصوف العام.

الأنبياء والأولياء سواء كانوا محبوبين أو محبين لهم مصدر. في التصوف العام قد يكون هناك أولياء لديهم قرب من الله في نزولاتهم وفيوضاتهم، رغم أنهم قد لا يكونون مشابهين للأولياء الخاصين والمعصومين.

مراحل و مراتب تحصيل العلم

العلوم النظريّة تتعلّق بالفكر وتؤدّي إلى طمأنينة القلب، وصفاء الباطن، وتفكير صافٍ، وإنارةٍ في القلب. أمّا العلوم العملية فهي متعلّقة بإرادة الإنسان، وتهدف إلى التخلّق بالأخلاق الإلهيّة والتزّين بالصفات الربوبيّة. من بين العلوم النظريّة، يجب على الطالب أن يتعلّم العلوم التالية وفقًا للترتيب الآتي:

أ. تعلم اللغة الأم في حضن الأسرة، وتكملتها بالدراسة المكثفة لكتب تحتوي على أسلوب قوي وأدب سليم. في هذه المرحلة، من المهم للغاية تجنّب قراءة الكتب التي كتبها أشخاص لا يعرفون قواعد اللغة. فالأدب مهم لصحة التعبير وفهم كلام الآخرين. وفيما بعد، ينبغي التعرّف على علم اشتقاق الكلمات (الذي يُعطي المادة الأصلية للكلمة ويكشف عن دقة معاني الكلمات) وذلك في نفس السياق.

ب. تعلم الرياضيات، الذي يُمكّن من التفكير الرياضي، ويشمل دراسة الحساب والقياس؛ بحيث يصبح المتعلم قادرًا على ضبط نفسه في الكلام أيضًا، ويحافظ على الدقة والمرونة في حل المشكلات. التعليم الرياضي يُعلّم الإنسان كيفية تتبع المسألة بشكل جيد، وعدم البحث عن الجواب في مكان آخر؛ لأن شكل المسألة يحتوي على الجواب في ذاته، ومع الدقة والتركيز، يمكن استخلاص الجواب من شكل المسألة. يجب أن تُبنَى طريقة التفكير الرياضي وتُستخدم في جميع الدروس.

ج. تعلم التاريخ والجغرافيا، خاصة معرفة نقاط القوة والضعف لدى الجيران. في دراسة التاريخ، يعدّ الحدث التاريخي أمرًا، والحكم عليه أمرًا آخر، أما العبرة والاعتبار منها — وهو الهدف الرئيسي للتاريخ بالنسبة للأجيال القادمة — فهو أمر مختلف تمامًا. لا يمكن إصدار حكم دقيق حول حادثة في زمن حدوثها، بل إن المستقبل هو من يستطيع أن يصدر حكمًا أقرب إلى الواقع.

د. تعلم المنطق الذي يُساعد على صحة التفكير، ويضمن بناء الفكر السليم، ويحمي الشخص من التأثيرات الخاطئة للآخرين.

في كل زمان، يجب على الإنسان أن يتعلّم مبادئ ومقدمات كل علم قبل الشروع في دراسته المتقدّمة، سواء كان علمًا أو فنًّا أو حرفة. يجب أن يُكتسب علم الحال، أي أن يتعلّم الإنسان ما يحتاجه في وقت معين، ويجب أن يُدرس بطريقة تجعله جزءًا من شخصيته ويصبح جزءًا من جوهره؛ بحيث لا يكون ذلك علمًا سطحيًا أو غير مناسب للزمان أو غير ملائم لاحتياجاته.

صحيح أنه في وقتنا الحاضر توسّعت العلوم، وخاصة العلوم التجريبية، وتطوّرت العلوم الإنسانية مع مرور الزمن والتقدّم الصناعي، وهذا واقع لا شك فيه، لكن الجديد في الموضوعات هو في التفاصيل والجوانب الصغيرة فقط.

اليوم، حتى الحكمة والفِقه قد تباعدا عن شكلهما القديم وفقدا الكثير من محتوياتهما، وأصبح العديد من رجال الدين بعيدين عن تحصيل الكمالات الحقيقية والمعرفة الحقيقية والعلوم التجريبية، مما جعلهم يحققون أقل قدر من النجاح في هذا المجال، إلى درجة أن بعض الجلسات العلمية تُعقد بدون مشاركة علماء من الإسلام، في حين أن هؤلاء كانوا يُعتبرون مصدرًا لجميع العلوم في الماضي.

الجامعات والمعاهد العلمية اليوم بحاجة إلى إدارة حكيمة لتخرج من عزلتها الحالية في مجال إنتاج العلم، وأن تُواكب المراكز العلمية العالمية في مجالات العلوم الإنسانية والتجريبية. يجب أن تتطوّر وتواكب العصر باستخدام القرآن الكريم وسنة المعصومين عليهم السلام، وتتبنى الأساليب التخصصية والمنهجيات البحثية الجماعية لتسعى لإحياء استقلالها العلمي والثقافي.

الاتحاد بين العلم والعقل

العالم هو من يُنتج العلم، والعاقل هو من يُنتج العقل. وبهذا المعنى، يكون العالم والعاقل متّحدين في فعلهما؛ لأن العلم هو تجلّي العالم، والعقل هو تجلّي العاقل.

إذا أراد شخص في ليلة الامتحان أن يستعير كتابًا من صديقه وقال له: “أنا أحتاجه أيضًا”، فإن قراءته قد تكون علمًا ولكن دون نور أو معرفة حقيقية. لكن إذا أعطاه الكتاب على الرغم من حاجته هو له، فهذا الشخص يكون قد امتلك العلم والنور في آن واحد، ويكون علمه حقيقيًا ويحتوي على جوهر الحقيقة.

العلم الفردي والعلمي الجماعي

هل تحصيل العلم هو أمر فردي أم جماعي؟ هل يجب متابعة العلم بشكل فردي أو جماعي؟ هل يمكن تحويل تحصيل العلم إلى عمل اجتماعي؟ هل العلم في أساسه هو أمر اجتماعي أم فردي، أم أنه يجب أن يكون الاثنين معًا؟

العلم له تاريخ طويل يمتد عبر العصور. وإذا أراد الإنسان البحث في موضوع معين، يجب عليه أولًا أن يتعرّف على تاريخ الموضوع ومفهومه، والذي يعود أحيانًا لآلاف السنين.

الفرق بين العلم والمعلومات

التعريف الذي نقدمه للعلم يختلف عن التعريف المنطقي للعلم. حيث يعتبر منطق العلم أن العلم هو أمر كلي ومفهومي؛ بينما المعلومات هي الكليات، والعلم دائمًا هو جزئي، حقيقي، خارجي، وجديد، ويمتاز بالاكتشاف والإبداع والابتكار.

الفرق بين العلوم والفنون

الفن والعلم هما من نفس نوع المعرفة، ولكن الفن هو علم يتم تطبيقه باستخدام الأدوات. مثلاً، إذا كان شخص يمارس الرياضة، فهو لديه علم يُطبق في الممارسة العملية.

Ask ChatGPT

شروط وراثة الحوزويين

يجب أن تتوفر شرطان في ورثة الأنبياء ليُعدّوا من نسلهم:

الشرط الأول: أن لا يكون لهم طموح في المكافآت الدنيوية أو الأجر المادي من أعمالهم. يقول القرآن الكريم على لسان النبي: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفرقان: 57].
لم يكن الأنبياء أبداً يعتمدون على الناس في رزقهم؛ فقد كان لهم من الرزق ما يكفيهم، وكانوا ملجأً للمعوزين والمحتاجين، ولم تكن حياتهم ملوثة بالسرقة أو التطفل على الناس.

الشرط الثاني: هو الصفة الباطنية المتمثلة في “الالتزام العملي”. لا يُعدّ الإنسان من ورثة الأنبياء إلا إذا كان ملتزماً عملاً بتعاليم الله ورسوله. هذا الالتزام لا يقتصر على القول أو الاعتقاد النظري، بل يحتاج إلى اختبار عملي في الحياة اليومية. فيجب أن يظهر في سلوك الإنسان التزام بالأخلاق والقيم التي يوجهها الدين، بحيث لا يُرتكب الظلم، ولا الكذب، ولا الخيانة.

التزام عملي هو صفة باطنية ينبغي أن تُثبت بالفعل، وليس بالكلام فقط. من دون هذا الالتزام، لن يُعدّ الشخص من ورثة الأنبياء رغم ادعاءاته النظرية.

مجالات الاجتهاد الحوزوي

  1. اللغة العربية والمنطق

من المهم جداً للطالب الحوزوي أن يتقن علمي اللغة العربية والمنطق. إذا كان الطالب ضعيفاً في هذين العلمين، فإنه لا يُعدّ طالباً حوزوياً حقيقياً، بل مجرد “عالم”. من دون إجادة هذه العلوم الأساسية، لا يمكن للفرد أن يكون فقيهاً مجتهداً. كما قال المرحوم آية الله شعراني: “الطالب هو من يفهم العبارات ويميزها، ولا يُصاب بالارتباك عند قراءتها، بل يمكنه تحليلها ونقدها.”

العلاقة بين “الطالب” و”العالم” هي علاقة عامة وخاصة، حيث يجب على الطالب أن يكون قادراً على فهم النصوص وتحليلها، فضلاً عن أن يكون فصيحاً في لغته وقادرًا على التعبير عن أفكاره ببلاغة.

يتعين على كل طالب حوزوي أن يُتقن الأدب العربي لأن اللغة العربية هي الأداة الأساسية لفهم النصوص الشرعية في الفقه والحديث والتفسير. تعلم اللغة العربية بشكل جيد يضمن للطالب القدرة على فهم المسائل الفقهية والأصولية والعقائدية دون الوقوع في مشاكل لغوية.

  1. المنطق

المنطق هو العلم الذي يُمكّن الطالب من تنظيم أفكاره واستنتاجها بطريقة صحيحة. إذا كان الطالب ضعيفاً في المنطق، فلن يكون قادراً على بناء استدلالات صحيحة ولا على فهم القضايا العلمية بشكل دقيق. المنطق هو مفتاح جميع العلوم، لذا فإن إتقانه من الأساسيات التي يجب أن يُركز عليها الطلاب في الحوزات.

المنطق العالي هو ضرورة لفهم الفلسفة والعرفان، وهما من أعمق العلوم الدينية. لذلك، يُعتبر المنطق من أسس تطوير الفلسفة والعرفان في الحوزات، وإذا تم تجاهله، سيؤدي إلى تراجع هذه العلوم.

علم الاشتقاق

علم الاشتقاق هو من أهم العلوم الأدبية التي يجب على طالب الحوزة تعلمها بشكل صحيح. هو العلم الذي يعنى بجذر الكلمات وكيفية تكوينها، ويعتبر أساسياً لفهم القرآن الكريم والتفسير وفهم أسماء الله الحسنى. للأسف، أصبح هذا العلم مهجوراً في كثير من الحوزات، وهو ما يؤدي إلى فهم سطحي للمعاني والنصوص.

إعادة إحياء هذا العلم في الحوزات يُعد أمراً مهماً لتحسين الفهم الشرعي والعلمي للنصوص الدينية. إن علم الاشتقاق لا يساعد فقط في الفهم الدقيق للكلمات، بل هو أساس لفهم المعاني العميقة للنصوص.

في هذا الكتاب تم الحديث عن مبادئ علوم الحوزة وأهمية كل منها، وكذلك عن ضرورة التفقه في الدين. تم تناول الأدب والمنطق، علم الاشتقاق، أصول الفقه، التعرف على الفتاوى وحفظها، المعرفة بالفقه المقارن والتطبيقي، علم الاجتماع وعلم النفس، علم الكلام، الفلسفة، التصوف، الكتابة والتحرير، وعلم الأخلاق بشكل تفصيلي. وذلك لأن جميع هذه العلوم، بما فيها علم الاجتماع وعلم النفس، تشكل الأسس التي يقوم عليها الفقه الديني والفتوى. الفتوى هي مسألة اجتماعية وهي تتعلق بالمجتمع. عندما يُصدر الفقيه فتوى، سواء كانت موجهة للأفراد أو للمجتمع، فهو بحاجة إلى علم النفس إذا كانت الفتوى فردية، وإلى علم الاجتماع إذا كانت الفتوى اجتماعية. فالشخص الذي لا يعرف هذين العلمين، هو كالذي لم يدرس الصرف والنحو والأدب. في هذه الحالة، يكون إصدار الفتوى محرمًا، لأنه سيؤدي إلى زيادة الجهل والتعسير على الناس. وبالتالي، هناك العديد من المدعين للاجتهاد الذين ليسوا مجتهدين فعلاً ولا يتفقهون في الدين، وبالتالي لا يجوز تقليدهم.

الاجتهاد هو أمر داخلي. والتعرف على الاجتهاد في المقام الأول يكون من خلال الشخص نفسه، حيث يكتشف ما إذا كان يملك الاجتهاد أم لا. المجتهد مثل الشاعر الذي يبدع الشعر بشكل طبيعي، فلا يحتاج إلى أن يُقال له “أنت شاعر”. فالشعر ينبع من ذاته كينبوع جاري ولا يحتاج إلى شهادة رسمية لإثبات القدرة على الشعر. إذا حصل شخص على شهادة في الشعر دون مراعاة القواعد، فهذا لا يعني أن قدرته الشعرية ستظهر. لتحديد مثل هذا الاجتهاد، يجب إتباع اختبارات وآراء أهل الخبرة.

لا يصبح الشخص مجتهداً لمجرد تأييد مجتهدين آخرين، بل يجب أن يخضع لاختبار أساسي ومنظم. التأييد من الآخرين قد يمنحه مكانة سياسية وسلطة اجتماعية، لكن إذا كان هذا الشخص يفتقر إلى القدرة على الاستنباط ويعتمد فقط على فهمه الخاص دون أن يملك سلطة فقهية، فلا يمكنه أن يعتبر نفسه مجتهدًا ويجب عليه تقليد الآخرين. إذا قال له عارف أو محب أو حتى مجتهد: “أنت مجتهد”، وكان هذا الشخص متأكدًا أنه لا يمتلك ملكة الاجتهاد أو كان يشك في ذلك، فلا يمكنه أن يعد نفسه مجتهدًا. وحينما يجد هذه الملكة في نفسه، يصبح التقليد محرمًا عليه. في العصر العلمي الحالي، حيث يسهل تبادل المعلومات والمعرفة، يمكن للمختصين تقييم مستوى الشخص العلمي استنادًا إلى أعماله ومنتجاته الفكرية، مما يجعل تقييم الشهادات يعتمد على تلك الأعمال فقط، وبذلك لا يصبح المجتمع العلمي خاضعًا للتوصيات أو الوساطات.

تم في هذا الكتاب أيضًا التطرق إلى الأخلاق الفردية والاجتماعية وكيفية إدارة الأفراد والمجتمعات وشروط ذلك. من أجل إدارة فردية وأخلاق عملية، فإن الإيمان بالله، الضمير، والمربين (أي الوسطاء في الخيرات والكمالات) أمر ضروري. كما أن هناك أربعة أمور يجب أن تُراعى في المجتمع من المنزل والأسرة إلى المدرسة والجامعة: أولًا، إدارة المجتمع يجب أن تُبنى على قدرات الأفراد والجماعات؛ ثانيًا، يجب السيطرة على الأنانية، وإلا فإن المدير سيأخذ كل شيء لنفسه ولن تكون لإدارته أي فائدة؛ ثالثًا، يجب أن يتم توزيع الموارد والثروات بشكل عادل؛ ورابعًا، يجب القضاء على العنف. من خلال الاهتمام بهذه النقاط الأربعة، يمكن إدارة المنزل والمجتمع بشكل جيد.

تم في هذا الكتاب لأول مرة التحدث عن التصوف العام والتصوف الخاص، وكذلك عن الحسابات الأخروية الخاصة. ما تم ذكره عن التصوف حتى الآن هو التصوف الخاص، الذي يتعلق بالأشخاص الذين يؤمنون بالله، لكن التصوف ليس مقتصرًا على هذه الفئة بل هو أوسع وأشمل من ذلك. التصوف في العالم لا يقتصر على الأديان السماوية أو مذاهبها الداخلية، بل إن هناك مئات من المدارس التصوفية في مناطق مثل الصين والهند وموارد التبت، التي تمثل التصوف العام الذي يمكن أن يمتلكه حتى الشيوعيون والماديون.

التصوف في بعض الأحيان يعود إلى الحق الذي هو التصوف الإلهي والمعرفة الربانية، وأحيانًا يعود إلى الإنسان. التصوف المتعلق بالإنسان يشمل جميع الأفراد سواء كانوا رجالًا أو نساء، مسلمين أو غير مسلمين، أساتذة جامعيين أو عمال. هذا هو التصوف العام الذي يمتلكه العديد من الأفراد في العالم. مصدر هذا النوع من التصوف هو الإنسان وتجاربهم الروحية والشهودية التي هي في متناول الفهم والملاحظة والمعرفة. لذا، التصوف العام ليس مرتبطًا بدين أو مذهب معين. التصوف المتعلق بالمصدر الإلهي هو التصوف الخاص، بينما التصوف المرتبط بالإنسان هو التصوف العام.

الأنبياء والأولياء سواء كانوا محبوبين أو محبين لهم مصدر. في التصوف العام قد يكون هناك أولياء لديهم قرب من الله في نزولاتهم وفيوضاتهم، رغم أنهم قد لا يكونون مشابهين للأولياء الخاصين والمعصومين.

النصوص الفقهية والعلاقات اللغوية:

لا يمكن للعلم أن يصل إلى حقائقه دون أن يتأسس على الأدب، وبذلك يكون المعنى المشترك أساسيًا في العلم والعبادة. في العبادة، وخصوصًا في ذكر الله، يجب أن يكون للمرء القدرة على التعبير عن مقصده؛ لأن التعبير عن المقصد يتطلب فهم المعاني الدقيقة للكلمات والمقاصد التي وراءها. من لا يملك معرفة بمعاني الكلمات، قد يخطئ في التعبير ويُبطل عبادته أو صلاته، لأنه يُقَدِّم ما لم يُرَاد شرعًا. الشخص الذي يمكنه أن يعبّر عن مقصده هو الذي يستطيع إدراك المعاني، وإلا عليه أن يؤدي عبادته بنية الأخبار لتجنب الانحراف وإبطال عبادته.

الأدب والعقيدة:

الأدب له تأثير في العقيدة أيضًا. فالحقيقة تنزل إلى الذهن من خلال الكلمات، ومع تكرارها تتجذر في القلب، وتتحول إلى معتقد راسخ. وهكذا يُشكّل الأدب الإنسان ويحفظه. إذا كان الأدب منحرفًا، فإنه يؤدي إلى خلل في العقيدة ويبعد الشخص عن الإنسانية.

العلم لا يتقدم إلا إذا كان له أساس لغوي قوي، لأن العلم بدون الأدب يصبح غامضًا وغير دقيق، مما يمنع الحقيقة من أن تُثبت في القلب. عندما يفتقر العلم إلى الأدب، يتحول إلى فنيّات ضالة تبتعد عن الحقيقة أكثر كلما تقدمت.

العلم والتكنولوجيا:

العلم في غياب الأدب يؤدي إلى الظلام الذي تفرضه تقنيات العصر الحديث؛ تقنيات تُنتجها القوى السياسية والاقتصادية، تهدف إلى ملء حساباتهم البنكية من خلال استغلال الأدمغة، وسحب الأيدي للنفوذ السياسي، والتوجه بالأقدام نحو مسالخ إنسانية جماعية تُضمن بقاء سلطاتهم.

العقل والأدب في الفقه:

العقل لا يتدخل في الأدب، لأن العقل يتعامل مع المحتوى بينما الأدب يتعامل مع الشكل من حيث الكلمات والتركيب والتفصيل. لذا بعد الأدب يجب أن ندرس الأسس العقليّة التي نعرف من خلالها القواعد الفقهية. لذلك نرى أن علم أصول الفقه ليس علمًا مستقلًا، بل هو في الواقع جزء من الفلسفة الاعتبارية. القواعد التي تُطرح في أصول الفقه هي قواعد عقلية اعتبارية، أو بمعنى آخر هي فلسفة اعتبارية للأحكام.

علم أصول الفقه وأثره في الفقه:

علم الأصول هو البنية الأساسية للفقه، ولا بد من دراسته للوصول إلى الفقه. لكن الأصول ليست هي الأساس الرئيسي، بل هي جزء من فلسفة الأحكام النظرية. بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ العلماء يتوجهون نحو أصول الفقه لأنهم اعتقدوا أن النصوص من أئمة آل البيت لم تنتهِ، وكانوا يرون أن قولهم وفعلهم وتقريرهم مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم.

تطورات علم الفقه عند أهل السنة والشيعة:

في تدوين قواعد الأصول، كان أهل السنة متقدمين على الشيعة. ذلك لأنهم رأوا أن عصر النصوص انتهى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك اضطروا للاعتماد على المصادر الظنية واهتموا بتطوير قواعد علم الأصول. بينما كان الشيعة يعتقدون أن النصوص لم تنتهِ بعد وفاة النبي، وكانوا يعتمدون على نصوص أهل البيت عليهم السلام.

الاجتهاد وأصول الفقه:

الاجتهاد لا يمكن أن يتحقق بدون أصول فقه قوية. الأصول يجب أن تكون علمية وحديثة، وليس قديمة. الفقه علم عملي اجتماعي فردي، ولذا لا بد من أخذ قواعده من الأصول. كلما كانت الأصول أقوى، كان الفقه أقوى، وكلما كانت الأصول أضعف، كان الفقه أضعف.

فقه المقارن:

الإلمام بفقه المقارن أمر ضروري في طريق الاجتهاد. فقه المقارن هو العلم الذي يتناول آراء جميع علماء المذاهب المختلفة ويجمعها، ثم يختار الأفضل والأصوب منها دون تعصب مذهبي. لهذا السبب، يعتبر فقه المقارن من العلوم الأساسية التي لا يمكن للفقه أن يكتمل بدونها.

7، 8 و 9. علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا وعلم النفس

يجب على طالب العلوم الدينية أن يكون على دراية بالقضايا الفلسفية، وعلم الإنسان، وعلم النفس، وعلم الاجتماع. فإذا كان حافظاً لجميع “جواهر الكلام” ولكنه غير ملم بمسائل المجتمع وعلم الإنسان، فإنه لن يكون قادراً على التفكير الصحيح واكتشاف الواقع بشكل دقيق، وعندما يتحدث لا يعرف ما يقوله ويقول أشياء لا تتناسب مع المجتمع المعاصر. هذه الظاهرة تُعد من الأسباب الرئيسية لابتعاد الشباب عن الدين، على الرغم من توافر المنابر والفرص الكبيرة لعلماء الدين. فمن يتحدث على المنابر بجهل، يكون مثل الطبيب الذي يصف دواءً دون إجراء الفحص الطبي أو الالتزام بالقواعد الطبية.

على سبيل المثال، في مسألة شروط القاضي، يقال إنه إذا كان القاضي أعمى، يمكنه أن يقضي، أو يُقال: إنه مكروه. ولكن إذا كان شخص ما أعمى وحفظ جميع “جواهر الكلام”، فلا يكفي ذلك ليكون قاضياً، لأن القاضي يجب أن يمتلك المعرفة النفسية ويكون قادراً على فهم خصائص الأطراف في النزاع بمجرد النظر إليهم، ويجب أن يكون ملمّاً بمسائل علم الاجتماع.

إذا جعلت الحوزات علم النفس، وعلم الإنسان، وعلم الاجتماع أساساً فنياً وعلمياً لها، فإنه لن يكون من الضروري إنفاق مثل هذه الإمكانيات الكبيرة لإرشاد الناس. بالطبع، ما نقصده من علم النفس وعلم الاجتماع ليس الاتجاه الغربي لهما، بل نقصد علم النفس الكامن في الكتاب والسنة. فالقرآن الكريم والأحاديث النبوية مليئة بالقضايا المدنية والاجتماعية والنفسية والفلسفية، وحوزاتنا قادرة على التخصص في هذه المجالات، ولكن ظهور وتنقية وتحرير هذه العلوم ليس بالأمر السهل.

علم الاجتماع، وعلم الإنسان، وعلم النفس هم من المبادئ الأساسية للإفتاء، خاصة أن الإفتاء يتعلق بالقضايا الاجتماعية. الفقيه الذي يريد أن يفتي للناس في مسائل اجتماعية أو فردية يجب أن يكون على دراية بعلم النفس إذا كان الإفتاء يتعلق بالأفراد، وعلى دراية بعلم الاجتماع إذا كان يتعلق بالمجتمع. من لا يعرف علم الاجتماع هو مثل من لا يعرف النحو والصرف والأدب. وبالتالي، فإن الإفتاء من قبل مثل هذا الشخص يكون حراماً، لأنه أكثر ضرراً للمجتمع من كونه مفيداً. ولهذا السبب، فإن العديد من مدعي الاجتهاد، بسبب جهلهم بهذه العلوم، لا يُعتبرون مجتهدين ولا يجوز تقليدهم.

علم الكلام

بعد أن نتجاوز الأدب والمنطق والفقه والأصول، يبقى لدينا ثلاث علوم تاريخية هي: علم الكلام، الفلسفة، والعرفان. كان علم الكلام في أهل السنة أكثر تقدماً من الشيعة بسبب وجود مواقع اجتماعية مناسبة والدعم الحكومي، لكن علم الكلام في الشيعة كان أكثر ارتباطاً بالفلسفة. أما علم الكلام في أهل السنة، فقد كان خالياً من القضايا العقلية والفلسفية، ولهذا كان سطحياً وعامياً، ويعاني من نقص في اللغة الدقيقة والعلمية. هذا العلم السطحي أصبح أساساً للعرفان الذي وضعه محيي الدين بن عربي، مما جعله يواجه العديد من الإشكاليات.

الفلسفة

الفلسفة هي نوع من الإدراك العقلي الذي يشكل الطريق إلى الكمال الأعلى. يلتجئ إلى الفلسفة من يجد نفسه متوافقاً مع الشوق والنمو العقلي. الفلسفة هي من أقدم العلوم البشرية، وهي ميراث من الحكمة الفارسية واليونانية، مثل فلاسفة مثل الفارابي، وابن سينا، وشيخ الإشراق، والملا صدرا في العالم الإسلامي.

الفلسفة هي جهد عقلي مستقل لفهم الوجود وأحكامه، وإلا فإنها تصبح ساحة للأقوال المنقولة. في الكتب الحديثة مثل “الأسفار” و “شرح المنظومة”، أصبح الطابع الفلسفي أكثر شبهًا بعلم الكلام، مما أدى إلى تراجع الفلسفة عن مكانتها الأصلية. في بعض الأحيان، استُخدم مصطلح “متكلم” بدلاً من “فيلسوف” لوصف الفلاسفة مثل صدر الدين الشيرازي، واعتُبرت كتبه “كتب كلامية”.

العرفان

العرفان ليس علماً نصياً أو كتابياً يتم تدريسه في المؤسسات التعليمية، بل هو طريق روحاني يُمارس بشكل عملي. العرفان هو رؤية الحق تعالى في صورته الحقيقية دون أي إضافة ذهنية، والتعرف على الله بكل تفاصيله. العارف يرى الحقيقة في كل شيء، وأفعاله وكلامه يتوافقان مع الحق. في عالم العرفان، يتم فهم أسماء الله باعتبارها تجليات لصفاته الجمالية والجلالية.

لسوء الحظ، لا يعترف عالم الإسلام، وبخاصة أهل السنة، بأن الأئمة المعصومين عليهم السلام هم قادة العرفان الحقيقيين. على الرغم من أن القرآن الكريم يصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بأنه قد رآى الله تعالى في كامل عظمته، إلا أن البعض يصر على وضع أشخاص مثل بايزيد البسطامي ومنصور الحلاج كمثالين للعرفاء، وهم لا يملكون مثل هذه الرؤى العميقة.

في الفكر الشيعي، يختلف العرفان تماماً عن العرفان السني، وهو يتبع الطريق الذي وضعه الأئمة المعصومين عليهم السلام. لكن العرفان السني قد تأثر بحركات مثل بايزيد البسطامي، مما جعله يبتعد عن العرفان الشيعي الحقيقي.

إن العرفان في الفكر الشيعي له مسار محدد، ولكن بسبب رغبة الإنسان في المعرفة، ظهرت العديد من الطرق المشوشة التي قد تكون بعيدة عن الحقائق العرفانية الحقيقية.

الكتب الدراسية في مجال المعرفة الصوفية في الحوزات الشيعية

جميع الكتب الدراسية في مجال المعرفة الصوفية التي تُدرس في الحوزات الشيعية تحتوي على نصوص مبنية على التصوف السني، كما أن معظم مؤلفي هذه النصوص ومُشرحيها من أهل السنة. هؤلاء المؤلفون والمُشرّحون السنة قاموا بصياغة معظم مقولاتهم الصوفية استنادًا إلى عقائد المدرسة السنية، وأدخلوا فيها مفاهيمهم العقائدية. ونظراً لأن علم الكلام السني يحمل أقلّ المعتقدات الصحيحة والمقبولة، فإنه لا يستطيع الحفاظ على ثمرة التصوف الخاص بهم بحالة سليمة. وبالتالي، فإن تصوفهم، بسبب ضعف أسسه، يعاني من خلل ولا يملك القدرة على الاستجابة للاحتياجات الروحية والعقائدية للإنسان، بل يُسحب الإنسان نحو ضياع الهداية ويضيع في هذا الطريق.

المعروفون في مجال التصوف:

بعيدًا عن المعصومين عليهم السلام، هناك فئتان من العلماء الذين اشتهروا في مجال التصوف والمعرفة. الفئة الأولى هي فئة المدّعين الذين ليس لديهم مؤلفات أو كتابات في مجال التصوف، بل يُنقل عنهم فقط كرامات. في التصوف العلمي، لا يُعطى اعتبار لهؤلاء الأشخاص سواءً إيجابًا أو سلبًا، ولا تُعتبر أقوال الآخرين عنهم حجة في إثبات أو نفي أي شيء.

أما الفئة الثانية، فهي عُرفاء تركوا آثارًا كتابية، إما من خلال تأليف كتب أو كتابة شعر أو تأليف كتب بحثية بلغة نثرية. مثل ديوان حافظ وكتب السيد حيدر الآملي أو ابن عربي. بعض الكتب أيضاً تُنسب إلى أشخاص لم يكتبوا تلك الكتب في الواقع، بل قد تكون قد كتبت بواسطة عارف لم يكن مشهورًا أو معروفًا، وبالتالي نسب الكتاب إلى أحد العرفاء المعروفين في سلسلته حتى يظل الكتاب باقياً. تفسير الذي يُنسب إلى محيي الدين لا يخرج عن هذا الإطار، حيث أنه يحتوي على مراسلات بلا سند ومالكه غير معروف.

الفرق بين آثار ابن عربي وآثار تلاميذه:

من بين الآثار التي لا يمكن إنكارها على الإطلاق هي كتاب “الأسفار الأربعة” للعلامة الملا صدرا وكتاب “فصوص الحكم” للشيخ الأكبر ابن عربي. أما بعض مؤلفي الكتب الذين ليسوا عارفين بل علماء، فقد قاموا بنقل الكتب من آخرين. على سبيل المثال، قام الكاشاني في “شرح منازل السائرين” بنقل أفكار عارف تلمساني، لكنه في النهاية أضاف إليها قوتًا علمية تفوق ما كتبه تلمساني.

العرفاء غير الكتابيين وتأثيرهم الاجتماعي:

العرفاء غير الكتابيين والذين يُنقل عنهم كرامات يشتهرون في المجتمعات بشكل كبير، ويُعدون مصدر إلهام للجماهير رغم أن أعمالهم غير مكتوبة أو موثقة. إذا كان لديهم كتاب، فغالبًا ما تحتوي كتبهم على مقولات صوفية موجهة للأذهان العامة. هؤلاء العرفاء يتم تصويرهم في المجتمع على أنهم نماذج من الورع والقداسة، بينما في الواقع قد تكون معرفتهم ضحلة أو سطحية.

الدور الأساسي للعلم في الحوزات:

العلماء التقليديون في الحوزات يجتمعون في ثلاثة مجالات رئيسية هي: الفقه، والكلام، والفلسفة، بالإضافة إلى التصوف. هذه العلوم تتداخل أحيانًا في مجال واحد كما في إطار “جامع المعقول والمنقول” أو يمكن أن تكون منفصلة في مجالات “الفقيه” و”الحكيم”. كل هذه العلوم تواجه تحديات مشتركة، ونحن في كتبنا الفلسفية والتصوفية بذلنا جهدًا كبيرًا لحل هذه المشاكل. إن ما نفعله في هذا المجال يمكن أن يحدث تحولًا جوهريًا في مجال التصوف.

تحقيقات وإصلاحات في مجال التصوف:

فيما يخص التصوف الصوفي، فإن لدينا بحثًا نقديًا وتحليليًا مكثفًا حول تصوف محيي الدين بن عربي، ونحن قد بدأنا بالفعل عملًا واسعًا في هذا المجال، لكن هناك حاجة كبيرة للموارد والباحثين القادرين على إتمام هذه الدراسات وتوسيعها.

أهمية الأخلاق في الحوزات:

من المواضيع الأساسية التي كانت تدرس في الحوزات علم الأخلاق، وكان هذا العلم ذا أهمية بالغة في الماضي، حيث كان العلماء الذين يمتلكون أخلاقًا حميدة ومعرفة عميقة في هذا المجال يشتهرون بكونهم أصحاب الكراسي التدريسية في هذا الميدان. ومنذ أن بدأ العلماء في الحوزات بالتركيز على الدنيا وابتعدوا عن ولاية الفقيه، بدأ علم الأخلاق في الانحسار والاضمحلال، وتحول إلى مجرد موضوعات سطحية يُعنى بها الخطباء والممثلون.

أنواع الأخلاق:

الأخلاق الصوفية لا تختلف عن الأخلاق العملية، لكن يمكن تقسيم الأخلاق إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

  1. الأخلاق الكلامية: تركز على تزكية النفس وتعليم الإنسان كيفية تربية نفسه بعيدًا عن الرذائل، وتحقيق القرب الإلهي.
  2. الأخلاق الفلسفية: تقوم على التأكيد على الفهم العقلاني في فضائل الإنسان والابتعاد عن الرذائل.
  3. الأخلاق الصوفية: الأخلاق التي تقوم على معرفة الحق والهدف الأعلى في الحياة وهو قرب الإنسان من الله.

هذه الأنواع من الأخلاق تمثل مراتب متنوعة في تطور الإنسان الروحي والعقلي. الأخلاق الصوفية تتجاوز الأبعاد النفسية والجسدية إلى تحقيق الوحدة مع الحق تعالى.

الإنسان، جماعيًا واجتماعيًا، لا يمكن توجيهُهُ أو تثبيته إلا إذا اندلعت حربٌ أو حدثت واقعةٌ تثيرهم أو تخدعهم. في هذه الظروف، يقتلون ويُقتَلون وتنتهي الأمور، لكنهم لا يصبحون بشراً. من أجل تربية الإنسان، يتطلب الأمر مربيًا، فردًا فردًا. وفقط بهذه الطريقة يمكن تحقيق الهداية. أما إذا جلس شخص على المنبر وتحدث، متوقعًا أن يتربى الأفراد في مجموعات من ألف شخص أو أكثر، فإن ذلك يعد عملاً عبثيًا يهدر الوقت.

قد يكون الإنسان، فردًا فردًا، وبشكل مستمر وبمرور الوقت، قابلًا للهداية، لكن أكثر من ذلك غير ممكن. ذلك مثل الزيارة الطبية. في عالم اليوم، يوجد العديد من الأطباء، لكن الناس يزورون الطبيب فردًا فردًا. وفي هذه الحالة أيضًا، كثير من الناس لا يحصلون على نتيجة، إما لأن المرض لم يُشخَّص بدقة أو لأن دواءهم ليس فعالًا، أو لأن المريض أخطأ في التعبير عن ألمه، أو لأن الطبيب، بسبب الإرهاق أو نقص المعرفة، ارتكب خطأً.

إذا اجتمع ألف شخص في المسجد أو الحسينية، وكان ذلك الشخص على المنبر يحاول أن يقدم علاجًا واحدًا للجميع، فإن تجربة التاريخ تظهر عبثية هذه الطريقة. يحتاج كل شخص إلى زيارة وعلاج منفرد. الهداية مشابهة للطب، وهذه هي الطريقة الصحيحة. الأطباء، حتى الآن، أكثر من العلماء في صحتهم، لكن إذا جلس الطبيب من الصباح إلى المساء ليعالج خمسين شخصًا، فهذا أيضًا خطأ. الطبيب لا يمكنه معالجة أكثر من عدد محدود من المرضى. إذا تجاوز ذلك، يصبح تجارة مع أرواح الناس، وليس ممارسة طبية سليمة.

في شبابي، قبل الثورة، كنت أذهب إلى ما يقرب من ستة عشر منبرًا في اليوم، وكان الأمر كالتالي: معظم الأشخاص الذين حضروا المنبر الأول كانوا يحضرون المنبر الثاني والثالث وهكذا. ولكن في ذلك الوقت كان ميدان المعركة ضد الطاغوت، ولم تكن التربية أو التنظيم الأخلاقي موجودة. الفتوى أيضًا تكون بهذه الطريقة. لا يمكن نشر الرسالة بأدوات وسائل الإعلام المختلفة على رؤوس الناس لتقصفهم بالفقه. يجب أن تكون الفتوى، من شخص لآخر، وليس أن يكون هناك رسالة في كل منزل. التقليد له معيار عملي؛ بمعنى أنه إذا عمل شخص وفقًا للفتوى، فهو مقلد. وإلا، فمعرفة الفتوى لا تعد تقليدًا. التقليد يعني اتباع فردًا مختصًا في مجال معين. لا يوجد أكثر من فئتين: إما تخصص أو زيارة. ليس هناك قسم ثالث يسمى “الاحتياط”. لذلك، في الأخلاق، والإنسانية، والعلاج، والطريقة يجب أن تكون فردية. الهداية الجماعية والمجتمعية غير ممكنة. لا يزال الأطباء يقومون بزيارة المرضى واحدًا تلو الآخر، بينما خرج الدين عن هذه الطريقة وأصبح الهداية الدينية جماعية.

إذن، موضوع الأخلاق يتعلق بالإنسان وخصائصه، طبائعه، أمراضه وقدراته. في بعض الأحيان، يدرك الشخص أنه لا يوجد تقليد إذا لم يعرف الحكم الشرعي في الواجبات والمحرمات، وفي هذه الحالة، يجب عليه أن يتبع المختص.

في الأمور المباحة والمستحبة، لا يحتاج التقليد إلى إذن من المجتهد، ويمكن للفرد أن يعمل وفقًا لتقديره الصحيح والعقلاني.

النتيجة من الأخلاق الفردية هي الصحة والرفاهية التي تتحقق من خلال معرفة الأسباب وراء الأمراض والمشكلات والعمل على معالجتها. إذا تمكن شخص من حل مشكلاته وأمراضه، فمبارك له، وإلا فهو فاشل وقد تعرض للحرمان. نحن نقول إن الإنسان فاشل؛ كما قال القرآن الكريم: (إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)[4]. وأيضًا قال: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[5].

الأخلاق الفردية متعلقة بالشخص ذاته. كما قال القرآن الكريم:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)[6]؛

“يا أيها الذين آمنوا! عليكم بأنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”.

هذه الآية لا تتعارض مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الحديث هنا يتعلق بالحكمة الشخصية والفردية ولا يتعلق بالمسائل المجتمعية. يجب أن يتم فصل الأمور الشخصية والفردية عن القضايا الاجتماعية. الأخلاق هي قضية فردية. إذا كان في قلب شخص حقد أو بخل أو كراهية أو حسد، فإنه يضل بنفسه. ولذلك، لا يتعلق الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه القضايا الشخصية.

الجانب غير الفردي من الأخلاق يمكن أن يكون في نطاق الأسرة أو المجتمع أو المدينة. الأسرة والمجتمع لا يمكن أن يكونا سليمين ومستقرين إلا إذا كانت الأخلاق الفردية في الشخص صحيحة، وإلا فمسؤولية المجتمع والمنزل واضحة. منذ بداية العالم وحتى اليوم، كانت الغالبية العظمى من الناس لم يربوا أنفسهم ولا أسرهم ولا مجتمعاتهم، ونتيجة لهذا فإن الهداية الدينية لم تثمر. بعض الأنبياء قتلوا في هذا المسار ولم يقصروا، ولكن النتيجة هي هذا النسبية في الهداية التي نراها. إذا لم نأخذ في الاعتبار نسبية الهداية، فإنها ستؤدي إلى الضلال. كل عالم له نسبته في الهداية الدينية وكذلك في الوقوع في المفاسد. الإفراط والتفريط يؤديان إلى الضلال. كما قال القرآن الكريم عن غالبية البشر:

(بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)[7]؛ (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ)[8]؛ (وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)[9]؛

(وَلَكِنْ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[10]؛ (وَلَكِنْ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)[11]؛ (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[12]؛ (وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)[13]؛ (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا)[14]؛

(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)[15]؛ (وَأَكْثَرُهُمْ كَافِرُونَ)[16]؛ (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)[17]؛ (وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ)[18]؛ (بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)[19].

كل البشر، كما يقول القرآن، يعيشون في نسبية، ولا يمكن التوقع أن يكون الجميع في حالة واحدة. الناس في المجتمع لا يتحكمون في شهواتهم، ولن يتجنبوا الحرام، لكنهم في الوقت نفسه ليسوا خاليين من الأعمال الطيبة. في هذا العالم، لا يمكن توقع مدينة فاضلة. ما يحدث هو أن بعض الأماكن أفضل من البعض الآخر. المجتمع والناس متنوعون ولديهم نسبية ولا يمكن توحيدهم. الأخلاق العالية والكمالات يمكن أن تتحقق فقط في النادر، في استثناءات محدودة، وهؤلاء لا يتعدون أصابع اليد.

العالم أيضًا يحمل النسبية. كل المخلوقات – الحيوانات، النباتات، والصخور – جميعها ذات نسبية. جوهرها يكمن في الفردية. إذا كان الفرد صالحًا، فإن أبنائه سيكونون أفضل. مشكلة المجتمع تبدأ من الفرد.

النفس و مراتبها الأربع

النفس مثل العقل، من المعقولات الثانية الفلسفية، ولكن بالنسبة للعقل، تحمل حقيقتاً ذات تعدد. وهذه النفس هي التي تصل في النهاية إلى أعلى مراتبها لتصبح حباً، وهي ذاتها التي تنحدر إلى أدنى المراتب لتصبح شهوة، بينما لا يتعرض العقل لمثل هذا الصعود والهبوط. النفس هي مجموعة من الأحوال المتعددة. هي النفس التي تكون أمّارة، وهي نفسها التي تكون لوّامة، وهي كذلك مطمئنة، راضية، مرضية. النفس تتسم بالتعدد، وليست كالعقل الذي هو وحدة. النفس، على عكس العقل الذي فيه كثرة اعتبارية في قسمه الجمعي، هي كثرة حقيقية.

النفس هي التي تقع في المعاصي والخيرات، وهي التي تميل إلى التفضيل والعطاء، وهي التي تتجلى في العشق الذي هو قمة القرب والمعرفة، وهي أيضاً التي تتدهور وتصبح أقل من الحيوانات.

مراتب الشهوة في النفس:
النفس تمر بأربع مراحل في الشهوة:

  1. الشهوة السفلى: وهي الظلم، والاعتداء، والقتل، والسلب، والكذب، والتي تجعل الإنسان أدنى من الحيوانات، رغم أن الحيوانات أحياناً قد تظلم بعضها البعض، لكن ذلك أقل بكثير من الإنسان.
  2. الشهوة العادية: وهي شهوة الطعام والنوم التي تشترك فيها الحيوانات مع الإنسان.
  3. الشهوة الرحمانية: وهي الرحمة، والعفو، والإحسان نحو الآخرين، وهذه مرحلة من النفس الرحمانية.
  4. الشهوة العظمى: وهي العشق، الذي يمثل مرحلة من القرب والمعرفة.

بقية المراتب الثلاث من الشهوة موجودة أيضاً في الحيوانات لكن بمستوى أقل بكثير من الإنسان. على أية حال، النفس على مراتبها، هي وحدة، وكل مرحلة منها هي جزء من النفس التي ترقى وتتحسن. الذين يصلون إلى مراتب عليا، لا يزالون يحملون في داخلهم المراتب السفلى، ويحتمل أن يصلوا إلى مرحلة (العشق الخالص) حيث لا توجد لديهم نفس بعد.

أسباب الضعف في الاجتهاد الديني:
أكبر عائق في الاجتهاد الديني هو النفس التي تميل بقوة نحو الهبوط والانحدار، بدلاً من الصعود والقرب. أغلب النفوس تكون في حالة انحطاط وحيوانية، والنفس الرحمانية فيها ضعيفة للغاية، ناهيك عن النفس العليا. كما يقول القرآن الكريم:
(إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 2-3].

مشاكل أخرى تكمن في قلة عقل الإنسان، حيث أن أقل ما قسّمه الله بين عباده هو العقل. المشكلة الثالثة تكمن في اختلاط الدين بالبدع والتحريفات التي أضافها المتعالمون الذين يسعون إلى تحصيل قوتهم وسلطتهم على حساب الدين.

نتيجة لهذه العوامل، يصبح سلوك الطريق الصحيح في الدين صعباً وشاقاً للعديد من الناس، إلا إذا توفرت لهم رحمة الله وهدايته الخاصة.

قبول واقع الحياة:
الحياة هي واقع لا يمكن إنكاره. هذه الحقيقة التي يتطلبها الإنسان: الهواء، والطعام، والمأوى، والعائلة، وغير ذلك من ضروريات الحياة، هي حقيقة لا مفر منها. إذا فشل الإنسان في حياته الدنيوية، فإنه سيكون قد فشل في معرفته أيضاً.
إذا أدرك الإنسان أن الحياة هي واقع، وأنه يجب عليه اتباع متطلباتها الطبيعية للعيش، فسينجح، كما يفعل كل كائن حي في الكون، من أصغر الكائنات الحية إلى أعظمها. إذا تركت طفلاً صغيراً في غرفة، فإنه سيكتشف الحياة ويتبعها بتجربة الفضول، حتى لو كان ذلك عن طريق وضع يده في النار أو الماء.

الحياة هي حقيقة أساسية يجب على الجميع السعي من أجل الحفاظ عليها. الحياة لا يمكن التخلي عنها، ولكن يمكن أن تكون بلا هدف. إذا لم يكن لدى شخص هدف في الحياة، فإنه سيشعر بالضياع، ويبدأ حياة ضعيفة. الحياة هي البداية، ولكن الهدف هو النهاية. الحياة هي تكامل تدريجي، ولكن الهدف هو النهاية التي يجب أن يصل إليها الإنسان.

النهاية الطيبة هي الهدف الأعلى:
الهدف النهائي للحياة هو أن تكون عاقبته طيبة، وأن يموت الإنسان دون أن يترك عملاً غير مكتمل أو مكروهاً. يجب على الإنسان أن يعيش حياة مستقيمة، بعيداً عن الظلم والاعتداء على الآخرين، فذلك هو الطريق إلى النهاية الطيبة.

دور الملكة القدسية في الاجتهاد الديني:
الروحانيون هم لغة الدين، ومشروعية هذه الفئة تعتمد على قدرتهم في فهم مراد الشارع الإلهي وتفسيره. في الاجتهاد الديني، ينبغي أن يكون الفقيه قادراً على استخراج مراد الله وتفسيره، ولا ينبغي له أن يتحدث من تلقاء نفسه. وهذا ما يميز علماء الشيعة عن غيرهم، حيث أن الفقيه الشيعي لا يمكنه القول إلا بما هو مراد الشارع.

الاجتهاد ليس مجرد دراسة علمية وتحصيل معلومات، بل هو أمر يتعلق بعصمة الأنبياء، ويتطلب من الفقيه أن يمتلك ملكة قدسية تمكنه من استخراج الأحكام الشرعية بشكل صحيح.

هذه الملكة القدسية هي موهبة إلهية تتطلب استعداداً باطنياً. الفقيه الذي يمتلك هذه الملكة يكون قادراً على إنتاج علم ديني جديد لا يمكن معارضته من أي علم مبدئي. وكل من يسعى إلى الاجتهاد يجب أن يكون مختاراً من الله، حيث لا يمكن لأي شخص أن يصبح مجتهداً دون توفيق إلهي خاص.

الملكة القدسية ليست عملية تعليمية أو اكتسابية، بل هي استعداد موهوب من الله، ولذلك يجب أن يكون الأشخاص الذين يسعون للحصول على هذه الملكة في بيئة روحية متكاملة، وعلى يد معلم متمرس قادر على الكشف عن هذه القدرات الباطنية.

مجالات العلم يجب أن تنشئ طالبًا يشبه الأنبياء الإلهيين، وتحيي فيه القدرة على الوحي والإلهام الذي نزل، لا أن تُخرج شخصًا يشبه “المعلم” أو “الأستاذ الجامعي” الذي يبحث في علم الدين كفن، بلا وضوء، دون أن يكون له جذور في الأمور المعنوية، ولا يعرفه أحد باسم “العالم الرباني”. إن الاستنباط والاجتهاد لا يقتصران على امتلاك المبادئ والعلوم الأولية، بل يجب أن يكون لدى الشخص ملكة قدسية لتتحقق عملية الاجتهاد.

الاجتهاد في المجلات العلمية له بُعد روحاني يجعل منه علمًا دينيًا وإلهيًا؛ وإلا، فإن أي إنتاج سيظل عرضة للتلف والفساد. يمكن حتى للشيوعيين تعلم العلوم الإسلامية، لكن بما أنه ليس لديهم ملكة قدسية، فإن ما يتعلمونه يبقى في إطار المهارة والفن، ولا يمكن اعتباره علمًا دينيًا، ولا يمكن نسبته إلى الدين أو الله. العلم الديني والاجتهاد ليسا مجرد فن، بل هو من نوع آخر من العلم ويتطلب تكوينه عبر الملكة القدسية.

الإيمان بالله والثقة فيه

أما جوهر الحديث الذي ينبثق من الملكة القدسية، فهو ذكر الله والإيمان به. كل ما ذكرناه حتى الآن كان مبادئ ومقدمات للطلبة وعلوم الدين والسير الروحي، ولكن النهاية تكمن في السؤال التالي: إلى أي درجة يؤمن الإنسان بالله ويقينه به؟ ما مدى اعتبار الله في حياته؟ كم من الله يسكُن في أعماق روحه؟

يجب على الإنسان أن يراجع نفسه ليرى إلى أي درجة تأثّر بالحق تعالى. ليست المسألة تتعلق بالخوف من الله، بل هي مسألة أن يعرف الإنسان مدى وجود الله فيه ومعه. أكثر من 95% من ديوان الشعر الذي يتكون من 29 مجلدًا يتحدث عن الحق تعالى وعن ذاته، فقط 5% منه يتحدث عن الأئمة الطاهرين، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن فاطمة الزهراء عليها السلام، والآخرون لا أهمية كبيرة لهم في نظرنا.

إذا كان شخص ما يرى نفسه مرتبطًا بأي شيء غير الله تعالى، فيجب أن يعلم أنه أسير للشرك. الإيمان الحقيقي هو ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام:

«لا يُصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله سبحانه أوثق منه بما في يده»[23].

كل ما تم ذكره حتى الآن هو الشكل والمظهر فقط، أما الروح والحقيقة فتتمثل في الإيمان بالله. الله يحب أولياءه ويشرع لهم قتلهم ويشهد لهم بالشهادة.

كل ما يتعلق بالعلوم الدينية في الحوزات، سواء كان عاديًا أو غير عادي، سواء كان تخصصًا أم فوق تخصص، له روح واحدة وهي التوجه إلى الله تعالى. ولذلك، سواء في العلم أو في العمل، الهدف الوحيد هو القرب من الله تعالى. في الواقع، الدافع المحرك لكل عمل من أعمال العالم هو الله تعالى. القرب هو أن تقوم بكل شيء من أجل التقرب إلى الله. الله ليس في قلب كل شخص، لكن الأفعال هي التي تقرب الإنسان إليه؛ كما هو الحال مع الرياضي الذي يسعى يومًا بعد يوم ليصبح أقوى وأفضل.

التركيز على الله أمرٌ عظيم، ولا يمكن لأي شخص أن يدعي أنه “أهلاً لله” أو “أني لله”. في مسألة معرفة الله، هناك أربع مراحل:

1. إنكار الله
المرحلة الأولى هي إنكار الله، وهذا يعني أن الشخص قبل أن يقول “الله ليس موجودًا”، قد أثبت في البداية وجوده ثم ينكره بعد ذلك. وهذا يعني أن إنكار الله لا يكون بشكل مطلق في العقل والوجود. من ينكر الله يعرف ما ينكره، لأنه يرى وجود الله أولاً، ثم ينكر بعد ذلك.

2. وهم وجود الله
المرحلة الثانية هي “وهم الله”. في هذه المرحلة، يظن الشخص أن الله موجود، لكن هذا ليس حقيقة. هؤلاء هم الكثير من المسلمين الذين يظنون أن الله في حياتهم، لكنهم في الواقع لا يشعرون بحضور الله. وعندما يجدون فرصة للمعصية، يتجاهلون الله تمامًا.

3. الإيمان بالله
المرحلة الثالثة هي الإيمان بالله، حيث يعتقد الشخص أن الله يراه ويشعر بحضور الله في حياته، حتى وإن لم يكن قادرًا على رؤيته. في هذه المرحلة، يثبت الله في قلب الإنسان. ولا يجب على عالم الدين أن يكتفي إلا بهذا المستوى على الأقل، وإلا فإن فائدته من الدين قليلة. المؤمن الحق هو الذي يعيش حياته بحضور الله في قلبه.

4. التمكن من الله (التوحيد التام)
المرحلة الرابعة هي المرحلة الأكثر عظمة، وهي “التوحد بالله”، حيث يمتلك الشخص حضور الله في قلبه، وفي كل جوانب جسده، في نظره، في أذنه، في يديه، في قلبه، ويصبح وجود الله في كل شريانه. هذه هي أسمى مرحلة من مراحل العرفان. وهذه أعلى من “الإيمان بالله” الذي يتواجد في القلب فقط.

على كل طالب علم وداعية أن يتفحص نفسه ويرى في أي مرحلة من هذه المراحل الأربعة هو، وإذا كان في المراحل الأقل، فيجب أن يعزز نفسه بكل الوسائل المتاحة من طعام حلال، ومعونة من معلم، ووقت ومكان مناسب لتحسين نفسه والارتقاء إلى المراحل العليا.

العلوم الإجبارية والتخصصية

كما أن هناك العديد من التخصصات العلمية، فإن المبادئ الأولية لهذه العلوم تختلف بحسب نوع العلم. بعض العلوم مثل الأدب (العلوم النحوية والصرفية وغيرها) هي “علوم إجبارية” يجب على جميع من يدخل الحوزة تعلمها، لأنها تشكل الأساس لعديد من الأمور التي قد تجلب ازدهارًا ماديًا.

أما بعض العلوم الأخرى مثل الرياضيات والعلوم المتخصصة الأخرى، فهي تعتمد على الميول والقدرات الشخصية والتخصص الذي يسعى الشخص إليه. الرياضيات، الحساب، الجبر، والهندسة هي من هذه العلوم، لكن ليست كلها ملائمة للجميع، كما أن معظم الطلاب في الحوزة لا يميلون إليها.

هذه العلوم لم تعد تحظى بالأهمية التي كانت عليها في الماضي، بسبب تطور وسائل التعليم وتبسيطها. الرياضيات اليوم تُدرَس بأسلوب أبسط في المدارس والجامعات. ولكن في الماضي، كان العلماء يشجعون الطلاب على تعلم الرياضيات لتطوير طريقة تفكيرهم وتنظيم عقولهم. للأسف، فإن الكثير من علماء اليوم يعانون من ضعف في الرياضيات وهذا يُعتبر أمرًا غير قابل للتغاضي.

الالتزام بالعلم والمسؤولية العلمية

حتى الآن، تحدثنا عن المبادئ والمقدمات العامة للعلوم الحوزوية والتخصصات التي تليها، وتحدثنا عن أهمية “الاعتقاد في الله” و”القدرة على الفهم الرباني” مثلما نتحدث عن العلوم والملكيات القدسية.

من المهم أن ندرك أن كل فرد في المجتمع العلمي عليه أن يتحمل المسؤولية تجاه العلم الذي يتعلمه. يجب أن نذكر هنا أن هذه المسؤولية ليست مسألة شخصية فحسب، بل هي ذات طابع عام بين الأفراد. على سبيل المثال، يجب على الطبيب أن يكون مسؤولًا عن رعاية المرضى، سواء كانوا مسلمون أم غير مسلمين.

الخلل في عدم الإلتزام بالمسؤولية غالبًا ما يكون نتيجة للجهل أو الإهمال، حيث أن الشخص غير المتعهد بالعلم قد يكون جاهلًا أو لا يقدّر الأمور بشكل صحيح، وقد يرى أن المعصية أو الخطأ لا أهمية لهما.

وأخيرًا، يجب أن ندرك أن المسؤولية تجاه العلم تختلف عن “القرب من الله” الذي هو أمر فردي ومعنوي، يُحسّ ويُقاس مع مرور الوقت من خلال العمل المستمر نحو تقوية الروح والذات. قرب الله شيء رقيق ولكنه مؤثر في النفس، ويظهر في الأفعال.

الفرق بين القُرب والتعهد

قُرب لا يمكن أن يكون غير إلهي، لكن التعهد قد يكون غير إلهي. جميع التعهدات في المجتمعات الإنسانية وفي البلدان غير الإسلامية هي من نوع التعهدات البشرية وغير الإلهية.

الفرق الآخر بين القُرب والتعهد هو في كثرة التعهدات ووحدانية القُرب. القُرب هو إلهي، ولا يكون التعهد إلهيًا إلا إذا كان الشخص يؤمن بالله سبحانه وتعالى. المؤمن هو الذي يستطيع أن يقول في المحكمة: “أقسم بالله، أتعهد بأن أفعل كذا”. يجب أن تُعتبر الأمانة، والقسم، والنذر من التعهدات الإلهية.

نقطة أخرى هي أن القُرب له بُعد عظيم، لأنه لا يوجد شيء أعلى من الحقيقة الإلهية، بينما التعهد له نطاق محدود، فالتعهد يمكن أن يتعلق بأي شيء دنيوي مثل شجرة في حديقة المنزل أو طائر في قفص. بشكل عام، التعهد هو أمر دنيوي، والدنيا ستنتهي في يوم من الأيام.

العالم الديني يجب أن يكون ملتزمًا تجاه دينه، ويسأل نفسه: “ماذا يجب أن أفعل بديني؟”. عندما يقول عالم: “ماذا يجب أن أفعل بعلمي؟”، فهذا تعهد. هذا الأمر يصبح أكثر أهمية عندما تتكشف الخرافات والانحرافات والمفاهيم المغلوطة؛ في هذه الحالة، من واجب العالم أن يستخدم علمه في محاربة الآفات والأخطاء. كما جاء في الحديث المشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم:

“إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله”.

وأيضًا جاء في الحديث:

“إذا ظهرت البدع ولعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كان عنده علم فليُظهره؛ فإن كاتم العلم في ذلك اليوم ككابِم ما أنزل الله على محمد”.

وفي حديث آخر:

“إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يُظهر علمه، فإن لم يفعل سُلِبَ نور الإيمان”.

التعهد هو أمر قلبي يتعلق بالإنسان وممتلكاته. إذا كان هذا التعهد موجودًا، فالعالم الديني يكون شخصًا معقولًا وحكيمًا، وإلا فإن علمه ليس دينيًا ولا هو ذو قيمة. كما يقول القرآن الكريم:

“مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ” (الجمعة: 5).

أيضًا، القرآن يقول:

“فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنا” (الأعراف: 176).

سلوكنا كطلاب علم يجب أن يكون بطريقة توجه المجتمع. لا يمكننا أن نجلس مثل الآخرين لساعات طويلة ونتحدث مع الضيوف ونقيم الندوات. أنا شخصيًا أخصص نصف ساعة للجلوس، ولكن إذا تجاوزت ذلك، أعتذر لأنني مشغول وأعتبر نفسي عاملًا للناس. يجب أن نخطط لكل لحظة من حياتنا وننظم هذا العمر الثمين بشكل جيد. في العام، لا أذهب حتى إلى جنازة، فالذهاب إلى مجلس ما قد يستغرق ساعات، وفي هذه الساعات يمكنني خدمة دين الله أكثر من مجرد الجلوس لساعات طويلة. بدلاً من ذلك، أقرأ في المنزل لمدة دقيقتين وأبكي. وأحيانًا، أعتقد أنه لا يمكن أن يكون للعلماء وقت كافٍ للانشغال بمثل هذه الأنشطة.

الطلبة يجب أن يتوجهوا إلى العمل الرئيسي الذي يجب أن يقوموا به، وهو دراسة العلوم الدينية والتحقيق في مسألة “الولاية”، وخاصة الولاية المعنوية والنورانية للأئمة المعصومين، لا سيما السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام.

بعض طلاب اليوم، الذين لا يعدون قلائل، لا يمتلكون الإحاطة الكافية بمحتويات الكتب التي يدرسونها رغم أنهم قد قضوا عدة سنوات في قراءتها. لا يعرفون أين توجد هذه المسألة أو تلك في الكتاب، على عكس طلاب الماضي الذين عندما كانوا يحتاجون إلى الرجوع إلى مسألة معينة، كانوا يعرفون مكانها بدقة، وعندما يفتحون الكتاب، كانوا يجدون الإجابة دون الحاجة إلى الرجوع إلى الفهرس أو البحث الرقمي أو التصفح الإلكتروني. هذا يبرز درجة إحاطتهم الكاملة بمحتويات الكتب. كانوا عندما يحققون في مسألة معينة، يعرفون مصادرها تماماً، ويعلمون أين يتحدث عن تلك المسألة في كل علم وكل كتاب. وبذلك، كانت الكتب القديمة في كثير من الأحيان لا تحتاج إلى فهرسة أو حتى ترقيم الصفحات أو الحواشي. وكانوا يؤمنون بأن الكتاب الذي يُكتب بالحروف الأبجدية لا ينبغي أن يتضمن الأرقام (التي تستخدم في الرياضيات)، وكانوا يعتمدون على الحروف الأبجدية فقط.

في العصور القديمة، عندما كان العلماء يكتبون رسائل لبعضهم، إذا كانوا يقصدون إهانة أو تحقير شخص ما، كانوا يستخدمون الحركات (الإعراب) أو النقاط في الكتابة، كإشارة إلى أنه لا يستطيع فهم النص. على عكس العالم الذي يمكنه قراءة النصوص بدون الحركات أو النقاط، ويميز بين كلمات مثل “ابن” و”بشر” و”نشر” بناءً على المعنى.

إصلاح هذه المشكلات أمر ممكن وسهل، لكنه ليس عمل فردي، بل هو مهمة نظام متكامل. ولتحقيق هذا النظام، يجب على الحوزة أولاً أن تحدد الشخصيات العلمية البارزة وتعطيها قيمة واحترامًا، ثم تُكلف هذه الشخصيات بوضع المتون العلمية. الأعمال الفردية في هذا المجال لن تحقق أي نتائج، والكتابات الفردية التي تم إنجازها في هذا السياق لا تُسهم في تطوير النصوص القديمة بل تقتصر على تقليص محتوياتها، دون أن تُضيف رؤية جديدة أو محدثة. إن محو أو اختصار بعض المواضيع من رسائل الكتب ليست حلاً مناسبًا. حتى الكتب مثل “بداية الحكمة” و”نهاية الحكمة” للعلامة الطباطبائي تعتبر تلخيصًا لكتب مثل “المنظومة” و”الأسفار”، وهي غير مناسبة لتكون نصوصًا دراسية، تمامًا كما أن النصوص في هذين الكتابين لا تناسب تدريس الفلسفة اليوم. بعض من محتوياتها أكثر صبغة كلامية وعامة منها فلسفية وعقلية. إن موضوعات العديد من النقاشات قد تم تجاوزها بواسطة العلوم الحديثة، وأصبح الحديث عنها في هذه الكتب مثل التحدث عن مقتنيات قديمة لم تعد تجد مكانًا حتى في أسواق التحف.

في دروس الحوزة (الدورة الأولى)، على سبيل المثال، إذا كان في بداية السنة الدراسية مئة طالب في الدرس، فإنه في منتصف العام يتقلص العدد إلى أربعين، وتُجرى الامتحانات باستخدام المحاضرات والدفاتر. هذا يدل على تراجع مستوى الدروس. بعض الطلاب يفضلون أساتذة الماضي ويأخذون أقراص الفيديو (CD) لدروسهم ويعطون الأولوية للشرح الصوتي على الحضور الفعلي لأستاذهم، لأنهم لا يثقون بمعرفة بعض أساتذة اليوم.

الكتب في مرحلة “السّطح” تعتبر ثقيلة وعلمية، بمعنى أنها تتضمن ألغازًا ومعضلات، وليست كالعلم المتعلق بالجن، الذي يتطلب اتصالًا فعليًا مع الجن لتفهمه، إلا إذا تم إعادة صياغة هذه الكتب.

الطالب الذي يمر بهذه المرحلة لا يستطيع أن يصل إلى الاجتهاد في مرحلة “الخارج” أو أن يكون قادرًا على الاستنباط.

في الماضي كان يُقال إنه إذا قام أحدهم بالتعليق على كتاب، فيجب أن يعتبر نفسه علميًا أفضل من مؤلف الكتاب، وإلا فإن عمله من الناحية الشرعية يكون مشكوكًا فيه. كذلك، من يقبل التدريس ويقدم شرحًا لكتاب، يجب أن يعتبر نفسه أفضل من مؤلف الكتاب وشارحه، وإلا فإن تدريس ذلك الكتاب من الناحية الشرعية يكون مشكوكًا فيه.

في يوم من الأيام كنا في محضر الشيخ شعراني، فتم إعطاؤه كتابًا كان قد أُعد لأحد الأشخاص. نظر فيه ثم رماه بعيدًا. كان هذا الرجل حكيمًا جدًا وسريع البديهة. بعد قراءة الكتاب لاحقًا، تبين لي أن الشيخ قد رماه لأن الكتاب كان مليئًا بالأخطاء والمزاعم التي لا تستند إلى علم حقيقي.

في الماضي، كانت الألقاب الحوزوية مثل “حجة الإسلام” و”ثقة الإسلام” هي الأكثر شهرة، ولم يكن أحد يصل إلى درجة “آية الله” إلا أن هذه الدرجة كانت خاصة بالإمام علي عليه السلام والأئمة المعصومين. كانوا يسمون “حجة الإسلام” من يستطيع الرد على الشبهات وإثبات صحة الأحكام الدينية ويدافع عن الدين في مواجهة المخالفين. هؤلاء الذين وصلوا إلى هذه المرتبة كانوا قلة ومحدودين.

في السابق، لم يكن من المعتاد أن يدرس أي شخص درس “الخارج” بمجرد بلوغه مرتبة الاجتهاد؛ بل كان يدرس درس الخارج فقط من يدعي أنه أعلم من الآخرين، وكان قادرًا على نقد جميع الأقوال وتفنيدها. ولكن الآن أصبح تدريس “الخارج” أمرًا شائعًا وأصبح العديد من الحوزات تفتخر بزيادة عدد دروس الخارج، في حين أن الجودة أهم من الكم. يمكننا تحليل هذه الظاهرة بالقول إنه مع تراجع العلم، يزداد عدد من يدعون العلم، كما يحدث في الحالات التي يقل فيها التقوى ويزداد ادعاء الناس للروحانية والمعرفة. هذا يشكل تهديدًا كبيرًا للمؤسسات العلمية.

اليوم، يفضل بعض الطلاب الاستماع إلى دروس الأساتذة عبر الأقراص المدمجة بدلاً من الحضور الفعلي في الدروس، لأنهم يعلمون أن بعض الأساتذة يقرأون محاضرات مترجمة باللغة الفارسية، وهي مادة يمكن للطلاب فهمها بأنفسهم عبر القراءة. لكن تدريس مادة في الحوزة يعني أن الأستاذ يجب أن يكون قد درس الموضوع بعمق حتى لو لم يعرف الطالب بعض التفاصيل.

يجب على الحوزات العلمية أن تقوم بتحويل دروسها إلى فروع تخصصية، كما يجب تحديد مراكز تخصصية لكل علم. على الأقل، يجب أن يكون لكل علم مبنى منفصل، ويجمع جميع أساتذة ذلك العلم في مركز واحد، ليُدرِّس كل منهم في مدرسة تقدمها لهم تلك المراكز. ينبغي الحد من تفريق الدروس قدر الإمكان، بحيث تكون الكليات كما في الجامعات، فكل كلية تكون مستقلة عن الأخرى. كما أن بائعَي الذهب يحرصون على أن تكون محلاتهم مجتمعة في مكان واحد، ويمتنعون عن التوزيع المفرط، ولا يتداخل أحدهم مع الآخر في العمل (إلا إذا كان شخص معروف بعمله الجيد الذي يساهم في ازدهار السوق). وفي المقابل، يجب إنشاء بنك معلومات لكل علم. إذا لم يكن هذا العمل قابلاً للتحقيق في فترة خمس سنوات، فيجب أن يُنفذ على المدى الطويل. في هذا الشأن، يجب التحلي بالصبر، وأخذ الوقت اللازم في تنفيذ المشروع، بهدف أن يعترف العالم العلمي الحوزات الشيعية كمركز علمي مهم في الخمسين سنة القادمة، وأن يتم تسجيلها من بين أكبر المراكز العلمية العالمية.

إن هذا المشروع مهم جداً للكوادر الموجودة في الحوزات، خاصة لأولئك الذين يمتلكون طاقات كبيرة، إذ أنه إذا أصابهم اليأس والإحباط، فإن الطاقة الهائلة والقدرة العظيمة التي يمتلكها بعضهم ستنعكس بشكل سلبي، مما سيشكل خطراً على الحوزة والمجتمع. من الطبيعي أن هذه المشاريع الكبرى لا يمكن أن تتحقق عبر إدارة أفراد عاديين، فلا حاجة إلى تأسيس عشرات المؤسسات في قم. إذ أن المؤسسات الحوزوية تعمل حتى الآن بشكل تقليدي ومنازلية، في حين أن هذه المشاريع تحتاج إلى نظام جامع ومشترك وحوار شبكي.

فقط عبر تحقيق هذا الهدف، يمكن للإسلام أن يكون له داعم قوي، ويصبح الثورة الإسلامية مؤسسة دينية، وليست مجرد نظام سياسي خالٍ من القوة الثقافية الدينية. يجب أن يُحفز كل طالب علم ليكون منشغلاً بشيء يتناسب مع طبيعته وميوله وقدراته العلمية.

في الوقت الحالي، تعد العلوم الإنسانية من أضعف العلوم في بلادنا، في حين أن المسؤولية الرئيسية عن العلوم الإنسانية تقع على عاتق الحوزات العلمية. أما العلوم التجريبية، التي تتولاها جامعاتنا، فقد حققت أعلى مستويات من النمو، حتى أن نموها أثار إعجاب المراكز العلمية الدولية، بعكس العلوم الإنسانية التي في الوقت الراهن لا تُعتبر من المبدعين في إيران.

الدور الذي يلعبه الفنانون الرياضيون، وخاصة لاعبي كرة القدم، كمشاهير محبوبين في المجتمع، لا يوجد لنفسه في مجال العلوم الإنسانية، حتى أن وسائل الإعلام الوطنية تستخدمهم أكثر من الباحثين في هذه المجالات، وكل هذه علامات على تراجع العلوم الإنسانية.

إذا كانت الحوزات قوية، فإن كافة شرائح المجتمع ستتحرك وراء عالم دين واحد، كما يظهر من فتوى ميرزا شيرازي في قضية تحريم التبغ. ولكن هذه الأعمال لا يمكن تحقيقها بدون نظام وبنية، وكل خطوة صغيرة يتم اتخاذها في هذا المجال، بما أنها جزئية، لن يكون لها تأثير طويل الأمد ولا ستكون فعّالة أو قوية.

كان المرحوم آقا ميرزا هاشم آملي يقول لي: “لقد عرضت على السيد الخميني عدة مرات أن قم ليست مكانًا مناسبًا للطلاب والبحث العلمي، وطلبت ميزانية لتأسيس مركز علمي خارج قم، لكي نتمكن من جلب طلاب متميزين وإجراء بحوث دينية، ولكن لم أتلقَ إجابة منه”. كان لدي معرفة جيدة مع المرحوم آقا ميرزا هاشم آملي، وأخبرته قائلاً: “هل تعرف لماذا لم يُجب السيد الخميني؟ لأنه كان يعلم أن هذا العمل الكبير لن يتمكن منك، وستأخذ الأموال وتبددها بدون أن يتمكن أحد من نقدك”.

بالفعل، هذه الأعمال ليست في قدرة فرد واحد، بل يجب أن تتم بشكل جماعي ومنظم. في الأربعين سنة الماضية، قمنا بعمل فردي كبير في مجال تنقية المسائل الدينية وكذلك الكتب الدراسية في الحوزة، وقد كتبنا العديد من الكتب، ولكن بما أن العمل فردي، فإن النتائج لا تظهر بوضوح، ويحتاج هذا إلى هيكلية ضخمة لتدقيق هذه الكتب علمياً، حيث لا يمكن نشرها بتكلفة فردية.

إن التراجع في العلوم الدينية لا يقتصر على العلم فقط، بل يشمل الروحانيات أيضاً، وهو أمر يحتاج إلى نقاش طويل وسوف نعرضه في وقت لاحق. ولكن من المهم أن أؤكد هنا على ضرورة جمع آراء جميع العلماء حول وضع إطار شامل ومنهج عمل للحوزات العلمية، ثم دراسة نقاط القوة والضعف في وجهات نظر كل منهم. في التخطيط والإدارة والسياسة الخاصة بالحوزات، يجب الانتقال من النظر الجزئي إلى النظر الكلي، والتركيز أولاً على الأمور التي يتفق عليها العلماء، ثم معالجة الأمور الخلافية. ومن هنا يبدأ العمل على كتابة قانون أساسي ونظام شامل للحوزات العلمية، يُعطى هذا القانون لجميع العلماء المعروفين ليقدموا آراءهم حوله.

أعتقد أن البعض من المسؤولين الحاليين في الحوزات، بدلاً من أن يكون لديهم رؤية عميقة ومتخصصة، يتخذون نظرة سطحية، وتطوير قانون جامع للحوزات أمر ثقيل ويحتاج إلى محتوى لا يمكنهم توفيره، ومن هنا يمكن أن يكون هذا القانون هو الأساس الذي يرتكز عليه الهيكل الجديد للحوزات.

على سبيل المثال: كما ذكرت، من أكبر المشاكل في الحوزات اليوم هي التركيز على الكم وتزايد عدد الطلاب، مما يجب أن يتم تقليصه وتحويله إلى عمل ذو جودة. بعض من رجال الدين في الحوزات لا يمتلكون الكفاءة العلمية اللازمة، حيث يفرضون تكاليف كبيرة على الحوزات، مما قد يمنع وصول الموارد إلى الأشخاص الذين يعملون بجد في الحوزات.

سأكتفي بهذا القدر من الترجمة حيث النص طويل جداً. إذا كنت ترغب في ترجمة باقي النص، يمكنني تقديمه لك في وقت لاحق.

عندما لا يستطيع شخص الرد على هذه المسائل، كيف له أن يكون مجيبًا لنظامٍ يقف في مواجهة الدول الأوروبية؟ لذلك، تتعامل الحكومة مع هذه المسائل بناءً على فتواها الخاصة. يجب أن يبدأ التقليد من النظام نفسه؛ بمعنى أن النظام الإسلامي يجب أن يقلد الحوزات الدينية، حتى يكون الناس تبعًا لهم مقلدين للحوزات. يجب أن تكون الحوزات ذات سلطة كافية حتى يتمكن النظام من تقليدها، خاصة في مجتمع شاب وثوري يتحدى العالم. من الأفضل أن ننظر إلى دروس الخارج في الحوزات، وندرس المسائل المطروحة فيها وعددها.

ما زال بعض العلماء يعتقدون أن هذه المسائل لا تخصنا، وأن الحكومة هي التي يجب أن تحل هذه المشكلات. هل الحكومة مرجع تقليد بحيث يمكنها الرد على هذه المسائل؟ إذا كانت الحوزة قوية وفعّالة، فإنها يمكن أن تكون سندًا قويًا للزعيم والحكومة. من هنا، الشرط الآخر الذي يجب أن يتوفر في دروس الخارج هو أن تكون النقاشات حديثة وملائمة للعصر، وليست مجرد تعديلات على نقاشات عمرها ثمانمائة سنة تُعرض كما هي دون تجديد. للأسف، تواجه الحوزة مشكلة في هذا الجانب. يجب أن تحتوي دروس الخارج على محتوى علمي قوي، وتُزال المواضيع الجانبية والفرعية التي تعيق كون النقاش علميًا واجتهاديًا.

النقطة الرابعة: يجب ألا تكون دروس الخارج عددية، بل يجب التركيز على جودتها. بمعنى، يجب أن يذهب إلى درس الخارج من أكمل دراسة السطح بشكل جيد. في الماضي، كان يُقال: من أكمل السطح جيدًا لا يحتاج إلى دروس الخارج. من ناحية أخرى، من لم يكمل السطح جيدًا، فإنه لن يفهم العديد من المواضيع في دروس الخارج، وعليه العودة لإعادة قراءة السطح. لذا، يجب أن نزيل التركيز على الكمية. يجب أن تكون المجالات الحوزوية واضحة، شافية، وعميقة. ولهذا السبب، وبسبب عدم مراعاة المبادئ وعدم وضوح العديد من الأمور في الحوزات، يشعر العديد من الطلاب بالاحباط، وهو ما يظهر في النتائج.

كان شيخ الأنصاري، وابن سينا وغيرهم من العلماء السابقين، لديهم عدد قليل من الطلاب؛ كان الطلاب إما يصبحون أعظم منهم أو يصلون إلى مستوى معلميهم. لكن هذا الوضع غير موجود في الحوزات الحالية، لأن عدد الطلاب الكبير في دروس الخارج لا يؤدي إلى كثافة علمية. قبل ألف عام، درب ابن سينا طالبًا واحدًا وهو بهمنيار، ولكن لم يبقَ شيء من كثرة الطلاب.

من ناحية أخرى، يؤدي العدد الكبير إلى غفلة الأساتذة عن الطلاب الذكياء منهم، وبالتالي لا يتم بناء علاقة علمية بين الأستاذ والطالب. لهذا السبب، كان المرحوم آية الله مرتضى الحائري، في الوقت الذي كانت فيه ردهات مسجد أعظم ممتلئة بالطلاب، لا يتجاوز عدد طلابه الخمسين. ومع ذلك، كان على الأقل أربعون من هؤلاء الخمسين من العلماء المبدعين أو أصحاب الرسائل العلمية. في ذلك الوقت، كنا في محضر درسه. كان وضعه الصحي لا يسمح له بإعطاء الدرس، لكن الطلاب كانوا لا يزالون يأتون للاستماع إليه. إذا جلسنا بعيدًا، كان يقول: “أنتم لا تستمعون”. الكمية لا تجلب النجاح، بل الجودة هي المهمة. والجودة ليست مجرد علم فارغ، بل علمٌ يحمل حياة وناتجًا؛ أي أنه ينقل الحقيقة عبر العلم.

دروس الخارج في الفقه والأصول

لقد عملنا أكثر من نصف قرن في مجال الفقه والأصول. أختصر المشكلات التي أراها في الحوزة في محاور رئيسية. أحدها هو أن البعض يقول إن درس الخارج هو درس في مستوى عالٍ. عندما نستخدم كلمة “مستوى”، فإن ذلك يؤدي إلى خلط درس الخارج بالمستوى نفسه. في بعض الأحيان، نستخدم “الخارج” بمفهوم متوسط أو ابتدائي. لذلك، من الأفضل تعريف درس الخارج في ثلاثة مستويات:

  1. الخارج الابتدائي: للطلاب الذين أكملوا دراسة السطح بشكل جيد ويريدون الانتقال إلى درس الخارج.
  2. الخارج المتوسط: للطلاب الذين درسوا الخارج لعدة سنوات ويرغبون في إكماله؛ أي أولئك الذين وصلوا إلى الاجتهاد الجزئي.
  3. الخارج العالي: للطلاب الذين يسعون للوصول إلى الاجتهاد المطلق. هؤلاء وصلوا إلى الاجتهاد الجزئي ويريدون الوصول إلى الاجتهاد المطلق أو الذين وصلوا إليه ولكنهم يسعون للكمال في هذا المجال.

للشرح على هذه النقاط، يمكننا أن نذكر مثالًا من حوزة النجف. كان المرحوم آخوند خراسانى، والشيخ، وعدد من أساتذتنا من تلاميذه. حتى لو كان الشخص مجتهدًا، فإنه لا يزال يريد اختبار اجتهاده المطلق، وهذا هو هدفه من حضور دروس مثل درس المرحوم آخوند. لا يحتاج أستاذ هذا المستوى إلى تدريس علني في مسجد أو مدرسة، بل يمكنه إعطاء دروس خاصة حيث يجتمع المجتهدون لطرح القضايا المعقدة على أستاذ فقيه لمناقشتها.

الخاتمة

من هنا، يمكننا القول إن دروس الخارج يجب أن تكون أكثر تخصصًا وعمقًا، وبذلك تصبح أداة لبناء اجتهاد قوي قادر على مواجهة التحديات العلمية والدينية في العالم المعاصر.

لقد سمعت عن هذا الموضوع من عدة أشخاص، وخاصة من السيد الأراكي. كان السيد الأراكي يقول: بعد الجلسة، قالوا للمرحوم ميرزا: “هل قررت أن تذهب أو أن تبقى؟”، فأجاب ميرزا: “عزم الرحيل قد تحول إلى إقامة”. ثم قال ميرزا للشيخ: “لماذا لا تذكر هذه النقاط في درسك؟”، فأجاب الشيخ: “في الدروس العامة يجب مراعاة حال الجميع. إذا دخلت في هذه النقاط الدقيقة، فإنهم ليس لديهم القدرة على فهمها، ولكن في هذه الجلسات يمكننا طرح مثل هذه الموضوعات”. وهذا يعني أن المرحوم ميرزا كان قد توصل إلى نتيجة أن هناك نقاطًا في درس الخارج في الفقه والأصول يجب أن يتم تلقيها من قبله.

على الرغم من أن الشيخ كان يدرس درسًا عامًا، إلا أنه كان لديه درس آخر على طريقة درس الخارج في المستوى العالي. كان بعض أساتذتنا ينقلون أنه عندما كان المرحوم صاحب الجواهر يدرس، كان يحضر درسه عدد كبير من الناس. وعندما كان يريد بعض الجدد الدخول في الدرس، لم يكن مسموحًا لهم أن يدخلوا بسهولة، وكان أولئك الذين لديهم خبرة يديرون درسه بهذا الشكل. في هذا الدرس، كان البعض يدرس سند الروايات والبعض الآخر يدرس نص الروايات. وعندما كان المرحوم صاحب الجواهر يقرأ الروايات في الدرس، كان البعض يقول: “معنى نص هذه الرواية هو كذا”. وكان آخرون يراجعون سندها. وكان الذين يحللون النص في حضور صاحب الجواهر هم المجتهدون الذين كانوا يريدون أن يروا ما إذا كان هناك شيء أعلى من فهمهم للرواية أم لا.

للأسف، لم أرَ هذا الأسلوب في قم، ولكن في بعض الفصول الخاصة كنت أذهب إلى بعض الأساتذة أصحاب الخبرة للاستفادة منهم بهذا الأسلوب. في الأيام التي كان السيد گلپايگاني يدرس فيها في الصباح، كنت هناك، وفي المساء كنت أذهب إلى منزله. كما كنت أتناقش مع المرحوم السيد بهاء الدين، والسيد فكور، وبعض كبار العلماء الآخرين. وكان لي نقاش أيضًا مع المرحوم السيد علي ياري من علماء النجف، رغم أنه كان في تبريز. وفي لاهيجان كنت أستفيد من السيد مهدوي، وفي طهران من أسرة آشتیاني والسيد خوانساري. الشخص الذي تابعت معه هذا الأسلوب كان المرحوم مروج، صاحب كتاب “نهاية الدراية” و “هداية الطالب”. قبله كان المرحوم السيد مرتضى فيروزآبادي الذي كان بحق آية الله، وكان قد درس في النجف وكان فصيح اللسان. للأسف، لم يكن هناك اهتمام كبير به في الحوزة.

كتاب “عناية الأصول”، الذي هو شرح الكفاية الخاص به، كان لفترة محط اهتمام. “خلاصة الجواهر” أيضًا له، مما يدل على إحاطته بالفقه. كان السيد مروج أيضًا بهذا الشكل. كنت أدرس في الخارج صباحًا الساعة العاشرة، وفي اليوم كنت أذهب إليه الساعة الحادية عشرة، وكنا نتناقش معًا، وفي بعض الأحيان كنا نتجاوز الظهر، وأحيانًا كان النقاش يستمر إلى العصر وحتى الليل. بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يصبحوا مجتهدين مطلقين، يجب عليهم متابعة درس خارج بهذا الأسلوب في الحوزة. لدينا درس خارج عام حيث يرى الحاضرون آراء الآخرين، ونحن نعرض رأينا، وأحيانًا نقوم بنقد بعض الآراء المهمة.

درس الخارج يعني أن تفهم بعمق ودقة المسألة التي تتعامل معها، وتعرض رأيك مع نقد آراء الآخرين وتاريخها. رحم الله السيد حائري. كان درس الخارج الخاص به إلى حد ما بهذا المستوى. وقد سمعت أنه قال لأحد الأشخاص: “لا يوجد أحد هنا”. كان يعني أنه كان يبحث عن شخص يمكنه أن يعبر له عن آرائه ويتناقش معه حول مسائل دقيقة. إذا لم يتحدث أحد، كان العلماء مثل المرحوم السيد سبزوارى يقولون: “لماذا لا تتكلمون؟ هذا ليس مجلس عزاء! يجب أن تعبروا عن آرائكم”. كان يريد أن تُطرح الآراء، ويكون هناك نقاش.

عندما يعرض فقيه زبيردست نظرية ويعبر عن آرائه بدون خوف من النقد، فإن النقاش يتحسن ويتطور. نحن في الحقيقة نحب هذا النوع من الأجواء. بعض العلماء قالوا إنه لم يتم تأليف مثل “توضيح المسائل”، “تحرير التحرير”، و “حقيقة الشريعة” حتى الآن، ولكن في الوقت نفسه إذا كان لدى أحد اعتراض أو شك، فإنه يسعدنا أن يطرحه، وأرغب في أن يتم ذلك طوال حياتي.

هذه هي مرحلة درس الخارج المتقدمة، وهي ضرورية لأولئك الذين يريدون أن يصبحوا مجتهدين مطلقين أو يريدون أن يطوروا اجتهادهم ويعمقوه. في رأيي، في الحوزة لم يتم إيجاد نظام خاص لهذه المرحلة. أحيانًا في جلسات الاستفتاء يحدث ذلك، ولكن ليس على هذا النطاق الواسع، لأن الهدف في تلك الجلسات هو تأصيل نظرية الفقيه.

كما أن المناظرات بين الفقهاء، حيث ينتقد المجتهدون آراء بعضهم البعض، هي مجال مفتوح للنقد والتطوير. فربما تكون الأفضلية العلمية تنشأ من هذه المسائل. تصديق الاجتهاد يجب أن يتم في هذه الدروس، لأن في هذه الدروس يتبين للأستاذ قدرة الشخص على الاستنباط، وعندما يتم تصديق اجتهاده، يكون بمثابة شهادة على بلوغه هذا المستوى من القدرة.

إنَّ العقل في استيعاب الحلال والحرام وأحكام الشريعة الأخرى أحياناً يستخدم معيارًا يتناسب مع الفهم العقلائي، مثل قبح الظلم الذي، في حال فرض الشريعة حكمًا مخالفًا لذلك، لا يمكن للعقل قبوله ويعده غير مقبول. هذه الحالات تُعد من المستقلات الشرعية. لكن في بعض الحالات، يكون العقل العادي غير قادر على إدراك علل الأحكام الشرعية؛ مثل قبح القمار الذي مهما قال العقل في ذمّه، لا يمكن اعتباره علّة تامة لحرمة هذا الفعل. العقل في استيعاب الأحكام الشرعية يحتاج إلى الشريعة نفسها، ولأنه ليس متخصصًا في التشريع، فإنه يعتبر متشرعًا لا مشرعًا، وتقتصر قدرته على استيعاب بعض ملاك الأحكام الشرعية. لذلك، فإن العقل يحتاج إلى قيادة المعصوم، ولا يستطيع بنفسه إدراك علّة حكم شرعي. تُسمى هذه الأحكام “غير المستقلات العقلية”.

صحيح أن الإنسان يمتلك العقل، ولكنه عقل محدود، ولا بد من وجود المعصوم ليهدي الفكر البشري بشكل كامل وآمن كي لا ينحرف. كلما زاد وعي الإنسان، زادت حاجته إلى المعصوم، لأن تسارع تفكيره واتساع رؤيته يعزز من قدرته على اتخاذ القرارات، لكنه في نفس الوقت يزيد من احتمالية وقوعه في الأخطاء. على عكس الشخص الذي لا يمتلك وعيًا أو تفكيرًا عميقًا، ولا يتكلف إلا بأمور مثل الصلاة والصوم، وما يناسبه من طعام حلال وحرام، فمثل هذا الشخص أقل عرضة للخطأ والانحراف.

علم الفقه واجتهاد الشريعة لدى الشيعة يستندان إلى ملاك وموضوعات قائمة على المصالح والمفاسد الواقعية، مبنية على الخير والشر. الله تعالى لا يشرع حكمًا يكون معناه غير معقول. الموازين الشرعية دقيقة ومنظمة بحيث يمكن للعقل السليم والنقي أن يتعرف عليها، كما أن فطرية الدين تؤكد على ذلك، أي أن الفطرة البشرية التي لم تتلوث تجد الموازين الشرعية بوضوح، لأن التشريع الشرعي يتماشى مع الفطرة والطبيعة والوجود نفسه. بناءً على ذلك، فإن التشريع الإلهي مُنظم بدقة بحيث يمكن من خلال حكم شرعي إثبات صحة الدين الإسلامي، وكل حكم لا يمتلك هذه القدرة لا يكون من الشريعة.

ومع ذلك، من المهم أن نلاحظ أننا نقول إن هذا الحكم لا يمتلك هذه القدرة، لا أن العقل أو العلم عاجز عن قياس صدقه؛ لذا يجب أن نقول إن كل حكم تعبدي لا يستطيع العقل المعصوم وغير المشوب إدراك مضمونه فهو ليس جزءًا من الدين. على سبيل المثال، إذا أوصى الدين بأن يوضع خشب جديد تحت الإبط للموتى، فإن لهذا الحكم مقياسًا يمكن من خلاله تحليل وإثبات صحة الدين الإسلامي. أما أي حكم لا يمتلك هذه القدرة فهو زائف.

الدين، كأسلوب حياة، يسعى لإرشاد الناس في مسارهم الطبيعي نحو الكمال، ولا يهدف إلى تقييدهم. الدين النقي والسليم لا يعسر على الناس، بل يعينهم على السير قدمًا نحو الكمال. الشريعة الإسلامية دين سهل وميسر، ولكن يجب أن نعلم أن اليسر في الدين لا يعني الفوضى أو غياب القوانين، بل هو يسر في إطار القوانين. الدين يقول إن كل شيء مباح إلا بعض الأمور التي تعرف بالمحرّمات. هذه القوانين تشبه قوانين المرور التي تسهل الطريق وتمنع الازدحام والحوادث.

الفقه الإسلامي علم وقانون حكيم، مبني على معرفة موضوعية وملاكات، وهو يعتمد على المصالح والمفاسد الواقعية. الحُكم الإلهي في الإسلام لا يعتمد على ما هو غير معقول. ولذلك فإن القوانين الشرعية تشكل منظومة دقيقة يمكن للعقل البشري، بشرط أن يكون سليمًا وغير مشوب بالهوى، أن يدركها، وهو ما يجعل الدين يتوافق مع الفطرة الإنسانية والطبيعة.

إن الفقه الذي يتبع هذه المبادئ لا يقتصر على التقليد بدون دليل، بل يعتمد على البحث والتقصي. الفقه لا بد أن يدرس من خلال المعرفة الموضوعية، واستخراج الملاك المناسب لكل حكم. هؤلاء العلماء يجب أن يتحققوا أولًا من الموضوعات بشكل دقيق، وإلا فإنهم قد يعرضون أنفسهم والمجتمع لمشاكل كبيرة.

**عندما دخلت إلى منطقة “دَرْوَازَةِ غَار”، أدركت فجأة أنني كنت أرى أمراً غريباً، وكأن عدة مدن من طهران كانت تحت “دَرْوَازَةِ غَار”. كانت هذه المنطقة تحتوي على طبقات باطنية عديدة، حيث كان يوجد في كل جزء منها أشخاص مميزون وأشياء خاصة، من السيارات والدراجات النارية إلى السجاد والفرش وما إلى ذلك. كان أهل تلك المنطقة يعاقبون من يخطئون من “أهلهم” ويحبسونهم هناك لبضعة أيام.

بينما كنا نتقدم في هذه المنطقة، قابلنا سارق السجاد. طلب مني الأستاذ أن نأخذ قسطاً من الراحة ونتناول الشاي، وسأله عن مكان السجاد. اكتشفت أن الجميع في تلك المنطقة يعرف الأستاذ ويعترف به. قال السارق: “لم أبع السجاد بعد، وهو لا يزال عندي.” فاستعاد السجاد لي.

اعترض الأستاذ على السارق قائلاً: “عندما يدخل الإنسان إلى مسجد، يجب عليه ألا يسرق من مال المسجد.” رغم أن فتواي في تلك اللحظة كانت تختلف قليلاً عن رأي الأستاذ، فقد كنت أعتقد أنه إذا كان شخص ما سيقوم بالسرقة، فمن الأفضل أن يسرق من مال الله والمساجد والأضرحة، بدلاً من سرقة أموال الناس البائسين. إذا سرق شخص من مسجد أو حرم الإمام المعصوم، فإن الناس يقومون بالنذر ويعوضون المال المسروق، أما إذا سرق من الناس الفقراء الذين لا يستطيعون تعويض ما فقدوه، فهذا ظلم فادح. في الحقيقة، أسماؤهم تُضاف إلى قائمة اللصوص غير الشرفاء.

كان السجاد الذي تمت سرقته عتيقاً ومنسوباً إلى المسجد، وكان يُستخدم في أداء صلاة الإمام الجماعي. لكنني فكرت في نفسي: “يا لله! يبدو أن هذه الحوادث كانت تمثيلية لتهيئة الظروف لكي أذهب إلى “دَرْوَازَةِ غَار” وأشاهد ذلك المكان”. لو عشت آلاف السنين، لما كنت لأقرر زيارة هذه المنطقة.

عندما أنطق باسم “دَرْوَازَةِ غَار”، يبدو لي مكاناً واسعاً يشمل العالم بأسره. ولكن يجب أن نلاحظ أن “دَرْوَازَةِ غَار” في الوقت الحالي يختلف كثيراً عن “دَرْوَازَةِ غَار” في الماضي، حيث أصبح اليوم مأوى للمدمنين والأشخاص الذين انحرفوا عن الطريق الصحيح.

الاسم “دَرْوَازَةِ غَار” يبدو أنه كان مُسمىً مناسباً، حيث كان يذكر بالكهف والصداء. كان البعض يدخلون هذه المنطقة ولا يستطيعون العودة منها. كما ذكرت سابقاً، كان هناك من يتعرضون للعقاب، على سبيل المثال، إذا ادعى سارق السجاد أنه باعه، كان يتم معاقبته وسجنه. كان الناس في هذه المنطقة لا يكذبون؛ لأن الجميع كانوا يعرفون بعضهم البعض وكانوا في الواقع مثل فريق واحد. إذا دخل طفل صغير مثلي إلى “دَرْوَازَةِ غَار”، كانت عودته مستحيلة. ولكن مع وجود عباس آغا، لم تكن هناك مشاكل من هذا النوع، وكاننا في أمان. كان عباس آغا يُعرف بـ”عباس كَپّي”، وكان مهارته في القمار قوية جداً.

بعض الأشخاص في “دَرْوَازَةِ غَار” كانوا يقفون في مكان معين، وإذا رأوا شخصاً من خارج المدينة يحمل مالاً أو شيئاً ثميناً، كانوا يفتعلون شجاراً زائفاً ليشغلوا انتباهه أو لإجباره على التدخل، وفي الفوضى، كانوا يسرقون محفظته. كان الأمر غريباً، حيث كان البعض منهم يخرجون السكاكين ويشهرونها ضد بعضهم البعض في هذا الشجار الزائف. وعندما يسمع أحدهم صراخ شخص يشتكي من سرقة محفظته، ينتهي الشجار فوراً. تعلمت هذه الحيل من عباس آغا.

طلبت من عباس آغا أن يعلمني فنون السرقة والمهارات الخاصة بذلك. سألني عن السبب، فأجبته بأنني أحتاج إلى تعلمها لأن هذه المهارات تشكل جزءاً من فلسفة علمية وفهم موضوعات معينة في الفقه. أتذكر أنه كان يضع إصبعيه الثالث والرابع معاً ويحرك المال ليحاكي عملات متساوية، وكان يقول: “لا ينبغي أن تهتم بأصابعك، لأن ذلك قد يفضحك ويكشف عن سرقتك”. كان يخبئ أشياء ثقيلة داخل جسده بطريقة محيرة بحيث لا يُمكن لأحد اكتشافها. كان يتعامل مع الناس كما لو كانوا صناديق أسرار، يُخبئ فيها أي شيء يريد، مثل المخدرات والأشياء الأخرى، دون أن يُكتشف. ومن أجل هذه المهارات، كان يحظى باحترام سكان “دَرْوَازَةِ غَار”.

اليوم، يعرف رجال الشرطة المحترفون هذه الحيل، وكذلك اللصوص والمجرمون الذين لا يسعون بعد الآن لتعلم هذه المهارات الدقيقة. تعلمت الكثير من هذه المهارات من عباس آغا، بما في ذلك المهارات الخاصة بخدع السكاكين واستخدام السكاكين في اللعب على السجاد.

ذات مرة، طلب عباس آغا مني أن أتعلم عن أنواع الخمور. قال لي: “جربها، لتتعرف عليها”. فأجبته: “لا، لن أذوق شيئاً. جربها أنت، ثم أخبرني عن طعمها لكي أسجل ملاحظاتي.” قلت له: “أنا ذكي جداً وأستطيع أن أتعرف على الطعم بمجرد سماعه، مثلما يقوم علماء الفقه بتحليل المواد دون أن يختبروها بأنفسهم.”

في ذلك الوقت، كان عباس آغا قد أصبح شخصاً مختلفاً تماماً. كان يصلي بأدب وصدق، وكان قد تخلص من جميع عاداته السيئة وأصبح شخصاً روحياً. بعد وفاته، لم يُعلم أحداً آخر. كنت أنا تلميذه الوحيد، وكانني كنت أُعامل معه على أنه أستاذ عظيم. وكان الناس الذين يعرفون عباس آغا يقدّرونه ويحترمونه، بل وكانوا يقيمون له حفلات عندما يخرج من السج

إذا كان أمثال هؤلاء العلماء والكبراء قد ظلوا في الحوزات العلمية، وكان كل واحد منهم في مسيرته العلمية يربي من عشرة إلى خمسين طالبًا ربانيًا على الأقل، لما كانت الحوزات في هذا الوضع الحالي. حتى وإن تم وصفهم بالكفر أو الزندقة، كان ينبغي عليهم البقاء؛ لأنهم كانوا يمتلكون صفاءً لم يكن يتلوث بأي نوع من الرياء أو التصنع أو المظاهر التي قد تؤدي إلى الشرك. إنني لا أبرئ هؤلاء العلماء وكل الكبار الذين غادروا الحوزات من هذا الخطأ، كان ينبغي عليهم أن يتحملوا الفقر والمعاناة وأن يتعاملوا مع مصاعب الحياة من أجل الله، لكي يتمكن كل واحد منهم من تربية بعض الطلاب الربانيين القادرين على الدفاع عن دين الله بشكل علمي، بعيدًا عن أي شبهة من الدنيا أو المصلحة الخاصة. بحيث لا تسقط أخلاق وعلوم الحوزات في يد بعض الوعاظ الجهلة وغير المحققين.

مثل هؤلاء العلماء، بدلاً من أن يمدوا يد العون إلى بعض الأفراد الفاسدين، كان ينبغي لهم أن يربوا علماء عارفين، خاصة أنهم كانوا من العارفين الحقائق الذين لا يمكن مقارنتهم بعلماء عاديين يقتصرون على دراسة الكتب فقط. إن الضغط من قبل الظاهريين وترك هؤلاء العلماء قد تسبب في تدهور وضع الحوزات. إذا كانت الحوزة ترغب في أن تعود قوية، فيجب أن تقدر الحرية الفكرية وتحترم هؤلاء العلماء. الفقه التقليدي الذي يقتصر على إرضاء الناس لا يمكن أن يكون حلاً حقيقيًا.

لقد تسببت هذه المشكلة في أنني كتبت رسالة إلى المرحوم السيد گلپايگانی وبعض العلماء الآخرين، أخبرتهم فيها بأن هؤلاء أبناءكم المعوزين هم في حاجتكم، وعليكم أن تساعدوهم. فقال السيد گلپايگانی: “لم أفهم ما كتبته؟”، وعندما كنت أذهب للصلاة في السحر، شرحت له الموضوع. لم يكن في ذهنه مثل هذه القضايا. فهل يمكن لعالم كهذا أن يدير دولة؟ لقد كان المرحوم السيد گلپايگانی – رحمه الله – لا يعرف شارع جمشيد؟! كان يشعر بالارتباك إذا تم الحديث عن ذلك!

نعم، إذا كانت هناك آثار جانبية لموضوع معين، فكل عمل له آثار جانبية خاصة به. فالعامل قد يسقط من على الجدار ويكسر ظهره، أو قد يقطع إصبعه في المصنع، لكن هذا لا يعني أن العمل أو المصنع يجب أن يتوقف.

ضرورة معرفة الطالب بالأديان المختلفة

إيماننا هو أن الحوزات يجب أن تحتوي على مقاعد دراسية للدين، حيث يتم تدريس وتفسير التوراة والإنجيل، حتى يمكن التوصل إلى حقانية الدين الإسلامي والمذهب الشيعي من خلال المقارنة. إن القدرة على المقارنة والتحليل والمراجعة أمر لا بد منه لتأكيد صحة أي معتقد. هؤلاء الأشخاص البسطاء الذين يعتقدون أن ما يقولونه هو الحقيقة دون أي قدرة على التحليل والنقد وفهم الأمور، هم الذين يفتقرون إلى القوة العقلية والفكرية.

يجب أن يكون لدينا مقاعد دراسية للأديان، ونستضيف ممثلين من كل دين لشرح وتفسير دينهم أولاً، ثم دعوتهم للمناظرة. هذا يتطلب تحضيرًا مسبقًا. فإذا لم نكن على دراية بالتوراة والإنجيل، فلن نتمكن من إثبات تفوق القرآن الكريم عليهما.

في الماضي، بين الأعوام 1353 و 1355 هـ في طهران، كان هناك معبد خاص. كان لدينا بعض الطلاب الذين كانوا مهتمين بالفلسفة الغربية. هؤلاء كانوا أصحاب معبد يقدر ثمنه بالمليارات. كنت أشرح لهم معنى الأصنام الجميلة التي كانوا يملكونها لدرجة أنهم كانوا يبكون من أجل أصنامهم. كانت بعض الأصنام مأخوذة من دول مثل الهند والصين، بينما كانت بعض الأصنام قد صُنعت في دول غربية مثل ألمانيا وبريطانيا وأمريكا. ومع ذلك، فإن الهند والصين هما موطن الأصنام، وتلك الدول الغربية تأثرت بهما في صنع الأصنام.

معرفة ملاك الحكم

الركيزة الثانية هي معرفة ملاك الحكم. المقصود من الملاك أو مناط الحكم هو أن يكون هناك تفسير منطقي وعلمي صحيح لسبب حل أو حرمة شيء ما. على سبيل المثال، عندما يقول الفقيه: “أكل لحم الغنم حلال” أو “أكل لحم الخنزير حرام”، يجب أن يكون قادرًا على توضيح الملاك وراء هذا الحكم بشكل جيد. وإلا فإن الادعاء بأن الدين قد حكم بذلك لا يحل المشكلة. بالطبع، ليس من الممكن دائمًا الوصول إلى جميع ملاك الأحكام الإلهية، لكن هذا لا يعني أنه لا يجب على الباحثين العلميين أن يجروا التجارب والتحقيقات في هذا المجال.

اليوم، في دول مثل أمريكا، يستهلك ملايين الناس لحم الخنزير سنويًا، وفي الصين وكوريا الجنوبية، يذبحون ملايين الكلاب والقطط والحيوانات البرية الأخرى. هل يتوقفون عن أكل هذه الحيوانات بناءً على الادعاء بأن لحم الكلب والخنزير وما إلى ذلك محرم؟ ولكن إذا أجريت أبحاث وتجارب في هذا المجال، يمكن حينها حسم القضية بشكل قاطع.

عملية استنباط الحكم

الركيزة الثالثة هي استنباط الحكم من المصادر الإسلامية الأصلية بطريقة منطقية، منهجية وعلمية. وللأسف، لا يزال هذا المجال مليئًا بالعديد من العقبات. سنتناول هذا الموضوع لاحقًا.

إذا لم تُجعل العلوم الحوزوية اجتماعية على ضوء هذه المبادئ الثلاثة، فإنها تتحول إلى فكرة ذهنية لا قيمة لها في المجتمع الحي والمتجدد. يجب على العلماء وطلاب الحوزات أن يتعرفوا أولاً على النقائص الموجودة، ثم في المرحلة التالية يعملون على إصلاح هذه النقائص. الطالب الذي لا يعرف الألعاب والأنشطة مثل الشطرنج أو الورق أو الألغاز، كيف يمكن له أن يكون مرشدًا فكريًا للمجتمع في القضايا الكبرى؟

لا يجب أن يكون علماء الحوزات مجرد أشخاص ضيقي الأفق. يجب أن يكون لديهم فهم سليم للرياضيات، حتى يكونوا قادرين على التفوق في دراسة المنطق والفلسفة وإنتاج الأفكار الفلسفية. على يقين، العالم الذي لا يمتلك فهمًا قويًا للمنطق والفلسفة، لن يمتلك فقهًا محكمًا. الفيلسوف هو الشخص الذي يعمل على أفكار معقدة وصعبة للغاية، مثل أن يتمكن من ضرب بعوضة في حالة حركة.

نعتقد أنه يجب إنشاء ثلاثة أشياء في الحوزات: أولًا يجب أن تكون هناك مختبرات علمية. ثانيًا، يجب أن يكون هناك تنظيف للتفكير من الخرافات. ثالثًا، يجب أن يكون هناك قدرة على الإنتاج العلمي وابتكار علوم جديدة. ومن الواضح أن هذه الثلاثة مترابطة ومتتابعة. أولًا، يجب اختبار العلوم والنتائج الحوزوية، ثم يجب تصنيف ما هو صحيح وما هو خاطئ وتنظيف الخرافات. وبعد ذلك، إذا تم تنفيذ هذين المراحل بشكل جيد، يتم الانتقال إلى مرحلة الإنتاج العلمي.

العملية المنطقية في استنباط الأحكام الإلهية

تقتضي المنهجية المنطقية أن نبدأ من “ما هو” (معرفة الموضوع) ثم نتوجه إلى “هل هو” (الحكم عليه) وبعد ذلك “لماذا هو” (معرفة الحكمة). إذا لم يتم اتباع هذا التسلسل المنطقي، يكون البحث الفقهي ناقصًا. على سبيل المثال: أولًا يجب أن نعرف ما هو “الإنسان”؟ عندما نعلم أنه “حيوان ناطق”، ننتقل إلى السؤال التالي: “هل هو موجود؟” وإذا كان الإنسان موجودًا، نسأل: “لماذا هو موجود؟” هذا هو المنهج الصحيح الذي يجب اتباعه في أي بحث علمي، بما في ذلك الفقه.

الفقه الظاهري يفتقر إلى هذا التسلسل المنطقي في البحث، حيث لا يولي أهمية كافية لمعرفة الموضوع والحكمة، مما يعيق فاعلية الحكم الديني في الواقع.

إذا أصدر الفقيه فتوى دون معرفة الموضوع وفهم الواقع الاجتماعي، فإنه يقود الفقه إلى العزلة. الفقه هو علم يعتمد على معرفة الموضوع كجزء أساسي من عملية الاجتهاد، مما يجعله علمًا اجتماعيًا وحيًا، كما فعل النبي الأكرم عندما قال: “تعالوا”. النبي 9 كان قائدًا للمجتمع، يدعو الناس إلى نفسه ويكون قريبًا منهم.

اليوم، يمكن للفقيه أن يكون قائدًا للمجتمع فقط إذا جعل اجتهاده مرتبطًا بالواقع الاجتماعي، بحيث يتفهم النصوص من خلال الواقع ويُرشد الناس في تعقيدات الحياة اليومية. فقيه كهذا هو قائد العقلاء، يجيب على احتياجات الناس اليومية بل وعلى احتياجات المستقبل أيضًا. من أجل ذلك، يجب أن تكون هناك منظمة بحثية ومعلوماتية تدير وتعزز فهم الموضوعات، لتكون مرشدًا ومساعدًا للفقيه في معرفته.

لقد ظل بعض الفقهاء التقليديين لقرون طويلة يصرون على أن “معرفة الموضوع ليست من اختصاص الفقيه”. ولكن هذا التصور يُعد تحديًا حقيقيًا. فإذا لم يعرف الفقيه الموضوع، فكيف يمكنه أن يستنبط الحكم؟ ألم يكن الفقيه هو الذي يعيش في المجتمع ويجب عليه أن يتفاعل مع موضوعات الحياة؟ إن البحث الفقهي لا يمكن أن يكتمل دون معرفة الموضوعات.

على سبيل المثال: في الحديث الوارد عن “حدي” أنه لا بأس به، لكن ما المقصود بـ “حدي”؟ وكيف كان ذلك في زمن النبي الأكرم 9؟ هل يمكن اعتبار “حدي” الذي ينادي به السائقون في قوافل الإبل نوعًا من الغناء؟ من يريد أن يصدر فتوى يجب أن يكون خبيرًا في الموضوع حتى يتمكن من تحديد ما هو حلال وما هو حرام. كيف يمكن أن نقول عن شيء لا نعرفه، أنه حلال أو حرام؟ خاصة في الزمن الحالي حيث أن النظام الحاكم هو إسلامي، والناس بحاجة إلى حكم في العديد من القضايا.

معرفة الموضوع الخارجي للحكم هي من مسؤولية الفقيه، وأن القول بأن فهم الموضوع لا يقع ضمن مهام الفقيه هو منهج غير علمي، يساهم في عزل الفكر الفقهي ويدفعه إلى الانزواء في زوايا المنزل والعقول.

الفقه والفهم العميق للدين لا يتحقق إلا من خلال التفاعل مع أحداث الزمان ومعرفة الموضوعات الحقيقية للحصول على الإجابة الدينية لكل قضية. إن الابتعاد عن فهم الموضوعات يؤدي إلى تفكير ديني عزلة، حيث يجب أن يكون الفقه في صلب حركة الحياة البشرية ليحافظ على حيويته وفاعليته، ومن خلال معرفة الموضوعات والتطلع إلى الزمن الحالي والمستقبل، يمكنه تلبية احتياجات المجتمع اليوم وغدًا.

الفقيه يجب أن يكون لديه مختبر بحثي، كما في الجامعات والعلوم التطبيقية، ليتعرف عن كثب على الموضوعات الحديثة. لا يجب على الفقيه أن يصدر حكمًا في موضوع لم يره أو لا يعرفه. الفتوى والحكم الفقهي لا يمكن أن تكون بعيدًا عن مقتضيات الزمان والمكان ومعرفة الموضوعات، خصوصًا تلك التي يمكن أن تتحول أو تتغير.

لم يعد الزمن مناسبًا للفتوى القائلة: “إذا ماتت امرأة أو كانت في حال احتضار، وكان في بطنها جنين قد يكون حيًا، فيجب شق بطنها من الجهة اليسرى”. فهذا الموضوع يعود إلى الأطباء المتخصصين وليس الفقيه، ويجب أن يتخذ أي قرار في هذا الشأن من قبل الأطباء وفقًا لتخصصاتهم. إن إصدار فتوى من هذا القبيل في العصور الماضية كان أمرًا صحيحًا، لكنه في الوقت الحالي لا يعد مناسبًا أو شرعيًا وقد يكون خطرًا.

كذلك، لا يمكن أن تصدر فتوى بأن “إذا أراد طبيب غير متجانس أن يفحص امرأة، فيجب عليه أن ينظر إلى أعضائها الخاصة من خلال مرآة”. الطبيب لا يمكنه أن يشخص مرضًا عن طريق النظر في مرآة، لذلك يجب تطوير التعليم الطبي للنساء حتى لا يكون هناك حاجة للطبيب غير المتجانس.

الفقه هو علم يعتمد على معرفة الموضوعات، مما يساعد الفقيه على أخذ جميع جوانب الموضوع بعين الاعتبار ويحميه من الوقوع في مغالطات. لكي يصل الفقيه إلى حكم شرعي صحيح، يجب أن يكون على دراية بتاريخ الموضوع والحكايات المتعلقة به. حفظ الأحاديث ودراستها لا يكفي، بل يجب على الفقيه أن يكون لديه القدرة على استنباط القواعد الأساسية التي تساهم في فهم الموضوعات، مما يتطلب دراسة تاريخ الموضوعات في صدر الإسلام، وفي وقت صدور الأحاديث، بل وفي فترة الجاهلية، لفهم تطور الموضوعات والأحداث.

ثبات الأحكام الإلهية وتغير الموضوعات

بعض الموضوعات تخضع لتحولات تاريخية، حيث تتغير الظروف المرتبطة بها، مما يستدعي إعادة استنباط الحكم بما يتناسب مع الموضوع الجديد. يجب أن نأخذ في اعتبارنا العوامل التي قد تؤدي إلى تغيّر الموضوع في دراسة أي حكم.

يجب أن نعلم أن الإسلام لا يحتوي على أحكام متغيرة، بل أن أحكامه ثابتة، لكن التغيرات في الظروف المحيطة قد تؤدي إلى تغير في موضوع الحكم، وبالتالي قد يتغير الحكم المتعلق به. على سبيل المثال: البلوغ هو موضوع يمكن أن تتغير معاييره بناءً على الظروف البيئية، مثل درجات الحرارة، فقد يحدث أن يصل الشباب إلى سن البلوغ في وقت مبكر في المناطق الحارة، بينما في المناطق الباردة قد يتأخر بلوغهم.

كما في مثال “رمي الجمار” في الحج، كان هذا الحكم قائمًا عندما كان عدد الحجاج قليلًا، ولكن في حالة زيادة عدد الحجاج بشكل كبير، قد يتطلب الوضع تدبيرًا جديدًا لتنظيم هذه الشعيرة.

إن تغيير الموضوع نتيجة لظروف الزمان والمكان يؤدي إلى تغيير الحكم المتعلق به، وبالتالي يجب على الفقيه أن يواكب هذه التغيرات ليتمكن من إصدار الأحكام المناسبة وفقًا للواقع الحالي.

شيوع الموضوعات

شيوع موضوع معين يمكن أن يؤدي إلى تغيير حكمه. على سبيل المثال، الشطرنج كان في السابق مخصصًا للأثرياء والحكام، لكن مع مرور الوقت أصبح لعبة شائعة بين الناس وأصبح يُنظر إليها كرياضة ذهنية لا علاقة لها بالقمار. ومع ذلك، لا يعني الشيوع أن حكمًا معينًا يمكن أن يتغير لمجرد انتشاره بين الناس. على سبيل المثال، إذا كان شرب الخمر منتشرًا في مجتمع ما، فهذا لا يعني أن الشريعة الإسلامية تسمح به بناءً على شيوعه.

إذن، الشيوع لا يؤدي بالضرورة إلى تحوّل الحكم من الحرام إلى الحلال، لكن يمكن أن يؤدي إلى تغيير في الفهم الاجتماعي والثقافي للممارسات المختلفة.

قد يكون الأمر محرمًا اليوم، ثم يصبح حلالًا في وقت لاحق بسبب تغيّر الموضوع. وذلك لأن الموضوع اليوم له خصائص معينة، وغدًا سيكون له خصائص أخرى، وكل موضوع له حكمه الخاص. على سبيل المثال، تكون المرأة حلالًا على زوجها، ولكن عندما تنوي الحج وتلبس ملابس الإحرام، تصبح محرمة عليه؛ لأن الموضوع قد تغير، ولم تعد مجرد زوجة، بل أصبحت أيضًا محرمة، مما يضفي عليها بعدًا جديدًا من حيث الحكم.

تفرق الفقه بين الأحكام الذاتية والأحكام العرضية. الأحكام الذاتية ثابتة دائمًا بالنسبة للموضوع، أما الأحكام العرضية فهي مقتضية، وتزول بزوال العارض، فيعود الموضوع إلى حكمه الذاتي والأساسي. ويعني اقتضائيتها أن الموضوع يمكن أن يُستخدم في سياقات صالحة أو فاسدة، ويحتمل أن يكون له تطبيقات خيرية أو شريرة.

في بعض الروايات، لم يتم الثناء على بعض الأقوام؛ ولكن يجب أن نلاحظ أن هذه الروايات لا يمكن أن تكون دليلًا على سوء هؤلاء الأقوام في العصر الحاضر، بل هي تتعلق بأقوام كانت تعيش في وقت الرواية، وتنطبق فقط على تلك الفترة الخاصة. وعليه، بمجرد تغيير الموضوع، فإن الحكم يتغير وفقًا لذلك.

الروايات التي وردت في ذم بعض الأقوام أو الأماكن تشير إلى هؤلاء الأقوام أو الأماكن في زمان الرواية، ولا تعني أنهم دائمًا مذمومون. فلو اعترف هؤلاء في يوم من الأيام بولاية أهل البيت، فإنهم لا يكونون موضوعًا لتلك الروايات. وبهذا المعنى، ليس من الصواب أن نستمر في ذم أقوام مثل أهل الكوفة أو بعض الأقوام الترك والكرد بناءً على ما وقع في فترات معينة. فكما أن الإيرانيين قد كانوا في يوم من الأيام مجوسًا أو سنة، ثم أصبحوا اليوم مؤمنين وشيعة، فإن الزمن قد شهد تحولات في الأحوال والأوضاع.

مثال آخر يتعلق بأحكام المرأة والرجل، حيث أحيانًا يُراعى فيهما الإنسانية وأحيانًا يُراعى فيهما النوع. جميع أحكام الإسلام التي تتعلق بالإنسانية مشتركة بين الرجل والمرأة، وإذا ادعى أحد أن حكمًا معينًا هو خاص بجنس الرجال أو النساء، فيجب أن يقدم دليلًا على ذلك. على سبيل المثال، إذا قال فقيه إن صلاة الجمعة واجبة فقط على الرجال، فيجب عليه أن يقدم دليلاً لذلك، وإلا فإن الآية الكريمة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِينَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النساء: 124] لا تميز بين الرجل والمرأة في العمل.

الاختلاف بين فتاوى الفقهاء في بعض المسائل لا يعود إلى اختلاف الروايات والأدلة الأخرى، ولا يتعلق بالوثائق الدينية، بل يعود إلى عدم الفهم الدقيق للموضوع وعدم الوعي بالفلسفة التي يجب أن تفصل بين الجوانب المختلفة للموضوع. إغفال هذه الجوانب يؤدي إلى الوقوع في مغالطات.

هذه القضية تذكرنا بقصة مولوي في “المثنوي”، حيث كان عدة أشخاص يلمسون أجزاء من فيل في الظلام، وكان كل واحد منهم يتصور شيئًا مختلفًا: أحدهم اعتقد أنه عمود، وآخر اعتقد أنه مروحة، وثالث فكر أنه شيء آخر. ولكن الاختلاف جاء نتيجة الظلام وعدم المعرفة بجوهر الموضوع، وليس لأن الحقيقة تتعدد. لذلك، من المهم أن يكون لدينا فهم دقيق للموضوع وتجنب الرؤية الضيقة.

في الفلسفة، يُقال إن القضية “الوجود حار” غير صحيحة من وجهة نظر فلسفية؛ لأن الوجود ليس حارًا ولا باردًا، بل نقول “المادة حارة”، لكن لأن المادة جزء من الوجود، نقول “الموجود المادي حار”. الحرارة هي صفة عارضة على المادة، وليس على الوجود ذاته.

وبالمثل، عندما نقول “الإنسان ضاحك”، فإن الضحك هو أمر عرضي، ولكنه عرضي ضروري لا يمكن أن ينفصل عن الإنسان. ومن الجدير بالذكر أن بعض الحيوانات أيضًا يمكنها أن تشعر بالدهشة وتضحك وتتكلم، ولكن ضحكها ونطقها يختلف عن الإنسان.

هذه القضايا تُظهر أهمية دراسة الموضوعات بدقة وفهم خصائصها والعوامل العارضة لها قبل إصدار الحكم.

الشمولية في العلوم الدينية:

في العلوم الدينية، الشمولية تعني الإلمام التام بكافة فروع العلم. على سبيل المثال، يُطلق على العالِم البارز في النهاية لقب “جامع المعقول والمنقول”، أي أنه يعرف كل شيء؛ ولكن في العلماء الآخرين، لا يتم الحديث عن هذه الشمولية بل يتم التركيز على التخصص في مجال معين. في كثير من الحالات، نلاحظ أن عالِمًا يقضي عشرين أو ثلاثين عامًا من عمره في دراسة موضوع جزئي خارجي، ولا يعرف حتى عن الموضوعات الأخرى ذات الصلة، فكيف يمكن له أن يكون جامعًا للعلوم؟ في العصر الحديث، وبسبب التقدم العلمي، يتطلب كل جزء من الجسم البشري مثل العين تخصصات متعددة، ولكل منها وقت طويل للتعلم. ومع ذلك، نجد أن عالِمًا في العلوم الدينية، بعد عشرين أو ثلاثين عامًا من الدراسة في الحوزة، يُعتبر جامعًا للعلوم وله القدرة على إبداء الرأي في جميع الأمور. إن ادعاء “العلم بكل شيء” بعيد عن المعايير العلمية. كما قال بوذرجمهَر: “كل شيء يعرفه الجميع، ولكن الجميع لم يولدوا بعد”.

الشمولية التي تُسعى إليها في دراسة العلوم الدينية لها جذور في المبادئ الأولى؛ بمعنى أنه من بداية دخول الطالب إلى الحوزة، يبدأ التعلم من كتاب “جامع المقدمات”. هذا الكتاب يتضمن خمسة عشر كتابًا في أربع مواضيع هي: الأخلاق، المنطق، الصرف والنحو. يوجد فيه كتاب أخلاقي، وآخر منطقي، وستة كتب في علم الصرف، وسبعة كتب في النحو. بالنظر إلى وجود كتب فارسية وكتّاب شيعة، يمكن الافتراض أن هذا الكتاب قد أُعدّ خصيصًا لطلاب الحوزة الشيعية في إيران، على الرغم من أن العديد من مؤلفيه من عامة الناس. باستثناء “الهداية” و”الصمدية”، فإن باقي الكتب في هذا الكتاب لم تعد تُدرس رسميًا في الحوزات المعاصرة.

إن مقصد “جامع المقدمات” هو أن هذا الكتاب يتناول المقدمات الأساسية (الصرف، النحو، المنطق، والأخلاق) بشكل مختصر، لكن هذا لا يعني أن الكتاب سهل؛ بل على العكس، “جامع المقدمات” هو كتاب ثقيل ومليء بالتفاصيل.

ذات مرة كنت في محضر أحد كبار العلماء الذي كان أستاذي، وكان طالب قد قرأ كتاب “جامع المقدمات” وكان يسعى للحصول على إذن أستاذه لقراءة “السيوطي”. في ذلك الوقت، كان من عادة الطلاب أن يتقدموا في دراستهم بناءً على إذن أستاذهم. سأل الأستاذ: “هل ترغب في أن تصبح طالب علم أم تاجرًا؟” أجاب الطالب: “ألا يوجد فرق؟” فقال الأستاذ: “نعم، إذا كنت ترغب في أن تصبح طالب علم، يجب عليك قراءة “جامع المقدمات” مرة أخرى، أما إذا كنت ترغب في أن تصبح تاجرًا وتتعلم العلوم فقط من أجل ذلك، فإن أدبياتك الحالية تكفي، ولن تحتاج إلى قراءة “السيوطي”، لا تضيع وقتك، وابدأ في دراسة الأحكام أو مواضيع أخرى”. إذا كنت تريد أن تكون طالب علم، يجب أن تكون لديك إلمام قوي بالأدب، فالمقدمات التي قرأتها لا تكفي. للحصول على العلم في المجال الديني أو من أجل العمل في المنابر، لا تحتاج إلى الأدب المتخصص، لكنك إذا كنت تريد أن تكون عالِمًا، مجتهدًا، أستاذًا، أو متخصصًا، يجب عليك تقوية الأساسيات.

دروس الحوزة تتابع وتتابع على مبدأ الشمولية؛ في حين أن الدروس الجامعية تركز على التجزئة والتخصص، أي بدلاً من الجمع بين عدة علوم، تسعى لتفريقها وخلق فروع متعددة مما ينتج عنه عدد كبير من المتخصصين الأكفاء في مئات، بل آلاف التخصصات. بالطبع، نلاحظ أن هذا الموضوع لا يتصل بالجامعات بشكل مباشر، لأن ما هو موجود في هذا المجال هو استيراد وترجمة فقط، التي قد تكون في أفضل حالاتها من خلال العقدين أو الثلاثة الماضية.

الفرق بين العلم والعالم:

الأمر الآخر الذي يتطلب الانتباه منذ البداية هو الفرق بين العلم والعالم. العالم ليس هو العلم بحد ذاته؛ فالعلم يحتوي على عموميات يتم كتابتها في كل كتاب، لكن العالم يختلف عن العلم. فالعالم قد يكون ضعيفًا، متوسطًا، أو من العباقرة. يجب على الطالب الديني أن يفهم أمرين في بداية دراسته: أحدهما العلم والكتب، والآخر هو العالم نفسه. الفلسفة، الفقه، والأصول كلها علوم، لكن الفيلسوف يختلف عن الفقيه، والأصولي يختلف عن الآخر؛ هناك فرق شاسع بين هؤلاء العلماء.

العلم (مثل الفقه، الصرف، النحو، الأصول، الفلسفة، والمنطق) هو أمر مجرد، وهو ما يُسمى “المعقول الثانوي”. العلم ليس منفصلًا عن العالم، ولا يمكن فصله عن الشخص الذي يمتلكه. العالم هو ذات الشخص الذي يتصف بالعلم. هذا التوصيف ليس تضافيًا كما يحدث مع اللون والحيطان، بل هو جزء من شخصية العالم. عندما يتصف العالم بالعلم، لا يعني أن العلم يتراكم عليه كما يتراكم اللون على الجدران، بل هو جزء من حقيقته الداخلية.

إن الأهمية تكمن في اتصاف الإنسان بالعلم، بغض النظر عن نوع العلم؛ سواء كان علمًا في النحو، الفقه، الأصول، الفلسفة أو المنطق. المهم أن يتصف الإنسان بالعلم ويحصل على رائحة العلم كما تكتسب الزهور عطرا. لهذا، الأهم هو اتصاف الإنسان الحقيقي بالعلم، وليس مجرد دراسة الكتب.

أهمية التحصيل الجيد:

ما يهم في أن يصبح الإنسان عالمًا هو تحصيل العلم الجيد والعميق. بمعنى أنه إذا كان طالب العلم يدرس “الأمثلة” وشرحها، يجب عليه أن يتقن ذلك بشكل جيد. وإذا كان يدرس “صرف مير” و”الهداية”، يجب أن يكون ملمًا بها على أكمل وجه. إذا لم يفهم طالب العلم كتاب “السيوطي” بشكل صحيح، فإن قراءة “المكاسب” و”الكفاية” لن تفيده.

يجب أن يكون الطالب حريصًا على دراسة المواضيع بحسن وجودة، وليس مجرد تكديس كمّ كبير من الكتب. من خلال تجربتي، لاحظت أن طالبًا يدرس “المكاسب” لم يستطع الإجابة على أسئلة “السيوطي”. من المهم في دراسات الحوزة أن تدرس بشكل جيد، وليس بشكل سريع أو عشوائي.

نصائح لتحصيل العلم:

قال بعض العلماء: “العلم لا يُحصل إلا بخمسة أشياء: الأول بكثرة السؤال، الثاني بكثرة الاشتغال، الثالث بتطهير الأفعال، الرابع بخدمة العلماء، والخامس باستعانة بالله.”

  1. يجب على طالب العلم أن يسأل كثيرًا عن المواضيع التي لا يعرفها.
  2. يجب أن يكون لديه اشتغال دائم بالعلم.
  3. يجب أن يطهر نفسه ويُزكيها ليحصل على علم نقي.
  4. ينبغي أن يكون في محضر العلماء والأشخاص المؤهلين.
  5. أخيرًا، يجب أن يكون دائمًا في استعانة بالله لتحقيق النجاح.

أهمية النظام الغذائي والصحة:

يجب على الطالب الاهتمام بصحته، بما في ذلك الرياضة والنظافة. فالتغذية المتوازنة والنشاط البدني أمران ضروريان للحفاظ على صحة جيدة.

**ما يهم في النظام التعليمي ليس الكتب؛ بل على العكس، ما يشكل أساس العملية التعليمية في الحوزات هو الأستاذ، وليس الكتاب. يجب أن يكون النظام التعليمي في الحوزات، بدلًا من التركيز على الكتب، أن يُركز على الأستاذ منذ البداية. الأستاذ هو الذي يشكل هيكل الطالب والمحتوى البنائي للطالب، وليس الكتاب. إذا كان الطالب يتعلم على يد أستاذ ماهر وكامل، حتى وإن قرأ قصيدة “القط والفأر” لعبيد الزكاني أو قام بعمل يراه الأستاذ مناسبًا له، فإنه يتقدم، ولكن إذا كان هذا الأستاذ غير ماهر وكامل، حتى وإن كان يقرأ من القرآن أو الفقه أو الفلسفة أو التصوف، فإنه سيقتصر على القراءة الجافة دون أي أثر في نمو الطالب، مما يجعل الطالب ضعيفًا ومتلقيًا دون أن يتفاعل أو ينشط عقليًا.

**ما يشكل المسار السليم في حياة الطالب هو “الأستاذ”، وهذا هو المبدأ الأكثر أهمية في الحياة الدراسية الدينية. للطالب قواعد وأسس معينة يجب أن يتبعها ليعيش حياة علمية ودينية صحيحة، وهذه القواعد تبدأ من الأساس.

يجب على الطالب في حياته الدراسية أن يُركِّز على العمل الجيد بدلًا من الكثرة. في الحقيقة، الطالب يجب أن يحرص على أن يُمضي عقدًا من الزمن في عمل أكاديمي منظم وعميق، ليصل إلى درجة الاجتهاد في هذا الوقت، لأن من يعمل ويقرأ بكثرة دون أن يكون لديه مجال للتفكير والتدبر، فإن هذا لا يحقق سوى الفشل.

**يجب على الطالب أن يُفضل الجودة على الكمية في جميع جوانب حياته، سواء في التعلم أو البحث أو التدريس أو الكتابة، فإن هذا هو الطريق للنجاح. أما إذا استمر الطالب في السير وراء الكثرة دون مراعاة الجودة، فإنه لن يحقق النجاح. قد يكون هناك البعض الذين يتمكنون من العمل المكثف مع الجودة العالية، ولكن هؤلاء قليلون، ربما لا يتجاوز عددهم مئتين في تاريخ أربعة عشر قرنًا.

**في يوم من الأيام، قال لي العلامة الطباطبائي: “لقد قرأت كل الأدب والمقدمات خلال خمس سنوات”. بينما اليوم، يحتاج الطالب إلى عشر سنوات لإتمام نفس المواد دون أن يكون له إلمام بالاجتهاد الحقيقي. ويبدو أنه لم يعد هناك من يتوقع هذا النوع من الأداء العالي، حيث لا يُعلم ما إذا كان البعض قد فهموا فعلاً نصوص الكتب أم لا! أكبر مشكلة في النظام التعليمي في الحوزات اليوم هو التركيز على الكتب بدلاً من الأستاذ، وهذا هو النموذج الذي تم نسخه عن الجامعات بشكل غير حكيم، وهو أمر يجب أن يُناقش في سياق آخر.

**الحوزات بدلاً من أن تركز على الأستاذ كمرشد رئيسي لمدة ثلاث سنوات ثم أربعة سنوات أخرى، تُركز فقط على قائمة الكتب مثل “جامع المقدمات”، “سيوطي”، “مغني”، “مختصر أو مطول”، “شرح اللمعة”، “معالم”، “أصول الفقه مظفر”، “رسائل”، “مكاسب”، و”كفاية” من دون أن تهتم بالأستاذ الذي يمكن أن يوجه الطالب بشكل صحيح. في النظام الحالي، الاختبار الكتابي هو المعيار، حيث قد يحفظ الطالب الماهر في ليلة واحدة ويقدم إجابة ممتازة، بينما قد لا يحصل طالب آخر الذي يهتم بالتعلم والفهم على درجة عالية، وهذا هو الفرق الكبير الذي يلاحظه الأستاذ بين الطالب الذي يحقق درجة عالية ولكنه سطحي، والطالب الذي قد يحصل على درجة أقل لكنه عميق في فهمه.

**في الماضي، كان الطلبة جميعًا يتبعون أستاذًا واحدًا، وكانوا يشبهون الأطفال الذين ينشأون في حضن أمهم، حيث يترعرعون بعيدًا عن الاضطرابات النفسية. أما بعض طلبة اليوم الذين لا يتبعون أستاذًا واحدًا، بل يتنقلون بين أساتذة متعددين ذوي آراء وأيديولوجيات متنوعة، يمكن تشبيههم بالأطفال الذين يعيشون في دور الأيتام، رغم أنهم يتلقون تعلمًا مكثفًا في كل المجالات، إلا أنهم لا يعرفون “أمهم” أو المصدر الحقيقي لمعلمهم.

**الطلبة في الماضي كانت حياتهم مرتبطة تمامًا بالأستاذ الذي كان مرشدًا في كل شيء، حتى في الأمور اليومية. أما اليوم، فقد أصبحت الدورات المكثفة وملخصات الكتب هي التي تسرق قلب الطالب، وهي قد تكون فعّالة وملائمة للعمل الأكاديمي ولكنها تسرق منه الروح العلمية والتفكير العميق.

**لقد كنت دائمًا محظوظًا في حياتي بأنني تعلمت من أساتذة مختلفين، بدءًا من أستاذ ملحد إلى أستاذ كان من الأولياء الكبار، وكذلك العديد من العلماء المتميزين. لم أكن أقبل بتعليم أي شخص إلا إذا كان ذا مستوى عالٍ، كما أن الكثير من أساتذتي لم يكونوا يقبلون بتعليم أي طالب إلا إذا كان يستحق ذلك. إذا قبلت شخصًا لتعلم منه، فإنه يبقى في قلبي طوال حياتي.

**من الأساتذة البارزين الذين تعلمت منهم في طهران، كان المرحوم العلامة الشعراني، وآقا ميرزا مهدي الهي، وآقای شیخ محمد تقی بروجردی من الشخصيات البارزة في عصرهم. كنت طالبًا حقيقيًا، وكانوا يقبلونني كطالب، ولم أكن أضيع وقتهم، وكانوا يشعرون بذلك أيضًا. في مشهد، تعلمت من أستاذ مثل أديب نيشابوري، الذي كان لا مثيل له في علمه.

**لن أنسى أبدًا أساتذتي الكرام، ومنهم آقا سيد أبو الحسن رفيعي وآقا سيد أحمد خوانساري، الذين كانوا بالنسبة لي مثل الآباء الروحيين. تعلمت منهم الفقه والفلسفة والأخلاق، وكانت حياتهم العملية أيضًا دروسًا في الأخلاق. وقد تعلمت من هؤلاء الأساتذة الكبار أكثر مما يمكن للكتب أن تعطيه.

**لقد كنت دائمًا مستعدًا لأي امتحان، وكنت دائمًا على استعداد لتحضير نفسي قبل الدروس. كنت أتابع الدروس دائمًا بتركيز شديد، وأطرح الأسئلة وأناقش مع أساتذتي. كان أستاذي الذي درسني “معالم” على مستوى عالٍ من التميز، وكان يعلمني كيف أقرأ وأفهم النصوص بعمق.

تقييم استناداً إلى الجودة

إن قيمة العلم تكمن في الجودة لا في الكمية. يدخل الأشخاص إلى هذا المجال وهم يقرأون كتباً مثل “مختصر” و”شرح اللمعة” و”كفاية”، ولكن من من طلاب العلم أقوى من صاحب كفاية؟ ومن من العلماء أعلم من ابن سينا؟ من يستطيع أن يتحدى الشيخ الأنصاري في الفقه والأصول؟ هذه أمور تتعلق بالجودة، والجودة هي ما يهم. الشخص الذي قرأ كل علوم النحو والصرف ولكنه لا يعرف السيوطي لا يُعتبر شخصاً ذا قيمة أدبية ولا طالب علم حقيقي. قد يدرس شخص ما دروس “خارج” ولكن لا يستطيع أن يكتب رسالة صحيحة وخالية من الأخطاء. بينما قد قيل له: “كونوا لنا زينة، ولا تكونوا علينا شينة.”

الطالب يجب أن يدرس بحيث يصبح أقوى من الكتاب والأستاذ، ويجب أن يكون الأستاذ هو الذي يجد اللذة في درس الطالب. إذا حصل الطالب على أقل من عشرين في تقديره، فلا يمكنه أن يثق في هذا الأستاذ؛ لأنه لا يعرف بعض مواد الكتاب وربما يلقن التلميذ نفس الجهل. لذلك يجب أن تكون المعدلات في المدارس الدينية في أعلى مستوياتها. لا يجوز أن يكون أقل من عشرين؛ لأن أولئك الذين لا يحصلون على تقدير جيد ينتهي بهم الأمر إلى أن يصبحوا خطباء أو أئمة مآتم أو موظفين إداريين، وأخيراً يصبحون أشخاصاً عاديين، بينما يصبح الطالب الذي يجتهد في دراسة الكتاب والأستاذ عالماً قوياً.

كان للمرحوم آخوند صاحب الكفاية تلاميذ مثل آقا ضياء وغيرهم من مئات التلاميذ، ولكن في الوقت الحاضر، بقي آقا ضياء فقط. كان آخوند صاحب الكفاية يهتم بوجوده لدرجة أنه إذا لم يكن آقا ضياء حاضراً في درسه، لم يكن يستطيع أن يُلقي الدرس، رغم أن لديه العديد من التلاميذ.

يُحكى عن المرحوم ميرزا هاشم آملي أنه قال: في يوم من الأيام، تأخر آقا ضياء عن درس آخوند صاحب الكفاية بعد أن ذهب إلى مسجد سهلة. عندما صعد آخوند إلى المنبر، لم يكن يستطيع أن يبدأ الدرس. فقال في نفسه: “لماذا أُدرس هذا الدرس؟” وبعد فترة، وصل آقا ضياء إلى المجلس، فقال آخوند من فوق المنبر: “أين كنت؟” فأجاب: “كنت في مسجد سهلة.” فقال: “ذهبت إلى مسجد سهلة! لقد أفسدت عليّ درسي.”

إذن، الأصل في الأعمال هو الجودة. الحياكة أمر جيد، ولكن لماذا إذا كان الشخص قادراً على نسج الحرير لا ينسج شيئاً آخر أقل جودة؟ وهكذا هو حال العالم؛ المهم هو الجودة، لا الكمية.

إن الطريقة التي تُجبر الطالب على إتمام جميع الدروس في ثلاث سنوات مقابل مبلغ مادي غير صحيحة، لأن الأهم هو الفهم الجيد للمواد، وليس القراءة الكثيرة أو السريعة. قراءة “صرف مير” بشكل جيد أفضل من قراءة “كفاية” بشكل سيئ؛ لأن الشخص الذي قرأ “صرف مير” بشكل جيد يعرفه، بينما الذي قرأ “كفاية” بشكل سيئ لم يتعلم منها شيئاً. إذا لم يقرأ الشخص الدرس جيداً في المرة الأولى، فإن إعادة قراءته لا تفيده كثيراً، لأن عقله لم يعد نقياً كما كان في البداية ليستوعب المحتوى بشكل جيد. يجب أن يُقرأ الدرس مرة واحدة، ولكن بتركيز وفهم جيد.

يجب ألا نركز في المدارس الدينية على الكم. للأسف، من المشكلات الرئيسية في المدارس الدينية هو التركيز على الكم. لقد دخل الكمبيوتر والتكنولوجيا الحديثة إلى الحوزة في السنوات الأخيرة، حيث تم تحويل جميع الكتب الدراسية وغير الدراسية إلى برامج رقمية، ولكن هذه كلها أعمال كمية، تفتقر إلى الجودة والتحديث.

إن تقديم برامج تحتوي على آلاف الكتب هو عمل جيد ومطلوب، ولكن يجب استخدامها بشكل جيد. الكتب هي بحر من العلم، ويجب أن يكون هناك غواصون ماهرون للاستفادة من كنوزها الثمينة. الكتب القديمة مثل الجبال المليئة بالذهب والمجوهرات، ولكن لها مشاكلها الخاصة. لا يمكن تقديم هذه الكتب إلى العالم إلا بعد تنقيحها ومراجعتها وتعديلها؛ وإلا سيتعرض من يقرأها للمشاكل. لذلك، إذا أراد الشخص النجاح في العلم والدراسة، يجب أن يولي أهمية للجودة، وإذا لم تُراعَ الجودة، فإن الكم لن ينفع.

إن الشخص الذي يقول “درست لمدة عشرين سنة في دروس الخارج”، ولكن لا يستطيع أن يقرأ أو يفهم أو يعلق على سطور من “سيوطي” و”شرح اللمعة”، لا فائدة من ذلك.

الأشخاص الذين يصبحون بارزين ويكونون نماذج حية هم الذين يتبعون الجودة، لا الكمية. إذا كان النظام التعليمي في الحوزة يشجع الطلاب ويحفزهم علمياً من خلال جوائز متنوعة، فسيظهر من هم من أصحاب العقول اللامعة، النشيطة، والفعّالة في الحوزة. يجب ألا يتم زيادة عدد الدروس في كل عام دراسي بشكل كبير بحيث يُدرس ستة أو سبعة دروس بشكل مكثف في عام واحد؛ لأنه بهذه الطريقة لا يمكن دراسة الدروس بالجودة المطلوبة.

التجربة في الاجتهاد

كما ذكرنا، فإن الاجتهاد أمر باطني، ويشعر الشخص الذي ادعى أنه مجتهد بذلك. كما في مسألة تحديد صحة الصوم، فإن الشخص نفسه هو الذي يستطيع أن يعرف ما إذا كان صومه صحيحاً أو لا، وليس الطبيب بشكل أساسي. وكذلك في مسائل أخرى، الشخص لا يصبح سائقاً لمجرد حصوله على شهادة قيادة، بل يجب أن يكون لديه خبرة طويلة في القيادة ليكون سائقاً.

إذا قال عارف أو محب أو حتى مجتهد لشخص آخر: “أنت مجتهد”، وكان الشخص في قلبه لا يعتقد أنه يمتلك ملكة الاجتهاد أو كان مشكوكاً في ذلك، فلا يمكنه أن يعتبر نفسه مجتهداً، وعندما يجد هذه الملكة في نفسه، يصبح التقليد حراماً عليه.

لا يجوز لأي شخص أن يرفض أو يقبل اجتهاد شخص آخر، لأن مسألة الاجتهاد هي مسألة تخصصية وتحتاج إلى علم خاص بها، ومن ليس في هذا المجال لا يحق له إبداء الرأي فيها. إذا أبدى شخص غير متخصص رأياً في موضوع الاجتهاد، كأنما يتحدث بناءً على رأي بناء عن الخياطة، وهو أمر غير مقبول من العقلاء.

الكتابة والتدقيق اللغوي

يعد الكتاب من أفضل وسائل الدعوة الدينية. إنه ذو أهمية كبيرة حتى أن معجزة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قد تمثل في الكتاب. لقد قدم النبي كتاباً كان موجوداً في قلبه، وقد مر بكل طرقه ورآها، وكان القرآن الكريم هو الكتاب الذي نزل عليه. وقد ترك النبي هذا الكتاب ليُستفيد منه الآخرون.

كذلك يجب على العلماء الدينيين أن يتركوا أعمالهم في شكل كتاب ليُستفاد منها. إن العلماء الدينيين إما أن يكونوا هم أنفسهم كُتاباً يكتبون بمهارة، أو أنهم يعبرون عن أفكارهم بشكل جيد. ولكن الكتابة في شكل كتاب علمي يجب أن تكون مصحوبة بجودة، وتحرير دقيق يعكس المعايير العلمية في كل عصر.

الذين يتولون تدقيق النصوص الدينية يجب أن يكونوا متخصصين في هذا المجال. التدقيق ليس مجرد عملية تصحيح لغوي، بل يجب أن يتم بحذر شديد وفهم دقيق للمحتوى الذي يُدقق.

أيضًا، يجب على المحرر أن يكون لديه سيطرة عميقة على جميع محتويات الكتاب من البداية حتى النهاية، وأن يحافظ على تسلسل الأفكار بعناية ويستعرضها بدقة. يجب على المحرر أن يعرف بوضوح ما يريد الكاتب تقديمه في الكتاب بالكامل، بحيث إذا انقطع الحديث في مكان ما أو أصبحت النصوص غير متناسقة بسبب اختلاف الأوقات والأماكن، يمكنه ربطها ببعضها دون التأثير على مضمون الكاتب ونظريته. الكاتب أفضل بكثير من المحرر الذي يمتلك ذوقًا وذكاءً، وعقله النشط جاهز لاستقبال المعلومات. هكذا، إذا استعمل الكاتب ذهنه لربط التفاصيل، قد يضيع هذا العقل المبدع والمثمر ولا يستطيع أن يتذكر جميع الأفكار لربطها بشكل صحيح. رغم أن هذه الخاصية تعتبر ضعفًا من الكاتب، إلا أن الكتاب المتمكنين يصلون إلى مرحلة يصبح فيها كلامهم مرجعية أدبية ولا يحتاج إلى تحرير، لكن هؤلاء الأشخاص نادرون للغاية.

كما قلنا، يجب على المحرر أن يفهم مفاهيم الكاتب جيدًا. لأنه يكتب للناس والمجتمع، يجب أن يكون على دراية بهم لكي يعكس أفكار الكاتب بشكل جيد. المحرر هو الوسيط بين الكاتب والجمهور. المحرر هو بمثابة رسام البناء الذي يطلي الطوب القوي للبيت بدقة، وهو في الواقع معماري الكلمات الذي يقدم مفاهيم الكاتب بأفضل العبارات وأجمل الكلمات.

يجب على المحرر أن يكون على علم وعقل الكاتب، وأن يولي كل كلمة وكلمة اهتمامًا كافيًا، خصوصًا إذا كان الكاتب شخصًا قويًا حيث تحمل جمله وألفاظه معانٍ عميقة. كل كتابة تحتوي على مواد خام يتم الحصول عليها من مصادر متعددة، لذا يجب على المحرر أن يكون واثقًا من صحة هذه المعلومات الأولية.

بالطبع، قبل أن يتحول النص إلى كتاب، يحتاج إلى العمل الجماعي. وإذا كان شخص واحد يتولى جميع المراحل، ستنخفض الجودة. إضافة إلى ذلك، يؤدي العمل الفردي إلى الآراء الخام، العاطفية والسطحية، مما يؤدي إلى التفاخر والتسلط الفردي. لذا، يجب أن تكون عملية إنتاج الكتاب منظمة ومنهجية، ويجب ألا يتم الاعتماد على العمل الفردي مطلقًا.

في كتابة الكتب، يجب أن تكون دقيقًا للغاية، ويتطلب الأمر أن يكون الشباب والمبتدئون على دراية بالمواضيع التفصيلية. كثيرًا ما يحدث أن طالبًا لا يعرف شيئًا بسيطًا وبديهيًا، مما يدفع شخصًا عاديًا إلى التفاخر بذلك ويجعل من ذلك مصدر دخل له. كما يعرف الطالب، إذا تم تقديم الفاعل أو المفعول قبل الفعل، ما الذي يضيفه إلى تركيب الجملة، يجب أن يكون قادرًا على تطبيق هذه التفاصيل الأدبية وأيضًا دقة الموضوع في كتاباته وتعبيره.

الاهتمام بكتابة الكتاب لا يعني أن يكتب أي شخص دون قدرة أو تخصص، أو أن شراء وقراءة أي كتاب مفيد. بعض الناس لديهم عادة شراء الكثير من الكتب. شراء بعض الكتب هو مجرد تبذير للمال ولا شيء آخر. لو أن الطالب استخدم نفس المال لشراء ملابس وطعام لعائلته، كان سيقوم بعمل جيد. ولكن كتابًا يتم شراؤه ويوضع في زاوية المكتبة دون الاستفادة منه، يعلق الشخص ويجعله بخيلًا، مما يضر به، وعليه أن يجيب عن ذلك يوم القيامة.

نعم، إلا إذا قمت بمراجعة الكتاب الذي اشتريته إذا كان ضارًا للمجتمع، أو نقده وهدمه، وإذا كان مفيدًا للمجتمع، العمل على التعريف به وإصلاحه. أو إذا كنت تعرف شخصًا قادرًا على نقده ولم يكن لديه الكتاب، يمكنك إعطاءه إياه، لتكون جزءًا من العاملين وليس فقط من المستفيدين من رزق الآخرين في الآخرة.

منبر الدين ومكانته العظيمة

إن مكانة المنبر والمأتم عظيمة جدًا، ولا ينبغي أن يذهب إليه إلا حكيم صمداني، عارف إلهي، أو فقيه كامل وواسع الفهم ليحفظ الدين، ويصون قيمه الحقيقية ويمنع التزييف في المآتم. يجب أن يكون الشخص الذي يعتلي المنبر قادرًا على نقل أحداث المأتم بحيث يمكن للجمهور أن يرى الحقيقة في أنفسهم. إذا تولى العظماء هذه المهمة، فإن الأساطير والمبالغات لن تلوث صورة الدين، وفي هذه الحالة سيُحفظ حرمة المأتم والمنبر.

لا ينبغي أن يكون المنبر مكانًا لترويج الأساطير أو الخرافات. لا الإمام الحسين عليه السلام في مستوى الأبطال مثل تهمتن ورستم، ولا واقعة عاشوراء تتحول إلى أسلوب شاهنامه. نحن لا نستطيع فهم مكانة الإمام الحسين عليه السلام وحركة عاشوراء بالعمق الذي تستحقه.

هل يستطيع الإنسان أن يصل إلى مثل هذه القوة من الفهم ليعرف ماذا فعل الإمام الحسين عليه السلام مع الحق؟ أكثر ما يقال هو أن الله عز وجل هو الذي فعل مع الإمام الحسين عليه السلام ما فعله، ولا يتم النظر كثيرًا إلى ما كان من جانبنا في معركة كربلاء. إذا كان شخص يمتلك هذا الفهم، فإنه لا يبقى في قالب جسده اللحظي، ويتفتت جسده. من هو الإمام الحسين عليه السلام؟ ماذا فعل مع الحق؟

الله عز وجل بدأ قربان الحسين عليه السلام من النطفة ليظهر اليد غير المرئية، ويد الله التي احتضنت الإمام الحسين عليه السلام وأخذته مع أهله وأصحابه إلى جواره هي يد الله، قلما يمكن لأحد أن يراها، رغم أنها كانت واضحة للجميع بحيث لم تكن هناك يد أخرى تعمل في الوجود.

علم الدّین ومناهضة الزّخرف

مفهوم الدّین

في اللّغة العربيّة، تختلف هيئة لفظ “دِين” عن هيئة لفظ “دَيْن”. على الرغم من أنَّ المادة فيهما واحدة، فإنَّ المعنى الصُّوري لهما يختلف. المادة ذات وحدتها، ومن ثمَّ يمكن أن تأخذ أشكالًا متعددة ومتنوعة. “الدِّين”، الذي يُستخدم عادةً مرادفًا للمذهب، و”الدَّيْن” الذي يُستخدم بمعنى القرض، يشتركان في مفهوم واحد هو الالتزام، الذي يتحمل الشخص بسبب التزامه تجاه شخص آخر، سواء كان هذا الالتزام طوعيًّا أو قسريًّا. عندما يقترض شخص من آخر، يُصبح مدينًا له، ويترتب عليه التزام تجاهه، حتى وإن كان هذا الالتزام في بعض الأحيان غير واقعي.

كلمة “مدينين” في قوله تعالى: (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ) [الآية 39] تُشير إلى الجمع من “مدين”، الذي يعني الشخص الذي يتعرض للعقاب أو الذي سيُعاقب، ويدل على أن الشخص يكون مدينًا نتيجة أعماله، سواء كانت خيرًا أم شرًّا. يُقال أيضًا عن العبد “مدين” لأنَّه يلتزم بأداء الأعمال التي يُكلف بها من قبل سيده.

إضافةً إلى ذلك، يُطلق على “المدينة” ذلك المكان الذي له قوانين ملزمة لجميع سكانه، وتُعتبر الالتزامات القانونية جزءًا من حياة كل فرد فيها.

الطاعة، من جانب آخر، تُسمى “دينًا” لأنها تتطلب التزامًا وخضوعًا، ولهذا فإن الطاعة التي لا تقوم على التزام لا تعد طاعة حقيقية. كذلك، قد يُطلق لفظ “دين” على العادة، لأن العادة أيضًا تفرض التزامًا متكررًا، ومن ثمَّ خضوعًا طبيعيًّا لهذا السلوك.

فيما يتعلق بالجملتين: “تعريف الدين” و”الدين الذي يعرفه الجمل”، تشير إلى المعرفة الدقيقة لشروط الحالة والسياق الذي يعيش فيه الفرد، وهذا يتطلب التزامًا شديدًا بهذه الشروط، تمامًا كما هو الحال مع الدين.

بناءً على هذه المعاني، نخلص إلى أنَّ كلمة “دِين” تشير إلى الالتزام أو العهد، لكنه ليس كل التزام يُسمى تدينًا. فالتدين لا يشمل كل نوع من الالتزام؛ بل هو التزام ديني أو إيماني بالمعنى الأعمق.

الدين بمعناه اللغوي والتطبيقي

الدين هو مفهوم يشير إلى الالتزام بمبادئ أو قوانين معينة، ويمكن أن يكون هذا الالتزام في سياق ديني أو اجتماعي. عندما يُقال أنَّ الدين هو الالتزام تجاه شيء أو شخص ما، سواء كان هذا الشخص أو الشيء ذا رتبة أعلى أو مساوية أو أدنى، فهذا يعني أنَّ الدين يعبر عن خضوع فرد أو مجموعة لفكرة معينة.

الدين لا يتحدد في شكل واحد، فقد يشير إلى مذهب ديني أو طاعة لله، أو حتى سلوكيات تتضمن التزامًا بقوانين معينة. في جميع الحالات، يُعتبر هذا النوع من الالتزام جزءًا من النظام الكوني الذي ينظم حياة الإنسان ويعطي معنى لوجوده.

الدين، في أوسع معانيه، هو مجموعة من الالتزامات والعقائد التي تُشكل النظام الفكري والسلوكي الذي يوجه الإنسان نحو تحقيق غاياته الروحية والدنيوية. يمكن أن يكون هذا الدين إلهيًا أو بشريًّا، ولهما نفس الجذر في الالتزام والطاعة، وإن اختلفت طرق التطبيق والنتائج.

الدين في القرآن الكريم

القرآن الكريم هو المصدر الأساسي لمعرفة تعريف الدين وأثره في حياة الإنسان. من خلال الآيات القرآنية، نتعرف على مفهوم الدين كإطار شامل للسلوك البشري. في القرآن، يُعبّر عن الدين على أنه نهج حياة يحدده الله تعالى، وهو يتضمن عقيدة وطاعة وإحسانًا. قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256] يشير إلى حرية الاختيار في قبول الدين، ولكنه في ذات الوقت يُؤكد على أنَّ الدين الحق هو الطريق الذي يجب أن يسلكه المؤمن من خلال الالتزام بمبادئه.

أما الآية (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) [البقرة: 112] فهي تدعو إلى الاستقامة في اتباع الدين، والتوجه الصادق نحو الإيمان بالله. كما أنَّ الدين لا يُقبل إلا إذا كان خالصًا لله، بعيدًا عن الشوائب والأباطيل.

الاختلاف بين الدين والتدين

الدين يشير إلى إطار عام يتضمن العقائد والشرائع والأخلاق، بينما التدين يُشير إلى التزام الفرد بهذه المبادئ إيمانيًا وسلوكيًا. التدين يتعلق بالجوانب الداخلية للإيمان، بينما الدين يتطرق إلى الجوانب الخارجية التي تتجسد في الشرائع والطاعات. في النهاية، الدين هو الطريق، والتدين هو التزام الشخص بهذا الطريق.

الأسئلة الأساسية في ميدان الدين

من الأسئلة المهمة التي تثار في تفسير آيات الدين هي كيفية التوفيق بين الدين الحق، الذي يُظهر الرحمة والسلم، وبين الآيات التي تأمر بالعقاب والقصاص. التحدي يكمن في فهم العلاقة بين النصوص الظاهرة التي تتحدث عن السلم والرحمة، والنصوص التي تأمر بالعقاب، مما قد يثير تساؤلات عن دلالة الشدة والرحمة في الدين.

الختام

الدين الإسلامي، من خلال تعاليمه القرآنية والسنة النبوية، يهدف إلى بناء مجتمع يسوده العدل والمساواة والطاعة لله. ويجب على المسلم أن يفهم الدين ليس فقط من خلال الظواهر الظاهرة، بل من خلال فهمه العميق لمعانيه الجوهرية التي تُعزز من قيم الأخلاق والتقوى في الحياة اليومية.

الدين الجماعي

الدين لا يمكن أن يكون أمرًا فرديًا، بل هو ظاهرة اجتماعية تتبع الجماعة؛ لأن الفرد ليس موجودًا بشكل دقيق في الخارج، بل ما هو موجود هو التركيب. بالطبع، عدم وجود الفرد لا يعني نفي الفردية. كما أن بعض الأفراد ليسوا مجرد أفراد بل هم مجتمع بأسره، وهذا الأمر يجب ألا يُغفل. المجتمع هو فرد من الجماعة، والأفراد هم جزء من المجتمع. للنظام والمجتمع مقتضيات وأصول أولية لا يمكن تجاهلها، وحتى تصبح الجماعة حية دينيًا، فإن الفرق والاسر تحتاج لتحقيق الحياة الدينية. فإدارة المجتمع، وعلم الاجتماع، وعلم النفس،… كل منها علم خاص وله وجود وواقعية. بالطبع، وجود هذه العلوم هو وجود عقلي ثانٍ في الفلسفة.

المجتمع الإسلامي لا يُعفى من الأصول الأولية التي تحتاج إليها أيّ جماعة، فهو يحتاج إلى القوانين والإدارة، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، وغيرها، ولكن في المجتمع الديني، النظام الديني هو الذي يسود. في المجتمع الديني، يكون النظام الديني تحت إشراف صاحب الولاية والقيادة الشرعية، وهذا النظام هو الذي يعطي المجتمع حياته الدينية. في النظام الديني، لا يوجد ظلم أو انحراف، والإسلام قد بيّن أسس هذه الأمور.

الدين التوصيفي

الدين يُعلم أسلوب الحياة بطريقة إرشادية ووصفية. الدين قائم على أمور حقيقية وتكوينية، ولذلك فهو حقيقة إرشادية توجه الفطرة والحقيقة التكوينية بشكل وصفي ومعرفي. الدين يسعى لإحياء الفطرة والحقيقة التي تكمن في باطن كل إنسان. الدين يشبه النور الذي عندما يتألق، يزيل الظلمات الداخلية، وبالتالي يظهر الفطرة والحقائق الأصيلة. كذلك الإمام المهدي عليه السلام. ورد في الأحاديث أنه عندما يظهر، “يجمع الله به عقول العباد”. إذ أن أفكار الناس في غيبة الإمام مهتزة ومبعثرة بسبب غياب إشعاع النور الظاهري للإمام، وعندما يظهر، فإن الله تعالى سيجمع هذه الفرقة حول محوره، وسيُوحد المجتمع والناس بوجوده الكريم.

الدين هو وصف للحقائق، ولا ينطلق من مجرد “يجب” أو “لا يجب” أو اعتبارات نسبية. عندما يقول الدين “صل”، فإنه يقدم تحليلًا وتفسيرًا لسبب هذا الفعل. صحيح أن الله هو مالك كل شيء وقادر على كل شيء، لكن ذلك لا يعني أن الدين يملي الأوامر بالقوة أو الإكراه، بل يتم شرح كل أوامر الدين بشكل تحليلي ومعرفي.

الدين هو الفطرة والحقيقة والطبيعة الفلسفية التي بعث الأنبياء لتوضيحها. من هذا البيان، يمكن استنتاج أن الدين هو إرشادي وليس تأسيسي. نعم، في بعض الحالات قد يواجه الإنسان أمرًا لا يفهمه، وحينها يتأسس أمر ديني مثلما في جزئيات وخصائص الأمور الخارجية.

حقيقة الدين

نحن نعتبر الدين أمرًا حقيقيًا يتعلق بكيفية الوجود والظهور والعلاقات بين هذه الظهورات وبين نفسها، والآخرين، والله سبحانه وتعالى، وقد وصلنا هذا الوعي من خلال الوحي. الدين ليس ظاهرة اجتماعية كالسانيات أو الثقافة، أي ليس شيئًا يتأثر بالبيئة أو العائلة أو المجتمع. بمعنى آخر، ليس من الضروري أن يتبع الإنسان في إيران اللغة الفارسية والثقافة الفارسية ويكون دينه إسلاميًا ومذهبه شيعيًا، وفي حال كان في إيطاليا يصبح دينه مسيحيًا. كما يمكن للإنسان تغيير لغته وثقافته، يملك نفس الحرية في اختيار دينه بما يتوافق مع الحقيقة التي يدركها، ولا يتبع دينًا لأن أسلافه أو المجتمع من حوله يتبعونه.

الدين الذي يعتمد على الحقيقة والمبادئ الأساسية للشريعة له أحكام حقيقية مستنبطة من الواقع، تمامًا كما أن كل ظاهرة لها مرتبة في الحقيقة، فإن هذه الأحكام أيضًا تحدد مرتبة لكل ظاهرة وتقتصر عليها. يجب أن نكون واعين أن الدين الذي نقبله هو الدين الذي يعتمد على الوحي، وليس ظاهرة اجتماعية أو منهجًا اجتماعيًا. نحن نعتبر الدين دينًا إذا كان إلهيًا وسمائيًا ولم يتلوث بالتحريفات، وهذا الدين هو الذي يتفق مع العقل الجمعي.

التعاطف والرحمة: أساس الحياة الدينية

الحياة الدينية تتحقق وتنمو في جو من الإخلاص والتعاطف، وأساس الدين الحقيقي يكمن في هذا المعنى. بناءً على ذلك، الدين هو من أجل الناس ويخدمهم، ويريد ضمان صحتهم وسلامتهم في الحياة، وليس أن يُسلب منهم هذه الصحة. إذا كان الدين قد يسبب الأذى للمتدينين، فلا حاجة لأن يبقى دين الله، فالله هو حافظ دينه. دور المؤمنين في الدين هو حفظه والعمل به، كما قال عبد المطلب: “أنا رب الإبل وللبيت رب”. الدين ليس من أجل معاقبة الأفراد، بل من أجل حياتهم وسلامتهم.

الدين السهل والميسر

الدين ينفي الشدة والصعوبة في قاعدة هامة. يجب أن نعرض الوجه السهل والمرن للدين للناس، ونشجع على بساطته ونشعر بقدرة الناس على تحمله. الدين يجب أن يُعرض بما يتماشى مع طاقاتهم حتى لا يتسبب في رهبة أو قلق، كما يجب أن نبتعد عن أي تشدد غير قابل للتحمل. إذا حاولنا فرض شروط صارمة على الناس في أمور مثل التجويد، أو فرض الضرائب الزكوية بشكل مشدد، فإننا قد نتسبب في أن يبتعد الناس عن الدين ويشعروا بالعجز تجاهه.

تجنب العنف في الدين

الدين، كما يُروج له البعض، ليس عنيفًا، ولا يقبل العنف. على الرغم من أن الدين هو واقع وحقيقة كاملة، فإنه يمكن أن يظهر في صور متعددة، وكل صورة لها جمالها الخاص. قوانين الدين، إذا فُهمت بوضوح، تُظهر أفضل صورها. أما إذا ظهرت هذه القوانين بصورة غير مفهومة أو قاسية، فإن ذلك يعود إلى سوء الفهم والتفسير. الدين هو من أجل الحب والرحمة، والعذاب والجزاء في الدين أيضًا لهما وجه من الرحمة والمحبة.

الأشخاص الذين يروجون للعنف باسم الدين هم دائمًا السبب في البعد عن الدين، بل ويشوهون صورته. يمكن لنا أن نعرض الدين من خلال الرحمة والحنان، وهذه هي الطريقة الأفضل لدعوة الناس إلى الدين.

الخلاصة

يجب أن نبتعد عن الاستبداد، والقوة، والظلم. علينا أن ننشر المحبة، والرحمة، والسلام في المجتمع ونترك العنف والتعصب جانبًا.

أولاً: يجب أن لا يكون هناك عنف أو حدّة في العمل؛ لأن العنف يؤدي إلى الصراع والشجار. فلا يجب أن يتورط شخصان أو أكثر، أو مجموعة من الأشخاص في المناقشات والمداولات، في الغضب أو رفع أصواتهم ضد بعضهم البعض، بل ينبغي لهم أن يتحلوا بقدرة التحمل للاستماع إلى آراء الآخرين. إذن، أول شرط في الحوار المتعدد الأطراف هو غياب العنف والصراع.

ثانيًا: يجب أن يكون الجميع أحرارًا في التعبير عن معتقداتهم وآرائهم دون كتمان أو تقية، بحيث يتمكن كل فرد من إبداء رأيه بحرية تامة كما يفكر، دون خوف أو تردد.

ثالثًا: يجب أن لا يكون هناك اتهام أو افتراء. فإلقاء التهم على الطرف الآخر في النقاش بالفساد أو الجهل أو الانحلال أو غيرها من الأمور التي لا تتعلق بالموضوع، ليس فقط خطأ، بل إذا تطلب الأمر تطبيق القانون بشكل دقيق، فإنه يُعد جريمة. الاتهام هو تحيز هدفه التشويش على الحوار، وهو يتناقض مع الأسس الداعية إلى الحوار المثمر. بالطبع، يجب التفريق بين الاتهام والافتراء. الجدال هو عملية تفاعلية بين الطرفين، أما الاتهام فهو محض عمل من طرف واحد. الاتهام يتضمن نسبًا غير مثبتة، بينما الافتراء هو توجيه تهمة تتسبب في تشويه السمعة.

رابعًا: يجب أن يكون الحوار مبنيًا على إحدى المبادئ الثلاثة: “الحكمة، والمعرفة، والعلم”، “النصح والإرشاد”، و”الجدال بالتي هي أحسن”. المراد من الجدال أو النزاع هو أن يتمتع الطرفان في التعبير عن آرائهما بحق التساوي والعدالة في ما يعرضانه من أفكار. إذا كانت هذه الشروط غائبة في الحوار، فلن يكون أي طرف صادقًا في تقديم معتقداته، بل سيتبع طريق التستر والخوف أو النفاق أو الكراهية أو الأهداف الشخصية.

خامسًا: يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حدود الأفراد في الحوار، بمعنى أنه لا ينبغي توقع أن يتمكن رياضي أو فني من إجراء حوار علمي مع شخص عادي بنفس الطريقة. كما أن حوارًا بين اثنين من المتخصصين يجب أن يكون بمستوى علمي متساوٍ، كما في التفاعل بين لاعبين محترفين في كرة القدم أو التنس.

سادسًا: في المحاورات العلمية، المبدأ الأساسي هو الفهم الصحيح لكلمات الآخر. لفهم كلام الآخرين بشكل صحيح، يجب أن نفهم لغتهم ومفرداتهم، وهذا يتطلب معرفة المادة اللغوية والمفاهيم الدقيقة لها.

سابعا: يجب أن تكون المعرفة اللغوية والمفهومية جزءًا أساسيًا من أي حديث. هذا لا يتعلق فقط بالتحليل الصرفي والنحوي للكلمات، بل بتقدير دقيق لمعاني الكلمات واستخداماتها في الجمل وفي الأطر السياقية المختلفة.

ثامنًا: من المهم أن نتجنب استخدام المرادفات غير الدقيقة في اللغة. بمعنى أنه يجب أن نكون حذرين في استخدام الكلمات التي قد تحمل معاني مختلفة في سياقات متعددة، لأن هذا قد يؤدي إلى تشويش أو خطأ في الفهم.

تاسعًا: يجب أن نكون حذرين في التفريق بين الأخلاق والآداب. الأخلاق هي مجموعة من الصفات الباطنية التي يتسم بها الشخص، بينما الآداب هي المظاهر الخارجية لهذه الصفات. يمكن للإنسان أن يظهر آدابًا حسنة بينما تكون أخلاقه سيئة، وإذا لم تكن الآداب نابعة من الأخلاق الباطنية، فإنها تصبح مجرد تظاهر.

عاشرًا: التزويق الديني هو من أخطر الأضرار التي قد تلحق بالدين. “التزويق الديني” يعني إضافة بعض المفاهيم أو الممارسات التي لا تمت بصلة إلى الدين، لكنها يتم تحريفها أو نسبتها إلى الدين عن جهل أو عن عمد. هذه “الإضافات” لا تضر الدين فقط، بل تشوه صورته وتجعلها غير قابلة للتقبل لدى الكثيرين.

أخيرًا، يجب أن نكون على وعي تام بعوامل التزويق الديني وكيفية انتشارها. في الواقع، التزويق الديني ليس قاصرًا على دين واحد، بل هو ظاهرة قد تحدث في جميع الأديان والمذاهب.

الفقه والتطورات الدينية في الفكر الإسلامي

بعض العلماء يحصلون على العديد من الإجازات من أشخاص مختلفين، ويطلبون مني أن أمنحهم أيضاً إجازة في الاجتهاد. ولكنني أعارض هذا المبدأ تماماً، وأعتبر منح الإجازة خطأً كبيراً، ولم أمنح إجازة لأحد. لا أعتقد أنني في موقف يمكنني من منح إجازة اجتهاد أو أحقية أخذ الزكاة والحقوق الشرعية، لأنني لا أريد المساعدة في دعم شخص استولى على العلم أو سرق الاجتهاد. هدفي ليس التجارة أو الربح.

بعض الطلاب يرونني أنني قد بدأت حركة ثقافية وأعلن عن مدعاة جديدة في هذا المجال، فيفكرون في أن من الأفضل أن يحصلوا على إجازة مني أيضاً. هم يطلبون الإجازات من العلماء الآخرين، ويدفعون مقابلاً لها. على سبيل المثال، يقومون بحساب أكياس الفستق أو حفر الآبار بناءً على الأسعار القديمة التي كانت سائدة قبل أربعين عاماً، في حين أن الأسعار الحالية تختلف تماماً.

على سبيل المزاح، أقول: “هذه المسائل هي آثار الاستبداد في عهد رضا شاه، التي لا تزال موجودة، ويصل ثوابها إلى روحه، لأن هو من فرض على العلماء من الدرجة الأولى لبس العمامة وأجبر الطلاب على خلعها”.

الثالث: يجب على أولئك الذين يهتمون بالدين أن لا يتحدثوا بلا مستند. ليس فقط التخصص كافياً، بل يجب أن يكون حديثهم مستنداً إلى دلائل وأدلة قوية. إذا طرح شخص ما ادعاءً بدون تخصص أو مستند أو دليل واضح، يجب محاسبته حتى لا يجرؤ أحد على أن يقول ما يشاء وينشره بين الناس.

الرابع: السعي لرفع الوعي والاطلاع بين الناس على مختلف مستوياتهم الثقافية. يمكن تحقيق هذا التقدم من خلال إقامة الدروس القصيرة، سواء كانت خاصة أو عامة. يجب تقديم المعلومات الدينية والعلمية إلى المجتمع بمختلف طبقاته وبما يتناسب مع مستوى فهمهم وإدراكهم، من أجل أن ينمو الوعي فيهم. يجب تحفيز الناس على الدراسة والبحث والتفكير النقدي، حتى لا يصدقوا ما يسمعون بسهولة.

عندما بدأنا الحديث عن “الجمهورية الإسلامية، لا كلمة أكثر ولا كلمة أقل”، لم يكن واضحاً ما هو المقصود بها. لم يكن أحد، حتى أنا، يعرف ما هي. كنا نظن جميعاً أن الناس سوف ينالون حريتهم، ويزول الفقر، ويطبق العدالة في المجتمع. ولكن الحقيقة أن هذه الوعود لا تتحقق بمجرد كلمات فارغة. لرفع الوعي بين الناس، يجب أن لا تقتصر المناقشات على المجالس الدينية التقليدية، بل يتطلب الأمر إقامة دروس علمية ومناقشات دقيقة. تأسيس مركز وأكاديمية متخصصة هو جزء من العمل، ولكن التوعية الحقيقية تأتي من خلال التعليم والمراجعة العميقة للمفاهيم.

الشك والنكران: مبدأ البحث العلمي والاعتقادي

قبل الدخول في مجال تنقية الدين من التحريفات، يجب أن نأخذ الشك والنكران كقاعدة أساسية في البحث العلمي والاعتقادي. لا يمكننا أن نضع خطاً أحمر حول جميع المسائل الدينية التي مر عليها أكثر من ألف وخمسمئة عام ونقول: “هذا هو الوحي” فقط. إن التمسك بالعصمة والجزم في كل ما يتعلق بالدين هو أحد أكبر أسباب تحريفات الفكر الديني.

يجب على الباحث أن ينظر إلى كل المسائل العلمية والدينية بعين الشك والنقد، كي يتوصل إلى حقائق سليمة. يجب أن نتذكر أن كل العلوم قد تطورت بفضل الشك والتساؤل، بينما لم تتطور الأديان بسبب الجمود والتعصب لفكرة العصمة. هذه هي البذور الأولى للتحريفات التي تظهر عندما يقال إن هذه الكلمات هي من الوحي، دون أن يتم التحقيق في صحتها أو تفسيرها بشكل صحيح.

أسباب الخرافات في الإسلام

القرآن الكريم هو أساس الدين الإسلامي، والمشاكل التي يواجهها القرآن الكريم يمكن تقسيمها إلى قسمين: الأول يتعلق بجوهر القرآن نفسه، بما في ذلك مسألة جمعه، تحريفه، وصحته؛ والثاني يتعلق بالإهمال، بل ربما التجاهل التام للقرآن في المجالين العلمي والعملي.

للأسف، القرآن الكريم هو الكتاب الأكثر إهمالاً بين المسلمين، حيث يتم استخدامه فقط للقراءة والترتيل في المناسبات، دون الرجوع إليه كمصدر أساسي في الاستنباط الفقهي أو العقائدي. كما أن العديد من العلماء الذين اختاروا فهماً سطحياً أو تأويلاً بعيداً عن الظاهر، قد ساهموا في تحريف معاني القرآن.

الحلول للتخلص من التحريفات والخرافات

من أجل مواجهة الخرافات والتحريفات في الدين، يجب أن نتوجه إلى الناس أنفسهم ونحثهم على التفكير النقدي. علينا أن نزرع في المجتمع حساسية تجاه الكلام الديني المأخوذ من المنابر والمجالس العامة، بحيث يستطيع الناس التمييز بين ما هو حقيقي وبين ما هو تحريف.

إن الناس بحاجة إلى أن يكونوا مثل أجهزة الاستشعار المتقدمة التي تكتشف الفيروسات أو الخرافات بسرعة. مثلما يتم تعليم الناس كيفية التعامل مع المخاطر الاجتماعية، يجب تعليمهم كيفية التمييز بين العلم الديني السليم والتفسيرات المغلوطة.

الدين نعمة إلهية لكنها مشوهة

الدين هو حقيقة مشتركة بين البشر، وهو موجود في كل مكان وكل زمان. ومع ذلك، فإن الدين، حتى الدين الإلهي، قد أصابه التحريف والخرافات. يجب على الإنسان أن يحذر، وأن يسعى لإتباع الدين بنقاء ووعي، بعيداً عن أية تحريفات أو خرافات قد تلوثه.

الردة للمؤمنين بالدين هي التي أصبحت مأساة كبيرة بالنسبة للعديد من الأفراد الذين خرجوا من الدين، فكان أحد الأمراض التي تميز الإنسان في علاقته بالدين هو التراخي وعدم القدرة على التزام كامل بالدين، وهذا إذا تحول إلى ثقافة قد يؤدي إلى تشويهه.

ضرورة التسامح وعدم التشدد في الدين

مع تأثير الخرافات التي تغلغلت في الدين، لا يمكن للإنسان الفهيم والعاقل أن يفرض تشددًا أو قسوة على الناس بشأن تفاصيل الدين، خاصة إذا ارتكب شخص ما خطأ أو فسادًا؛ لأنه من طبيعة الإنسان أن يخطئ. يجب أن نكون معتدلين في الدين وألا نكون متعصبين أو قساة. القول بأن “بأي وسيلة سأجعلك ملتزمًا بالدين” هو نوع من التشويه الديني. لم يتمكن أي دين من تنفيذ هذا، ويجب رفض المبالغة والضغط باسم الدين بناءً على قاعدة “نفي المشقة والعسر” التي تدعم تسهيل الدين. عندما يقول القرآن الكريم: (إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ)[73]، فهذا يشير إلى أن الدين يجب أن يكون يسيرًا وغير مشقٍ على الإنسان. الدين هو حريّة للناس، وليس قيدًا. في المجتمع، يمكن أن يكون الدين مظهرًا أو مخفيًا. الشخص الذي يلتزم أكثر بالدين يظهره، بينما الآخر قد يخففه أو يرفضه.

مهام الأنبياء والشرائع الدينية في المجتمع

أدوار الأنبياء والعلماء في الدين لا تتعلق بتشدد أو مراقبة تفاصيل الحياة الشخصية للأفراد. لا يجب أن تتدخل الحكومات أو المؤسسات الدينية في حياة الناس الخاصة أو رغباتهم الشخصية. هذه هي الخصوصية الإنسانية، ومن يختار أن يكون دينيًا أو غير ديني هو أمر يعود له. يجب أن يظل الدين جزءًا من الحياة الاجتماعية دون أن يفرض نفسه على الآخرين.

الدين لا ينبغي أن يكون مفسدًا للسلام الاجتماعي. من المهم أن لا يزعج الشخص الملتزم بالدين الآخر غير الملتزم، والعكس صحيح. إن سلوك الإنسان المتذبذب، الذي بين الالتزام الديني والابتعاد عنه، هو أمر طبيعي وموجود في جميع البشر. الأنبياء والحكومات الدينية لا تتدخل في هذه الميول البشرية.

مسؤولية العلماء والمفسرين في الدين

من واجب العلماء فصل الخرافات عن الدين ونقل الدين الحقيقي للناس. لا يمكن للعلماء فرض أو تجنب الأفعال الدينية بين الناس بالقوة أو السلطة. ففي النهاية، أفعال الناس الخاصة ومشاعرهم الشخصية في الدين هي ما تعني لهم.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتطلب تخصصًا عميقًا، لأن كل الناس قادرون على معرفة ما هو معروف وما هو منكر، ويشمل هذا العناصر الاجتماعية التي يقرها المجتمع. لكن يجب أن نتذكر أن ما قد يكون معروفًا في منطقة ما قد لا يكون كذلك في منطقة أخرى، والعكس صحيح.

إدارة المجتمع بناءً على المعروف والمنكر هي مسؤولية الجميع، ويجب أن تتمتع هذه الممارسات بالمرونة الكافية لتجنب الإضرار بالآخرين.

أخلاق الدين والتوجهات المستقبلية

من المبادئ الأساسية في الدين: القرب من الله، والتمسك بالأخلاق، بعيدًا عن التنازع والصراعات. عبر التاريخ، الأنبياء لم يسعوا أبدًا للقتال أو النزاع، بل كان سعيهم دائمًا نحو الخير، والهدى، والمحبة.

الوصول إلى الله يتم عبر الأخلاق الحميدة والتقوى. كما أن المجتمع يجب أن يتجنب الخلافات الدينية والتشدد الديني.

مشكلة الاستبداد الديني والسياسي

في تاريخنا المعاصر، شهدنا الكثير من التشويش في تفسيرات الدين بسبب التدخلات السياسية والسلطوية. استغل الحكام سلطتهم لاستغلال الدين لتحقيق مكاسب سياسية شخصية، مما أدى إلى فساد الدين وتدهوره. اليوم، يعاني العديد من البلدان الإسلامية من هذا الوضع حيث تحكم القوى السياسية بالاسم الديني، مما يجعل الدين يفقد مكانته الحقيقية.

عندما يستمر هذا التوجه، قد يؤدي إلى تراجع الدين بشكل كامل، إذا لم يتم التصحيح في مسارات التفكير الديني.

الخاتمة

إن التحدي الرئيس أمام الدينيين هو العودة إلى الدين النقي والبعيد عن الخرافات والأباطيل. يجب أن نبحث عن الطريقة التي تمكننا من فهم الدين بشكل علمي، فالدين ليس مجرد طقوس وعبادات بل هو هداية تقود إلى العيش بسلام مع الآخرين وتحقيق القيم الأخلاقية.

**بِأيِّ حالٍ، فإنَّ الحديثَ هنا يتعلقُ بأنَّ قُدْرَةَ النَّفْسِ وَ عَظَمَةَ العَقْلِ هِيَ من مَبادِئِ الاجتهادِ وَ الفَقاهَةِ الدِّينيَّةِ. وَما يُمكِنُ أنْ يَفْعَلَهُ في مَعْرِفَةِ النَّفْسِ أَوْ العَقْلِ لِيُحَقِّقَ لِلانْسانِ القُرْبَ المَعْنَوِيَّ هُوَ العبادةُ. وَالعبادةُ فَوْقَ العِلْمِ. فَإنَّ العبادةَ تَسْتَلْزِمُ قُرْبًا إلهِيًّا لِلإنسانِ، بينما العِلْمُ ليسَ كذَلكَ. إِذْ عَلى الرَّغمِ من أنَّ العِلْمَ ضرورِيٌّ، إلَّا أَنَّ العبادةَ تَفُوقُ العِلْمَ فِي قُدَرَتِهَا عَلَى تَهْذِيبِ النَّفْسِ وَ العَقْلِ وَ العِلْمِ فِي الإِنسَانِ وَ تَفْتَحُ لَهُ سَبِيلًا لِإِصْلاحِ بَاطِنِهِ، وَلكنَّهَا سَتَكُونُ تَفَوُّقًا عِندَمَا تَكُونُ خَاليةً مِنَ الرِّياءِ وَ التَّصَنُّعِ وَ الشَّيْطَانِيَّةِ وَ التَّكَبُّرِ وَ الْمُرَاءَاتِ، فَإِنَّ مِنْ أَعْوَامِ بَائِسِةِ الإِنسَانِ هِيَ هَذِهِ الأُمُورُ.

وَإِنَّ أَحَدَ الرَّوَاعِدِ وَآلاتِ حَرَكَتِ الإِنْسَانِ هُوَ العِلْمُ. وَمَادَّةُ “العِلْمِ” وَمُرَكَّبَاتُهَا ذُكِرَتْ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ 854 مَرَّةً؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى العَقْلِ وَالقَلْبِ وَيُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهَا مِنَ الدَّرْسِ وَالبَحْثِ وَالْمَدَارِسِ وَيَحْصُلَ عَلَيْهَا وَيَكْتَسِبُهَا. العِلْمُ هُوَ أَيْضًا إِحْدَى السَّاعَاتِ الْمُوَاجِهَةِ لَنَا فِي سَبِيلِ التَّطَوُّرِ البَاطِنِيِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الغَرَابَةَ وَالتَّشَوُّشَ فِي عَمَلِيَّتِهِ تَكُونُ جَزْءَا مِّنْهُ، وَيَجِبُ عَلَيْنَا الحَذَرُ مِنْ غَزْوَتِهِ. العِلْمُ هُوَ سِرٌّ فِي دَاخِلِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِالتَّضْلِيلِ وَالْغَفْلَةِ وَالْهَلَاكِ فِي حَيَاتِهِ، وَذَلِكَ إِذَا فَقَدَ قُدْرَتَةَ تَوَجُّهِهِ إِلَى أَحْوَالِهِ.

لَا يَجْعَلُ العَقْلُ وَالقَلْبُ الإِنسَانَ يَفْتَقِرُ فِي سَبِيلِ الضَّلَالِ وَإِنَّما هُوَ النَّفْسُ وَالشَّيْطَانُ الَّذِينَ يَسْتَفِيدُونَ فِي سَائِرِ طُرُقِ الغَوَايَةِ وَالإِضْلَالِ.

فِي الإِنسَانِ، يَتَحَصَّلُ العِلْمُ عَلَى المَرَاتِبِ المُلَائِمَةِ لِتَحْقِيقِ التَّطَوُّرِ؛ وَبِالنَّتِيجَةِ فَإِنَّ سَبَبَ الانْحِرَافِ وَالْوَهْمِ يَكُونُ أَكْثَرُ فِيهِ. إِنَّ المَشْكَلَاتِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا إِنسَانُ العَصْرِ يَكْمُنُ فِي العِلْمِ الَّذِي يَتَسَبَّبُ فِي التَّخْرِيبِ وَالتَّشْوِيهِ مِنْ طَرِيقِ الصِّنَاعَةِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا، إِذْ قَامَتْ بِتَضْخِيمِ الغَوَايَاتِ وَالضَّلَالَاتِ.

مَعَ ذَلِكَ، لَا بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنْ سَعْيٍ جَادٍّ فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا مِنْ أَضْرَارِهِ وَيَتَّبِعُ حِكْمَةً فِي تَفَادِي أَذِيَّتِهِ. العِلْمُ غَيْرُ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنَّ المَعْرِفَةَ لَا تَكُونُ فِي النِّهَايَةِ سَبَبًا لِلضَّلَالِ؛ لِأَنَّ المَعْرِفَةَ لَا تَصِلُ إِلَّا إِلَى حَقٍّ وَصِحَّةٍ، وَهِيَ تَتَّصِلُ بِالرَّبِّ تَعَالَى وَفَقَطْ.

وَالعِلْمُ قَابِلٌ لِلتَّنَوُّعِ وَالإِتِّسَاعِ، وَيَحْمِلُ مَرَاتِبَ عِدَّةً فِي إِنسَانِهَا. العِلْمُ أَيْضًا مَقْسَمٌ لِمَا يَكْمُنُ فِي النَّفْسِ وَيُحَقِّقُ لَهَا مَعَارِفَ وَكَمَالَاتٍ؛ إِذْ هُوَ أُصُولٌ لِجَمِيعِ جَامِعَاتِ السَّعَادَةِ وَالطَّيِّبَةِ فِي الإِنْسَانِ، حَتَّى إِذَا تَصَارَحَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَصَحَّتِهِ لَمْ تَكُونْ سَبَبًا لِلْغَوَايَةِ.

وَفِي الوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ العِلْمُ حَمَّالًا لِمَرَاتِبِ كُلِّ قِيمٍ وَفِيهِ الْمَعَارِفُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِحَقِّهِ وَمَنْهَجِهِ. وَلَا تَفَارُقُ عِندَمَا يَكُونُ العِلْمُ فِي فِكْرٍ يَتَّصِلُ بِمَعْرِفَةٍ حَقَّةٍ تَصِلُ إِلَى السَّعَادَةِ الشَّامِلَةِ.

الْحِكْمَةُ نَظَرٌ إِلَى التَّفْسِيرِ الدَّقِيقِ لِحَقَائِقِ المَجَرَّاتِ وَالْمَعَارِفِ، وَأَيْنَمَا يَكُونُ حَقٌّ فِي العِلْم

حَقٌّ فِي المَعْرِفَةِ وَفِي المَنْهَجِ وَفِي النِّهَايَةِ وَفِيهِ القُدَرَاتُ الَّتِي تَكُونُ إِلَى الحَقِّ سَابِقَةً.**

ترجمة النص:

ما وقع على أولئك السادة، سيصيبه هو أيضًا. فخر العارف أن أباه الروحي هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووالده الروحي أمير المؤمنين عليه السلام، والأئمة المعصومون عليهم السلام، وأمه الروحية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وسلوكه هو العشق والمحنة والتفاني في ذات نفسه؛ وإلا فإن غير المعصوم مهما كان، يشبهه.

على المحبين أن يتعلموا المعرفة في الوجود النفسي (الناسوت) وبجانب مربٍّ مجرب، وأن يطلبوها مع تحمّل الرياضات الروحية، لعلّهم يرتقون قليلًا ويعلون درجات. في التصوف لا يكون للمحب أن تُفتح أبواب المعرفة له بين ليلة وضحاها.

المحبون هم رجال شجعان أحرار، قاطعين عما سواه، يتحركون بين الخوف والرجاء. يحترمون حق الله ولا ييأسون منه. المحب ليس يائسًا من الحق، كأنه لا يصل إليه أو لا يحصل له خير في الحياة، ولا يغضب من الظواهر لأنها كلها مظاهر لوصول الحق تعالى.

لا يتجاوز المحبون صفات مولاه عليهم السلام. أقصى درجات التصوف لديهم هي أن يرفعوا السالكين إلى مقام الوحدة السارية. التصوف ودخول باب المعرفة أمر علوي ووسيلة للوصول إلى مقام الوحدة، وهو وصول لا يتم للمحبين دون سلوك ورياضة ومعرفة. يصبح السالك ذا شهود وتخصص يرى الوحدة السارية في كل مكان.

للمحبين رياضة مختلطة بالبكاء والأنين الممزوج بالاضطرار. لديهم التوبة واليأس من العمل، ويُظهرون ما عندهم بلا خفاء من دموع وأنين. عندما يصل السالك المحب إلى حالة الاضطرار، يمسك الله تعالى يده ويحرّكه، ويكشف له عن ذاته في مشاهدات آنية لحظية، ليجذبه إليه.

الفناء العملي صعب جدًا على السالك المحب، بل حتى تفكير “نفی الغير” صعب عليهم أكثر من سبعين سنة عبادة مقبولة. للعارفين المحبين سلسلة سند، تُعرف بها معلم كل عارف، لأن قيمة العارف تُعرف بمدرّسه.

أول كائن من أهل الغرائب هو القلب؛ بمعنى يجب أن يكون صاحب القلب. من يرغب في إلقاء الرمل والعمل بالأسطرلاب وإجراء الاستحضار وملاقاة الجن والأموات، يجب أن يمتلك قلبًا. يجب أن يكون القلب مستعدًا لتتهيأ شروط تعلّم العلوم الغريبة والغرائب. القلب في الإنسان مثل النار، يجب العناية به والاعتناء به، وأن يُنَفّخ عليه باستمرار كي لا ينطفئ أو يخبو ضوؤه. يجب الحفاظ على القلب، والحفاظ عليه يتطلب رياضات شاقة وتدريبات صارمة.

مثال من أهل الغرائب

في الماضي، لم يكن العلماء الذين يُعتبرون أعمدة قوية في العلم والروحانية يقيمون في حوزة قم أو النجف، بل كانوا يأتون إلى طهران؛ لأنهم كانوا يتعرضون للأذى من قبل العلماء الرجعيين ومن ظاهرية بلا باطن، بينما كان الناس في طهران ينظرون إليهم باحترام. لقد شبهت هؤلاء العلماء بالأئمة الأطهار الذين كانوا يلجؤون إلى إيران هربًا من ضغوط الحكومات الحاكمة، وكان طهران ملاذهم ومكان نشاطهم وحريتهم.

المرحوم السيد ميرشريفي كان من أهل الغرائب، وأعتبره من الأوتاد. كان صهري وكان صديقًا منذ الطفولة للمرحوم آية الله العظمي گلپایگاني. أوصى أن يُعطى الرداء الذي يرتديه للسيد گلپایگاني ليرتديه هو. ذهبت مع خالتي إليه، وكان جالسًا في داخل منزله، وقبل الرداء بلطف.

كان السيد ميرشريفي يتمتع بقوة روحية وقدسية جعلت حتى اليهود والنصارى يجدون فيه مأمنًا لهم، وعندما ترفضهم مستشفيات الاتحاد السوفيتي، كانوا يطلبون شفاءهم من هذا الرجل. كنت أرى صباحًا أكثر من ثلاثين أو أربعين كوبًا موضوعًا أمامه لكي يدعو لهم ويشفوا، وكانوا بالفعل يحصلون على الشفاء. هؤلاء العظام كانوا يحظون باحترام الناس حتى غير المسلمين.

ذهبت قبل فترة إلى العراق، وجلست في الصحن مقابل حرم الإمام الكاظم (عليه السلام). كان العائلات العراقية الذين يأتون يرسلون أطفالهم ليصافحوا أيدينا، أو يجلبون زجاجات ماء لنقرأ عليها الدعاء. كانوا يمتلكون نفس صفاء النفس وقلب طاهر، ويحترمون العلماء الشيعة ويحسنون الظن بهم. وإذا أردنا تحليل ذلك، إما أن نعتبرهم بسطة لا يفترض أن يفعلوا هذا، أو نؤكد أن هذا الأمر في محله ويعكس طهارة باطنهم. بالطبع لا ينبغي أن يكون الناس بسطة ويتوقعوا ذلك من كل عالم، بل يجب تمييز الأصل من النسخ، وأهل الغرائب قليلون ونادرًا ما يلتقي بهم الإنسان.

كان السيد ميرشريفي رجلاً هادئًا متواضعًا لكنه مليء بالمغامرات وربما كان ينفق على أسر فقيرة كثيرة من عائدات شفاء الناس. كان الذين يشفيهم يحضرون له المكسرات التي كان يوزعها بالكامل على الأسر المحتاجة. ولبيان قوة شفاء دعائه، سأضرب مثالًا: لو كان هناك محل كباب في طريق لا يملك زبائن ثابتين، حتى لو كان الكباب غير جيد، لن يخسر زبائنه. أما في مكان معروف ولديه زبائن ثابتون، فلا يمكنه تقديم سلعة رديئة. نفس حال السيد ميرشريفي؛ إن لم يشف مريضًا، لما كان ملجأً لعشرات السنين لأولئك الذين فقدوا الأمل من أطباء بارعين. كنت أراه في طفولتي، وأبقى معه ليلاً لأرى ماذا يفعل كي يشفي مثل هؤلاء المرضى المستعصين صباحًا.

للأسف، العلماء اليوم نادرًا ما يملكون هذه القوة. وكان ميرشريفي من الخيرات التي أنعم الله بها علينا، عالمًا عارفًا زاهدًا وجليل القدر. كان يلقي الخطب ودفن في وادي السلام في قم.

على أي حال، هؤلاء العلماء كانوا في طهران، وبصفة عامة لم تقبلهم حوزة قم أو غيرها من المراكز المعروفة بسبب نفوذ الظاهريين. وكانت مرافقتهم من التوفيقات التي وهبها الله لي.

كمية وجودة الغرائب

علوم الغرائب واسعة من حيث الكم والكيف. الكم الواسع يتطلب إلمامًا بكثير من العلوم المعقدة والغامضة مثل الجن والسحر والرمل. من حيث الكيف، هي علم عملي بامتياز. كل ما يتعلق بالسحر أو الرمل أو التواصل مع الجن هو عملي بالكامل، والنظرية متكاملة مع التطبيق.

علم الغرائب يبدأ من الطفولة، ورغم أن المتابع قد لا يكون من المحبوبين، إلا أن نظام الروح والجسد يتفاعل معه. يجب أن يكون هناك استعداد ورغبة في الفرد، حتى من حيث الظروف المعيشية، مثل السكن قرب المقابر أو النمو في أماكن مهجورة وهادئة.

الأهم من ذلك هو وجود المرشد. لا تفيد الكتب أو الكتابات، فالكثير منها مليء بالأخطاء أو الرموز الخاطئة عمدًا ليتم فهمها فقط من أهل الغرائب.

في زمن الطاغوت، لم أخش تعليم علوم الغرائب للجديرين بها، لكن اليوم يديرها جهلة يعادونها، ويتهمون العلماء بالكفر والزندقة بسهولة. كنت أنصح المبتدئين بالذهاب فجراً إلى حرم السيدة المعصومة (عليها السلام) والتركيز على بركة الماء في الصحن، لأن الماء يعكس القدرة ويزيل الحواس المادية وينقل إلى عالم المعنى.

ذاتَ يومٍ ذهبتُ إلى مركز هؤلاء الأشخاص في قم، فرأيتُ رجلاً مشهوراً وعظيماً جداً يخرج من هناك. دخلتُ وسألتُ: «ماذا كان يفعل هذا الشخص هنا؟» فقالوا لي: «هو غبي وأحمق، ونحن نأخذ منه مالاً كثيراً مقابل تعليم مثلث واحد». نعم، كانوا يأخذون ماله ويسخرون منه في نفس الوقت. في يومٍ قابلته في الشارع وقلت له: «احذر، هؤلاء نصابون»، فقال لي: «لا يا سيدي، هؤلاء هكذا وهكذا». وبعد مدة وجدتُ نفس هذا الرجل قد كتب تلك الأمور التافهة في كتابه.

إنّ قم هكذا، ولكن في طهران كان هناك رجال كبار في هذه الفئة، أما في قم فلم يكن هناك أحدٌ منهم. لقد فحصتُ كل شبر من قم ولم أجد شيئاً. في هذه المدينة لا يسعى الناس إلى الأمور الكبرى، بل يبحثون فقط عن التفاهات.

في بداية الطريق إلى العجائب، هناك أمور عدة ضرورية: أولها المعلم المختص في هذا المجال. الذي يدخل طريق العجائب إما أن يكون متخصصاً أو مقلداً يجب أن يُزار؛ لأن هذه العلوم لا تُكتسب بالقراءة والكتب فقط، وإنّما لا يُمكن تعلم أي علم دون أستاذ ماهر ومُرشد مجرب.

قد يقرأ طالب العلم شرح لمعة الفقه، لكن في العجائب ليس الأمر هكذا، فكلما لم يفهم زاد وقع الضرر عليه. يحتاج الأمر إلى معلم ومتخصص للتلطيف والتهيئة النفسية. نسبة كبيرة من المهتمين بهذا الطريق ليس لديهم قلب، ولا باطن، وكل وجودهم يختصر في الظاهر. كما يقول القرآن الكريم:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

إنهم يعلمون الظاهر فقط، وهو ما يُرى بالعين من الزينة والتمثيل في حياة الدنيا، وهم غافلون عن الآخرة.

الحروف للألفاظ كالعناصر البسيطة. كما أن كل عنصر له أنواع تتراوح بين الخفيف والثقيل، وله أيضاً آثار وخواص خاصة به، كذلك الحروف لها معانٍ وصفات مماثلة.

ومع ذلك، كما أن جدول العناصر يحتاج إلى مسيرة طويلة حتى يكتمل فهمه، فإن الإنسان لا يزال مبتدئاً في معرفة الحروف، ولم يأخذ طريق معرفتها على محمل الجد. فالإنسان اليوم عاجز عن فهم طبيعة العناصر اللامحدودة وغير القابلة للحصر، وكذلك عاجز عن فهم الحروف والأعداد، ومن هنا يمكن اعتبار الحروف غير مفهومة للبشر؛ لكن عدم فهم الحروف ليس لعدم وجود معنى لها، بل بسبب ضعف الإنسان في المعرفة والإدراك.

الإنسان لم يصل بعد إلى قوته العلمية الكافية وقدرته على الخلق والتعرف على العناصر وتركيباتها التي لا نهاية لها. خصوصاً أن خلق الله نظامي ومنظم وله قواعد محددة لخدمة المصلحة العامة للظواهر، لكن قدرة الإنسان على الخلق قد تكسر قواعد الخلق وتخل بتركيبه لأغراض شخصية، كأن يخلق إنساناً أجمل، أبهى، أكثر جذابية، أقوى، أذكى، وأسرع في الأداء من البشر الحاليين. عندئذٍ يتجلى معنى الآية الكريمة:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [النحل: 98]، كمشاهدة حية.

المبحث الأول في الحروف هو تحديد عددها الحقيقي. عدم إجراء البحث في هذا المجال يجعل علم اللغة هشاً ويمنع الحصول على السلطة اللازمة لتطوير اللغة وتأمين بنائها التحتية. التعرف الدقيق على مخارج الحروف وأصواتها يحتاج إلى بحوث معمقة.

يجب التنبه إلى أن الأخطاء في هذا المسار، نظراً لدقته وحساسيته، كثيرة، ومن بين القليلين الذين يشتغلون على هذه الأمور يغلب الخطأ والزلل.

الكثير من التنبؤات المستقبلية المبنية على هذا الأساس تحمل أخطاء في حذف حرف أو إضافته، مما يضلل الأفراد والأمم أحياناً. وبعض وعود هورقلياس إذا كانت مبنية على هذه الأمور ولم تكن الصحافة متعمدة في التزييف والاختيار، فهي معرضة لأخطاء مماثلة.

على كل حال، هذه الصفة العجيبة للحروف ثابتة، فلا يمكن أن يكون شيء بلا معنى ولا قيمة مجردة ورمز بلا خلفية، بل لها آثار حقيقية وخارجية في السماء والأرض، وأحياناً بطرق مركبة ومزدوجة.

مثال: العدد 1000 في الرياضيات هو آخر عدد حقيقي له تأثير وهو عدد الحد، وبعده لا يكون للعدد تأثير حقيقي. إذا اعتُبرت حروف الأبجد وحدها تعادل ألفاً، فإن لها قوة انفجار هائل في النفس والعقل وقد تدفع الإنسان إلى الجنون والاضطرابات النفسية. أولياء الله لا يستخدمون أبداً هذه القوة التخريبية لربط الحروف بالأعداد، لأنهم لا يقومون بأعمال غير واجبة أو بلا حكم في الدين، فكيف في الأمور الشخصية؟ ومن يتعدى ذلك يُداس ويُزال من قبل أولياء الله، ويُقطع خيط سحره ليُبطل تأثيره.

وكذلك الأمر مع الآثار العلاجية المتعلقة بالحروف والأعداد، والتي يجب متابعتها في مكانها لتعويض النقص العلاجي. كما أن آثار التواصل النفسي بين الجثة وعالم الروح لدى الطبيب الشرعي لا تزول بدون غسل الميت، وإلا تصيب الطبيب اضطرابات نفسية وأمراضاً أخرى، وكذلك الاتصال الجنسي الحسي لا يتحقق إلا بالغسل الطهارة، ونقض نجاسة الكفر لا يتم إلا بالتهليل والإيمان. بعض الأمراض النفسية لا تُشفى إلا باستخدام الحروف والأعداد.

للأسف، العلم الحالي لم يدخل بجدية في هذه المواضيع، ولا يعرف علاج الاضطرابات النفسية الروحية، التي هي فوق الطب وعلم النفس. هذه الآثار العظيمة لا تنشأ من حروف بلا معنى، فالحروف لها معانٍ واضحة وجلية. استخدام الحروف المقطعة في القرآن الكريم دليل على دلالتها، وهي خاصة بأولياء الكرامة الذين يتلقون منها لغتهم، وهم مخاطبو هذه الحروف.

السور التي تبدأ بحروف مقطعة تتناسب تلك الحروف مع باقي آياتها. الحروف ذات معنى وتأثير، والعالم ذو الذوق العلمي لن يتجاوز هذه الحقيقة مرور الكرام.

الجفر

جزء من الغرائب هو الجفر، وهو اسم بئر عميق. الجفر هو دورة رقمية، مثل الماء إذا دار دوراً دائرياً تزداد عمقه ويصبح طرفه مدبباً. يُدار الأعداد لتختفي ذاتها. من يتبع الأعداد قد يصل إلى المحبة الإلهية العظمى، كما يُلقى حجر الرمل في الماء ليجرفه الدوران إلى عمق الماء. بالحركة الدائرية تُدار الحركات بطرق مختلفة كعشرات وخمسات بأسماء وأشياء أخرى حتى يُستخرج منها شيء. يمكن القول إن ترتيب الأسماء بطريقة دائرية في أعماقها يُسمى الجفر.

هذا الدوران قد يكون بالنسبة للاسم الأعظم، أو للسحر، أو للتعويذات. يُستخدم الجفر غالباً في علم أسماء الله، لاستخراج الاسم المستأثر أو الاسم الأعظم.

علم الجفر من أعظم العلوم الغريبة، ويستغرق سنوات طويلة، وغالباً لا يكون واضحاً لمعظم المتتبعين. في الماضي لم تكن الحياة معقدة كما اليوم، وكان البعض يتابع هذا العلم من الطفولة حيث تتوفر الفراغات والتركيز. أما اليوم فلا أوصي تلاميذي بالانشغال به، فقد انتهى عصر هذه العلوم، ومن يدعيها غالباً ما يكون جاهلاً ومخادعاً. المعرفة الجزئية بها مفيدة، والمتابعة مطلوبة بتوفيق من الله.

العلوم الخمسة

العلوم الخمسة هي: الكيمياء، اللميا، الهميا، السيميا، والريميا، ويسمونها اختصاراً «كُلِه سِر»، وهي علوم معروفة منذ آلاف السنين.

  • الكيمياء: العلم الذي يحول المعادن والأجسام المعدنية إلى أشياء أخرى، مثل فصل الذهب والفضة أو تحويل الحجر إلى ذهب. هذا العلم يحتاج إلى نظر ونقاء نفس كما قال حافظ: «الذين يجعلون التراب كيمياء بالنظر».
  • اللميا: تأثير الإرادة من خلال اتصال صاحبها بالأرواح العليا، مثل أرواح الكواكب والأحداث، ويتم هذا بالاستعانة بالجن.
  • الهميا: دمج قوى العالم العلوي مع عناصر المادة للحصول على تأثيرات غريبة، وهو علم الطلاسم.
  • السيميا: دمج القوى الإرادية مع القوى المادية للسيطرة على الطبيعة، مثل سحر الرؤى.
  • الريميا: استخدام القوى المادية لإحداث تأثيرات غير عادية على إحساس الآخرين، وهو علم الخدع.

هذه التعريفات إجمالية، ووجهة نظرنا في كتب أخرى.

نقد العلوم التقليدية لدى الحوزويين

اليوم العلماء المسلمون كبار محترمون، وأسماؤهم تُطلق على الكواكب. خدموا العلم بأقل الإمكانات وأصعب الظروف، وكتبهم منتشرة في مكتبات العالم. لكن لا شيء كامل، ولكل شيء نظرة نسبية، ونذكر بعض المشكلات بإحترام:

  • القدم: كثير من مسائل الفقه القديم لم تعد صالحة اليوم، مع تقدم الصناعة والحياة، تحتاج إلى مراجعة وتحديث.
  • التكرار: كثير من كتب الفقه والعلوم متكررة ولا تبتكر.
  • الغموض: كثرة استخدام التعبيرات المعقدة التي تجعل القراءة صعبة، وهذا ضار في زمن ندرة الوقت.
  • النقص والقصور: رغم الجهود، الكتب تعاني من نقص في التحقيق والفعالية، ولا تخدم الطلبة كما ينبغي.
  • انتهاء الصلاحية: الكثير من العلوم القديمة فقدت صلاحيتها في العصر الحديث.
  • مشاكل اللغة: العلوم مكتوبة بالعربية، والطلاب الفارسيون يجدون صعوبة في اللغة. يجب إتقان العربية مع المحافظة على اللغة الأم، وضرورة تعلم لغة ثالثة كالإنجليزية.

أسلوب الدراسة الصحيح

درست في طهران وأتقنت معظم المواد خصوصياً، ودخلت الحوزة في قم بمقابلة فقط دون امتحان كتابي.

(النص طويل جداً، ويمكنني متابعة الترجمة التفصيلية لأي جزء آخر تريده.)

عندما جئت إلى قم رأيت بعض الطلبة يقيمون في فيضية عشرين سنة فقط يتحدثون مع بعضهم، أو يشعلون المنقل وينقلون الأخبار، أو يشوون الكباب، ولا يدرسون دراسةً منظمةً ولا يثابرون على القراءة. كما أنهم يعيشون في مستوى معيشي مزدوج ولا يتحلون بالحافز في العمل. فمن الطبيعي أن هؤلاء لا يحرزون تقدماً. في طهران، قلت لأحدهم: «لماذا تدرسون بهذا الشكل؟» فأجاب: «ما فائدة هذه الدروس؟ القرآن معرب، والروايات أيضاً معربة، ونحن لا نحتاج إلا إلى الإدارة والمنبر.»

لم أكن أقبل أحداً بدون سبب، ولم أقبل أحداً كأستاذ إلا إذا كان مستحقاً. عندما جئت إلى قم حضرت درس أحد العلماء وجلست فيه ربع ساعة ثم قمت. مع أني كنت أكن احتراماً كبيراً للأساتذة، لكن في هذا الدرس قمت. أوقفني أحد تلاميذه في الشارع وقال: «لم يكن من اللائق أن تقوم من درس هذا العالم!» فسألته: لماذا؟ قال: «إنه من عدم الاحترام.» فقلت: القيام وحده لا يعني عدم احترام، ربما أحدهم مرض في أثناء الدرس. لكنّه كان متشدداً جداً، فقلت له: هل كان يدرس شيئاً تستحق منه هذا الاحترام؟ لقد قمت لأُبيّن له أني لست مثلكم. لم أكن أحتمل مثل هذه الدروس أكثر من جلستين أو ثلاث. لكنّ الله تعالى وفقني لخدمة أساتذة أقوياء، محاربين ودقيقين. كنت أرى طهران أقوى من قم في ذلك الوقت، وكانت قم مجرد حوزة عادية.

كنت في طفولتي ناشطاً في المدرسة، وأذهب ليلاً إلى المقابر لألتقي بأساتذتي الروحيين، كما كنت أذهب إلى المسجد. كنت في طفولتي أستاذاً نادراً في علم التجويد. في ذلك الوقت كنت أزور الكنائس والخانقاه وأتعلم فيها. في كثير من الأيام كان علي أن أتواجد في كل هذه الأماكن، من مقبرة الإمامزاده ثلاثة بنات في شهر ري، إلى مكتبة أرباع غلوبندك، وكنيسة رافائيل، والخانقاه صفّي، ومن شهر ري إلى ميدان خراسان، ومن هناك إلى شميران.

إن هذا من فضل الله تعالى أن يُخرج يتيماً ومسكيناً في طفولته من التيه ويشغله بالعلم والمعرفة. كنت أحفظ الشعر وأكتب الشعر، وكنت آخذ ديواناً أسبوعياً من المكتبة الكبيرة في أرباع غلوبندك، وأحفظ شعره. كثيراً ما كنت أعبر عن كلامي اليومي بالشعر.

حسي الحقيقي نحو الحقيقة جعلني أبحث في كل شيء وأحقق فيه. هذه الأماكن كانت تجارب تنضجنا. لطالما اعتقدت أن العالم إذا كان صاحب ذهن قوي يجب أن يكون ناضجاً وشاملاً، والشمولية أصل لأهل العلم، رغم أنه يجب التوضيح أن هذا لا يتعارض مع التخصصات العلمية. في ذلك الوقت، وفقني الله إلى أماكن وأشخاص صالحين، وكان معظمهم عطية إلهية لا مكتسبة أو اختيارية.

عندما دخلت الحوزة العلمية في قم وبدأت رسمياً أدرس، نصحني ابن عمي ووقف دوني، وكان دائماً يتبعني إلى النادي الرياضي ويقول لي: «الطريق الذي اخترته لن يفيدك ولن يعالج أوجاعك. على الأقل ادخر شيئاً من الدنيا لنفسك.» رغم أني كنت أدرّس القرآن الكريم وأدرس التجويد لحوالي ثمانين طالباً بالغين كانوا جميعهم من أصحاب المال والموارد، إلا أني كنت أذهب إلى النادي مشياً على الأقدام، ثم أذهب لدرس الإنجيل في كنيسة رافائيل، وبعدها إلى مسجد في شهر ري، ثم إلى الخانقاه في بهارستان، حيث كان المرحوم مصفاي يمنحني صفاءً في الروح، وأذهب ليلاً إلى مقبرة ثلاثة بنات، وأرافق سلطان الكسوة.

في أيام أخرى، كان ابن عمي ينصحني مثل العادة قائلاً: «الدنيا ضرورية للحياة، فلماذا تتركها بكل هذا الشكل؟» ولم أكن أصغي إليه. إلى أن ذات يوم، كنا في طريقنا إلى النادي، ووصلنا إلى ساحة الخضراء، فرأيت مدمن مخدرات سقط في مجرى مائي موحل، ملابسه موحلة، مخمور، رأسه منخفض، فاخبرته: «يا أحمد، إما أن أنجح وأصبح إلهاً أو أصير مثل هذا المدمن الموحل، ولا أعرف طريقاً وسطياً.» هذا الكلام أطفأ النار في كلامه ولم يقل شيئاً بعدها. وأنا أتمسك حتى اليوم بهذا الرأي: «إما الله أو لا شيء.» إذا كنت في المرتبة الثانية، فإن الأمور تفسد، وكلما كنت في المرتبة الثانية فسدت الأمور.

جئت إلى قم لمواصلة الدراسة بحقيبة واحدة فقط، وكنت أقول: سأضع كتبي تحت رأسي ولا أحتاج إلى وسادة. صحيح أن الطالب يحتاج إلى مسكن وراتب شهري يكفي للمعيشة العفيفة، لكن الطريق ليس مسدوداً، ويجب إيجاد السبيل.

طريق الطلبة مليء بالمشقات التي لا مفر منها، وبعض هذه المشكلات نابعة من الطبيعة البشرية ولا يمكن تغييره، ويجب قبوله. يجب أن نعتبرها قضاءً وقدراً، سواء وافقنا ظاهرياً أو باطناً أم لا. لكل إنسان قلب، وهناك آلاف القلوب الأخرى الغريبة عن قلبه، والعقل هو الذي يستطيع أن يدير هذه الأمور ويسيطر عليها، وعلى الطالب ألا يعتذر عن تقصير. يجب إيجاد الطريق. طوال فترة دراستنا لم نضيع أي فرصة، كنا مشغولين ليلاً ونهاراً.

جهود العلماء

صاحب الجواهر قد بذل مئات العلماء جهداً حتى كتب «جواهر الكلام» الذي يبلغ ٤٣ مجلداً. كتابة العبارات الفقهية مع الأدلة والحجج صعبة جداً! يجب أن نعد مثل هذا العالم من أولياء الله.

رحم الله السيد فيروزآبادي صاحب حاشية «الكفاية»، فقد قضى عشرين سنة في كتابتها، وكتب بعض الفصول خمس مرات حتى أجادها، رغم أن وجهات نظره في الأصول ليست دقيقة، إلا أن أسلوبه قوي وواضح وسهل الفهم. كما اختصر «الجواهر» بأسلوب قوي أيضاً. البحث العلمي يتطلب صبراً وتحملاً عالياً.

الحافظ له ديوان خالد، لكنه حذف الكثير من شعره واحتفظ فقط بالغزليات التي كان يراها نادرة. أما مولوي فقد كتب كثيراً من الغزل لكنه قليل من حيث الجودة، لأنه لم يحذف ما كتبه. شهرته قائمة على المثنوي. يجب أن نتحلى بالصبر ونتجاوز بعض الكتابات الضعيفة المتعلقة بفترات التوقف.

على الطالب أن لا يبخل بأي جهد وأن يتحلى بالالتزام بالعمل. البحث العلمي يحتاج إلى صبر وتحمل. «فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» يُقال. إذا صارت تراب قدم عالم ثريا للعين، فهذا عظيم لأنه وريث الأنبياء، وإن كان أدنى منهم.

علماء مثل المرحوم الخوئي والمرحوم المجلسي الذين نجحوا في الحوزة، كانوا يتمتعون بعناية خاصة جعلتهم يقدمون خدمات عظيمة. يجب بيان خدمات المرحوم المجلسي في مدرسة الإمام الصادق والدين.

صياغة عبارة صحيحة وخالية من الخطأ تجهد العقل وتُحبطه، والعلماء قضوا حياتهم في العمل والجهد العقلي، وليس عملاً بدنياً يُخلص منه بعد الشاي والخبز. العمل الفكري مرهق ويزيل كل الرغبات.

نحن اليوم نعاني من الإرهاق الفكري أحياناً، ونشعر بالتعب والضيق، لكن نعتقد أن في ذلك خيراً أو ابتلاءً يجب تجاوزه. المسير في الطريق الروحي كذلك، لا يعتمد على الهوى والرغبات بل يجب العمل بما قدّره الله.

كنت أذهب إلى المقبرة وأنا في الحادية عشرة ليلاً. أعتبر المقبرة جامعة للعلوم الروحية. كنت أحمل مصباحاً صغيراً يُطفأ بالريح. كذلك، كانت الحدائق والصحراء جامعات أخرى لي. كانت الدراسة في المقبرة أصعب من كل شيء، إذ الضوء ضعيف والريح تُطفئ المصباح. لكن كان في ذلك الخير والبركة التي لا تُقارن بقيمة الدراسة.

لا ينبغي أن يعمل الإنسان على أساس الهوى، بل يجب أن يعرف ما هو الواجب ويسير في طريقه.

بعض الأشخاص يزعجونني. بعضهم في مدينة قم المقدسة لا يدرسون ولا يعملون، ولا يمكن استهلاك نصيب الإمام للزيارة والروضات فقط. نصيب الإمام هو للعلماء والطلاب الحقيقيين. زيارة الشعور فقط لا تخرج منها معرفة.

بعضهم ينشرون بساط التصوف وينقلون كل ليلة كرامات، ويصدقهم بعض السذج ويتجمعون حولهم. لدي كتاب كتبت فيه ماذا سأفعل لو كنت في مكان المسؤول، وأول شيء سأفعله هو استخدام السيف في الحوزة لإعادة الذين يدعون العلم والروحانية بلا علم إلى مكانهم. لا ينبغي أن تكون قم مدينة للهوى والفساد.

أهم عوامل ضعف الحوزات

ـ غموض معنى العلم:

العلم في الحوزة له معنى خاص، ومن لا يعرفه بشكل صحيح يستنسخ نظام التعليم الجامعي، وهذا مثل طفل عمره ست سنوات يتحدث بشكل جميل لكنه لا يمتلك الفكر الحقيقي، وإنما يتقن النمط والاحتفاظ بالمحفوظات.

الحوزة لا يمكن أن تكون نظاماً كالجامعة. الشهادات الحالية التي تُمنح بتقليد الجامعة، شهادة لا تناسب تخصص الحوزة، وتعتمد على المهارات فقط. في كتابة الرسائل العلمية، يهم الأستاذ قائمة المصادر، في حين أن المهم هو الفكر والتأليف والابتكار، يجب على الطالب أن يعبر عن نفسه، ويُنتج فكراً معتمداً عليه يمكن تقديم الأدلة عليه. الهداية في عصرنا لا تتحقق بدون دليل.

ـ طريقة القبول:

من أضرار الحوزة وطلابها أن طريقة القبول الحالية سيئة. يجب ألا يكون هناك قبول عشوائي، بل يجب انتقاء الطلاب. اليوم أعظم خطيئة أن يدخل من لا يمتلك معلومات كافية في الحوزة. في الماضي كان البعض يرون دروس الحوزة صعبة، لكن من يحمل شهادة دبلوم ليستصعبها.

الحوزة لا ينبغي أن تقبل بشهادة الثانوية فقط. كيف يمكن بمثل هذه الشهادة تقييم أفكار كانت وهيغل؟ يجب اعتماد الانتقاء لا القبول. يجب اختيار الأذكياء، أصحاب الفكر واللفظ والباطن، وإدخالهم فقط. طالما الحوزة تعمل بالقبول، فلن تصل إلى مستوى متقدم. الآن حتى موظف البلدية يجب أن يحمل دبلوم. قوانين التوظيف تتطلب صحة جسمية وع

وعقلية.

ـ عدم وجود نظام واضح في الدراسة:

يجب أن يكون هناك نظام واضح وعلمي. حتى الآن لم يُحدد أحد كيف تدار الحوزة.

ـ التكرار بدون فهم:

تكرار الدروس بدون فهم عميق لا يفيد، بل يضر الطالب ويجعله ضائعاً.

ـ ضعف اساتذة معينين:

بعض الأساتذة غير مؤهلين أو لا يجيدون التقديم العلمي.

ـ غياب التخصص العلمي الحقيقي:

يجب أن لا تقتصر الدراسة على السطح بل تغوص في الأعماق العلمية والفكرية.

ـ ضعف الروحانية والنية:

النية يجب أن تكون لله، ولتحقيق العلم الحقيقي لا بد من تربية نفسية وروحية.

الطلبة بحاجة إلى نظام تعليمي مدروس، انتقاء صارم، تعميق في الفهم، وتعليم روحي وأخلاقي، كي يصبحوا علماء حقيقى.

الاختيار الخاص والمميز

ما ذُكر بشأن الاختيار كان الجزء العام منه، أما الجزء الخاص والمميز للاختيار، فهو أن طلب العلم الديني ينبغي أن يتم اختيار الأفراد له منذ الطفولة والشباب. اختيار شاب يبلغ من العمر سبع وعشرين عاماً أو أكثر، حتى وإن كان يحمل شهادة الدكتوراه، ليس بالأمر المفضل لطلب العلم الديني، لأن مثل هذا الشخص لا يمكنه التكيف مع أجواء الحوزة والعيش بين العلماء.

يمكن أن يتم الاختيار الخاص منذ الطفولة ومن خلال أسرة الفرد. جانب من جوانب التعرف على الأشخاص المناسبين يبدأ من صغرهم ومتابعتهم حتى بدء الدراسة والمباحث الحوزوية. هذا الأمر يتم عبر التعريف والتوصية من خلال الأسرة أو المدرسة أو غيرها، ويقوم المقربون منه بتحويله إلى المراكز العلمية والمسؤولين عن الحوزة.

الاستغلال الخاطئ للنظام السياسي للدولة من قِبَل الحوزة:

المشكلة الرابعة هي الاستغلال اللامحدود وغير المنضبط للنظام السياسي للدولة من قِبَل الحوزة، مما يهيئ المجال أمام الطلبة لشغل المناصب الهامة والحاسمة. هذه العملية تدفع الطالب بدلًا من الاستمرار في الدراسة والبحث، إلى التركيز فقط على تحصيل الشهادات اللازمة للجلوس على كراسي القضاء أو المناصب السياسية والإدارية… النظام الحكومي الفاشل وغير الفعّال الذي حكم البلاد خلال الأربعين سنة الماضية بذل كل جهده لتوظيف النخب وأفضل طلبة الحوزة كمروّجين ومبشرين، ليُقنع المجتمع إلى حدٍ ما ويحتكر هؤلاء الأفراد تحت سيطرته. بينما الرسالة والواجب الحقيقي للحوزة هو التعرف على عباقرة الحوزة ودعمهم دون الاعتبارات السياسية. في الوقت الحالي، لا يُميز بين عباقرة الحوزة (الذين يصعب التعرف عليهم أصلاً) وبين غيرهم من الطلبة، بل أحيانًا الطلبة العاديون الذين لا يمتلكون أي ميزات سوى الصفات الشخصية من ذكاء ودهاء يتقدمون على عباقرة العلم في الحوزة.

ثقل متطلبات الطلبة:

المشكلة الخامسة هي ثقل متطلبات طلبة الحوزة، التي تتطلب صبرًا وتحملًا طويل الأمد، على مدار الساعة، لكي يستفيد الطالب من هذه المراحل التمهيدية في طريق الاجتهاد والفقه. وكل هذا في حين أن الطلبة اليوم لا يملكون الحماس الكافي ماديًا وروحيًا لمتابعة هذا المسار.

فقر الطلبة:

المشكلة السادسة هي فقر الطلبة وعدم توفر الموارد المالية من حيث المصروفات الشهرية والدعم المالي الفعّال، مما أدى إلى ركود وتراجع في العلم والبحث بين الطلبة. الطالب الذي لا يتلقى حتى مصروفه الشهري البسيط، يضطر إلى التسول هنا وهناك، فكيف له أن يكمل طريق الدراسة الصعب؟ يجب أن يكون للطالب من يد تدعمه ماليًا لفترة طويلة حتى يستطيع التفرغ للدراسة والبحث براحة بال، لأن التفكير في لقمة العيش يبعده عن التركيز في الأمور العلمية والدينية، وهذا ما زاد تفاقمه مع التضخم وغلاء المعيشة اليوم.

غياب رؤية واضحة لحياة الطلبة:

المشكلة السابعة هي غياب رؤية واضحة طويلة المدى لمستقبل الطلبة، فالاستمرارية المادية لهم غير مضمونة. الطلبة ليسوا مثل أصحاب الوظائف التي تضمن راتبًا ومزايا وتأمينًا وتقاعدًا. وأيضًا، لا يحتاج المرء إلى مؤهلات علمية عالية لكي يعمل في مجال إلقاء الخطب أو إقامة المناسبات. لذلك، غياب الأفق الواضح أمام الطلبة يثنيهم عن إكمال دراستهم حتى المراتب العليا.

الراحة والرفاهية:

المشكلة الثامنة هي السعي وراء الراحة والرفاهية، وهو سم قاتل للطالب. إن العيش في الحوزة مع وفرة النعم خطرٌ يغري بالغفلة وغياب الجدّية. صحيح أن المدرسة توفر أطعمة ممتازة للطلاب، لكن لا ينبغي استغلال كل ذلك. يجب على المدارس رعاية طلابها، لكن الطلاب أنفسهم يجب أن يحترسوا من التسيب وعدم استغلال الموارد. الصرامة التي يواجهها الطالب خلال فترة دراسته، من نفسه أو من الإدارة، هي أمرٌ ضروري، فلا يمكن للإنسان أن يصل إلى الكمال والصلابة دون المرور بالمراحل الصعبة. الموارد المتاحة يجب أن تُعتبر فرصة لترشيد الوقت.

عدم كفاية مناهج الحوزة الحالية:

المشكلة التاسعة هي أن المناهج الحالية في الحوزة غير كافية ومجدية، وهذا أمر لا شك فيه، لأنها مناهج تعود إلى مئات السنين. رغم أن هذه المناهج كانت ذات قيمة في زمنها، إلا أن العلم ديناميكي لا يمكن حجزه في فترة زمنية واحدة. هل يمكن حبس نصوص خالدة ككتاب الله وسنة المعصومين؟ الكتب السماوية الأخرى لها زمن محدود ولا تغني دائمًا في أزمنة مختلفة. مناهجنا بأسلوب قديم يستخدم الألغاز والرموز، بينما في العالم الحديث تُعرض أصعب المسائل بأبسط اللغات لكي يفهمها الجميع.

كتب الحوزة في مجالات الأدب والفقه والأصول والفلسفة والتصوف غير كافية، ومنهجها الحالي لا يخدم العلماء. الجميع يعترف بهذا، لكن بعد الثورة قامت بعض المحاولات للتعديل والتلخيص، لكن المشكلة لم تُحل. يجب علينا أن نكتب مناهج شاملة لكل التخصصات الحوزوية، تأليف علماء متمكنين يتعاونون بشكل شبكي، لتكون هذه المناهج مفيدة للمجتمع والعالم اليوم. هذه العملية تحتاج إلى صبر وتجربة لا يمكن إنجازها خلال أشهر قليلة.

 

مزيد من المشاكل في النظام التعليمي والإداري في الحوزة لم تُذكر هنا، وسنتحدث عنها لاحقًا مع اقتراح الحلول.

[1] – شعراء / 109، 127، 145، 164 و 180.

[2] – نجم / 7 ـ 10.

[3] – فاتحه / 5.

[4] – عصر / 2.

[5] – سبأ / 13.

[6] – مائده / 105.

[7] – بقره / 100.

[8] – آل‌عمران / 110.

[9] – مائده / 103.

[10] – انعام / 37.

[11] – انعام / 118.

[12] – اعراف / 17.

[13] – اعراف / 102.

[14] – يونس / 36.

[15] – يوسف / 106.

[16] – نحل / 83.

[17] – مؤمنون / 70.

[18] – شعراء / 8.

[19] – فصلت / 4.

[20] – اسراء / 85.

[21] – عصر / 2 ـ 3.

[22] – بقره / 282.

[23] – نهج‌البلاغه، (فيض الاسلام) حكمت 302.

[24] – الكافى، ج 1، ص 54، ح 2.

[25] – كنزالعمال، ح 903.

[26] – وسائل‌الشيعه، ج 11، ص 511، ح 9.

[27] – جمعه / 5.

[28] – اعراف / 76.

[29] – ملك / 3.

[30] – فرقان / 73.

[31] – سير عشق، ج 1، صص 175 ـ 180. با اندكى تغيير.

[32] – عوالى‌اللئالى، ج 1، ص 20.

[33] – آل‌عمران / 167.

[34] – انفال / 60.

[35] – الكافى، ج 1، ص 58.

[36] – نحل / 97.

[37] – جامع‌المقدمات داراى اين كتاب‌هاست: الامثله، شرح الامثله، صرف مير، الصيغ المشكله،الكبرى فى المنطق، آداب المتعلمين، التصريف، شرح التصريف، عوامل الجرجانى، العوامل للملامحسن،شرح العوامل، عوامل المنظومه، الهداية فى‌النحو، شرح الانموذج، الفوائد الصمدية.

[38] – بحارالا، ج 45، ص 116.

[39] – واقعه، 86.

[40] – روم / 30.

[41] – نساء / 125.

[42] – بقره / 138.

[43] – آل‌عمران / 19.

[44] – بقره / 256.

[45] – توبه / 33.

[46] – روم / 43.

[47] – روم / 30.

[48] – توبه / 122.

[49] – حج / 78.

[50] – نور / 2.

[51] – زمر / 3.

[52] – كافرون / 6.

[53] – شورى / 13.

[54] – پيشين.

[55] – نساء / 125.

[56] – نساء / 171.

[57] – بقره / 132.

[58] – توبه / 33.

[59] – توبه / 33.

[60] – نساء / 125.

[61] – بقره / 132.

[62] – آل‌عمران / 159.

[63] حجرات / 10.

[64] – نهج‌البلاغه، حكمت 207.

[65] – اسراء / 21.

[66] – ملك / 3.

[67] – نجم / 4.

[68] – انعام / 59.

[69] – عصر / 1.

[70] – بقره / 3.

[71] – بحارالا، ج 74، ص 134.

[72] – بحارالا، ج 28، ص 239.

[73] – عصر / 2.

[74] – قصص / 56.

[75] – مكارم‌الاخلاق، ص 465.

[76] – عبس / 34 ـ 36 .

[77] – نهج‌البلاغه (صبحى صالح)، ص 386.

[78] – عيون اخبارالرضا، ج 1، ص 91.

[79] – الكافى، ج 1، ص 58.

[80] – فرقان / 72.

[81] – انفال / 4.

[82] – يوسف / 31.

[83] – نمل / 29.

[84] – حديد / 11.

[85] – دخان / 17.

[86] – شعراء / 7.

[87] – شعراء / 57.

[88] – واقعه / 77.

[89] – روم / 7.

[90] – اعراف / 179.

[91] – حج / 46.

[92] – نساء / 155.

[93] – بقرهر / 93.

[94] – بقره / 7.

[95] – بقره / 74.

[96] – توبه / 127.

[97] – الخصال، ج 2، ص 8.

[98] – لقمان / 20.

[99] – احزاب / 21.

[100] – الغيبة، نعمانى، ج 1، ص 115.

[101] – السنن، بيهقى، ج 10، ص 118. الغدير، ج 8، ص 291.

[102] – كتاب سليم بن‌قيس، سليم بن‌قيس، دارالفنون، بيروت، ص 148.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V