صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

أساس علم الدين الحديث

نشر في آذر 13, 1404 في

البنية الأساسية للتحول المعرفي الجذري في مؤسسة العلوم الدينية والمجتمع الإسلامي

أساس علم الدين الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة آية الله العظمى (حفظه الله)

البيانات التعريفية:

  • المؤلف: (مواليد 1327 هـ ش)
  • العنوان: أساس علم الدين الحديث
  • الناشر: طهران، دار نشر ، 1401 هـ ش
  • الصفحات: 262 صفحة
  • رقم الإيداع الدولي (شابك): 978-600-397-075-5
  • الطبعة: الأولى، سنة النشر 1401 هـ ش
  • مركز التوزيع: قم، شارع أمين، الزقاق 24، الفرع الأول جهة اليسار، رقم 76
  • الموقع الإلكتروني:
  • حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

المقدمة

تَسَلُّطُ الدِّين الظَّاهِرِيِّ المُزَيَّف على حقيقتِه

إذا درسنا مستوى التدين والدين الاجتماعي، أي الطبقة من الدين الحاضرة في المجتمع، والتي تُدرَّس وتُبشَّر وفق روايات علمية موثوقة، يتضح لنا أن حضور الدين في المجتمعات الدينية المعاصرة غالباً ما يكون رمزياً، شكلياً، سطحيًا وشعاريًا، وأن دينًا ظاهريًا وطبقيًا قد حَلَّ محل الدين الحقيقي.

الدين من حيث الثبوت هو من جنس المعرفة، لكن في دوائر الحكم الديني والمجالات العملية يكون الدين سطحيًا ورمزيًا. النظر الرمزي إلى الدين والتبشير بالشعائر، رغم ضرورته، لا يكفي، وإذا انقطع عن مقام الثبوت والحقيقة المعرفية، يصبح معادياً للدين. وظائف الهوية الظاهرية والطبقية للدين، إذا اعتُبرت بمعزل عن حقيقتها وباطنها، لا تلبي حاجة المجتمع إلى الوظائف المعرفية والباطنية والمحتوى والديناميكية الدينية، ويؤدي التركيز المفرط على الهوية الظاهرية وتجاهل الجانب الباطني والمعرفي والعلمي إلى تفريغ الدين من محتواه الفكري والعلمي والنظري، ويبقى شكلاً بلا مضمون، لا يسهم في نمو الوعي والمعرفة أو تقدم المجتمع أو تقبل الدين.

وظائف الهوية الظاهرية، مثل الصلاة اليومية، صلاة الجماعة، مراسم العزاء، الحج، والتمسك بالمظاهر الإسلامية… كلها معانٍ تتجلى في باطنها، ولكن الطغاة والأنظمة الاستعمارية واستغلالهم للرجعية الطبقية، حتى تُفرغ الدين من محتواه المعرفي وتُغيب جانبه العلمي، يضخّمون هذه الوظائف الظاهرية ويشغلون الناس باسم الدين في واقع بلا مضمون، مقدمين الشكل بدلاً من المحتوى والظاهر بدلاً من الباطن.

الدين الظاهري الأداتي لا يقدم أي وعي أو خير للمجتمع، بل هو أداة في يد السياسيين لترويض الجماهير الدينية وجعلها خاضعة لنظام الحكم. والأسوأ من ذلك، أن الجمود على هذا الدين الظاهري ومع مجتمع يكتفي بالجوانب الظاهرية، يمكن أن يؤدي إلى صراع مع أصحاب الدين الحقيقيين وهم الأولياء الأحياء لله، بل يمكن تحريض الجماهير ضدهم وعزلهم، أو إيقاف قلوبهم المملوءة بالحب للبشرية.

الدين هو الحقيقة ذات المعنى لا مجرد مفاهيم أو طبقات ظاهرية مقطوعة عن الباطن والحقيقة.

تعريف الحقيقة والرمز

المقصود بـ”الحقيقة” هو جوهر وذات الشيء، أما “الرمز” فهو ما يُقبل في الظاهر كدلالة.

القرآن الكريم حقيقة باطنية وعقلانية، وكتابه المكتوب هو رمزه الظاهر. يمكن التعامل مع القرآن فقط كرمز دون إدراك حقيقة هذا الكنز المعرفي.

يُمكن التبشير بالكتاب السماوي والاحتفال به ونشره بآلاف النسخ، وإقامة الجامعات والمعاهد العلمية، وتنظيم المسابقات الدولية، ولكن إن فشل الناس في التعلق الحقيقي به وفهم معانيه العميقة، فإن ذلك لا يؤدي إلى العمل بحقيقته، ويحتجز القرآن في قفص رمزي جامد.

المجتمع الشيعي، رغم قرون من التبجيل الرمزي لأهل البيت عليهم السلام، يبكي ويسبّي عليهم، لكن قلة قليلة فقط تدرك مقامهم الحقيقي الروحي والغيبي وعلاقتهم بالله والولاية.

النظرة الرمزية إلى الإمامة لدى أهل الدين لها نفس وظيفة القرآن على الرف، وهي تعبير عن الفقر المعرفي، ما أدى إلى قطع الصلة بالإمام المعصوم والأولياء الحقيقيين، وحرم المجتمع من معارف لا نهاية لها.

هذا هو البلاء الذي جلبه الاستعمار الداخلي والخارجي، والدين المعادي للدين على الدين الحقيقي.

ملاحظات أخرى:

  • الإمامة هي مجال ظهور الدين بعد ختم الرسالة، ولها مراتب تبدأ بالإمام المعصوم، ثم الأولياء الذين تربوا على يده، وأخيرًا المؤمنون ذوو المعرفة.
  • مقياس صدق الإمام والمعلم هو “الحكمة والمعرفة” و”الحب اللامتناهي والرحمة للمخلوقات”، حتى تشمل أعداءهم أحيانًا.
  • الدين الذي يصبح أداة للحكم يركز على المظاهر ولا يسمح للناس بالوصول إلى حقائق الدين، في حين أن التبشير الرمزي لا يفي بالغرض إلا إذا كان مرتبطًا بالحقيقة.
  • حفظ القرآن دون فهمه الحقيقي أصبح رمزًا فارغًا.
  • المجتمع يبكي على مظلومية الأئمة لكنه لا يقف للدفاع عن الحق.
  • ظهور الإمام المهدي الحقيقي ليس رمزًا بل حقيقة واقعية، ووجوده مستمر في عالم الغيب.
  • الدين حقيقة إرشادية لا أمرية
  • يكمن اختلاف نظرة الفقهاء المعرفيين عن الفقهاء الظاهريين في هذه النقطة تحديدًا: فالعلماء الظاهريون ينظرون إلى أوامر الله ونواهيه على مستوى ظاهر الأمر فقط، فلا يتجاوزون ذلك إلى التأمل أو الفهم الأعمق؛ أما من المنظور المعرفي، فإن العالِم الحقيقي هو الذي تستقر حقيقة الأوامر والنواهي الدينية في قلبه، ويتمكن من إدراك المقصد الحقيقي للوليّ (الله) من وراء هذه الأوامر والنواهي. وبشكل عام، الأصل في الدين هو الإرشاد إلى حقيقة جميع الأديان السماوية. فالدين يسعى إلى إيقاظ الفطرة التي هي موجودة في جميع البشر، والإرشاد فيه هو في الأصل وصف لهذه الفطرة. فالإرشاد والوصف يشيران إلى ذات الأمر، وهما يهدفان إلى تنمية الفطرة الفطرية المتأصلة في النفس الإنسانية.
  • أما الدين الأمرّي أو الأمر الصرف فهو لا يرتكز على معيار أو وصف، وهو أسلوب جاف بلا برهان أو أساس، إذ يقول لك: «لا يهمك الأمر، فقط نفذه! لا تسأل، نفذ ما أقول!» بينما نجد في القرآن أن الأوامر والنواهي تتضمن معايير وأساسات ووصف الموضوع. والفرق بين الأمر الأمرّي والأمر الوصفي يكمن في وجود المعايير والتبرير. على سبيل المثال، قد يرى ابن غير عاقل والده كفرعون ظالم يفرض أوامره بشكل استبدادي ويستخدم العقاب والتعذيب، أما الابن العاقل فيراه حكيمًا كبيرًا ومحبًا، فيفهم أن وراء أوامر والده حكمة ومحبة، ولذلك يصر على طلب التعليمات منه بنفسه، لأن أوامره ليست قسرية بل حكيمة ومن منطلق محبة.
  • الأوامر واللازمات الاستبدادية والقسرية هي خلفيات استبدادية دخلت إلى جزء من الثقافة الدينية بسبب ثقافة الأنظمة السلطوية الاستبدادية، بينما حقيقة جميع التعاليم الدينية هي وصفية تتعلق بحقائق واقعية وليست أوامر جافة. فالإنسان الذي هو خليفة الله في المخلوقات، إذا كان مختارًا وأطاع الدين طوعًا، يرتقي، أما بالإجبار فلا يصل إلى الكمال. فالمفاهيم تحمل طبقات ومستويات، ومن يمتلك فهما معرفيا أعمق يرى أن جميع أوامر الله الصارمة هي في الأصل إرشادية وعلى أساس حقائق صحيحة، وأن هذه الأوامر والنواهي تحقق مصالح ومفاسد حقيقية وضعها الله ضمن الشريعة لهداية البشر.
  • كلما ارتفع مستوى المعرفة، اتضح أن أوامر الدين ليست إلا إرشادًا إلى الحقائق. أما العالِم الذي لم تستقر المعرفة الحقيقية في قلبه، وابتعد عن العلوم الظاهرية فقط، فلا يرى في أوامر الدين سوى ظاهرها، ويتصور الله غاضبًا وعقابيًا. ومن يمتلك نظرًا ظاهريًا فقط وقلبه مغلق لا يستطيع إدراك الحقائق والمعارف، إذا عمل بالدين سيفهمه بمنظور سطحي محدود مقيد بالظاهر، ويقدمه للناس كذلك، فينتهي الأمر بأن الناس، إن رأوه وليًا للدين، يُحرمون من حكمته ومحبة الدين وحقيقته.
  • الدين الذي يُرسم بمنظور ظاهري هو دين لا يمنح معرفة ولا إيمانًا حقيقيًا، بل يواجه الناس بأوامر قسرية من نوع «افعل ولا تفعل» بلا فهم أو برهان.
  • ومن لم يصل بعد إلى معرفة حقيقة الدين والشريعة الحقيقية الربوبية والطبيعية، إذا عرف الناس الدين من خلاله، فإنه يضرّ نفسه جاهلًا ويضر الناس أيضًا. يجب على مثل هذا الشخص أن يكتشف أولًا موهبة المعرفة بالدين ويهتدي إليها، ثم يوجه الناس والمجتمع، وإلا فإنه سيلوث الدين بمنظور سطحي ويحرف الشريعة الإلهية، مسببًا أكبر الأضرار لنفسه ثم للمجتمع والدين.
  • خلاصة القول أن ليس كل شخص أو موهبة مناسبة لدراسة الدين، فالدين يحتاج إلى شخصيات ذات مواهب ربوبية خاصة وطبائع فطرية واحتياجات ربانية.
  • من كان ذا معرفة، يستخلص من أوامر الدين الظاهرة عمقًا وحكمة وتفسيرًا، ويدرك أن وراء الجلال جمالًا، وأن جميع الأوامر والنواهي تشير إلى ذلك الجمال. أما غير أهل المعرفة فلا يرون إلا الظاهر ويعملون به فقط، دون علم بالحكمة أو الحقيقة.
  • مثال ذلك: إذا تعامل مدير مدرسة مع الطلاب بالعصا والأوامر فقط – دون حكمة أو محبة أو فهم – فسيكون أثر التربية عكسيًا دائمًا. أما المدير الحكيم الذي يعرف دوره كمرشد ويقود الطلاب نحو الجمال والخير، فإن نمو الطلاب سيزداد. الفرق بين مدير حكيم وأخلاقي وآخر يمسك العصا عظيم كفرق الأرض والسماء. الطلاب الذين تربوا تحت إدارات مستبدة لا ينهضون فقط في التربية بل حتى في المواد العلمية، ويصبحون مستبدين في شبابهم، يريدون أن يكونوا حكامًا ينتقمون من عقد الطفولة.
  • جميع من يحبون الجاه والمنصب يعانون من نقص المحبة ويشعرون بالذل. لو كانوا مشبعين بالمحبة لما تحملوا العذاب والاضطهاد في مناصبهم. نعم، إذا كان المرشد حكيمًا ودافئًا وصاحب أخلاق ومعرفة، فسيتم تحقيق النظام والتربية بالحب، وستتحول قلوب الطلاب من مخازن للعقد إلى مصادر محبة ورحمة وتضحية.
  • الدين إذًا أمر معرفي يهدف إلى نمو البشرية، والله يريد تنمية عباده لا فرض أوامر تجبر على أفعال لا تحقق الكمال. إذا لم يستطع الفقيه أن يصل إلى جوهر الدين وجمال حقيقته، وأن يجد الله في قلبه، فإن فلسفة الخلق ستصبح محل شك. أساس جميع أوامر الدين هو الإرشاد إلى الحقائق والاتصال بالله تعالى. من خلال جلال الله وأوامره الجلالية، يجب أن يصل الإنسان إلى جماله وحلاوة أوامره.
  • الدين حقيقة كامنة في أعماق النفس لا مجرد وضع قوانين
  • ليس الدين الإسلامي مجرد مجموعة قوانين لم تكن موجودة سابقًا وأُنشئت ونُظمت بوحي القرآن الكريم، بل الحقيقة أن تشريع الدين يعبر عن حقيقة متأصلة في الفطرة الإنسانية وطبيعة الخلق. من المنظور المعرفي، على عكس النظرة الظاهرية، الإسلام ليس مجرد مشرع يختلق قوانين، بل هو كشف واكتشاف لقوانين حقيقية تحكم الكون.
  • لذلك الدين حقيقة تكوينية لا اعتباريّة صرف. الدين معرفي أصيل متجذر في أعماق كل إنسان، ومن هنا يمكن القول إن هداية الإنسان تعني إيقاظه من الغفلة وتنبيهه إلى فطرته وإلى قلبه وباطنه ليجد الله فيه قبل كل شيء.
  • هذا مستوى من الاختلاف بين النظرة المعرفية والنظرة الظاهرية. في النظرة الظاهرية تُعتبر قوانين الدين مجرد تعبد وعقد بلا معنى أعمق، بينما في النظرة المعرفية، الدين ينطق بحقيقة وجودية.
  • أما المستوى الثاني للاختلاف فهو مع الذين، رغم قولهم بأن الدين يكشف القوانين التكوينية، يغفلون حقيقة أن الدين عميق في نفس الإنسان.
  • فالإنسان، بصفته خليفة الله، كيف يمكن أن تخلو أعماقه من حقيقة الدين؟! في حين أن العالم كله متجسد في الإنسان الذي هو أتم ظهور لله: «وَفِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأَكْبَرُ». ويقول الأئمة المعصومون: «نزّلونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم». مقام الخلافة الإلهية قائم في الإنسان الكامل وموهوب له.
  • الإنسان الكامل هو خليفة الله، وقد تجلّى فيه الحق تعالى، ويختزل العالم كله، وحقيقة الدين في أعماق فطرته كامنة، دون إغفال للجوانب الاجتماعية والسياسية التي تنشأ من التفاعل بين الناس في المجتمع. بمعنى أن وجود الفطرة الداخلية لا ينفي وجود المجتمع. لذلك تقسيم الدين إلى فردي واجتماعي تقسيم اعتباري لا حقيقة له، فهناك وحدة وجودية بين المسائل الفردية والاجتماعية.
  • التكوينية في الدين لا تعني أن كل شيء من الأعلى فقط، بل الدين في أعماق كل إنسان، وجميعه متجسد في النفس البشرية. ومن يملك معرفة حقيقية يقول: «أنا الصراط المستقيم» كاشفًا عن حقيقة الدين المتجسدة في وجوده. المعرفة الأصيلة متجذرة في الذات والجوهر الإنساني. ومن يصل إلى جوهر ذاته بعد سلوك معرفي وتخلي عن الحجب، تظهر له حقيقة الدين.
  • لذلك تختلف معرفة أهل الحقيقة عن المعرفة الظاهرية، فالأولى تحكي عن الدين الأصيل ككيان إلهي، بينما الظاهرية تحكي عن الدين من الخارج بشكل سطحي.
  • المعرفيون الحقيقيون يحققون التوافق بين ظاهر الدين وباطنه بالاستناد إلى القرآن والحديث، وبمساعدة ملكة إلهية موهوبة، فلا يُدرك الدين حقًا دون هذه الملكة. أما أهل الظاهر، فلا يربطون بين ظاهر الدين وباطنه، ويمارسون الدين منقطعين عن حقيقتهم، فلا يكون في قلوبهم الله، ولا يفقهون وجهة نظره.
  • الدين هو حقيقة الكينونة والتحول، لا مجرد نص صامت
  • من الخطأ أن يُعتبر الدين مجرد كتاب أو حديث أو كلام صامت، فحتى الكتاب والسنة إنما يعبران عن الدين ولا يمثلانه تمامًا، فالدين ليس كلامًا فقط، بل هو نوع خاص من الوجود والتحول.
  • من يحمل حقيقة الدين في نفسه يظهر الدين في حياته وأفعاله، ويجد دينه مستندًا إلى كلام الدين. الدين الباطني بدون استناد إلى الدين الظاهري والنصوص المقدسة ليس حجّة.
  • الدين يهتم بتحقق الوجود والعمل، وكلما ازداد دين الإنسان، تجلّى الدين في وجوده وحياته وأفعاله، وإن لم يُرى ذلك في المتدينين والعلماء ظاهريًا، فقد شكّ في حقيقة تدينهم، إذ قد يكون العلم والدين مجرد كلام على الألسنة بلا تحقق وجودي حقيقي.
  • الدين حقيقة متكاملة لا تفككية
  • الدين حقيقةٌ متكاملة وبسيطة، ولا يمكن تفكيكها أو تقسيمها إلى فردية واجتماعية من خلال نظرة عامة وظاهرية. فلا يصح اعتبار الصلاة، الوضوء، الطهارة… من القضايا الفردية للدين، وقضايا مثل صلاة الجمعة، المسائل السياسية والاقتصادية… من القضايا الاجتماعية له. في المجتمعات السابقة، كانت القضايا الفردية محط التركيز، ولم تكن هناك نقاشات اجتماعية، ولهذا أُضيفت القضايا الاجتماعية في الإسلام لتكمل ما سبق، لكي تُرى أبعاد الدين كلها معاً.
    لكن يجب القول إن هذا التقسيم الذي يقول إن الدين إما فردي أو اجتماعي، فيه خلل جوهري؛ لأن الفرد لا وجود له بمعزل عن المجتمع، وكل ما هو موجود هو المجتمع وتركيب الأفراد. لا يمكن أن يكون الدين فردياً فقط. والمجتمع نفسه هو فرد مجسد في قالب جماعي، والأفراد هم جزء من المجتمع.
  • في الإسلام، لا يمكن النظر إلى القضايا الاجتماعية بمعزل عن الفرد، ولا القضايا الفردية بمعزل عن المجتمع. هذا يُعد تقصيراً في رؤية الدين، ويُفضي إلى تطبيق ناقص له. إذن، تقسيم الدين إلى فردي واجتماعي هو فقط على المستوى الظاهري، أما حقيقة الدين وعمقه، فلا يقبل هذا التقسيم.
    حقيقة تقسيم الدين بهذا الشكل تكمن في أنه يبعد عن جوهر الدين الذي هو مجموعة متكاملة ومركبة، وليس مفصولة إلى قضايا فردية واجتماعية. مثلاً، البُعد القلبي والروحي للإنسان المرتبط بالجوانب الفردية للدين هو أساس الأبعاد الاجتماعية أيضاً، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن المجتمع المبني على هذا الدين لن يُسهم في نمو الأفراد. الأفراد هم الذين يشكلون المجتمع، والروح السائدة في المجتمع لا تنفصل عن أرواح الأفراد فيه.
    يمكن القول إن الشخصية الفردية وتميز المجتمع في إطار الجمع يتجلىان معاً، حيث إنّ فردية المجتمع تأتي مع جمعيته، وجمعيته تتكامل مع فرديته.
  • فعلياً، المجتمع هو فردي في قالب جمعي، ومن ناحية ما يُعتبر الفرد والشخص الواحد. كما أن الله تعالى – من منظور أهل المعرفة – رغم كونه لا متناهياً، يتمتع بالخصوصية والتفرد الحقيقي. إذن، المجتمع أيضاً له شخصية متفردة ووحدة متكاملة. وحيث أن الله، خالق الدين، يمتلك وحدة شخصية حقيقية، فدينُه أيضاً يتمتع بتكامل ووحدة يوجدان فيها البعدين الفردي والاجتماعي كتجسيد حقيقي لا يمكن تفكيكه.
  • النتيجة التي تترتب على ذلك أن الحكيم والعارف الصمداني والفقهي والاجتماعي إذا لم يجتمعوا في شخص واحد، فلا يتحقق الدين المتكامل في مدعي دراسة الدين. أي إذا فصل المرجع الديني بين العلم الديني والاجتماع والاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية، فهو ناقص في فهم الدين، وإذا فصل القائد السياسي بين الشجاعة والكفاءة من جهة، والعلم الديني والمعرفة من جهة أخرى، فهو أيضاً ناقص.
    عندما يجتمع هذان الشرطان في شخص واحد، تتحقق الولاية الحقيقية، ويصبح هذا الشخص عالماً حقيقياً بالدين، وقادراً على إصدار آراء صحيحة في تطبيق الدين. لذا فإن المعرفة الحقة بالدين لا تكون إلا إذا نظرنا إلى البعدين الفردي والاجتماعي ككل متكامل.
    إذا كانت القضايا السياسية منفصلة عن القضايا الفردية، سينتج عن ذلك سياسيون بلا معرفة ولا إخلاص، وقد يعانون من فساد ويطبقون القضايا الاجتماعية والسياسية باسم الدين فقط، فيتحول الدين إلى دين حكومي، وإذا ما تورط أيضاً بالأساليب الجماهيرية، يتجه في أي طريق لتحقيق أهدافه سواء رضي الله أم لا.
  • إذا لم ينبع الإخلاص والمعرفة من داخل الإنسان، ولم يكن لدى السياسيين وعي بالدين ومعرفته، فإن تطبيق البعد السياسي للدين بدون معرفة وإخلاص لن يوصِل المجتمع إلى أي مكان، بل سيوقعه في الضلال والسطحية والبدع؛ لأن أساساته تكون متنافرة وخالية من الوحدة. أما إذا كانت الأسس الاجتماعية للدين مبنية على معرفة موحدة وأصيلة، فسيتشكل المجتمع بشكل مختلف.
  • عندما يُنظر إلى الدين كحقيقة كاملة متكاملة، لا تقسم إلى قضايا فردية واجتماعية، فإن العبادة، الخلوص، طهارة القلب… لا تنفصل عن السياسة والمجتمع والإدارة. في المجتمع والإدارة يجب أن يكون هناك طهارة قلب، إخلاص، صدق، أمانة، عطف، تضحيات وإيثار.
    أما إذا انفصل هذان البُعدان، يقول البعض: «أنا أصلي ولا يعنيني الشأن الاجتماعي»، ويزعم آخرون باسم الثورة «المسائل السياسية أهم من المسائل الفردية!» وهذا ما أصاب الحُكم اليوم من مرض؛ فمثل هذا الحُكم مبتعد عن الحقيقة وليس حكيماً أبداً.
  • المجتمع هو فردي في قالب جمعي، والأفراد جزء من المجتمع. سبب عدم انفصال الفرد عن المجتمع هو أن المجتمع بذاته يمكن اعتباره فرداً، لكنه في قالب جمعي، والأفراد المرتبطون به مترابطون أيضاً. إذن، الفرد والمجتمع هما فقط وجوه مختلفة للشيء نفسه ولا ينفصلان.
  • لذا، لا وجود للحياة دون الآخر بين الفرد والمجتمع، والدين لا يمكن أن يعيش ويتحقق إذا قُسم إلى قضايا فردية واجتماعية منفصلة، بل هو حقيقة متكاملة قسمها البعض لجهلهم بطبيعته وروحه.
  • رسالة إلى راكبي موج الشعبوية والعوام
  • بالنسبة لراكبي موج الشعبوية والعوام، فإن النبي والإمام والولي الميت لا يشكلون أي خطر؛ بل على العكس، يبنون فوق قبره قصراً مزيناً بالذهب والفضة والأحجار الكريمة من الرخام، ويصبحون هم أنفسهم الحكام والسلاطين المتوجين لهذا المقام، ويُدرِّبون عددًا كبيرًا من المبشرين لتكبير هذا الإمام الميت، لأن الإمام الميت كلما كان أعظم، زادت الثروة والسلطة لأولئك الذين يريدون استغلاله. لهذا السبب، لم يكن العلماء اليهود يعانون من موسى الميت، ولا من المسيح غير المجيء، ولكن المشكلة بدأت عندما ظهر المسيح، وعرفوه وحمّلوه صليبه على كتفيه. هذه هي مصير جميع الأئمة والأولياء الأحياء عبر التاريخ في مواجهة الشعبوية والعوام الذين يسعون لاستغلال الجماهير.
  • معيار التمييز بين الدين الحق والخرافات
  • سبب اختلاط الدين بالخرافات والزخارف الكثيرة هو أن أصحاب الدين لا يملكون معيارًا دقيقًا وأصيلًا للتمييز والتعرف على الحقيقة من الخرافة والزينة الزائفة. إذا لم يكن هناك معيار نقي، فمن الطبيعي أن يختلط الدين بكل شيء. يجب على المتدينين أن يفرقوا بين الدين والخرافة، ولا يساووا الإيمان الديني بالخرافة، ولكن من أين يؤخذ هذا المعيار؟ إذا كان القول منقولاً، فيجب أولاً أن يمتلك العقل فهماً صحيحاً لهذا النقل. ويجب النظر في مدى سلامة ونورانية هذا العقل، ومدى قدرته على أن يميز بين أقوال الدين (الوحي والسنة) من بين زخارف واسعة في نصوص الدين.
  • من الناحية المعرفية، يصبح الحكم قاطعًا حينما يُدرك محتواه بالإدراك المباشر، ثم يتحول إلى علم لنقله إلى الآخرين، بحيث يصبح تواصله بين الأذهان ممكناً. على مستوى المعرفة، لا يقبل أهل المعرفة والولاية أي شيء ما لم يَبلغوا إدراكه، فهم يمتلكون شهودات ومشاهدات بل ووصولات حقيقية. بالمشاهدة والإدراك القلبي والوصول العيني، يمكن التمييز بين الحق والباطل والأصل والزينة. هؤلاء لا يميزون الحقيقة فقط في المسائل الدينية المباشرة، بل في العلوم الأخرى أيضاً. والعبارات والمعتقدات التي تستند إلى معيار نقي كهذا تكون صحيحة، وكل ما دون ذلك كاذب.
  • دور العقل في تمييز الحق من الباطل
  • العقل هو الوسيلة الأساسية التي يجب أن يُستند إليها في فهم النصوص الدينية وتمييزها من بين كل ما هو مزيف أو متزيّن. فالعقل النير هو الذي يُدرك المعاني الظاهرة والباطنة للنصوص، ويقارنها مع الواقع والمبادئ العقلية السليمة، فيستطيع أن يميز بين ما هو حقٌ ثابت ومُثبت وبين ما هو خرافة أو تأويل باطل. ومن هنا، لا يمكن اعتبار أي نقل ديني صحيحًا ما لم يُوافق عليه العقل الصحيح المتفتح، ولا يجوز الاعتماد فقط على النقل دون فحص عقلي دقيق.
  • كما أن العقل يعمل كمعيار لاختبار الثبات والاستمرارية، فالمعتقدات الحقيقية تتسم بالثبات عبر الزمن، ولا تتغير بتغير الظروف والأزمنة، أما الخرافات فتميل إلى التغير والتبدل، وتتكيف مع الرغبات النفسية والمصالح الشخصية.
  • خاتمة
  • في ضوء ما سبق، فإن طريق تمييز الدين الحق عن الخرافات لا يتم إلا من خلال الجمع بين النقل الصحيح والفهم العقلي النير، مع الأخذ بعين الاعتبار ثبات المعتقدات واستقامتها عبر الزمن. ومن يفتقد هذا المعيار، فإنه قد يختلط عليه الحق بالباطل، ويقع في المزالق الدينية والخرافية.
  • أهمية النقد العلمي في دراسة التراث الديني
  • لا يمكن لأي دراسة جادة للتراث الديني أن تخلو من منهج نقدي علمي يعتمد على الأدلة والبرهان، وليس على التقبل الأعمى أو النقل دون تمحيص. فالنقد العلمي يُمكّن الباحث من تقييم المصادر الدينية بدقة، وتحديد مدى صحتها وسلامتها من التحريف أو الإضافة غير الأصلية.
  • إن تجاوز النقد العلمي يؤدي إلى استمرار تراكم الخرافات والأساطير في النصوص الدينية، مما يعيق الوصول إلى جوهر الدين الحقيقي الذي يدعو إلى العقلانية والعدل والرحمة. ولذلك، فإن أهمية النقد لا تقتصر على تصحيح الأخطاء فقط، بل تتعداها إلى تنقية التراث وتنميته ليكون صالحًا لكل زمان ومكان.
  • التوازن بين النقل والعقل في الفكر الديني
  • إن الفهم الصحيح للدين لا يقوم على التناقض بين النقل والعقل، بل على التوازن بينهما، فالعقل هو الذي يفسر النقل، والنقل هو الذي يعطي العقل مادة للفهم. ولهذا السبب، نجد أن الدين الحق يدعو إلى استخدام العقل والتفكر، ويحث على البحث والتدبر، وهو ما يؤكده العديد من النصوص الدينية التي تحث الإنسان على التفكير والتأمل.
  • ومن هنا، فإن أي محاولة لتهميش دور العقل في فهم الدين أو رفضه بالكامل، تُعد خروجًا عن جوهر الدين ومقصده، وتفتح الباب أمام التشدد والتعصب والخرافة.
  • دور التراث في تشكيل الهوية الدينية والثقافية
  • يمثل التراث الديني جزءًا أساسيًا من هوية الشعوب والأفراد، فهو يعكس القيم والمعتقدات التي تحدد سلوكهم وأفكارهم، ويشكل بذلك الأساس الذي تبنى عليه الثقافة الدينية والاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن دراسة التراث وتحليله بشكل نقدي يساهم في تعزيز الفهم العميق لهويتنا، ويتيح لنا إدراك أبعادها المختلفة بشكل واضح ومستنير.
  • غير أن هذا التراث لا يجب أن يُنظر إليه على أنه ثابت غير قابل للتغيير أو التطوير، بل هو ديناميكي يتفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والثقافية، ويتطلب من الباحثين والمفكرين الاجتهاد المستمر لتجديد فهمه بما يتناسب مع متطلبات العصر.
  • التحديات المعاصرة في التعامل مع التراث الديني
  • تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم تحديات كثيرة في التعامل مع التراث الديني، منها تحدي الاستجابة لمتطلبات الحداثة والتطور العلمي، وتحدي مواجهة الفكر المتطرف الذي يسعى إلى استخدام التراث لأغراض سياسية أو أيديولوجية ضيقة.
  • وهذا يستدعي ضرورة تبني منهج علمي واعٍ في دراسة التراث، يقوم على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الثبات والمرونة، بحيث لا نرفض التراث أو نقلل من قيمته، وفي الوقت ذاته لا نتمسك به بشكل جامد يعيق التطور والتقدم.
  • الخاتمة
  • في الختام، يمكن القول إن التراث الديني هو كنز ثمين يجب الحفاظ عليه وتطويره من خلال النقد العلمي والفهم العميق. إن استخدام العقل والمنهج العلمي في دراسة التراث لا يقلل من قدسيته، بل يعزز مكانته ويضمن استمراره بقوة وحيوية في حياة الأفراد والمجتمعات.
  • الفصل الثاني: الخصائص الجوهرية للدين
  • الدين حقيقة ذات ظاهر وباطن
  • الدين حقيقة ذات ظاهر وباطن (الشريعة، الطريقة والحقيقة) له طبقات متعددة ومختلفة، وليس مجرد مجموعة أوامر. فقد ورد في الأحاديث أن للقرآن الكريم سبعة بطون، وفي بعض المواضع سبعون بطنًا. الدين ليس مجرد ظاهر أو مجرد باطن، بل هو جامع بين الاثنين. لذلك، الاقتصار على ظاهر الدين والشريعة دون مراعاة الترابط مع باطنه وحقائقه، وكذلك الاقتصار على الباطن والحقيقة دون الالتفات إلى ظهوراته في ظاهر الدين والشريعة، يدل على نقص وقصور، ويُعدُّ مغالطة تحويلية في فهم الدين، ويفتقر إلى الشمولية الدينية.
  • الدين حقيقة حية وجارية
  • من خصائص الدين كونه حيا، نابضا ومتدفقا. الدين ليس مجرد كتاب صامت أو شكل ظاهر، بل هو كالدّم في عروق الإنسان، إذا جرى فيه أحياه، وإذا خرج منه صار جرثومة عفنة لا حياة فيها ولا حياة تُعطيها. يجب أن يجري الدين أولا في داخل الإنسان وباطنه. الدين الذي يُرفع صوته في القباب الذهبية والمآذن الشاهقة، ويمتلئ بالضجيج والضجيج الاحتفالي، دون أن يكون له رصيد من التدفق الداخلي، هو مجرد شعار وديكور ديني لا ينفع الناس. يجب أن يُطلب الدين في داخل النفس والمجتمع، وفي طبيعة الناس. الدين هو طريق الإمام لا عرض نعشه الذي يُقام سنويا بطريقة جديدة لا يعرفها السابقون. هل هذه الأساليب الجديدة لقتل الإمام (لزيادة البكاء من الناس وإنفاق المزيد من الشر) ليست مقلقة؟ هل ليس من الخطأ أن يصاب المجتمع بهذا المرض اللاوعي؟ هل يجب أن ينال من يبكي الناس أكثر ويقتل الإمام الحسین بقسوة، مزيدا من المكافآت؟ إذا كان الإمام هو منقذ البشر، فيجب عليه أن يكون منتصرا أولا. الشهادة في مذهب الشيعة الحقيقي هي نصر. هل النصر هو فقط البكاء المظلوم؟ قدم الإمام الحسین في يوم عاشوراء أسمى درجات الحب والروحانية والوصول الحقيقي، وأظهر الله على سطح الأرض. هل يمكن تصور نجاح أعظم من ذلك؟ لو رآى الشيعة ذلك الجمال الذي رأته عقيلة بني هاشم، السيدة زينب، في يوم عاشوراء، لأسموا ذلك اليوم يوم الحب، وافتخروا بأن لهم قدوة ودليلا كهذا. عندئذ يجب أن يُرى كيف يمكن لكل شخص، وبأي طريق، وبأي مدى، أن يكرر هذه الحادثة ويجد الله في داخله. هل يمكن لصخب وبكاء ومسرحيات لا تنبع من الحب والمعرفة والوعي أن تصعد بالإنسان إلى المعراج؟
    إذا لم تصاحب المراسم والشعائر الدينية مسيرة الإمام وأولياء الله الحية، فإنها تحرف طريق الإمام. القاتل الحقيقي للإمام ليس فقط من يقتل جسده، بل من يقتل طريق الإمام ويوجه الناس إلى الطريق الخطأ، سواء عن قصد أو خطأ، بحسن أو سوء نية! لذلك، يجب على الإنسان أن يجلس أولا في مجلس وليٍّ إلهي، ويتعلم منه قبل أن يعلّم الناس، ويعيد ما تعلّمه منه دون إضافات أو زينة.
  • من خصائص المتدين الحقيقي أن يكون له حياة دينية نابضة، بمعنى أن الدين يجري في حياته وأنفاسه. الدين حقيقة حية، ومن يتدين حقًا، تكون حياته انعكاسا لتدفق هذه الحقيقة الحية في وجوده، وهذا أمر مهم وأساسي. الدين هو كائن حي يتدفق في جميع جوانب حياة الإنسان المتدين. لكن الدين الذي تحوّل إلى نص مكتوب صامت، وهو الدين النطّاق والحقيقي – الذي يتجلى في حضرات المعصومين وأولياء الله – قد نُسي أو أغفل. الدين يتمتع بوحدة وتماسك حيّ في كل أوجه الحياة، ولا يدرك هذه الوحدة إلا المعصومون وأولياء الله الذين يشعرون بها بوجودهم.
  • الدين حقيقة باطنية قابلة للفهم والتشارك الذهني
  • الدين حقيقة يمكن فهمها، وليست خارجة عن قدرة الإنسان على المعرفة. يمكن فهم الدين وعرضه علميا وبين أذهان الناس. من يجعل فهم دين الله صعبا فهو منافق أو جاهل، وهو عمليًا يدفع المجتمع إلى الخروج عن الدين. هذه الثقافة شائعة بين مدعي الظاهرية الذين ينسبون كل ما هو خارج الظاهر إلى صاحب الدين، ويقولون إن هذه الأمور سرية ولا يمكننا دخولها. في حين أن الدين ليس مسألة معقدة أو غامضة، بل هو تعليمات فردية واجتماعية لسعادة البشر يجب أن يفهمها البشر.
  • الظاهرية لعدم امتلاكها باطن لا تملك طريقا إلى الغيب والباطن فتقول إن ما هو وراء الظاهر معقد وغامض وخارج فهم البشر، وهذا يغلق باب فهم فلسفة الدين والعلوم الدينية، لأن الطريق لهم مغلق ويعتبرونه فضولا وخروجًا عن التعبّد.
  • في المنظور المعرفي، الدين للبشر جميعا، وكل إنسان حسب قدرته وسعته يمكنه الاستفادة منه. الطريق مفتوح، والحدود هي قدرات الإنسان. يجب ألا يُظن أن الفهم العميق للدين مستحيل، فالدين مثل العلم والمعرفة، نسبي، ولا يوجد طريق مسدود للمعرفة.
  • الدين تجلٍّ للحقيقة الباطنية للإنسان
  • التعريف السائد لدى الظاهرية أن الدين شيء خارجي على الإنسان، منزل من الله يجب طاعته كقائد صارم. لكن معرفيًا، الدين ليس إلا تجلٍّ لحقيقة باطن الإنسان، هو فطري ومتوافق مع الطبيعة والقوانين الوجودية وليس حادثًا زمانيًا أو مكانيًا. الدين باطن الإنسان، والشريعات الإلهية ظهورات للحاجات الحقيقية والطبيعية والوجودية للإنسان. لذلك، الظاهرية أعطت تعريفا سطحيا للدين، فاعتبرت الدين مجرد الإقرار بما جاء به النبي.
  • عبارة “وفيك انطوى العالم الأكبر” تعني أن الإنسان نسخة من العالم الأكبر متوافق مع الطبيعة، فبتمدد حقيقة الإنسان، يتمدد العالم الأكبر والدين كذلك هو تجلٍّ للإنسان. الإنسان متوافق مع العالم الخارجي، والكون الظاهر هو تجلٍّ لباطن الإنسان الكامل، وهو حاضر فيه. كل الوجود هو القرآن الكوني الحي، وكتابات القرآن هي القرآن المدوّن وهو شهادة الوجود. حقيقة الوجود في الإنسان الكامل كامنة.
  • إذا نظرنا إلى الدين كتجلٍّ تكويني وموثق للإنسان، يختلف عن النظرة التي تعتبر الدين مجرد مجموعة أوامر متسلطة من الأعلى، بدون ارتباط بالباطن الإنساني. فهم الدين واستنباط حقيقته يأتيان من خلال طبقات باطن الإنسان. لذلك، لا يمكن فهم الدين بدقة وبشكل نقي دون فهم الإنسان والوصول إلى معرفته الذاتية. أي يجب أن يمر الإنسان عبر باطنه ليعرف الدين. لهذا يحتاج إلى عقل نوري مقدس لفهم الدين، وهي ملكة قدسية في الفقه تعبر عن علاقة الدين بباطن الإنسان. بهذه الملكة يتخطى الإنسان باطنه ويفهم الدين كما ينبغي. بدون هذه الملكة، لا علاقة بين الدين وحقيقة الإنسان، ومعارف الإنسان تصبح مجرد معارف بشرية.
  • حتى العلوم التجريبية والحسية ليست خارج الإنسان، بل في داخل الإنسان شيء يدرك هذه التجارب ويفهمها. هناك علاقة بين العارف والمعروف، والعالم والمعلوم، والعاشق والمعشوق، أي وحدتهم. في الحكمة أيضا موضوع وحدة العلم والعالم والمعلوم، ووحدة الحب والعاشق والمعشوق، ووحدة العقل والعاقل والمعقول من هذا الباب.
  • خلاصة أن الدين فهمه معرفي وذو طبيعة وصولية ومرتبط بالملكة القدسية. لأن الدين تجلٍّ لحقيقة باطن الإنسان، فمن خلال التعمق في الداخل والباطن يمكن الوصول إلى فهم نقي للدين وفتح أسراره. هذه النظرة مختلفة تماما عن النظرة الظاهرية السائدة في الوسط الديني والحوزوي.
  • الدين هداية إلى العبادة
  • الانقياد والطاعة من خصائص الدين الذاتية، وفي باطن الدين يوجد الانقياد والالتزام والتفاني لصاحب الدين. حالة الانقياد ضمن الدين تجلب للإنسان العبودية. لذلك، بلوغ درجة الانقياد والعبودية الحقيقية في الدين من خصائص الدين الحقيقية حتى لا يصنع الإنسان الأصنام من الأحكام والفرائض، ولا يحول إلى عبد خارجي كما فعل الخوارج الذين حملوا السيف ضد أمير المؤمنين باسم الحكم الإلهي. حالة العبودية هي التزام الإنسان في الإيمان والعمل وأوامر الدين بقيمة وعظمة. كما أن العاشق خاضع لمحبوبه، فالمتدين الحقيقي خاضع محب لدينه وصاحبه.
  • الدين علاقة وجودية
  • من الناحية المعرفية، الله يحب عبده من خلال دينه. العبد عاشق، والله معشوق، والعبد مظهر، والله مُظهر. إذا أراد العاشق التواصل مع ربه وعشقه، فإن الدين يقدم له طريق الحب، أي ما يريده المعشوق.
  • محتوى الدين يعرف بثلاث مراتب: ظاهر، باطن، وحقيقة. في المرتبة الظاهرة، تطبيق الأحكام هو وسيلة اتصال العبد بالخالق. في المرتبة الباطنة، المعرفة والمعارف هي الطريق الروحي للقلب والاتصال بالله. في المرتبة الحقيقة، إدراك الحقائق وشهود الروح والسر هو الاتصال الحقيقي بالله. من هذه المراتب يتصل العباد بخالقهم. في هذه النظرة، العلاقة الوجودية بين الخالق والمخلوق، الذي هو ظهور للخالق، هي من الخصائص الجوهرية للدين.
  • لذلك، الدين ليس مجموعة أوامر فقط بدون اعتبار للعلاقة الوجودية بين المخلوق والخالق. الدين في كل مرتبة من مراتب اتصال الإنسان بالله هو المعيار الأساسي لضمان هذه العلاقة. بهذه النظرة، يظهر الدين الحقيقي، وإلا يكون الدين مجرد فهم سطحي ظاهر مقطوع عن الباطن والحقيقة، يعرض فقط القشرة الظاهرة للدين دون معارف وحقائق الدين النقية.
  • ثبات الدين الحقيقي على الفهم القدسي والولاية
  • لقد تطرقنا سابقًا إلى دور الملكة القدسية في الفهم الحقيقي للدين. فالدين الحق لا يقوم إلا على فهم قدسي وولاية مستمدة من الوحي والعصمة. والاجتهادات العلمية التقليدية التي تفتقر إلى هذا الفهم والملكة القدسية، لا تكون فعّالة ولا تستند إلى الدين والله. كما أن النظرة الآلية والمصلحية والدنيوية في الاجتهادات والفتاوى الدينية، تقع في النقيض من حقيقة الدين والوحي والعصمة، ولا تمتلك منطق فهم الدين الحقيقي.
  • ثبات الدين الإسلامي على محور العصمة والوحي يتطلب نفياً لكل النظرات الآلية، ونبذاً للذاتية والاستبداد والأنانية في العلماء والمتصدّين للدين. فالإسلام الحقيقي الذي تقوم فيه العصمة والوحي بدور أساسي، ويعرض الكتاب والسنة الصحيحة لأهل العصمة للأفكار المختلفة دون تحريف أو انحراف أو أنانية أو استبداد، هو الإسلام الحق، وما سواه فهو دين زخرف وخرافة.
  • يُلزم العالِم الديني بحق أن يكون ما يقوله في الدين، وما يسلكه من طريق، وما ينفذه من عمل، نابعًا بلا ريب من حقيقة الوحي والعصمة، ومتوافقًا مع الدين الإلهي، وخاليًا من الهوى والشهوات. إن التعبير عن الرأي أو إصدار الفتوى دون فهم صحيح مصحوب بملكة الفهم القدسي لمعنى الدين الحقيقي (عن طريق الكتاب والسنة والسيرة الخالية من التحريف والعقل الجمعي السليم)، لا بد أن يؤدي إلى زيف وتحريف وخرافة؛ خصوصًا إذا اقترن هذا الفتوى بنظرة آلية إلى الدين وذُرِّي مع الأنانية النفسية والعالمية للعلماء، والأسوأ من ذلك أن يكون الدين قد تحوّل إلى أداة للسلطة السياسية لا إلى حكم ديني.
  • من المستحيل أن يكون مثل هذا الدين دينًا حقًا.
  • إذا أراد الديني التحرك على أساس الدين، فينبغي أن يمتلك فهمًا قدسيًا لمحتوى الدين، وأن يبتعد تمامًا عن الأنانية، والتكبر، والاستبداد، والمصلحة الدنيوية، في الفكر والعمل.
  • مثل هذا الديني لا يلوث أصل الدين وفروعه بالأنانية والاستبداد، ولا يحول الدين إلى أداة استبدادية تُبرّر بها أقوال وأفعال النفس التي تراها مناسبة، ويصوغها كدين وينشرها ويطبقها تحت ستار القيم الدينية.
  • قد يُثار سؤال: كيف يمكن الجمع بين الالتزام بالعصمة والوحي وحيوية الدين في عصر الغيبة؟ الجواب هو أن استمرار الولاية والفهم القدسي في عصر الغيبة يضمن استمرار حياة العصمة والوحي.
  • فالقرآن الناطق (أي العترة وأولياء الدين وصاحبي الملكة القدسية بدرجاتهم في عصر الغيبة) هو تجسيد الدين الحي الإلهي. هذا الدين الولائي والقدسي القائم على الاجتهاد العلمي والمعرفة، يخلو من الجمود والتقليد والنفسية والعقلية الضيقة والاستبداد، وليس دينًا ميتًا.
  • الدين، عامل خسارة العلماء غير الأكفاء
  • إن الدين سبب لخسارة أكثر عند الأشخاص غير الأكفاء الذين يركبون عربة الدين والديانة. ودرجة الاستفادة النافعة من القرآن الكريم والدين تعتمد على الإنصاف والإيمان وصدق القلب. فإذا كان الإنسان ظالمًا، غير منصف، أو غير مؤمن، ورغب في استخدام القرآن الكريم كوسيلة لتحقيق أغراضه الشخصية، فإن ذلك لن يجني إلا الخسارة والضرر.
  • فالقرآن الكريم والدين والشريعة يمتلكون وجهًا حاسمًا، فهم كالشفاء لقلوب الصالحين ومرشد للمهتدين، أما للظالمين وغير المنصفين فلا يجلبون إلا الخسارة والأذى.
  • كون القرآن الكريم والدين وحالة الولاية هي في حقيقة الأمر ذوو شعور ووعي وفطنة، أي أنّ القرآن الكريم والدين هما المميزان لدخول الأفراد إلى ساحة الفهم القدسي وتشخيص الدين، ويحددان الحدود بين أهل الكفاءة وغير الأكفاء وغير المناسبين.
  • أما من يدّعي فهم القرآن الكريم والدراية بالدين ولم يكن صادق القلب، نقي السريرة، ومنصفًا، فقد أخطأ في الطريق ولا حجية لكلامه. هؤلاء لا يمكن اعتبارهم حجة الإسلام، لأن أي تفسير للقرآن الكريم قبل توفر الإنصاف والصفاء والطهارة يكون محكومًا عليه بالفشل والخسران، حتى وإن كان علمهم مشهورًا وراسخًا.
  • ومن لم تتوفر لديه معايير القرآن الكريم، مثل الطهارة، والصفاء، والإنصاف، والقدرة على التفاعل مع القرآن الكريم وأولياء الله، مهما زُيّن بمظاهر الدين وأخذ لقبًا علميًا، فهو بعيد عن حقيقة الدين. كمثال على ذلك، فإن خواص اليهود وعلماءهم كانوا يؤمنون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنهم مع ذلك منعوا أتباعهم من التوجه إليه. كذلك أئمة الكفر هم من المتكبرين الذين يظهرون ظواهر الدين، وهؤلاء يجعلون أنفسهم وأتباعهم في خسارة، وهم مانعون من سبيل الله كما في قوله تعالى: (وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).
  • هؤلاء، لأنهم محرومون من حقيقة الدين، رغم قوتهم ونفوذهم الاجتماعي، لن يحققوا سوى الضرر لأنفسهم ولمجتمعهم.
  • فالقرآن الكريم كمثل كبريت يشعل ضوءه ودفئه في قلوب أهل العلم والوعي، ويجعل حياتهم مضيئة، لكنه بالنسبة للجاهل يشعل النار في حطب وجوده ووجود الآخرين. شعلة الكبريت تأتي بالنور والخير للإنسان العاقل، لكنها لا تكون إلا شرًا وخسارة للجاهل. من له قلب نقي وطهارة نفس، يستثمر نور القرآن الكريم وعمل الدين في قلبه فيهدى وينمو ويصل إلى الكمال، أما من كان ظالمًا وغير منصف وسوء الطبع، فيستخدم القرآن والدين لإشباع هواه وميوله الشيطانية ومعاناته النفسية.
  • وكما أن القرآن الكريم ذو شعور، فإنه يجعل مثل هؤلاء أكثر خسارة وأذى كما في قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا).
  • إن من الغريب أن يكون شخص قد قام بأعمال ظاهرها صالحة مثل التدريس والتفسير العلمي، والإمامة، والفتوى، والمرجعية، والزيارة، والتوسل، لكنه يفتقر إلى طهارة النفس وصفاء القلب، فتلك الأعمال التي تبدو صالحة تتحول إلى نار تحرق وجوده.
  • القرآن الكريم والدين والشعائر الإلهية، بهم يصل الإنسان إلى النور والكمال، أو يوقع نفسه في النار والخراب. بناءً على هذا، لا يمكن اعتبار مجرد الحصول على شهادة علمية قرآنية أو كرسي تدريس كافيًا ليكون المرء مفسرًا وعارفًا بالدين الإلهي، ولا يجب أن يُتخذ كل متحدث في الدين بمثابة مرجع مطلق.
  • فبناءً على معايير القرآن الكريم، من دون صفاء القلب وطهارة النفس، كلما ازداد علم العالم الديني، ازداد فيه خُلق الفرعونية والإبليسية. من لا يملك طهارة القلب ونقاء النفس، أو يقع تحت سيطرة المظاهر القوية والسطحية، فهو غريب عن علم الدين الحقيقي. يجب على عموم المؤمنين أن ينتبهوا إلى طهارة القلب ونقاء النفس عند العلماء ليجدوا نسمة الدين الحقيقي في حياتهم.
  • في الإسلام، مقام “المربي الروحي” مهم جدًا، ويُبيّن أن الهداية ليست مجرد كتاب وسنة أو معرفة دينية، بل المربي هو من يهدي الإنسان ويرشده.
  • في المرتبة الأولى، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة المعصومون عليهم السلام، ثم أولياء الله والعلماء الربانيون في عصر الغيبة، الذين حسب ولايتهم وملكهم القدسي، يعرفون حقائق العلم، ويستطيعون هداية الإنسان بناءً على باطن موهبة.
  • ولا يمكن لأي شخص عادي أن يدعي أنه يستطيع أن يفهم الدين أو يفسر القرآن الكريم بدون واسطة ولاية، لأن الولاية هي المفتاح لفهم الحقائق القرآنية والنورانية. فبدونها، يبقى التفسير مجرد ظواهر سطحية لا تصل إلى جوهر الدين.
  • العلوم الدينية الحقيقية، كما يعلمها الأولياء والمعصومون، تقوم على أساس الإيمان الخالص، والصدق، والإنصاف، وطهارة القلب. وإذا افتقدها الإنسان، تصبح معرفته مجرد علم بلا روح، وبدون أثر حقيقي في القلب والوجدان.
  • وأيضًا، لا يمكن للتفسير أن يكون مجرّد نقْل كلمات وآراء، بل يجب أن يكون تفسيرًا ينبع من الفهم العميق للنص وربطه بالواقع الروحي والأخلاقي للإنسان.
  • هذا هو سبب فقدان كثير من العلماء في التاريخ الإسلامي، على الرغم من علمهم، لأنهم افتقدوا هذا العمق الروحي والولاية، فكانت جهودهم كالغبار الذي يذروه الريح.
  • أما العلماء الربانيون الحقيقيون، فهم كالشموع التي تضيء الطريق للناس، وتنير لهم ظلمات الجهل والضلال.
  • وعليه، فمسؤولية كل مسلم هي البحث عن هذا النوع من العلماء الربانيين، الذين يحملون نور الولاية، ويزرعون نور الدين في القلوب.
  • وفي النهاية، يجب التأكيد أن العلم الديني بدون حالة القلب من الصفاء والصدق لا يعدو كونه حشوًا لفظيًا، وربما يكون سببًا في ضلال العباد.
  • والدين الحقيقي قائم على قاعدة العصمة والوحي، ولا يمكن أن يثبت إلا بنفي كل نظرة أدواتية أو مصلحية دنيوية في فهم الدين واجتهاداته. فالتأويلات التي تصدر عن هوى النفس أو الذات أو مصلحة دنيوية تخالف جوهر الدين وحقيقته، إذ الدين الذي يؤسس على العصمة والوحي هو دين لا يقبل تحريفًا ولا انحرافًا، ويكافح كل أشكال الاستبداد والأنانية والتشويه.
  • العالم الديني الحقيقي هو من يلتزم بأن تكون أقواله وأفعاله مبنية على حقيقة الوحي والعصمة، خالية من الشوائب النفسية والأنانية، مصحوبة بملكة الفهم القدسي الذي ينبع من الكتاب والسنة الصحيحة والسيرة النقية والعقل السليم الجمعي.
  • وأي فتاوى أو آراء دينية تُدلى دون هذا الفهم القدسي تصبح عرضة لأن تكون منطلقًا للتحريف والخرافة، خصوصًا إذا رافقها توجه أدواتي دنيوي أو توظيف سياسي، فتفقد بذلك صفتها الدينية الحقيقية.
  • وفي عصر الغيبة، تستمر هذه العصمة والوحي من خلال استمرار الولاية والملكة القدسية، حيث يمثل القرآن الناطق، أي العترة الطاهرة والأولياء الصالحين وأصحاب الملكة القدسية، تجسيدًا حيًا للدين الرباني، الذي لا يعرف الجمود ولا التحجر، ولا التسلط النفسي أو العقلي.
  • دين الإسلام: دين العقل والعاطفة
  • ليس دين الإسلام دينَ الأفراد عديمي المشاعر أو عديمي العقل، بل هو دين يجمع بين العقلانية والعاطفة، بين المنطق والوجد، بين الفهم والشعور. الإسلام هو دين الإدراك والشعور والحب. فهو ليس ديناً عقلانياً فحسب، ولا عاطفياً فقط، بل هو مزيج متناغم بين العقل والعاطفة. إذا نظر أفراد المجتمع إلى الإسلام من جانب العاطفة فقط دون اعتناء بالعقل والمنطق، أو أصروا على الجانب العقلي فقط دون إيلاء اهتمام للجوانب العاطفية، فإنهم يخرجون عن حالة التوازن التي يحث عليها الإسلام، فيصبحون إما متصلبين ومتزمتين أو مترددين ومتشتتين.
  • أولئك الذين يصنعون الدين بعقلية جافة محرومة من الحب والعاطفة، وأولئك الذين يرون الدين مجرد شعور دون عقل ومنطق، كلاهما أضاع الدين من مكانته الحقيقية، فجعلوه دين المتعصبين أو دين القلوب القاسية.
  • الإسلام دين الإدراك والشعور، دين الشوق والعقل، ودين الحب والعقل، ولن يستطيع أحد أن يحلق بدونهما معًا. ولا يجذب الإسلام الصادق إلا من يجمع بين هذين الجناحين.
  • من المؤسف جدًا أن يتجاهل أحد أبعاد الدين أو أن يعرضه بشكل قاسٍ وجاف يشبه الخوارج، ليحرمه الناس من معناه الحقيقي، أو يسلمه بلا تفكير إلى عواطف ضعيفة ومنفعلة تجعل الدين سلعة لمن لا يتحلون بالعقل.
  • الخوف والانقباض المفرط، وكذلك الرجاء والانبساط المطلق، كلاهما مفرطان وغير مرغوب فيهما في الإسلام. هناك من المتشددين من يجعلون الدين قاسياً ومتحجراً، وهناك من المتساهلين من يرون الدين مجرد أمل بلا ضوابط، متذرعين بالمحبة المفتوحة للجميع. كلا الفريقين يجهلان أن الإسلام يحث على توازن دقيق بين التبشير والتحذير، بين الخوف والرجاء، مبنياً على أسس علمية وطبيعية نسبية تناسب كل ظرف.
  • في الواقع، يفترض أن يكون هناك توازن جلي بين التبشير والتحذير في فضاء الدين والمجتمع، إلا أن الواقع الحالي يغلب عليه الإنذار والخوف والصرامة المفرطة، ما يجعل الناس يواجهون دينًا قاسيًا لا يعكس تعاليم الكتاب والسنة. ويرجع ذلك في جزء منه إلى ضعف المعرفة الحقيقية بالدين بين العلماء، خصوصاً في العلوم العقلية.
  • بالطبع قد يكون الخوف مؤثراً على المدى القصير عند بعض الناس السطحيين، لكن للهداية الحقيقية لابد أن تكون عبر التبشير والإنذار معًا. فالهدف الحقيقي هو الهداية، والوسائل كالتبشير والإنذار ليست غاية في حد ذاتها.
  • باختصار، طابع الدين السائد في المجتمع يميل إلى الإنذار والخوف والصرامة، وهذا يؤدي إلى رهاب الدين والإسلام، وينبغي أن نعمل على إيجاد توازن جاذب بين التبشير والإنذار، وبين الخوف والرجاء، ليكون الدين محبباً مقبولاً.
  • إنه من المهم جدًا أن يدرك الدعاة والعلماء أن نجاح الدعوة لا يتحقق إلا بإيجاد توازن رزين بين الشعور والخبر، وبين العاطفة والعقل. فالرسالة الدينية التي تُنقل بالحب والتفهّم والرحمة تجد صدى أعمق في نفوس الناس، كما أن الرسالة التي تُبنى على الحجة والبرهان العقلي تكون أكثر قدرة على الاستمرار والثبات في النفوس.
  • لقد جُعل الإسلام دينًا يدعو إلى استخدام العقل والتدبر، إلى التفكر والتأمل في آيات الله في الكون وفي النفس وفي الكتاب. وكذلك هو دين الرحمة والتراحم، دين الحب والتسامح، دين الأمل والرجاء.
  • لكن، مع الأسف، ما زالت بعض الفئات تستخدم الدين كأداة للضغط والتخويف، دون أن توازن بين هذا الجانب والجانب المفرح المتفائل، فتفقد بذلك الدين بريقه وجاذبيته الحقيقية.
  • إن التوازن في الدين لا يعني التهاون أو الضعف، بل يعني التوازن في استخدام الحكمة والموعظة الحسنة، وفي المزج بين التوجيه الحازم وبين الرحمة واللطف.
  • وهذا التوازن يجعل من الإسلام دينًا يلامس قلب الإنسان وعقله، فيأخذه إلى طريق الخير والهداية برقة ومحبة، لا بالقسوة والتعنت.
  • كما أن توازن الخوف والرجاء في الدين هو ما يرسخ الإيمان في النفوس، فالإيمان الخائف وحده قد يخلق توتراً واضطراباً نفسياً، والإيمان المتفائل وحده قد يؤدي إلى تهاون وتقصير. أما المزج بينهما فيولد حالة من اليقظة والطمأنينة والالتزام.
  • لذلك، على الدعاة والمربين أن يعملوا على نقل صورة الإسلام الحقيقية المتزنة، التي تجمع بين العقل والعاطفة، بين الخوف والرجاء، بين الإنذار والتبشير، بين العلم والعمل.
  • بهذا الطريق، يصبح الدين مصدر إلهام وقوة، وحافزًا على التغيير الإيجابي في الفرد والمجتمع.
  • ولعل من أهم العوامل التي تُعزز هذا التوازن هو فهم السياق الزمني والمكاني الذي يعيش فيه الإنسان. فالتعامل مع النصوص الدينية يتطلب إدراكًا عميقًا لواقع الناس واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والثقافية، حتى يمكن تقديم الدعوة بشكل يتناسب مع ظروفهم وحالتهم.
  • فالرسالة الإسلامية ذات أبعاد متعددة، فهي تشمل العقيدة والعبادة والأخلاق والتشريع، وكل بعد منها يحتاج إلى أسلوب خاص في التقديم والتفسير، مراعيًا لطبيعة المستمعين وحالتهم.
  • كما أن العوامل النفسية والاجتماعية تلعب دورًا مهمًا في استقبال الدعوة، فالتعامل مع الإنسان لا يكون فقط بالحجة العلمية والمنطقية، بل أيضًا بالمودة والرحمة والتعاطف، والتواصل الفعّال الذي يبني جسور الثقة والاحترام المتبادل.
  • ومن هذا المنطلق، يصبح دور الداعية أو المعلم أكثر تعقيدًا وأهمية، فهو ليس فقط ناقلًا للمعرفة، بل هو مؤثر في تشكيل شخصية الإنسان وسلوكياته ومعتقداته، وهذا يتطلب منه أن يتحلى بالحكمة والخلق الكريم والصبر والقدرة على الإصغاء.
  • كما يجب أن يكون الداعية على دراية بالتحديات التي تواجه المجتمع المعاصر، وأن يتفاعل معها بشكل إيجابي وبناء، مستعينًا بالمعرفة العلمية والتقنية، ومواكبًا للتطورات الثقافية والاجتماعية.
  • إن الدين، حين يُقدم بهذا الشكل المتوازن، يصبح قوة دافعة نحو التنمية والتقدم، ويعزز من روح التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، ويحقق السلام الداخلي والخارجي.
  • وهكذا يتجلى الإسلام كدين شامل، يواكب حركة الحياة، ويرعى مصالح الإنسان كافة، في حضوره الروحي والأخلاقي والاجتماعي.
  • البِناءُ الرَّئِيسِيُّ لِتَدْفِيقِ جَرَيانِ القِسْطِ وَمُحَارَبَةِ الظُّلْمِ
  • تَقَعُ مَسْؤُولِيَّةُ القِيادَةِ الدِّينِيَّةِ لِجَرَيانِ نَشْرِ القِسْطِ وَمُناهَضَةِ الظُّلْمِ الاجتِماعيِّ على أَعْنِياءِ الوُلاهِ الحَيّينَ مِنَ اللهِ. وَهذِهِ القِيادَةُ لَيْسَتْ مِنْ مَقَامِ مَنْ لَمْ يَبْلُغُوا وَلايَةَ الحَقِيقَةِ، وَلَيْسَتْ مَهامَّةً لِغَيرِ الوُلاهِ الإلٰهِيينَ، وَمَن تَدَخَّلَ فِيها فَهوَ مَسْؤُولٌ عَنْ كُلِّ الخَسائِرِ المَالِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ. فَقَطُ الوُلاهُ الإلٰهيونَ هُمُ القادِرونَ عَلَى تَقْدِيمِ القِيادَةِ الاجتِماعيَّةِ فِي مُواجَهَةِ الظُّلْمِ وَطُغْيانِ أَهْلِ الفَسادِ وَالظُّلْمِ، وَيَتَحَمَّلُونَ هذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ بِدونِ تَضْرِيبِ مَصْلَحَةِ الشَّعْبِ وَدُونِ إِيْقاعِ أَذى، وَيَسْعَوْنَ إِلَى تَحْقِيقِ المَقْصِدِ الَّذِي يَرْضاهُ اللهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ ذلِكَ.
  • حَاجَةُ التَّنَوُّعِ القائِمِ عَلَى الاقْتِضاءِ فِي تَقْدِيمِ الدِّينِ
  • تَحْتاجُ مَوضُوعِيَّةُ الاقْتِضاءِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مُتَنَوِّعًا وَمُوَافِقًا لِلوَضْعِيَّاتِ المُخْتَلِفَةِ وَالأَذْواقِ وَالْمِيزاتِ وَالاستِعداداتِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هذَا التَّنَوُّعُ خالِيًا مِنَ الجَفَافِ وَالعُنْفِ.
  • فَالأَزْمِنَةُ وَالأَمَاكِنُ وَالوَضْعِيَّاتُ المُخْتَلِفَةُ تَحْتَاجُ إِلَى أَحْكَامٍ وَمَضَامِينَ مُخْتَلِفَةٍ، وَالدِّينُ الَّذِي يَهْتَمُّ بِالسياسَةِ الصَّحِيحَةِ وَإِدَارَةِ الأُمُورِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ بِشَكْلٍ مُتَنَوِّعٍ وَمُتَنَاسِبٍ مَعَ المَوضُوعاتِ المُخْتَلِفَةِ، لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَلْبِيَةِ كُلِّ اقْتِضاءٍ وَوَضْعِيَّةٍ وَمَوْضُوعٍ، وَهذَا يُثْبِتُ ضَرُورَةَ التَّنَوُّعِ فِي تَقْدِيمِ الدِّينِ. يُسَاعِدُ التَّنَوُّعُ فِي جَمْعِيَّاتِ الدِّينِ عَلَى دَوَامِ حَيَاةِ المُجْتَمَعِ وَالدِّينِ، وَيُوَفِّرُ دِقَّةً فِي تَقْدِيمِ الأحْكَامِ المُنَاسِبَةِ لِكُلِّ مَوضُوعٍ. فَالدِّينُ المَأْخُوذُ مِنَ الكِتَابِ وَالوَحْيِ مُتَطَابِقٌ مَعَ عَالَمِ التَّكْوِينِ، وَمِنْ أَجْلِ تَنَوُّعِ العَالَمِ، فَإِنَّ الدِّينَ المُقَدَّمَ لِهذَا العَالَمِ يَتَضَمَّنُ تَنَوُّعًا فِي الأحْكَامِ.
  • الأَحْكَامُ تَتَنَوَّعُ أَيْضًا بِحَسَبِ المَوَاضِيعِ، وَيَجِبُ تَنْظِيمُهَا وَتَصْنِيفُهَا مِنْ قِبَلِ العُلَماءِ المُتَخَصِّصِينَ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ قُوَّةً فِكْرِيَّةً تُحَضِّرُ الفِقْهَ لِلتَّنْفِيذِ وَتُقَدِّمُهُ لِلنِّظَامِ الحُكْمَرَانِيِّ. وَيَجِبُ أَنْ يَتَمَتَّعَ الحَقْلُ العِلْمِيُّ بِقُوَّةٍ فِكْرِيَّةٍ، وَبُنوكٍ مَعْلُومَاتِيَّةٍ، وَنِظَامِ تَقْيِيمٍ وَطُرُقٍ مِعْيَارِيَّةٍ لِنَقْدِ أَفْكَارِ وَأَدَاءِ الحُكَّامِ وَالمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ. وَيَجِبُ تَحْقِيقُ هذَا النِّظَامِ فِي الحَوْزَةِ لِلحِفَاظِ عَلَى عِزَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ وَدَعْمِ النِّظَامِ، وَإِلَّا فَسَيُوَاجِهُ النِّظَامُ وَالحَوْزَةُ تَحَدِّيَاتٍ تَقُودُهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالانْهِيَارِ.
  • الكَشْفُ وَالشُّهُودُ القَلْبِيُّ: أَسَاسٌ وَثِيقٌ وَمُطْمَئِنّ
  • لِتَقْدِيمِ الدِّينِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْنُودًا عَلَى العَقْلِ، وَالنَّقْلِ، أَوِ الشُّهُودِ الصَّحِيحِ، وَلا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَدِلَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ وَمَفْهُومِيَّةٍ وَاهِيَةٍ لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مُتَنَاسِبًا مَعَ هذِهِ المَصَادِرِ الثَّلاثَةِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ غَيْرَ مُتَنَاقِضٍ مَعَهَا. وَطَبْعًا، أَهَمُّ مَصْدَرٍ لِلدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ.
  • الاِخْتِلَافُ بَيْنَ المَعْرِفَةِ الشُّهُودِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ هُوَ أَنَّ الشُّهُودَ مَعْرِفَةٌ جُزْئِيَّةٌ وَشَخْصِيَّةٌ، وَيَجِبُ تَحْوِيلُهَا إِلَى عِلْمٍ لِتَكُونَ مَعْتَمَدَةً عِنْدَ العَامَّةِ. وَالشُّهُودُ لِلصَّاحِبِ هُوَ دَلِيلٌ قَوِيٌّ وَمُقْبُولٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَارَضْ مَعَ الفِطْرَةِ وَالعَقْلِ السَّلِيمِ وَالنَّقْلِ النَّقِيِّ فَلَهُ صِدْقٌ وَحُجِّيَّةٌ. وَالأَفْضَلُ هُوَ أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَالمَسْأَلَةَ الرَّبُّوبِيَّةَ تُرْوَى بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ مِنَ الوُلاهِ الحَيِّينَ.
  • وَفْقًا لِهذَا، أَعْلَى مَرْتَبَةٍ لِلِاسْتِنَادِ فِي الدِّينِ هِيَ الكَشْفُ وَالشُّهُودُ القَلْبِيُّ الصَّحِيحُ وَالمُتَنَاسِقُ مَعَ الفِطْرَةِ وَالعَقْلِ السَّلِيمِ وَالنَّقْلِ الصَّافِي، وَرَغْمَ أَنَّ المَصْدَرَ الأَسَاسِيَّ لِلأَحْكَامِ وَمَصَادِرِ الدِّينِ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ.
  • الدِّينُ بِلَا وَطَنٍ وَشَعْبٍ هُوَ أَمْرٌ مُتَخَيَّلٌ
  • الوَطَنُ هُوَ الحَاضِنُ وَالمَجَالُ لِتَحْقِيقِ الدِّينِ، وَهُوَ مَوضُوعٌ لذَاتِهِ، فَالدِّينُ يَحْتَاجُ إِلَى وَطَنٍ يَكُونُ لَهُ حَاضِنًا وَمَرْبَعًا. فَبِوُجُودِ الوَطَنِ وَالشَّعْبِ يَتَحَقَّقُ الدِّينُ فِي الحَيَاةِ العَمَلِيَّةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الفِكْرَ السَّائِدَ فِي الجَمَاعَةِ الدِّينِيَّةِ وَالحَوْزَوِيَّةِ يُمَيِّزُ الدِّينَ كَأَمْرٍ مَجْرَدٍ وَمُنْفَصِلٍ عَنِ الوَطَنِ وَالشَّعْبِ، فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ عَقْلٌ ثَانٍ فِي الفَلْسَفَةِ، وَوُجُودُهُ فِي العَالَمِ الحَقِيقِيِّ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ مَوْطِنٍ لَهُ.
  • لِذلِكَ، عِنْدَ بَرْمَجَةِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِ الدِّينِيِّ، يَجِبُ أَنْ لا يُهْمَلَ الوَطَنُ وَالبَشَرُ وَأَنْ لا يُفْتَرَضَ أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ لَهُ عَلاقَةٌ بِهِمَا. فَبدُونِ مَوْقِعٍ مَعِيشِيٍّ وَحُضُورِ الشَّعْبِ، فَإِنَّ فِكْرَةَ الدِّينِ وَالعِبَادَةِ لَنْ تَكُونَ وَاقِعِيَّةً، بَلْ مُجَرَّدَةً وَمُتَخَيَّلَةً.
  • وَبِذَلِكَ، كُلُّ جُهْدٍ وَسَعْيٍ لِتَحْقِيقِ الدِّينِ وَتَنْفِيذِهِ فِي المَجْتَمَعِ يَجِبُ أَنْ يَشْمَلَ وَيُعَانِيَ مَعَ وَطَنِهِ وَشَعْبِهِ، وَيَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ تَحْسِينِ الحَيَاةِ وَالدِّينِ فِي سِيَاقِ الحَقِيقَةِ.
  • الدين الإسلامي هو الدين الأكمل، وهو متوافق تماماً مع سير الحركة والنمو الطبيعي للبشر. يجب القول إن الدين الإسلامي هو جوهر الأديان الأخرى، والإسلام الخالص بلا شوائب، كما هو محفوظ عند أولياء الله الأحياء، هو وحده المتناغم والمتوافق مع سير الحركة والنمو الطبيعي للبشر. وهذا يتجسد في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [سورة آل عمران: 19].
  • الدين الحقيقي يتوافق ويتناغم مع حقيقة الإنسان وطبيعته وخلقه وفطرته. الدين المدوّن، وهو القرآن الكريم، يتمتع بتوافق كامل مع حقيقة الإنسان. الإسلام هو الدين الذي يتطابق بأكمله مع مقتضى وجود الإنسان. أما باقي الأديان، فبقدر ما تتوافق مع الإسلام، تكون متوافقة مع مقتضى وجود الإنسان. أما تلك الأديان التي لم تبلغ كمال الإسلام، فلا يمكن أن تحظى بتوافق كامل مع النمو الطبيعي للبشر، لا سيما مع التحريفات والإضافات الشاذة التي حدثت في نصوص تلك الأديان على مر العصور.
  • المقصود بالإسلام هنا هو الإسلام الخالص بلا شوائب، وهو ما استُخلص من الدين على يد المعصومين في عصر حضورهم، وكذلك ما استُنبط من أولياء الله الأحياء في عصر الغيبة. ولذلك يجب أن تُعرض سائر القراءات والتفسيرات على القراءة المعصومية والرؤية الأوليائية، وكل ما اتفق مع الفهم المعصومي والرواية الأوليائية يمكن أن يكون علاجًا للبشرية. لذا، يجب أولاً أن يُبيّن أي دين يستطيع أن يلبي حاجات الإنسان العلمية والعملية في هذا العصر، ويجب أن يُثبت بأفضل الطرق أن الإسلام وحده هو الذي يتوافق تمامًا مع سير النمو الطبيعي للبشر. وبعد إثبات حقانية الدين المقدس الإسلامي، تُطرح مسألة ماهية الإسلام وحقيقته.
  • في الوضع الحالي للحوزة العلمية، وفي الدين الظاهريين الذين أجد كثيرًا من الانتقادات لهم، تُطرح مسائل لا تتماشى مع الوصول إلى ذلك الدين المتوافق مع مقتضى وجود الإنسان، بحيث لو قام عالم نفس متخصص بدراسة هذه القضايا، سواء الفقهية أو الأصولية أو المنطقية أو الأدبية التي تشوهت جراء الاستنباطات الذهنية، لوجد أن الكثير منها لا يتوافق مع سير ونمو وجود الإنسان وطبيعته، بل هي زائدة أو غير متناسقة.
  • الإنسان له بداية ونهاية محددتان في المسار النزولي (من الله) والصعودي (إلى الله). ومن المعلوم أن هذا المسار له مقتضيات خاصة ولا يمكن أن يتناسب مع أي قراءة للدين. إذا اعتُبر جوهر وجود الإنسان كلبّ بذرة شجرة مثمرة، فإن مسار نمو هذه البذرة محدد. وإذا أُخرجت هذه البذرة عن مسار نموها الطبيعي، أو إذا تعرّضت لعوامل ضارة، فإنها لا تتحول إلى شجرة مثمرة طبيعية بل تفسد. وفي الإنسان الأمر كذلك. أي إن أي تفسير غير معصومي وغير أُولي ذي مشاكل لن يستطيع أن يؤدي بالإنسان إلى كماله ونموه الأمثل. وأثمر الإنسان هو كماله وخلافته لله وصيرورته كالإله. لذا يجب الهروب من الدين السطحي المملوء بالشوائب إلى الدين الولائي المعرفي، حيث يكون عالم الدين الولائي صاحب معرفة وبصيرة وولاية وجودية، وهو من المقربين إلى المعصومين، وبعدهم في عصر الغيبة يحمل ولاية وحق الهداية.
  • عموماً، إذا ارتقت الحوزات العلمية من حيث المعرفة إلى مستوى مرغوب، فيمكنها أن تتولى هداية المجتمع. ولتحقيق ذلك، هناك حاجة إلى وضع نظام شامل من قبل القوة الإرشادية في الحوزات، التي تقيم قضايا البشرية كافة وتحدد معايير اختيار القادة الدينيين في المجتمعات الإسلامية، وتصوّب عيوبهم، وتنتج لهم المعرفة والبرامج، وتُرشدهم إلى الطريق الصحيح. إذا كانت النظرة شاملة إلى مسألة الهداية، تحل القضايا من جذورها.
  • في القوة الإرشادية، إذا حضر أشخاص بصيرون وذوو معرفة وإشراف وجودي على القضايا، يدركون مثلاً أن رد القادة الدينيين على العنف بالعنف، والشر بالشر، والتعامل مع المشاكل بعصبية وانتقام، سيجرّ المجتمع إلى العنف. فهذا الشخص المبصر يفهم أن القادة الدينيين يجب أن يستخدموا مشاعرهم بحكمة، وإلا فإن بعض العنف والغضب عند القادة قد يؤدي إلى مصائب في البلاد. القوة الإرشادية ترى ذلك وتنقله إلى قادة المجتمع، وإذا استقام رأس المجتمع، يمتد الصواب إلى القاعدة.
  • وفيما يتعلق بدور الحوزات العلمية في عصر الغيبة، فإن عليها مسؤولية كبيرة تجاه الأمة الإسلامية والعالم الإنساني. فالحوزات ليست مجرد مراكز تعليمية تُعنى بالتعليم الفقهي فقط، بل يجب أن تكون مراكز معرفية تتفاعل مع قضايا العصر وتنتج فكرًا إسلاميًا نابضًا بالحياة ومتجددًا، قادرًا على مواكبة التطورات العلمية والفكرية والثقافية. وفي هذا السياق، ينبغي على علماء الحوزة أن يكونوا رجال فكر وممارسة، يتمتعون بالمعرفة العميقة والدراية بالمستجدات العالمية، بحيث يستطيعون أن يقدموا حلولًا عقلانية وواقعية لمشاكل البشر، بعيدًا عن الجمود والتقليدية المقيّدة.
  • كما يجب أن يكون هناك تعاون بين الحوزات العلمية والمؤسسات الأكاديمية والبحثية في العالم الإسلامي، لتبادل المعرفة والخبرات، ولإثراء الفهم الديني بما يخدم الإنسان ويعزز استقراره النفسي والاجتماعي. هذا التعاون سيسهم في بناء نموذج إسلامي معاصر للحياة، يقوم على مبادئ العدالة، والرحمة، والتسامح، والحرية، ويواجه التحديات المعاصرة بقوة واقتدار.
  • إن الحوزات العلمية مدعوة أيضًا لأن تركز على تدريب وتأهيل جيل جديد من العلماء القادرين على القراءة النقدية للنصوص الدينية، وفهم معانيها وفق روح العصر، مع المحافظة على الثوابت الأساسية للإسلام. هذا الجيل سيكون القادر على نشر ثقافة الاعتدال والوسطية، ويقود مسيرة النهضة الإسلامية الحقيقية، التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين التمسك بالقيم وبين الانفتاح على الحضارات الأخرى.
  • إن الالتزام بهذا النهج سيمكن الأمة الإسلامية من تحقيق وحدتها وتماسكها، ومواجهة التحديات التي تعصف بها في مختلف المجالات، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية. وهذا هو الطريق الأمثل لتحقيق ما وعد الله به عباده المؤمنين من النصر والتمكين، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) [النور: 55].
  • وفي الختام، لا بد من الإشارة إلى أن دين الإسلام بمحتواه الروحي والفكري هو الدين الذي يمنح الإنسان كرامته وحريته الحقيقية، ويمنحه القدرة على الإبداع والابتكار في إطار من القيم الأخلاقية الرفيعة. وهذا ما يجعل الإسلام المصدر الأسمى للحكمة والعدل والسلام في حياة البشرية، إذا ما أُديرت أمور الناس وفق فقهه الصحيح، وبتوجيه العلماء الذين يتحلون بالولاية والمعرفة الحقيقية.
  • ضرورةُ مرافقة أولياء الله الأحياء مع القرآن الكريم
  • إنّ القرآن الكريم إذا كان بدون مربٍّ إلهيّ، فإنه يقع في التفسيرات الكليشيهية المجحفة، ولا يستطيع أن يحلّ مشكلات المجتمع الدينيّ أو أن يكون مجيبًا عند الحاجة، بل لأنّه يعجز عن الإجابة عن الشبهات، فإنه يخلق مشاكل باسم الدين وكتاب الله، ويعرّض جبهة التدين لهجمات علماء معادين، ويصبح بدوره حجابًا كثيفًا أمام تحقّق القرآن الكونيّ ووليّ الله الحيّ.
  • القرآن الكريم بدون ترجمانٍ حيّ إلهيّ في كل زمانٍ لا يكفي. وهذا الترجمان هو وليّ الله الإلهيّ، صاحب الملكة القدسية المتوفّر، وليس فقط وليّ الغيبة البعيد الذي تكون غيبته ذريعةً للدجّالين الدينيين. وتجربة التاريخ تُثبت أنّ أصحاب السلطان الدنيوي الذين حكموا باسم الدين والخلافة عن رسول الله أو الإمام الغائب، دائمًا ما أرادوا أن يبقوا الوليّ غائبًا لكي يحكموا هم بدلًا منه.
  • وشعار “حسبنا كتاب الله” للخلفاء قد حاد بالإسلام عن مساره وحرمه من نعمة الإمامة والولاية، بحيث إنّ الدين التاريخي المنفصل عن الوليّ الحيّ لم يكن مخرجًا للمشكلات، بل كان سببًا في ظلم الناس واستعبادهم، وموطنًا لظهور طالبان وداعش ومجموعات الانتقام العنيفة.
  • إذا أزاح الخلفاء الجور أئمة الدين وأولياءه، فإنّ الدين الظاهري أيضًا يُبعد أصحاب الولاية والمعرفة الإلهية والملكة القدسية، ويعتبر من واجبه الدينيّ أن يحوّلهم إلى عزلة ومنفى، وهكذا يستمر طريق الخلفاء الجور.
  • في صدر الإسلام، كان بعض الناس يقولون: الكتاب الإلهي وحده كافٍ للمسلمين، لأغراض دنيوية، وبهذا العذر أزاحوا أهل البيت. ولكن حديث الثقلين الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي” يُبيّن أنّ وجود الكتاب وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون هناك جهة تنفيذية ومفسّرة، وأن تكون لدى الدين بيئات صحيحة لتمكين تحقيق أهدافه.
  • في عصر حضور المعصوم، كان كتاب الله ومفسّره (عترته الطاهرة) مرتبطين توأمًا، وفي عصر الغيبة لا بدّ للدين المكتوب والشريعة والفقه أن يكونوا مع المفسّر والمبيّن والمجري الحقيقي، وهو أولياء الله، لكي يتحقق الدين عمليًا، لأن الكتاب يَتَحدّد ويتفسّر بوجود المعصوم والأولياء الأحياء.
  • في العلوم الدينية، من أهم الأضرار أن يُهمل تقليد الأستاذ، ويُعتقد أن آراء وأقوال أيّ شخص يمكن الاستفادة منها، ويُقال: “انظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال”، وهذا صحيح في المستويات الأدنى والعلم النظري فقط، أمّا في الوصول إلى حقيقة الدين فلا بدّ من اعتماد الأستاذ أو الوليّ الحقيقي.
  • لفهم الدين المكتوب وتطبيقه في المجتمع، لا بدّ من وجود صاحب الدين الحيّ، أي من يتحقق فيه روح الدين، وهم في زمن الغيبة الأولياء أو الفقهاء الحاصلون على الملكة القدسية. وإن كانوا متخفّين ومنعزلين، فهذا لا يعني عدم حاجة الدين والمجتمع إليهم، فبدونهم لا يتحقق الكتاب عمليًا ولا يصل الدين إلى حقيقته.
  • صاحب الدين الحقيقي والحيّ يجب أن يكون مختارًا إلهيًا بشكل ثابت، ولا يجوز الإهمال أو الجور في قبول الاختيار الإلهي. فالهم المعرفي يؤكد أن الدين المكتوب (القرآن الكريم) لا يفي وحده، بل يحتاج إلى العترة الحية وأولياء الله الأحياء.
  • وإن لم يرضَ الناس أن يكون المعصوم أو الوليّ في موقع القيادة، فلا يمكن للدين أن يُنفّذ اجتماعيًا، كما حدث لعلي عليه السلام الذي ظلّ معزولًا لعشرين وخمس سنوات. في هذه الحالة، يقوم المعصوم والوليّ بالهداية باطنيًا وفرديًا، وهذه هي سياسة الهداية الدينية في عصر الغيبة.
  • فالقرآن الكريم هو المصدر الوحيد والوحي الإلهي الأكبر لفهم الدين، ولكن من الخطأ الاعتقاد أنه كتابٌ ناطق بدون مربٍّ إلهي ناطق. القرآن الكريم والسنّة المعتبرة شريعة مكتوبة وصامتة، ولا يستطيع أيّ شخص أن يفهمها ويجعلها ناطقة. فهم الدين يحتاج إلى منطق، وهذا المنطق هو الأستاذ أو صاحب الدين الحقيقي، وهو في زمن المعصوم هو المعصوم نفسه، وفي زمن الغيبة أولياء الله والفقهاء ذوو الملكة القدسية.
  • أما مدّعو الدين في عصر الغيبة فهم على درجة متدنية من الفهم، وهناك من يزعمون أنهم تلامذة المعصوم، مع أنهم يجهلون أصول الاجتهاد الديني ومتشبّعون بالأهواء والشكلية، ولا يتوفر لديهم عنصر الملكة القدسية، وهذا ما يجعل فهمهم سطحيًا ومشوّشًا.
  • تشخيص الوليّ الحقيقي من أهل المعرفة والخبرة الخاصة التي لهم يد في الباطن، ولا يغطيهم التصلب والتعصّب، ومنطق معرفتهم مرتبط بالمحتوى الباطني والقرائن والعلامات والأقوال والمخطوطات، كما أن المعجزة الإلهية هي من نوع الكتاب.
  • الوليّ الحقيقي هو من يتمتّع بالشكل الباطني اللازم، وهو فعليّة الولاية الموهوبة أو الملكة القدسية. هذه الحالة هي أولى مراحل الطريق الإلهي، وهي الحلقة الوسيطة بين البشرية والخلق مع الاتجاه الإلهي والحق. فإذا كان هم كل مسلم هو إيجاد وليّ الله والإخلاص له، يكون ذلك في الإسلام الحقيقي والمسلم الحقيقي.
  • حياة الدين مرتبطة بحياة صاحب الدين الحقيقي
  • حياة الدين والمجتمع الدينيّ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحياة صاحب الدين الحقيقي. فالدين هو روح صاحب الدين الحقيقي الذي يظهر ويتجلّى لحظة بلحظة في جسد الدين والمجتمع، وإلا فلن يكون للدين وجودٌ حقيقي.
  • القوانين الإلهية ومؤسسها في الحقيقة هو روح صاحب الدين وقائد الدين الذي يتجسد في كل عصر في جسد جديد. فإذا انفصل الدين عن صاحبه، يصبح بلا حياة، كالبدن بلا روح.
  • الدين والأفراد في المجتمع الدينيّ، إذا تخلّوا عن ولاية ولي الله، فإنّهم يفتقدون الحياة والروح. وإذا غُفِلَ عن هذه الروح الجارية في الدين، وفُصِل الدين عن صاحبه، يصبح دينًا زائفًا يُتبع، وتؤدي هذه الحالة إلى سوء فهم للدين وصاحبه.
  • في المجتمع الديني، الحياة الدينية تتأتّى من جريان روح الوليّ الحيّ فيه. ومن المراد بالعترة في الدين التي ترافق القرآن الكريم، ليست فقط الأحاديث والروايات أو السيرة والتاريخ، بل هي العترة الحيّة نفسها، التي يجب الاتباع بها في زمن الحضور، وفي زمن الغيبة يجب على المؤمن أن يجد أولياء الله الأحياء الذين يشبهون سلمان منا أهل البيت، ويلجأ إليهم.
  • الوليّ الإلهي حقيقة متجددة في كل الأزمنة
  • لا يمكن للإنسان أن يعيش حياة دينية دون وليّ إلهي. فكل إنسان له قائد أو قادة يتبعهم، سواء أقرّ بذلك أم أنكر. والقائد هو حقيقة جارية في كل الوجود. ليس فقط أن كل إنسان له قائد ويتبع غيره، بل كل شيء في الكون قائم على هذه القاعدة؛ مثل دوران الذرات حول ذرات أكبر، والكواكب حول نجوم أكبر.
  • ولكن أكثر مدّعي التدين غالبًا ما يتبعون قادة الضلالة، وهم قادة الشرك والنفاق والطمع والكبرياء والفساد. أتباع قادة الضلالة لا يكونون صادقين مع قادتهم، وهذه المتابعة باطلة، وأخيرًا يقذف هؤلاء الأتباع قادتهم باللعن، لأنهم لم يكونوا صادقين مع أنفسهم أو مع قادتهم.
  • المصير النهائي لكل إنسان مكتوب بيد قائده، سواء كان قائد هداية أو ضلالة أو مغضوب عليه.
  • الذي يجد وليّ الحق، ويبقى صادقًا معه، يكون وفاؤه مع الله. فوفاء الإنسان لله يكون باتباعه في العمل والحياة الاجتماعية، أي بوفائه لمن أعاده إلى طريق الحق وأنجاه من الضلالة، أي أولياء المؤمنين وفق مراتبهم.
  • الوليّ الديني هو الصديق المخلص الأقرب
  • الوليّ الديني هو الصديق المخلص الذي يقسم الولاء لله، والمؤمن يعتبر وليّه أقرب أصدقائه وأوفاهم، ووفاؤه له هو وفاء لله وخيانته خيانة لله. في الآخرة، يكون الوفاء أو الجفا للوليّ الحق من أول ما يُحاسب عليه المؤمن، واستجابة الدعاء تكون بفضل وفاء المؤمن لوليّه الحق.
  • في الأمور الروحية، عند الارتفاعات الروحية والمعارج النفسية، يُعرف الشخص المنتقل باسم الأستاذ الروحي أو مربّي الولاية ووليّ الحق.
  • في معرفة وليّ الحق
  • يجب أن يعلم الإنسان أن وليّ الحق يظهر له طبيعته وقدراته السابقة واللاحقة، ويكشف له أهواءه النفسية وشهواته الشيطانية في بيئة حرة يمكنه من خلالها أن يلاحظ ذلك، ليعرف عيوب نفسه وذنوبه وأخطائه، فيرى نفسه بكل وضوح كما في المرآة.
  • وقد تحدّثنا عن سير السالكين في كتاب «عرفان محبوبی و سالکان محبّ». وأكبر عقبة أمام قبول الوليّ الإلهي هي الغرور والكبر، التي لا تؤدي إلا إلى الذلّ.
  • الوليّ الإلهي يمنح الإنسان الحياة الحقيقية، أي ينفخ فيه روح الله، ويميزه عن الحيوان ويرفعه إلى مرتبة أعلى. إنه مرآة الله وأسماؤه وصفاته. لذا فالوفاء للوليّ هو عين الوفاء لله.
  • الشخص الذي لا وليّ له هو الذي لم يستيقظ على نفسه، ويفتقد الجوهر الإلهي، وهو بلا روح.
  • البِناءُ الرَّئِيسِيُّ لِتَدْفِيقِ جَرَيانِ القِسْطِ وَمُحَارَبَةِ الظُّلْمِ
  • تَقَعُ مَسْؤُولِيَّةُ القِيادَةِ الدِّينِيَّةِ لِجَرَيانِ نَشْرِ القِسْطِ وَمُناهَضَةِ الظُّلْمِ الاجتِماعيِّ على أَعْنِياءِ الوُلاهِ الحَيّينَ مِنَ اللهِ. وَهذِهِ القِيادَةُ لَيْسَتْ مِنْ مَقَامِ مَنْ لَمْ يَبْلُغُوا وَلايَةَ الحَقِيقَةِ، وَلَيْسَتْ مَهامَّةً لِغَيرِ الوُلاهِ الإلٰهِيينَ، وَمَن تَدَخَّلَ فِيها فَهوَ مَسْؤُولٌ عَنْ كُلِّ الخَسائِرِ المَالِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ. فَقَطُ الوُلاهُ الإلٰهيونَ هُمُ القادِرونَ عَلَى تَقْدِيمِ القِيادَةِ الاجتِماعيَّةِ فِي مُواجَهَةِ الظُّلْمِ وَطُغْيانِ أَهْلِ الفَسادِ وَالظُّلْمِ، وَيَتَحَمَّلُونَ هذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ بِدونِ تَضْرِيبِ مَصْلَحَةِ الشَّعْبِ وَدُونِ إِيْقاعِ أَذى، وَيَسْعَوْنَ إِلَى تَحْقِيقِ المَقْصِدِ الَّذِي يَرْضاهُ اللهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ ذلِكَ.
  • حَاجَةُ التَّنَوُّعِ القائِمِ عَلَى الاقْتِضاءِ فِي تَقْدِيمِ الدِّينِ
  • تَحْتاجُ مَوضُوعِيَّةُ الاقْتِضاءِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مُتَنَوِّعًا وَمُوَافِقًا لِلوَضْعِيَّاتِ المُخْتَلِفَةِ وَالأَذْواقِ وَالْمِيزاتِ وَالاستِعداداتِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هذَا التَّنَوُّعُ خالِيًا مِنَ الجَفَافِ وَالعُنْفِ.
  • فَالأَزْمِنَةُ وَالأَمَاكِنُ وَالوَضْعِيَّاتُ المُخْتَلِفَةُ تَحْتَاجُ إِلَى أَحْكَامٍ وَمَضَامِينَ مُخْتَلِفَةٍ، وَالدِّينُ الَّذِي يَهْتَمُّ بِالسياسَةِ الصَّحِيحَةِ وَإِدَارَةِ الأُمُورِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ بِشَكْلٍ مُتَنَوِّعٍ وَمُتَنَاسِبٍ مَعَ المَوضُوعاتِ المُخْتَلِفَةِ، لِيَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَلْبِيَةِ كُلِّ اقْتِضاءٍ وَوَضْعِيَّةٍ وَمَوْضُوعٍ، وَهذَا يُثْبِتُ ضَرُورَةَ التَّنَوُّعِ فِي تَقْدِيمِ الدِّينِ. يُسَاعِدُ التَّنَوُّعُ فِي جَمْعِيَّاتِ الدِّينِ عَلَى دَوَامِ حَيَاةِ المُجْتَمَعِ وَالدِّينِ، وَيُوَفِّرُ دِقَّةً فِي تَقْدِيمِ الأحْكَامِ المُنَاسِبَةِ لِكُلِّ مَوضُوعٍ. فَالدِّينُ المَأْخُوذُ مِنَ الكِتَابِ وَالوَحْيِ مُتَطَابِقٌ مَعَ عَالَمِ التَّكْوِينِ، وَمِنْ أَجْلِ تَنَوُّعِ العَالَمِ، فَإِنَّ الدِّينَ المُقَدَّمَ لِهذَا العَالَمِ يَتَضَمَّنُ تَنَوُّعًا فِي الأحْكَامِ.
  • الأَحْكَامُ تَتَنَوَّعُ أَيْضًا بِحَسَبِ المَوَاضِيعِ، وَيَجِبُ تَنْظِيمُهَا وَتَصْنِيفُهَا مِنْ قِبَلِ العُلَماءِ المُتَخَصِّصِينَ الَّذِينَ يُشَكِّلُونَ قُوَّةً فِكْرِيَّةً تُحَضِّرُ الفِقْهَ لِلتَّنْفِيذِ وَتُقَدِّمُهُ لِلنِّظَامِ الحُكْمَرَانِيِّ. وَيَجِبُ أَنْ يَتَمَتَّعَ الحَقْلُ العِلْمِيُّ بِقُوَّةٍ فِكْرِيَّةٍ، وَبُنوكٍ مَعْلُومَاتِيَّةٍ، وَنِظَامِ تَقْيِيمٍ وَطُرُقٍ مِعْيَارِيَّةٍ لِنَقْدِ أَفْكَارِ وَأَدَاءِ الحُكَّامِ وَالمُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ. وَيَجِبُ تَحْقِيقُ هذَا النِّظَامِ فِي الحَوْزَةِ لِلحِفَاظِ عَلَى عِزَّةِ الرُّوحَانِيَّةِ وَدَعْمِ النِّظَامِ، وَإِلَّا فَسَيُوَاجِهُ النِّظَامُ وَالحَوْزَةُ تَحَدِّيَاتٍ تَقُودُهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالانْهِيَارِ.
  • الكَشْفُ وَالشُّهُودُ القَلْبِيُّ: أَسَاسٌ وَثِيقٌ وَمُطْمَئِنّ
  • لِتَقْدِيمِ الدِّينِ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَسْنُودًا عَلَى العَقْلِ، وَالنَّقْلِ، أَوِ الشُّهُودِ الصَّحِيحِ، وَلا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى أَدِلَّةٍ ذِهْنِيَّةٍ وَمَفْهُومِيَّةٍ وَاهِيَةٍ لَيْسَ لَهَا حَقِيقَةٌ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ مُتَنَاسِبًا مَعَ هذِهِ المَصَادِرِ الثَّلاثَةِ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ غَيْرَ مُتَنَاقِضٍ مَعَهَا. وَطَبْعًا، أَهَمُّ مَصْدَرٍ لِلدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ.
  • الاِخْتِلَافُ بَيْنَ المَعْرِفَةِ الشُّهُودِيَّةِ وَالعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ هُوَ أَنَّ الشُّهُودَ مَعْرِفَةٌ جُزْئِيَّةٌ وَشَخْصِيَّةٌ، وَيَجِبُ تَحْوِيلُهَا إِلَى عِلْمٍ لِتَكُونَ مَعْتَمَدَةً عِنْدَ العَامَّةِ. وَالشُّهُودُ لِلصَّاحِبِ هُوَ دَلِيلٌ قَوِيٌّ وَمُقْبُولٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَارَضْ مَعَ الفِطْرَةِ وَالعَقْلِ السَّلِيمِ وَالنَّقْلِ النَّقِيِّ فَلَهُ صِدْقٌ وَحُجِّيَّةٌ. وَالأَفْضَلُ هُوَ أَنَّ حُكْمَ اللهِ وَالمَسْأَلَةَ الرَّبُّوبِيَّةَ تُرْوَى بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ مِنَ الوُلاهِ الحَيِّينَ.
  • وَفْقًا لِهذَا، أَعْلَى مَرْتَبَةٍ لِلِاسْتِنَادِ فِي الدِّينِ هِيَ الكَشْفُ وَالشُّهُودُ القَلْبِيُّ الصَّحِيحُ وَالمُتَنَاسِقُ مَعَ الفِطْرَةِ وَالعَقْلِ السَّلِيمِ وَالنَّقْلِ الصَّافِي، وَرَغْمَ أَنَّ المَصْدَرَ الأَسَاسِيَّ لِلأَحْكَامِ وَمَصَادِرِ الدِّينِ هُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ.
  • الدِّينُ بِلَا وَطَنٍ وَشَعْبٍ هُوَ أَمْرٌ مُتَخَيَّلٌ
  • الوَطَنُ هُوَ الحَاضِنُ وَالمَجَالُ لِتَحْقِيقِ الدِّينِ، وَهُوَ مَوضُوعٌ لذَاتِهِ، فَالدِّينُ يَحْتَاجُ إِلَى وَطَنٍ يَكُونُ لَهُ حَاضِنًا وَمَرْبَعًا. فَبِوُجُودِ الوَطَنِ وَالشَّعْبِ يَتَحَقَّقُ الدِّينُ فِي الحَيَاةِ العَمَلِيَّةِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الفِكْرَ السَّائِدَ فِي الجَمَاعَةِ الدِّينِيَّةِ وَالحَوْزَوِيَّةِ يُمَيِّزُ الدِّينَ كَأَمْرٍ مَجْرَدٍ وَمُنْفَصِلٍ عَنِ الوَطَنِ وَالشَّعْبِ، فَإِنَّ الدِّينَ هُوَ عَقْلٌ ثَانٍ فِي الفَلْسَفَةِ، وَوُجُودُهُ فِي العَالَمِ الحَقِيقِيِّ مُرْتَبِطٌ بِوُجُودِ مَوْطِنٍ لَهُ.
  • لِذلِكَ، عِنْدَ بَرْمَجَةِ العُلُومِ الدِّينِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِ الدِّينِيِّ، يَجِبُ أَنْ لا يُهْمَلَ الوَطَنُ وَالبَشَرُ وَأَنْ لا يُفْتَرَضَ أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ لَهُ عَلاقَةٌ بِهِمَا. فَبدُونِ مَوْقِعٍ مَعِيشِيٍّ وَحُضُورِ الشَّعْبِ، فَإِنَّ فِكْرَةَ الدِّينِ وَالعِبَادَةِ لَنْ تَكُونَ وَاقِعِيَّةً، بَلْ مُجَرَّدَةً وَمُتَخَيَّلَةً.
  • وَبِذَلِكَ، كُلُّ جُهْدٍ وَسَعْيٍ لِتَحْقِيقِ الدِّينِ وَتَنْفِيذِهِ فِي المَجْتَمَعِ يَجِبُ أَنْ يَشْمَلَ وَيُعَانِيَ مَعَ وَطَنِهِ وَشَعْبِهِ، وَيَتَحَمَّلَ مَسْؤُولِيَّةَ تَحْسِينِ الحَيَاةِ وَالدِّينِ فِي سِيَاقِ الحَقِيقَةِ.
  • الدين والمجتمع: التفاعل والتكامل
  • الدين لا يعيش منعزلاً عن المجتمع، بل هو جزء لا يتجزأ منه. فالدين يُعطي للمجتمع القيم والمبادئ التي تنظّم حياة الأفراد وتربطهم ببعضهم البعض، وفي المقابل، يؤثر المجتمع على كيفية تطبيق هذه القيم في واقع الحياة اليومية. لذلك، من الضروري أن يكون هناك تفاعل دائم بين الدين والمجتمع لضمان استمرارية الحماية الاجتماعية وتعزيز العدالة.
  • العدالة الاجتماعية كأساس في تطبيق الدين
  • الهدف الأسمى من الدين هو تحقيق العدالة الاجتماعية، وإزالة الظلم والقهر من المجتمع. ولذلك، فإن القوانين الدينية يجب أن تصمم وتطبق بطريقة تضمن المساواة والإنصاف، ولا تسمح بوجود طبقات من المستضعفين أو المهمشين. إذ بدون عدالة حقيقية، يفقد الدين قيمته العملية ويصبح مجرد شعارات بلا تأثير.
  • دور القادة الدينيين في التوجيه والإصلاح
  • يقع على عاتق القادة الدينيين مسؤولية عظيمة في توجيه المجتمع نحو تطبيق التعاليم الدينية بشكل عملي وعادل. يجب أن يكونوا نموذجاً في الأخلاق والعدالة، وألا يستغلوا موقعهم لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية. كما عليهم أن يحرصوا على تحديث الفهم الديني بما يتناسب مع التطورات الاجتماعية والاقتصادية، دون المساس بالثوابت العقائدية.
  • التعليم الديني: مفتاح التنوير والفهم الصحيح
  • لا يمكن تحقيق تطبيق ديني ناجح دون تعليم ديني منهجي ومنفتح. يجب أن يشمل التعليم الديني تحليلاً نقدياً للتعاليم، ومقارنة مع الواقع المعاش، مع التأكيد على روح التسامح والرحمة. كما ينبغي أن يكون التعليم موجهًا لجميع فئات المجتمع، لتعزيز الوعي الديني الصحيح وإبعاد الأفكار المتطرفة أو المغلوطة.
  • الخلاصة
  • تطبيق الدين لا يمكن أن يكون قاسياً أو جامداً، بل يجب أن يكون مرناً ومتجدداً ليواكب متطلبات الزمان والمكان. ويجب أن يكون الهدف دائماً هو تحقيق العدالة، ومحاربة الظلم، وإرساء السلام في المجتمع، من خلال قيادة واعية ومسؤولة، وتعليم ديني متطور، ومجتمع متكامل.
  • أهمية الحوار والتفاعل مع الثقافات الأخرى
  • في عالم اليوم، الذي تتقاطع فيه الثقافات وتتلاقى الحضارات، يصبح الحوار بين الأديان والثقافات ضرورة حتمية للحفاظ على السلام والتعايش السلمي. الدين الحق لا يدعو إلى التعصب أو الانغلاق، بل يشجع على فهم الآخر واحترام معتقداته، مع الاحتفاظ بهويته الخاصة. إن تعزيز ثقافة الحوار والتسامح يعزز الوحدة ويحد من النزاعات التي قد تنشأ من سوء الفهم أو التعصب.
  • الدين والعلوم الحديثة: التكامل لا التعارض
  • هناك اعتقاد خاطئ بأن الدين يتعارض مع العلوم الحديثة، لكن في الحقيقة، الدين الصحيح يرحب بالعلم والتطور، ويعتبرهما أدوات لفهم أفضل لخلق الله وتنظيم الحياة. يجب على المؤسسات الدينية والعلمية العمل سوياً لبناء جسور التفاهم، وتعزيز المعرفة التي تخدم البشرية وتدفعها نحو الرقي.
  • دور المرأة في الدين والمجتمع
  • لا يمكن الحديث عن تطبيق الدين دون الاعتراف بالدور الحيوي الذي تلعبه المرأة في المجتمع. فالدين الحق يكرم المرأة ويمنحها حقوقها كاملة، ويحث على تمكينها تعليمياً واجتماعياً واقتصادياً. تمكين المرأة يعزز استقرار الأسرة والمجتمع، ويضمن تحقيق العدالة والتنمية الشاملة.
  • التحديات المعاصرة وأثرها على الدين
  • يواجه الدين في العصر الحديث تحديات عدة مثل العولمة، التكنولوجية، والثقافات الاستهلاكية التي قد تضعف القيم الدينية. لذلك يجب أن يكون هناك وعي ديني متجدد، قادر على مواجهة هذه التحديات من خلال تفسير ديني عميق ومتطور يراعي خصوصيات العصر والواقع.
  • خاتمة
  • الدين، برغم كونه قيمة روحية سامية، يحتاج إلى قيادة واعية، مجتمع متعلم، وتفاعل إيجابي مع العالم من حوله ليظل فاعلاً وذا أثر إيجابي في حياة الناس. هذه العناصر كلها تضمن أن يبقى الدين مصدر هداية، وعدالة، وسلام في المجتمع.
  • التربية الدينية ودورها في بناء الفرد والمجتمع
  • إنّ التربية الدينية تُعدّ الركيزة الأساسية في بناء شخصية الفرد وصقل أخلاقه، فهي التي تمنحه القيم والمبادئ التي يستند إليها في حياته اليومية. فلا يكفي أن يكون الدين مجرد طقوس وشعائر، بل يجب أن يتحول إلى منهج حياة يعزز القيم الإنسانية، كالعدل، والرحمة، والصدق، والإخلاص. ولذلك، فإنّ المؤسسات التربوية والدينية مطالبة بإرساء برامج تربوية تهدف إلى تنمية الوعي الديني الصحيح، وتعميق الفهم العقلي والروحي، وتعزيز القدرة على التفكير النقدي لدى النشء.
  • الدين والمسؤولية الاجتماعية
  • الدين الحق لا يقتصر على العبادة الفردية فقط، بل يشمل المسؤولية الاجتماعية، التي تحث الأفراد على المشاركة الفاعلة في بناء مجتمعهم، ومحاربة الظلم، والفقر، والفساد. إذ إنّ إقامة العدل ومحاربة الظلم من أهم الواجبات التي يفرضها الدين، وهذا لا يتحقق إلا بقيادة روحية فاضلة تلتزم بمبادئ الدين الحقة، وتسعى لتحقيق مصلحة المجتمع.
  • التفاعل بين الدين والسياسة
  • على الرغم من أن الدين لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للسياسة أو للاستغلال، إلا أن هناك ضرورة لوجود قيادة دينية واعية تُرشِد المجتمع وتوجهه نحو الخير والحق، خاصة في مواجهة الظلم والطغيان. كما يجب أن يكون هذا التفاعل متوازنًا بحيث يحفظ استقلالية الدين ويحترم التعددية السياسية والاجتماعية، دون أن يفقد الدين دوره القيادي والأخلاقي في المجتمع.
  • أهمية المحافظة على وحدة الأمة
  • في ظل التحديات الداخلية والخارجية، تبرز الحاجة الماسة إلى الحفاظ على وحدة الأمة الدينية والسياسية. فالتفرقة والفرقة لا تجلب إلا الضعف والشتات، في حين أن الوحدة تعزز القوة والتماسك الاجتماعي. إن الدين يحث على التضامن والتكاتف بين أفراد المجتمع، ويشدد على أهمية العمل الجماعي في مواجهة الصعوبات.
  • خاتمة
  • يتجلى الدين الحق في كونه إطارًا شاملاً لحياة الإنسان، يجمع بين الروح والجسد، وبين الفرد والمجتمع، بين الحق والخلق. فلا يمكن لأي مجتمع أن يرتقي بدون التزامه الصادق بالدين، وبدون قيادة روحية حكيمة، وبدون وعي جماعي يضمن تطبيق المبادئ الدينية في الحياة الواقعية. الدين هو نبراس الهدى، والسبيل إلى تحقيق العدالة والسلام والازدهار.
  • قالنا إلى الآن إن أولياء الله تعالى يمكن أن يكون لهم درجات منخفضة من الوحي، وهي الأخبار من الغيب، إذ إنهم لا يعتبرون باب الولاية مغلقاً مع المحافظة على المراتب المختلفة. وما قد أُغلق بابه هو الرسالة، والنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين. إن طريق الولاية ومراتب الوحي الأدنى، أي الأخبار والإلهامات الغيبية، ما تزال مفتوحة، وهي في حق أهلها موثوقة ومثمرة، وهذا فضل الله على أوليائه وعباده المختصين لكي ينال باقي الناس منهم فيض.
  • على كل حال، فإن فهم ماهية وكيفية ختم النبوة في الإسلام من أعقد المسائل العقائدية لدى المسلمين، التي نادرًا ما يجد أحدهم الجرأة على طرحها، لأنها قد تحمل خطر الردة. ولكن يجب أن نعلم أن هذه المسألة في الإسلام ليست فقط غير مفهومة بشكل صحيح، بل على العكس، فهي مفهومة بشكل خاطئ ومقلوب.
  • من جهة أخرى، فإن الإيمان بالخاتمية كان موجودًا بشكل أو بآخر بين أتباع جميع الأديان، وكان هذا الاعتقاد من أهم أسباب إنكار أتباع كل دين للنبوة التي تليهم، وأيضًا من أهم أسباب التفرقة بين الأديان والمذاهب. وهذا يعني أن أتباع كل دين ومذهب يرغبون في خلود دينهم ومذهبهم. وهذا المنظور هو مصدر كل الانحرافات والنفاق في كل مذهب.
  • لكن ماذا تعني الخاتمية في الإسلام؟ نعلم أن “الختم” يعني الختم أو الطابع، وختم النبوة يعني أن أصول الدين والشريعة المحمدية مختومة ومحكمة ولا يمكن تغييرها. ولكن هذا لا يعني انتهاء الوحي والكرامات الإلهية في الإنسان، بل يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتجاوز شريعة وأحكام الدين التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن دينه هو كمال الدين ولا يحق لأحد أن يغير في أصوله وقواعده وأركانه الأخلاقية.
  • النقطة اللافتة أن الأشخاص والجماعات الذين يزعمون بتعصب وفهم معكوس نهاية كل أنواع الوحي والإلهام الغيبي النبوي، في الواقع هم أولئك الذين فكّوا ختم الدين وأزالوا ختمه وبدلوا أصوله بما يتناسب مع مصالح أصحاب القوة والمال. إذ أن أصحاب السلطة والمال والتزوير عادة ما يغيرون الأديان بما يخدم مصالحهم ثم ينشرونها بين الناس، وغالبًا ما يكون ذلك مصحوبًا بالقوة والقتل والجرائم.
  • على سبيل المثال، فإن تنظيم داعش وأمثاله هم في الحقيقة نتيجة لخرق ختم النبوة وتحريف القيم والأصول العملية للدين.
  • المعنى الصحيح لختم النبوة هو أن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، باعتبارها السبب المحدث والداعي لإنشاء الدين الإسلامي، قد أتمت مهمتها بالكامل، والآن حان دور الإمامة كسبب بقاء الدين وضمان استمراره الصحيح ومنع أي تحريف في أصول العقيدة والعمل. كمال النبوة هو الإمامة؛ فالأئمة المعصومون هم في سلسلتهم حافظون على صحة وسلامة دين محمد صلى الله عليه وسلم. وكل إمام له مقام نبوي أيضًا. وقد ورد في القرآن الكريم بوضوح عن أنبياء أولي العزم الذين بلغوا كمال النبوة أي مقام الإمامة، مثل إبراهيم عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم. الإمامة هي النبوة الباطنية. وهذا هو معنى كمال النعمة والدين الذي نُقل عنه في حادثة غدير خم، التي تمثل بداية الإمامة ونهاية النبوة.
  • ختم النبوة لا يعني بأي حال نهاية كل أنواع الوحي والإلهام الإلهي للإنسان. فالوحي الإلهي له أنواع ومراتب: وحی جبريلي، ووحي رؤيا، ووحي شهودي، ووحي سمعي، ووحي معرفتي… والولاية والإمامة هي الوحي الأعلى، بل أسمى الإلهامات الغيبية، وهذا الاعتقاد خاص بالإمامية. وقد أكد القرآن الكريم بوضوح أن كمال نبوة الأنبياء أولي العزم تؤدي إلى الإمامة، مثل إبراهيم عليه السلام.
  • تاريخيًا، انتهى عصر الوحي الجبريلي وبدأ عصر الوحي المعرفي والباطني، وهذا يعني أن الله لا يخاطب أوليائه من خلال وسيط آخر بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بل يخاطبهم بأنفسهم وبقلوبهم من داخلهم. لذا فإن ختم النبوة هو بمعنى باطني وتحقيق ذات الوحي ونور الهداية، وهذا هو الكمال في الدين ونعمة الله على البشر، وهذا لا يتعارض مع الشريعة المحمدية بل يؤكدها تمامًا، ولا يُفهم ختم النبوة إلا بهذا المعنى.
  • من يرد إبطال حكم واحد من أحكام الدين الإسلامي، فهو محكوم عليه بالضلال والزندقة.
  • في تاريخ الإسلام إلى اليوم، ظهر في كل عصر مخلصون أصحاب إلهامات وكرامات وشفاعات إلهية في مجتمعات مختلفة يدعون الناس إلى التقوى والعدل والمعرفة، وهؤلاء هم مخلصون إلهيون، وبعضهم يمتلك مشاهدات وهبات غيبية عظيمة.
  • لذلك، ختم النبوة لا يعني نهاية الوحي والكرامات الإلهية في البشر، بل في كل عصر يعيش على الأرض بعض أولياء الله تعالى الذين لهم كرومات وإلهامات تفوق تلك التي كانت للأنبياء السابقين، لكن أمر التقية يمنع ظهور هذه المعجزات والبيان عنها. ختم النبوة هو بداية عهد الإمامة والولاية الوجودية في مجال المعرفة والروحانية، وهذا ما يجعل الدين الإسلامي في عصر الغيبة لا يقوم على أي أصل أو أساس سوى الإمامة.
  • حادثة غدير هي إعلان ختم النبوة وظهور الإمامة بمعنى النبوة الباطنية والمعرفية، وهي المهد الحقيقي لظهور المعرفة الباطنية في الإسلام، والمذهب الذي سيشكل مستقبل البشرية ويقابل الإنسان بالله الذي ينبغي أن يُدرك ويتجلى في ذات الإنسان. الإمام هو حضور الله في الإنسان، ولهذا اكتمل الدين في الإمامة وختمت النبوة.
  • الأولياء المخلصون في كل عصر هم من نوع الأنبياء والأولياء في زمانهم. كما ورد في الحديث أن علماء هذه الأمة في آخر الزمان أفضل عند الله من أنبياء بني إسرائيل السابقين. وقد قلنا استنادًا إلى المعرفة القرآنية والشيعية إن كمال النبوة هو الإمامة، كما بلغ إبراهيم عليه السلام الإمامة في كمال نبوته. من بين آلاف الأنبياء بلغ القليل منهم مقام الإمامة. الإمامة باختصار تعني الوحي الوجودي والعلاقة المباشرة مع الله من خلال القلب. ولهذا يطلق الشيعة على أئمتهم اسم القرآن الناطق، فكل كلامهم وأفعالهم من الله تعالى. وهذا وصف “عباد الله المخلصين” في القرآن الكريم، أي حضور الله في وجود الإنسان الكامل. فوجود الإمام هو بيت الله. الإمامة تعني كمال وختم النبوة، لأن النبوة بمعناها اللغوي هي إبلاغ الخبر، والإمامة هي تحقيق وتجسيد هذا الخبر. هذا الخبر هو خبر الله، وهذا هو حضوره وأثره، ولذلك لا حاجة لمبلغ خبر آخر.
  • هذا لا يعني عدم ظهور أي نبي أو ولي، بل يعني عدم تجاوز أي نبي أو ولي لأصول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن أحكام الدين وثوابته قائمة إلى يوم القيامة. وكل ولي حق بعدهم يجب أن يصدق أحكام ومعارف دينه، أي لا يمكن لنبوة أو مذهب حق بعدهم أن تلغي أحكام الإسلام، بل جميع الأديان والرسالات الحق بعدهم إنما هي محدثة ومصدقة لهذا الدين.
  • يجب أن نعلم أنه بدون ظهور رجال الله في كل عصر، يُنسى دين الله ومعارفه الإلهية. وهذا هو مسار الولاية الوجودية والإمامة كختم للنبوّة الجبريليّة. وكأن جبريل يتحدث الآن في وجود المخلصين معهم. لذا، النبوة لم تنتهِ بل أصبحت باطنية وعالمية، وهذا هو كمال نعمة الله في الإسلام. ومن الواضح أن من يدعي نبوة أو رسالة إلهية تنقض أحكام الإسلام فهو كاذب ومفضوح، مثل كثير من دعاة النبوات الاستعمارية في القرون الأخيرة في العالم الإسلامي.
  • ختم النبوة يعني كمال النبوة وليس نهايتها، فبعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم سيأتي دائمًا مخلصون يحملون حمل الرسالة ويحملون أمر المهدي عليه السلام ويكرسون حياتهم لإحياء دينه، ولكن ليس بمساعدة الوحي الجبريلي بل بالعقل والإيمان والمعرفة التوحيدية والباطنية، وهذه الرسالة أصعب بكثير من رسالة بعض الأنبياء السابقين، لأنها تعتمد كليًا على النفس والمسؤولية الكاملة عن الطريق والمنهج.
  • هذا هو نوع الرسالة في آخر الزمان التي هي من جنس الإمامة والولاية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “علماء أمتي في آخر الزمان أفضل عند الله من أنبياء بني إسرائيل”.
  • ما هي ولاية الفقيه؟
  • الفقه الظاهري لا يشترط الوصول إلى الحقائق الإلهية والولاية الربوبية والباطنية لولاية الفقيه، بينما وارث المعصوم في الولاية والفقه هو الفقيه الجامع الذي وصل إلى حقائق الدين والحقائق الإلهية، ولهذا يجب أن يكون له إما ولاية موهوبة أو على الأقل ملكة قدسية. الشمولية تعني أن يكون الفقيه بالإضافة إلى العلم عادلاً، والعدل ضروري لفهم الدين لأنه شرط للوصول إلى الحقائق الدينية والإلهية. حكم ولاية الفقيه هو مجرد شذى من شذوذات الولاية أو ملكة قدسية تتبع الولاية. ولاية الفقيه متفرعة عن الولاية الربوبية، والحكم وولاية الفقيه هي شذى ومرتبة من مراتب الولاية الربوبية والإلهية وفي سياقها واستمرارها. الولاية الربوبية هي مصدر ولاية الفقيه، وتثبت ولاية الفقيه في الواقع فقط إذا كان الفقيه قد استمد أولاً من الولاية الربوبية وبلغ حقائق إلهية، وولايته الفقهية هي متفرعة على الولاية الباطنية أو الملكة القدسية.
  • التعرّف على الدين من منظور الولي الحق
  • إذا لم يستطع بعض مكونات الدين من وجهة نظر الولي الحيّ والحق أن تحقق سعادة الإنسان ومصالحه الحقيقية، فإنه من الناحية العقلية والقلبية والروحية يقوم بإعادة النظر فيها وتمحيصها. ويجب على الآخرين أيضاً أن يعرضوا هذه المكونات على الولي الحق للدين، فإذا لم تكن فيها تعارض مع نتائج معرفته الصافية، فهي صحيحة، وإذا تعارضت، وجب الاستغناء عنها.
  • الكرم والشهامة معيار خاص لكفاءة المتصدين للشؤون الدينية
  • في الدين المعرفي، يعدّ الوعي، والعدل، والكرم من المعايير المهمة في تقييم كفاءة الإنسان ونجاته. أما في الفقه الظاهري، فصفة التدين والإسلامية تعطي أولوية وأصالة عادية، فيظن السطحيون أن مجرد التسمية بالدين والاعتقاد الظاهري، أو الظهور كمسلم واحتفاظهم باللحية والعمامة، يحلّ كل المشاكل، وأن هذا الالتزام الظاهري كافٍ ليضمن التخصص الحقيقي والأمانة.
  • الفقه الظاهري يشترط في التقييم والرقابة والاختيار والتعيين والعزل، أن يكون المظهر صالحاً والعمل مطابقاً لظاهر الشريعة، ولكن هذا الشرط إن كان ضرورياً فهو غير كافٍ. فمجرد حمل صفة الدين والمذهب لا يمكن أن يكون معياراً لتقييم كفاءة الإنسان ونجاته، لأن الإنسان الصالح والناجح لا يُقال عنه فقط إنه يؤمن بدين معيّن بالاسم، بل يتطلب وجود الوعي والعدل والكرم.
  • الشعور والعدل والكرم في الدين المعرفي
  • بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه الإنسان أو المذهب الذي ينتمي إليه، فإن في جوهر وجوده شعورًا وعدلًا وفتوّةً. يمكن تقديم هذه الصفات تحت عنوان المعرفة والدين المعرفي. في المعرفة تكمن الشعور والعدل والكرم. ورغم وجود هذه المفاهيم في تعاليم الدين بكثرة، إلا أن مجرد الاطلاع على تعاليم الدين لا يجعل الإنسان عادلاً أو متخلقًا بالكرم. فمثلاً، لدى الدين تعليمات تُطبّق، لكن هل يصبح الإنسان عاقلاً بمجرد تدينه ووقوعه في صف المؤمنين؟ وهل تزول الجبن والظلم الداخلي بمجرد أن يصبح متدينًا؟
  • الدين يحمل تعاليم، ولكن صفات وجودية مثل الكرم والفتوّة هي سمات فطرية أو موهوبات إلهية، تحتاج إلى طبيعة أصيلة وهبة ربانية، وليست سهلة المنال والاكتساب.
  • ضعف الشعور والعدل يعيق الحلول الدينية
  • إذا كان شعور الإنسان (العقل) وضعفه، وكذلك العدل والكرم (القلب)، فإن مجرد انتمائه الظاهري للدين أو المذهب لا يحل مشكلته. وخصوصًا إذا كان هذا النقص موجودًا في من يشغلون مناصب عليا في الدين والمجتمع! إذا أُسندت الأمور إلى أشخاص يفتقرون إلى العدل والكرم، فإن المجتمع سينزلق إلى أزمات أخلاقية عميقة. وسيغرق الجميع في مستنقع من الفساد الأخلاقي، ولن يصل الأمر إلى البر والنجاح.
  • ضرورة تكامل الذات في العلماء والمتصدين للدين
  • يجب أن يكون العلماء والمتصدون للشؤون الدينية – سواء في مجال العلم أو التطبيق – في أعلى درجات الصحة العقلية والقلبية والتربوية من حيث الشعور والعدل والكرم والفتوة. إن مجرد حمل لقب عالم ديني أو متدين ليس كافياً لتولي المناصب الدينية.
  • خلاصة
  • لا يمكن اعتبار مجرد الدين أو التدين، أو حتى العلم والاجتهاد، دون وجود قاعدة عقلانية وعدل وكرم وفتوة وعدالة متناسبة، معيارًا لكفاءة الإنسان ونجاته. ولا ينبغي السماح لأي شخص يحمل هذه الألقاب بالدخول إلى ساحة المسؤولية والقيادة الدينية. كما لا يمكن قبول أي شخص للدخول في مجال العلوم الربانية والحقيقة المعرفية بمجرد تدينه أو علمه، إذا كان يفتقر إلى هذه القواعد الأساسية. من ناحية معرفية، النشاط العقلي والقلبى، والوعي والعدل والكرم، هي الأساس لكفاءة الإنسان ونجاحه. ومن يتمتعون بهذه الصفات، إذا شغلوا مناصب دينية أو علمية، يمكنهم قيادة المجتمع نحو النجاح والخير.
  • ضرورة الاصطفاف الشعبي في مواجهة الطغيان
  • إن من أهم شروط النضال ضد الطغاة هو اتّكاؤه على تأييدٍ شعبيٍّ قلبيّ، وأن لا يكون نضالًا فرديًّا انفراديًّا، أو قائمًا على طلب الغلبة والانتصار بأيّ ثمن. هذا هو النهج الذي التزمه المعصومون (عليهم السلام) في مواجهتهم للأنظمة الجائرة وحكومات الاستكبار والظلم.
  • في هذا الزمان، هناك مافيات عالمية من الظلم والجور، قد انتظمت في جبهةٍ واحدة ضد الحق والحقيقة، وكل من وعى وامتلك الإرادة يمكنه الاصطفاف في صف الحق بمواجهتهم. غير أن هذه الجبهة الظالمة لا تعرف رحمة، ولن تتوانى في سحق كل ما يمتّ إلى الحق بصلة.
  • وعليه، فإن المسألة الأساسية اليوم هي: كيف يجب أن نواجه هذه الجبهة؟ حتى لو كانت نية الحركة في جبهة الحق سليمة، ومجرّدة من المقاصد الذاتية (مع أن إمكان تحقق هذه الحالة في عصر الغيبة ضئيل للغاية)، فلا ينبغي أن تشوب هذه المواجهة أية ثغرات منهجية، بل يجب بذل الوسع في تقليصها والسعي إلى الالتزام بمنهج عصمويّ قدر المستطاع.
  • نهج المعصومين في المواجهة: لا انعزال ولا عنف ولا مساومة
  • لقد كان نهج المعصومين (عليهم السلام) دائمًا أن لا يفصلوا أنفسهم عن الأمة في مواجهتهم للأنظمة الجائرة، ليكون الاحتجاج قائماً، والحجة بالغة على الجميع. لم يكونوا أهل انعزال ولا متقوقعين في صوامعهم، لكنهم أيضًا لم يسلكوا طريق المواجهة المسلّحة المنفردة ولا دعوا إلى حربٍ لا تجد لها نصيرًا من الأمة.
  • ففي الوقت الذي عبّروا فيه بوضوح عن رفضهم للواقع الفاسد، واستمروا في كشف الحق وتعليم الناس، لم تكن بينهم وبين الظالمين أي مساومة أو تفاهم، حتى لَقُوا الله شهداء. هذا النهج التربوي والمعرفي والميداني يجب أن يكون القدوة لمن يسير في طريق الإصلاح.
  • التحذير من الحُكومات المتدثرة برداء الدين
  • إن دراسة وتحليل التجارب السياسية للأنظمة التي تقوم باسم الدين، تُظهر ضرورة فحص ثلاثة أركان أساسية: الحقانية، والشرعية، والمقبولية. فإذا ما أُهمل هذا الفحص، ربما نجد مَن يُقاتل في جبهة باطلة، ظنًّا منه أنه يخدم الدين، بينما يكون في الحقيقة جنديًا في نظامٍ يُقوّض الدين باسم الدين.
  • ربما يُؤجر هذا المجاهد في نيّته، ويُحسب من الشهداء إذا قُتل، لكن العارف بالله، العالم بالحقائق الإلهية، يعلم أنّ في هذا الطريق خللًا منهجيًّا خطيرًا. فهؤلاء المجاهدون في الغالب يحملون نظرةً مطلَقيّة، يعتبرون أن طريقهم الديني لا تشوبه شائبة، وأن مَن خالفهم فهو من أهل الباطل المطلق، لا يَجِد فيه نقطةَ ضوء واحدة، ولذا لا يتورّعون عن فعل أيّ شيءٍ لسحقه، بل ربما يلجأون إلى إعدام المنتقدين والمعترضين، معتبرين ذلك نصرًا للدين!
  • الفرق بين منهج المعصومين ومنهج أهل الانتقام
  • إن هؤلاء المجاهدين، رغم تقليدهم الظاهري للنهج المعصومي، غير أنهم لا يدركون أن المعصوم هو القادر وحده على التشخيص الدقيق للحق والباطل في كل موضع، وأنّه هو الذي يعرف متى وكيف يُقاوَم الباطل. لذلك فإن مواجهات هؤلاء، رغم نواياهم، تختلف جذريًا عن مواجهات المعصومين، بل تقف في تقابل مباشر معها.
  • المعصومون (عليهم السلام) لم تكن لهم مواجهات هدامة، بل كانت مقاوماتهم بنّاءة، فيها بلاغٌ حاسم للأمة وللخصوم معًا. لم يسعوا إلى تأسيس عدالةٍ ظاهرية على أنقاض الظلم عبر أدوات ظلمٍ جديدة، بل كانت أدواتهم في غاية العدالة والرأفة، لا تهدمُ ولا تُخرّب.
  • مواجهة مدمّرة أم مواجهة بنّاءة؟
  • إن المواجهة المدمّرة هي تلك التي تُستخدم فيها الوسائل غير المشروعة، وتُهمَل فيها إرادة الأمة وحياتها وكرامتها، وتُساق الأمور حسب هندسة مسبقة تقررها نُخب متعالية حتى في الانتخابات، دون اكتراث بالنتائج الواقعية. وفي ظل هذه المواجهة، تتزايد الشرور بدل أن تقل، لأنّ الرد على الشر بشر، يزيد الشر تصاعدًا ويغذي نيرانه.
  • أما المواجهة البنّاءة، فهي التي تحتوي التأديب والعقوبة العادلة، وفي الوقت نفسه تعطي للمعتدي ومرتكب الشر معرفةً بسبب تأديبه، ليكون ذلك بداية طريق إصلاحه. في هذه المواجهة، تُراعى الرأفة والرحمة والعدل، وربما يعود الطرف المعتدي إلى رشده. أما إذا قابَلنا الشر بشر، فإن سلسلة الشرور لن تتوقف، بل ستتوالد شرور جديدة أكثر حدةً وتدميرًا.
  • ‑ المجاهدون السطحيّون دون عمق معرفيّ
  • “المجاهدون السّطحيّون”—الذين ينطلقون بصخبٍ من غير بصيرة حقيقيّة—يصيحون قائلين: «يجب اقتلاع الأب الظالم، وإحياء القضيّة بمراسم الحداد!»
    إنّ دوافعهم نابعة من حسن نيّتهم ورغبتهم الخيّرة، فكلّ إنسانٍ حرٍّ—يحبّ مقاومة الظلم. لكنّ المنهج العميق والتحرّي المعرفي المرتكز إلى الولاية الحَقّية يُبيّن أنّ مقاومة الشرّ لا تقتصر على ضرب الظالم بقوّة وتوقيفه فحسب، بل تتطلّب بناء إطار مُحكم يحدّ من النفوذ الظالم ويضع مكانه الحقّ والعدالة. وهذا يتطلّب أساليب راشدة ومُنظّمة.
  • لقد كانت سيرة المعصومين (‘عليهم‌السلام) نموذجًا لهذا النهج: إذ لم يُواجهوا الظلم بالكراهية والانتقام الوحشي، بل غلب عليهم العفو، وأحيانًا بل عليهم العدوّ دموعًا من رحمةٍ وشفقة. نبّهوا النفوس واستنهضوا العقول، فحملوا الناس على اختيار الحقّ طوعًا لا قسرًا. فلم تكن الغلبة على الخصوم غاية الاستبداد والتفرد، بل هي خطوة ضمن مشروع تربوي واسع يهدف لنهضة الشعوب. وإن انفرط عقد القوم، واستقلّ الانتقام أو التضحية الفردية، فإنّ المعصومين (‘عليهم‌السلام) يواصلون المسار وعزيمتهم ماضية، من أجل إنارة الطريق وترك الخيار ونشء الأمة العاقلة.
  • ‑ نفاق ممنهج: أخطر من الفساد الفردي
  • لقد اجتاح النفاق المنظومي دِيانات الأمم وهدّد وجودها. لم يلجأ الأعداء فقط إلى الباطل الصريح، بل زرعوا سمومهم بطريقة منظومية داخل بنى الدين والسلطة، مستولين على مفاصل القرار. هذا النوع من النفاق—لا الجهالة الفُردية—هو الذي يقصّم نظام الأمة من الداخل، فيفسد مؤسساتها ويشوه الحقائق باسم الدين. تشخيصه يتطلب فِراسة ومهارة روحانية وذاكرة معرفية ووعيًا بالواقع الاجتماعي والسياسي. فالناس العاديون يصابون بالغموض أمام هذه المصيدة.
  • التاريخ شاهدٌ على ذلك، فقد طُرد علي بن أبي طالب (‘عليه السلام) خمساً وعشرين سنة من الحكم بيد نفاق المنظوم، حتى يظنّ الناس أنّ الحقّ والباطل سواء. واليوم، نراه يُعاد لتقديسه بلا حكمة، ما يعكس وقع النفاق الممنهج. ولهذا كان واجب العقلاء البصيرين أن يقيموا الحواجز، وأن يفرّقوا بين من هم دعاة توحيد صادقين ومن هم دعاة باطل مدسوس.
  • ‑ الصحة النفسية شرطٌ للعلم الفقهي
  • لا ينفع العلم الديني وحده إذا كان صاحبه ملوثًا أو مهووسًا بما ، بل لا فاعلية علمٌ ديني بدون نفسٍ صافية وقلْبٍ تقيّ.
    لقد ارتبط ديننا التاريخي بسيرٍ علويّ شُوه بأخطاء شرسية، فظهرت المسكيّات اللفظية والسطحيّة التي لا علاج فيها، تسجّل في جوامع الحفظ فقط. من ينشغل بتعليم الناس دون صحوة روحية ذاتية، يصبح دينه منصة ارتجالية تُصنع خصومة لا هداية.
    إنّه أمرٌ مشين أن يَسْلُق المرء العلم على مخزونٍ روحي خائب، ويظنّ أنّه يحكم باسم العلم، فهو إن فقد طهارة النفس، لا نور في علمه ولا حُسن أثر.
    ولقد بيّن النبي ﷺ أنّ العلم وحده لا يُهديما لم يُنزل في قلبه قسم أن النبي ﷺ لا يضمن هداية من أراد ربّه، بل إنّ أصل الهداية في يد الرحمن، لا في عدد الشهادات.
    فإن ادّعى أحدٌ التسلّط بحجّة العلم يكن في الحقيقة فارغًا من الهدف، مهووسًا بأفكاره وملذاته. ومن كان فيه جزء من اليقين والصدق، فالرهين عند قلبه، فإن‌ قُلّة روح، كثر الحديث، وضرب الناس، بانت سُطحيّة العلم وفُرغه.
  • فيما يتصل بالتحوّل المعرفي في حقل الدين والجامعة الدينية، ينبغي الاعتقاد أن التمكن من العلم الديني كفنّ ومهارة هو أمر مكتسب وعَرَضي؛ فلا يفيد وحده ما لم يقترن بصحّة نفسية وامتلاك ملكة قدسية وولاية باطنية، وإلاّ لم يُفضِ إلى علمٍ دينيٍّ مستندٍ إلى الله تعالى. فإن كان المرء يعاني من اضطرابات نفسية أو لم يُهذّب نفسه، فإن مجرد اعتناقه للدين وتسلّطه على علومه لا يوفّر له مناعة، ولا يقي الدين من التأثّر بمثل ذلك الإنسان. فإذا وقع الدين في يد مثل هذا الشخص، سيلفظه وفقاً لميوله النفسية.
  • وبما يتعلق بالهداية، فإن الحقيقة الإنسانية نفسها ينبغي أن تمرّ عبر صحّة نفسية لتصل إلى مستوى معيّن من المعرفة، فيطلب الهداية، عندها، يكون العلم والموعظة والرسل وسائل له؛ لكن الدور الأساسي يعود إلى حقيقة الإنسان، ذاته وسلامته النفسية.
  • أثر المحبة والولاء القلبي
  • الإسلام يقسم إلى ثلاثة أركان: «العقائد»، و«الأخلاق»، و«العمل». وهذا التقسيم يتطلّب النظر في جذوره. فالمعتقدات، والسلوك، والأعمال، إن لم تنبثق من المحبة والولاية والقرب القلبي فهي بلا أثر. والمحبة الحقيقية هي مصدر كلّ هذه الجوانب؛ وهذا ما يميّز الدين القائم على المعرفة عن الدين الظاهري الذي يبقى على السطح دون اعتناء بالباطن.
  • يمكن رصد الزوايا الثلاث – الاعتقاد والأخلاق والعمل – تحت عنوان واحد: «الحبّ». فالحبّ يضمّ الثلاثة. وبهذا، الأخلاق والعمل والإيمان يصبّون في جوهر الحبّ؛ فإذا احترقت نفسٌ بالمحبة في طاعة، ولم تكن مجرد رغبة أو انفعال عارض. فمحبة بلا طريق هي لا محبة أصلاً. ومن يحبّ دون طاعة فهو غير جادّ: مثل قوله تعالى:
    ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾
  • الطاعة بدتّ حبّ، والصدق بمن غرس في قلبه حبّاً وولاءً؛ فطاعة الدين ناشئة من الحبّ والولاء والقرب القلبي. والسياسة الاجتماعية للدين مبنيّة على “الولاية العامة” لا على “العدالة الاجتماعية” المجردة. فالعقائد والأخلاق والأحكام إن لم تنبع من القلب فهي سطحية، لا تصلح ولا تؤتي أثراً.
  • العقائد التي يعتنقها السّطحيون غالباً هي بالاقتداء والتقليد، وليس بدافع المحبة القلبية أو الدرس المعرفي العميق. أما الدين القائم على المعرفة، فيضع المحبة والولاء القلبيّين في مرتبة الأُولى. وقد كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وسلّم صاحب محبة وولاء، ومن جاءوا من بعده كانوا كذلك. وهذا سرّ انتشار الإسلام عبر القرون في قلوب مليار من الناس، بفضل المودة والقيم الإيمانية.
  • وعليه، ينبغي أن يُنتقَى في الحقل الديني ربّان وواعظون غرسوا في نفوسهم الحبّ والولاء واليقين؛ فهم من يهيّئون الظروف لنموّ التعليم والتربية الحقيقية. فالغاية في العالم الإنساني هي المحبة والرغبة في القيام بالواجب نحوها، والبيت هو البذرة الأولى في هذا المسار.
  • لكن الظاهريون يركّزون على الاعتقاد ظاهرياً ثم يؤجّلونه عند العقبات: فتعاليقهم تضخّم الفجوة بين المظهر والحقيقة. فإذا كانت المحبة والفتوّة من معيار اختيار المعلمين، سيكون لذلك تأثير فعال على أجيال قادمة. فرقاء العائلة العادلة وغير الظالمة تختلف عن أولئك الذين مظهرهم تقيّ وهم في باطنهم ظلم وجور.
  • إن المحبة أولاً ثم المظاهر الدينية، إذا ظهرت، فهي نتيجة طبيعية لهذا الكرّز القلبي. فالذي يُظهر المحبة يسعى طائعاً وعاشقاً، وليس من محبة دون طاعة؛ فالطاعة تلحق المحبة وتفترضها.
  • الطهارة القلبية والمعرفة الشهودية كأساس لدين‑شناسيّةٍ مُحدَّثة
  • العقلاء يُراجعون المتخصّصين في العلوم، والاستدلال والتقليد في الدين يسيران على النهج ذاته، فليس كلّ شخص يملك القدرة على استخراج منظومة حياة دينية خالصة من النص المقدّس. ومن يتقرب من القرآن بالنور القلبي فقط يمكنه أن يوضع مرجعية حقيقية…
  • الأكمل في الترجمة والتنسيق لكثرة النص، فأخرى حسب الحاجة.
  • … ومن يملك علاقة وجدانية ومعرفية نورانية مع القرآن الكريم، هو وحده القادر على استنباط المنهاج الحقيقي للحياة من نصوصه. أما أصحاب النظرة الظاهرية إلى الدين، فإنهم لا يعون هذه المسألة، بل يظنون أن من يحوز علماً حصولياً ومكتسباً في الدين، مؤهَّل للاجتهاد وفهم الكتاب الإلهي. وهؤلاء لا يدركون المعنى العميق لقوله تعالى:
    ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾
    إذ يكتفون بفهم سطحي ظاهر لا يرقى إلى التغلغل في معانيه الباطنية.
  • من لا يمتلك الملكة القدسية والولاية الباطنية، يفتقر إلى ركن جوهري في الاجتهاد الحقيقي، واجتهاده لا يتعدى الادّعاء. فطهارة القلب شرط أساس لفهم القرآن، وهو المصدر الأسمى في المعرفة الدينية. ومَن لم يُطهَّر قلبُه لن يَبلغ مرتبة الدين‑شناسي ولا يمكن القول إنه استوفى أحد ركني الاجتهاد: العلم والعدالة؛ إذ إن الإحاطة بالمعلومات الدينية ليست علماً بذاتها، بل المطلوب هو الإشراف على الخريطة الشاملة للمنهج الديني المتكامل، الخالي من الشوائب والخرافات، والمنسجم في كل أجزائه.
  • هذا الإشراف على روح الدين ورؤيته الكلية لا يتحقق إلا لمن هم من “المطهَّرون”، “الراسخون في العلم”، وذوو المعرفة النورانية، ممن أُوتوا ملكة الكشف والشهود للآيات القرآنية تحت نور الولاية الباطنية أو الملكة القدسية. ومن البيّن أن هذا المقام ليس في متناول كل أحد، رغم أن كثيراً من الناس يقرّون نظرياً أن طهارة القلب والملكة القدسية أو الولاية الباطنية شروط للفهم الديني العميق، غير أن السؤال الجوهري هو: كيف للإنسان أن يبلغ تلك الطهارة القلبية وتلك الملكة؟
  • فطهارة القلب لا تنال بسهولة حتى عبر تقوى العامة، بل تتطلب إشراقاً قلبياً وبصيرةً روحيةً، وهي عطية إلهية، وقد تتحقّق في بعض النفوس بالجهد والسير والسلوك والمجاهدة المعنوية.
  • الإدراك بأن الدين‑شناس الحقيقي والولائي لا بد أن يكون من المطهَّرين أو ممن أوتوا معرفة قلبية أو ملكة قدسية، والوعي بأن هذه الطهارة هبة ربانية، أمران ضروريان لبلوغ الدين‑شناسي المحدّث والمستنير. وقد يظن بعض مدّعي العلم الديني أنهم حائزون على تلك الطهارة، بينما هم بعيدون كل البعد عن الحقيقة الواقعية.
  • أما تمييز هؤلاء العارفين الحقيقيين، أصحاب الطهارة القلبية والمعرفة الشهودية، فيتأتّى عند البعض من خلال الثقة بكلامهم وآثارهم ومجالستهم، وعند آخرين من خلال إشراقٍ باطني وتجلٍّ روحي يدفعهم إلى الانجذاب نحو الحقيقة والنورانية والولاية الباطنية لوليٍّ إلهي. من الواضح أن من كان أعمى البصيرة لا يستطيع أن يقيّم أولياء الله حقّ قدرهم، كما أن الأمر خارج عن قدرة الأفراد العاديين قليلي الحظّ من النور الباطني.
  • المعرفة الوجودية: المعيار الأسمى لتقييم القضايا الدينية
  • لبلوغ اليقين بصحة أو بطلان أو صدق أو كذب قضية دينية، لا بد من حصول التناسق بين الوحي، والبرهان، والشهود. وجود هذا التناسق أمر لا غنى عنه. ففي الأوساط الدينية، رغم التأكيد على منطقية القضايا وأسسها النقلية والوحيانية، إلا أنه قلّما يُلتفت إلى المعرفة الوجودية والوجدانية بشأنها، في حين أن المعيار في كل الصدقيات والصلاحيات هو المعرفة الوجودية الشهودية المتوافقة مع البرهان.
  • وفي الدين‑شناسي الحقيقي، لا يُطمأن إلى قضية ما ما لم تكن وصولية وعيانية. فالناس – علماء وعوام – قد يحكمون بيسر على بعض الأمور أنها صواب أو خطأ، لكنها أحكام قد تفتقر إلى المعيار الحقّ والموهبة التكوينية لتشخيص جوهر الأمر ومعايشته وجودياً ووجدانياً.
  • الدين‑شناس الحقّ لا يقتصر فهمه على الكتب أو الألفاظ أو المنطق، بل يعيش الدين وجوداً ووجداناً، ويُصدر حكم الشريعة استناداً إلى معرفته الوجودية، وعدالته الوجدانية، وبدلالة نصوص الوحي خصوصاً القرآن الكريم، وضمن منهج اجتهادي عقلاني، ممنهج، ومتداول بين أهل العلم.
  • وبالتالي، فإن من أهم أسس الاجتهاد الصحيح وفهم الدين، هو وجدان القيم وشهودها في النفس، ومعرفة الحسن والقبح، والحقّ والباطل، على ضوء الولاية الموهوبة أو الملكة القدسية. فالمعرفة الوجودية والشهودية، والعدل الوجداني، تتولدان من التوسع الوجودي لدى الإنسان، فإذا حاز الدين‑شناس هذه الملكة، تمكن من الحكم بدقّة في القضايا الدينية والاجتماعية.
  • والمرتبة الشهودية من المعرفة، المتصلة بكشف الحقائق، تتجاوز مراتب الحس والعاطفة والعقل والمنطق، لتصل إلى نوع من التوحد الوجودي مع حقائق الأشياء.
  • محورية الوليّ وتحرير الدين من التحزّب والطائفية
  • اللجوء إلى الوليّ الإلهي، المتخصّص في المعرفة الدينية، والعارف بالحقيقة، هو الضمانة للخلاص من التحزّب والطائفية الدينية، كما هو أيضاً المنقذ من دعاوى العرفان المزيّف. فالتحزّب الديني، سواء أكان باسم المذهب أم باسم المعرفة والعرفان، باطل. أما محورية الوليّ، فتمثل النقيض له.
  • الدين، على ما فيه من أصالة وحقّانية، أصبح في قبضة جماعات، وأحزاب، وطوائف، تريد استعباد الأفراد لصالح عقيدتها. أما الولاية الباطنية والفقاهة القائمة على الملكة القدسية، فهي تنشد تحرير الإنسان. فالإسلام لم ولن يقبل الطائفية والتحزّب الذي يُفضي إلى التبعية والاستغلال الشخصي. الإسلام هو دين الحرية، بل هو الدين الوحيد الذي يحرّر الإنسان في المجتمع البشري. إنه دين الاجتماع، لكنه لا يرضى بتحويل الدين إلى أداة لخدمة الطائفة، كما لا يقبل أن يُستعمل الدين في الأهداف السلطوية السياسية.
  • أصل التحزّب والطائفية يرجع إلى أمراض النفس الإنسانية. فمثلاً، السياسات الموجَّهة من قبل أنظمة استبدادية، غالباً ما تُبنى على أهواء نفسية وأغراض نفعية، ولا تعبأ بهوية الدين ولا بحقيقته. فالنفس البشرية طمّاعة، تسعى دائماً إلى امتلاك مصالح الغير واستغلال كل شيء لصالحها. وهنا تبرز الحاجة إلى الرجوع إلى وليّ الدين الحيّ، الذي يملك البصيرة والقوة النورانية لتشخيص الطريق الصحيح.
  • ولاية الدين ومعيار الفهم الحقيقي
  • الوليّ الحقيقي هو الذي يجمع بين العلم الإلهي، والطهارة القلبية، والعدالة، والقدرة على الاجتهاد المستنير. وليس مجرد صاحب علم نظري أو متكلم بليغ. فالمعيار الحقيقي ليس في كثرة الكلمات أو الاستشهادات، بل في عمق المعرفة وصدق الشهادة القلبية، وحقيقة الولاية التي تمنحه قدرة فريدة على فهم وحراسة الدين.
  • ولهذا السبب، فإن المرجعية الدينية لا تقتصر على مجرد الفتاوى أو الاجتهادات العلمية، بل ترتبط بالولاية الحقيقية التي تؤهل صاحبها لأن يكون أداة تحقيق مقاصد الشريعة، ومصدر معرفة قادر على كشف الحقائق المستورة في القرآن والسنة.
  • التجربة الروحية كسبيل لفهم الدين
  • الفهم الحق للدين لا يمكن أن يتم إلا بتجربة روحية مباشرة، أو معرفة وجودية تشهد على الحق. فالقرآن الكريم، في هذا المنظور، ليس مجرد نص يُقرأ ويُدرس، بل هو واقع حيّ يتفاعل معه الإنسان، ويتلقى منه الهداية النورانية. هذه الهداية لا تنالها العقول وحدها، بل القلوب الطاهرة، والنفوس المهيأة لاستقبال النور الإلهي.
  • ولهذا السبب كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يقول إن القرآن روح، وليس مجرد حروف وألفاظ. وهذه الروح تحتاج إلى تهيئة القلب لاستقبالها، وهي لا تتأتى إلا من خلال اجتناب الذنوب، والمجاهدة، والتضرع إلى الله، والتعلق بولاية الأئمة المعصومين الذين هم بحقّ سفراء الله على الأرض.
  • الخلاصة: دعوة للتصالح مع الولاية وإحياء الاجتهاد
  • في الختام، يبدو أن الخلاص من أزمة الفهم الديني والاختلافات الطائفية، يمر عبر التمسك بالولاية الحقة، وفهم الدين من منطلق الولاية والقدرة الشهودية على الإدراك. الاجتهاد الحقيقي لا يقوم على مجرد التراكم المعرفي أو المناهج التقليدية، بل على التفاعل الحي مع النصوص المقدسة من خلال قلب نقي وروح متعلقة بالله.
  • وهكذا، فإن مناهج الفقه والتفسير الحديثة لا يمكنها أن تصل إلى الحقيقة إلا إذا صلحت أدواتها العلمية والروحية، وأخذت بنهج الولاية التي هي النور المضيء للطريق، وهو ما يحتم على الباحثين في العلوم الدينية مراجعة أنفسهم، والعودة إلى أصول الدين الحقيقية، واستحضار البعد الروحي والوجداني في فهمهم واجتهادهم.

✅ أولًا: وحدة الأُصول بعينها في أصل واحد

  • كلُّ أُصولِ الإيمان من توحيد ومعاد وعدل ونبوّةٍ وإمامة، في حقيقتها رافعة إلى أصلٍ واحدٍ هو: التوحيد القلبيّ والولائيّ لخالقِ الكون.
  • فالتوحيد ليس أُصُلًا مِن جملةٍ من الأُصول بمعزلٍ عن مركزه الحيويّ، بل هو الجوهرُ الذي تُستمدُّ منه معاني الإمامة والنبوّة والعدل والمعاد.
  • تقديره وتوصيفه كأصلٍ مواكبٍ للأصول الأخرى، ينعكس جهلًا قدرهُ في أهميّة هذا الأصل المركز — لا سيّما حين يطاول أهلَهُ بالتكفيرِ والتفسيقِ.
  • وإذ هو جوهرُ وجودِ الخلق، فمستوى الاعتقاد والإيمان بالأُصول الأخرى مرتبطٌ بمدى الوصول لمدارك التوحيد.

✅ ثانيًا: حُكْمُ الحُكم الإلهيّ مرتهنٌ بوَلايَةِ الحيّ

نوع الحكم القائم شرطُ تحقيق الطابع “الإسلامي”
استبدادي من يمسك بالنفوذ والقوة مطروحٌ أنْ يكون ملتويًا بالدين
شائعٌ (شعبي) إرادةُ الناس لا علاقة مباشرة بالخالق
إلهيّ وليّ حيّ محوره الروحيّ في القائم الحقيقيّ بمراتب الإمامة الوجودية
  • فالحكم الإلهي لا يتقرّر بمجرد التشريع الديني أو المراسيم الشرعية؛ وليس الحكمُ مداواةً لفظية لمظاهر النتائج؛ بل هو تجسيد وإظهار لعنصر روحانيّ ملموس في الشخص الطليق بالنفوذ الوليّ.
  • التمييز هنا هو أن النظام الإلهي الذي لا يستند إلى هذا الشخص الحقيقي المؤهل، لا يكون سوى واجهةٍ فارغةٍ غابت بها روح الإمامة.

✅ ثالثًا: النيابة الفقهية مرتبطةٌ باستمرارية شروط أهلية مُتحققة

  • تأمّل رواية: «… فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا»
    → هذا يعني أن الفقيهَ المعصوميّ الوَثيقَ الصّحّة في شرائطه:

    • أهلٌ للنصب،
    • إذا فقد شرطًا من شروطه (كالولاية الوجودية أو الملكة القدسية)، سقط عنه الاعتبار الشرعيُّ ويُلغى وجوبٌ الطاعة له.
  • لذا فإن فكرة “ولي مستقل مشرّع تكتمل طاعته إلى الأبد” – هي فاقدة لأصلها من هذه الرواية.

✅ رابعًا: الدين نظامٌ شخصي العقلانية، لا نظامي اجتماعي

  • الدين الإسماعيلي – كما تعبّر التجربة المعرفية – قائم على شخصٍ حقيقيٍّ هو المرشد الواحد، لا على هيئات شورى تمثيلية أو مجموعات مفتوحة.
  • إدخال تعددية الأفراد في منصب الولاية يضعفُ المركز الوجودي الحقيقي ويشتت أجهزة التأصيل الديني.
  • بينما ولاية الحقيقة لا تناسبها المشاركة بين أشخاص في منصب واحد، فهي خاصية وجودية شخصيّة ينبغي أن تكون قطعةً منه، ليس بالآراء المختلفة بل بالوجود الحقيقي.
  • وبالتالي: إن ضخّ الروح في المجتمع والحكم يحتاج إلى قائدٍ واحدٍ مؤهّلٍ بالحقيقة الوجودية، وإن استخدم العلماء الخبراء والاستشارة – فهذا يجري في سياق مرجعيةٍ مركزيّة – لا تنازعٍ للولي المنبثق من الشرط الوليّي.

✅ خاتمة

  • خلاصة الاطروح: التوحيد الولائي هو روح الدين، دور الوليّ الحي هو قلبُ الإمامة، ولا نفعَ للإسلام دون ولايةٍ حقيقيةٍ مستمرةٍ للشخص الجدير بها.
  • أُصولُ الدين، إمامًا ونبوّةً وعدلًا ومعادًا، لا قائمةَ لها إلا على توحيدٍ قلبيٍّ هذهْ دولة في كنهه… وإذ يفقد هذا التأسيس، تفقد الأمةُ روحَها وهويتها الدينية.

✅ توحيدُ الوَلايَةِ: الأساسُ الذي يَرْتَدُّ إليه بقيّةُ أُصولِ الإيمان

  1. توحيدُ الوَلايَةِ هو أصلُ الأصول
    جَميعُ أُصولِ العقيدة—كالتوحيد والمعاد والعدل والنبوّة والإمامة—ترتبطُ فكريًّا وعمليًّا بهذِهِ القاعدةِ الأولى: توحيدُ القلبِ والولاءُ لله سبحانه. فلا يكتملُ إيمانُ الإنسان إلا بإعلاءِ هذا الأصل وتثبيته، وإدراك مكانته المحوريّة.
    يتشكّل الخللُ والافسَاد عندما تُعامَل الأُصولُ الأخرى بمعزلٍ عن توحيدِ الوَلايَةِ، بل تُعاجلُ عليه، أو يُمارس تجاهه القتلُ التكفيريُّ دون وازعٍ معرفيّ.
  2. تأسيسُ الحُكمِ الإلهيّ على الولاية الحيّة
    • لا يكفي أن تُطبّقَ الشريعةُ مجرّد تطبيقِ نصوصها على أرض الواقع، ولا ينشأ الحُكمُ الدينيّ من تلقاءِ نصوصٍ فحسب.
    • إنما الحُكمُ الإلهيُّ يقومُ على شخصٍ حيٍّ ذو ولايةٍ حقيقيّةٍ متحققةٍ بالوجود الإلهيّ الوليّ.
    • فبدون وجود هذا الوَليّ الحيّ، يَغلُب الحُكمُ على روح الدين، فتصيرُ واجهةً بلا روح، ومظهرًا صوريًّا لا يَخُلّقُ تغييرًا إلهيًا حقيقًا.
  3. شروطُ النيابة الفقهية وقابليّة السقوط

بناءً على روايةٍ تنصُّ على «… فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا…»، يُستنتج أن فقهاءَ المعصومين الذين يَتوافرُ فيهم شروطُ الإمامة الوليّة—كالملَكَةِ القدسيّةِ أو النعمةِ الإلهيّةِ—يكونون بمثابة نوّابٍ عامّين. وإذا زالَ شرطٌ منهم، سقطت النيابةُ، وتُرفعُ عنه طاعةُ الأمة.
وعليه، ففكرة النيابة الدائمة غير المرتبطة بوجود الشروط، لا تستند إلى أساس شرعيّ.

  1. الدينُ – نظامُ شخصٍ قائد، لا نظامٌ شورائيٌّ متعدّد
    • في البُنية المعرفيّة الإسلاميّة، يَكْمُنُ النظام الإلهيُّ في شخصٍ واحدٍ حيٍّ حاملٍ للولاية الحقيقية—لا في مجموعةٍ من المشايخ أو الوفود.
    • إدخالُ تعددية مماثلة في مكان الولاء الوليّي يضعفُ توازنَ المرجعيّة الحيّة، ويشوّهُ صفةَ الإلهية في التسيير.
    • لا يعني هذا نفيَ الاستشارة أو الاستفادة من خبراء—بل تُبنى ضمن إطار مرجعية وليّ حيّ حقيقيّ، لا أن تُلغى في نظام طائفيٍّ متناثر.

📌 خلاصة

  • التوحيد الولائي هو جوهرُ الدين وسببُ الحياةِ فيه.
  • الوليّ الحيّ الحقيقيّ هو نواة الإمامة وذروةَ السلطات الدينية.
  • لا قيامَ لـ«حكمٍ إلهيّ» دون وجود هذا الوَليّ، لأن حُكومية الإسلام حقٌّ الديني وواقعُهُ، لا ظاهرٌ بيانيّ.
  • فرضيةُ الإمامة أو النيابة مرفوعةٌ عن من فقدَ شرطًا من شروط الولاية—أيًّا كان مَقامُه ومِنصَبُه.

✅ الدينُ ناظمٌ بشخصٍ حيّ—لا تنزيل نظاميّ

  1. الدينُ يقوم على رجلٍ حَيٍّ موصول بالولاية
    إنَّ مرجعيةَ الإمام الحيّ وولايته الحقيقية، هي مصدر الحياة والتفاعل الديني، لا مجرد وجود نصوص مطبقة.
    فالقرآن والدين الحقيقي لا يُدّاران عبر الجمعيات أو البرلمانات، بل من خلال قائد حيّ، يمتلك شرعية الولاية، ومتّصلٌ مباشرةً بالسلطان الإلهي، ويُفعّلُ ما أنزله الله في التراكيب الحيّة للمجتمع.
  2. المشورة مسموحة ضمن إطار ولاية حيّة
    رغم أهمية وأحقية أخذ رأي أهل الاختصاص، فإن الأمر لا يُحل بمجلس شورى مستقل يُضاهي سلطة الوليّ.
    فالأمر الإلهي المركزي في التشريع والتطبيق يعودُ لولٍ حيٍّ، أما المشورة فمن ضمن صلاحيات الحاكم، ولا تُلغي منه صفة الولاية الخاصة.
  3. إشكالية المجالس ومبدأ “الأولى فالأولى”
    • تأسيس حكم ديني عبر مجلس من الأفراد الذين يُعدّون “متساوين” في السلطة هو ضربٌ من البناء الضبابي، الذي يحمل في جوهره، خللًا معرفيًّا، ويرهن الولاية لمجرد اتفاقات انتخابية.
    • في المنظور المعرفي، للوجود قانون آليته: ولاة حقيقيّون لهم مراتب، كما تحكم الوجودات “الهيكل الشخصي”، لا “الشبكة المفتوحة”.
    • التعدد في المصاديق لا يساوِ الأوّل مقامًا عند الذي هو الإمام أو الوَليّ الحقيقي.
    • وإن كانت الوظائف التنفيذية قد توزّعت داخل مؤسسات، فإن القوّة الفعلية للولاية تنبثق من الشخص الموضوع فيه صلب الولاية، لا من المجلس ذاته. كل هذا يؤسس للخلاف من خطر الأساس: إمارة جامعة وشخصية، ترتب الولاية بمعيار “الأولى فالأولى”.

📌 خاتمة هذا القسم

  • ⚠️ ولايتُ الدين لا تُسوّى بمجلس، لكنها سلطة شخصية حيّة وائتمانية، بحيّزها الخاص في قلب الحاكم.
  • 🗝 “الأولى فالأولى” قاعدة معرفية تُقرّ بهيمنة مقام الولاية على مقام الاستشارة.
  • 🛡 إنّ التداخل بين سلطة ولاية حية ومجلس استشاري هو أمر مشروع، لكنّ المِلك الحقيقي يبقى مُتجسّدًا في شخص صاحب الولاية، وليس في أيّ هيئة أخرى.

✅ القانون الديني هو نظام حيوي متجدد لا يمكن أن يُختزل في نصوص جامدة

  1. الثبات والنموّ في الدين
    الدين ليس مجموعة من القوانين الثابتة التي تُنقل مرة واحدة إلى الأجيال ثم تتوقف عن النمو. بل هو نظام حي يتفاعل مع ظروف الزمان والمكان.
    ولذلك، فإن القوانين الشرعية تتطلب تفسيرًا حيويًا مستمرًا، يقوم به الإمام الحيّ الذي يمتلك السلطة المعصومة، الذي يفهم روح الشريعة ومتطلبات الواقع.
  2. الاجتهاد ضرورة مستمرة
    الاجتهاد الشرعي ليس خيارًا بل ضرورة دائمة، لإعادة تطبيق أحكام الشريعة على وقائع جديدة، متغيرة ومتجددة.
    ولا يجوز حصر الشريعة في فهم واحد جامد أو تفسير منفرد، بل يجب أن يكون هناك شخص حيّ، قادر على اجتهادٍ واقعي يستوعب المتغيرات.
  3. الدين والسلطة السياسية ارتباط وثيق
    الولاية الدينية تشمل سلطة الحكم السياسي، ولا يمكن فصل الدين عن الدولة في ظل النظام الإسلامي الحقيقي.
    فالوليّ الحي هو الحاكم الشرعي الذي يربط بين الدين والسياسة، ويُفعّل القوانين الإلهية داخل المجتمع بما يحقق العدل والشريعة.

📌 خلاصة إضافية

  • لا يصلح الدين لنظام قانوني جامد ينقل دون فهم حي.
  • الإمام الحي وحده قادر على استيعاب الدين في زمنه ومتغيراته.
  • وجود سلطة دينية سياسية حيّة هو شرط ضروري لعمل النظام الإسلامي.
  • ‑ المجاهدون السطحيّون دون عمق معرفيّ
  • “المجاهدون السّطحيّون”—الذين ينطلقون بصخبٍ من غير بصيرة حقيقيّة—يصيحون قائلين: «يجب اقتلاع الأب الظالم، وإحياء القضيّة بمراسم الحداد!»
    إنّ دوافعهم نابعة من حسن نيّتهم ورغبتهم الخيّرة، فكلّ إنسانٍ حرٍّ—يحبّ مقاومة الظلم. لكنّ المنهج العميق والتحرّي المعرفي المرتكز إلى الولاية الحَقّية يُبيّن أنّ مقاومة الشرّ لا تقتصر على ضرب الظالم بقوّة وتوقيفه فحسب، بل تتطلّب بناء إطار مُحكم يحدّ من النفوذ الظالم ويضع مكانه الحقّ والعدالة. وهذا يتطلّب أساليب راشدة ومُنظّمة.
  • لقد كانت سيرة المعصومين (‘عليهم‌السلام) نموذجًا لهذا النهج: إذ لم يُواجهوا الظلم بالكراهية والانتقام الوحشي، بل غلب عليهم العفو، وأحيانًا بل عليهم العدوّ دموعًا من رحمةٍ وشفقة. نبّهوا النفوس واستنهضوا العقول، فحملوا الناس على اختيار الحقّ طوعًا لا قسرًا. فلم تكن الغلبة على الخصوم غاية الاستبداد والتفرد، بل هي خطوة ضمن مشروع تربوي واسع يهدف لنهضة الشعوب. وإن انفرط عقد القوم، واستقلّ الانتقام أو التضحية الفردية، فإنّ المعصومين (‘عليهم‌السلام) يواصلون المسار وعزيمتهم ماضية، من أجل إنارة الطريق وترك الخيار ونشء الأمة العاقلة.
  • ‑ نفاق ممنهج: أخطر من الفساد الفردي
  • لقد اجتاح النفاق المنظومي دِيانات الأمم وهدّد وجودها. لم يلجأ الأعداء فقط إلى الباطل الصريح، بل زرعوا سمومهم بطريقة منظومية داخل بنى الدين والسلطة، مستولين على مفاصل القرار. هذا النوع من النفاق—لا الجهالة الفُردية—هو الذي يقصّم نظام الأمة من الداخل، فيفسد مؤسساتها ويشوه الحقائق باسم الدين. تشخيصه يتطلب فِراسة ومهارة روحانية وذاكرة معرفية ووعيًا بالواقع الاجتماعي والسياسي. فالناس العاديون يصابون بالغموض أمام هذه المصيدة.
  • التاريخ شاهدٌ على ذلك، فقد طُرد علي بن أبي طالب (‘عليه السلام) خمساً وعشرين سنة من الحكم بيد نفاق المنظوم، حتى يظنّ الناس أنّ الحقّ والباطل سواء. واليوم، نراه يُعاد لتقديسه بلا حكمة، ما يعكس وقع النفاق الممنهج. ولهذا كان واجب العقلاء البصيرين أن يقيموا الحواجز، وأن يفرّقوا بين من هم دعاة توحيد صادقين ومن هم دعاة باطل مدسوس.
  • ‑ الصحة النفسية شرطٌ للعلم الفقهي
  • لا ينفع العلم الديني وحده إذا كان صاحبه ملوثًا أو مهووسًا بما ، بل لا فاعلية علمٌ ديني بدون نفسٍ صافية وقلْبٍ تقيّ.
    لقد ارتبط ديننا التاريخي بسيرٍ علويّ شُوه بأخطاء شرسية، فظهرت المسكيّات اللفظية والسطحيّة التي لا علاج فيها، تسجّل في جوامع الحفظ فقط. من ينشغل بتعليم الناس دون صحوة روحية ذاتية، يصبح دينه منصة ارتجالية تُصنع خصومة لا هداية.
    إنّه أمرٌ مشين أن يَسْلُق المرء العلم على مخزونٍ روحي خائب، ويظنّ أنّه يحكم باسم العلم، فهو إن فقد طهارة النفس، لا نور في علمه ولا حُسن أثر.
    ولقد بيّن النبي ﷺ أنّ العلم وحده لا يُهديما لم يُنزل في قلبه قسم أن النبي ﷺ لا يضمن هداية من أراد ربّه، بل إنّ أصل الهداية في يد الرحمن، لا في عدد الشهادات.
    فإن ادّعى أحدٌ التسلّط بحجّة العلم يكن في الحقيقة فارغًا من الهدف، مهووسًا بأفكاره وملذاته. ومن كان فيه جزء من اليقين والصدق، فالرهين عند قلبه، فإن‌ قُلّة روح، كثر الحديث، وضرب الناس، بانت سُطحيّة العلم وفُرغه.

إنّ مجرّد الاعتقاد بالدين أو التمكّن من علومه المكتوبة، والتي تُعدُّ أدواتٍ فنية، لا يكفيان للنجاة ولا للهداية الواقعية. فالأساس هو نقاء النفس وطهارة الباطن، إذ لا يمكن للعقل أن يُنتج فقهًا ربانيًّا ما لم يكن مُتّصلًا بالقلب، ولا للعلم أن يُثمر هدىً إن لم يكن حاملهُ صادق النية، مطهَّر السريرة.

قد يكون الإنسان ملمًّا بالنصوص، حافظًا للمباحث، عارفًا بالمذاهب، ويُعدّ من بين كبار أهل العلم في أعين الناس، ومع ذلك يكون محرومًا من نور الهداية إذا كان قلبه مريضًا أو نفسه ملوّثة بالأهواء والمطامع. فالعلم الظاهري لا يعصم من الضلال، إنما يُصبح حينئذ وسيلةً للغرور والفساد الديني، بل قد يُستخدم لتبرير الباطل وتثبيت الظلم.

إنّ مثل هؤلاء، وإن أجادوا الجدال، وتفنّنوا في الاستدلال، لا يُرجى منهم هدىً، لأنّهم لا يسلكون سبيل الله، بل طريق النفس. وقد جاء في القرآن الكريم:
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [القصص: 56]؛
أي إنّ النبي ﷺ لا يملك الهداية القلبية لأحد، فكيف يدّعي غيره أنّه دليل الهداية لمجرد امتلاكه ناصية المصطلحات والألفاظ؟

مراحل الدين ومعايير النجاة

الدينُ ذو طبقات:

  • في الطبقة الأولى، هناك “الإسلام اللفظي” وهو التصديق الظاهري بالشهادتين، ويُرتّب عليه حقوقٌ اجتماعية ومعاملات دنيوية.
  • أما في الطبقات الأعمق، فهناك الإيمان، والصدق، والمعرفة النابعة من نور القلب، وهذه لا تُنال إلا بتصفية النفس وتهذيب الباطن، والإخلاص في طلب الحق، لا في التفاخر بامتلاك أدواته.

إذا كان الشخص لا يملك إلّا المظهر، ويخلو باطنه من نور الله، فإنّ علمه يصبح كالحجاب بينه وبين الحقيقة. وهذه هي أزمة بعض المتديّنين في كل عصر: حين يتخيّلون أنّهم بوصولهم إلى المصطلح قد بلغوا الغاية، بينما لا يزالون بعيدين عن الإيمان الحقّ، الذي يتطلب جهاد النفس، والتواضع للحق، وترك حظوظ الذات.

خاتمة

لا نجاة ولا ولاية حقيقية إلّا باجتماع نقاء النفس والعلم الصادق.
الولاية ليست حفظًا للنصوص، بل هي انقياد للحق، وتجرّدٌ من الأنانيّة، وتوجّهٌ خالصٌ إلى الله سبحانه.
العالم الربانيّ لا يُقيم له الناس وزنًا من خلال ألقابه، بل من خلال ما يزرعه من نورٍ في قلوبهم، وما يهدمه من جهلٍ وظلمٍ في نفوسهم.

ولهذا فإنّ بناء الأمّة لا يكون إلّا على يد من جمع بين العقل والقلب، بين العلم والعمل، بين البصيرة والنية الخالصة، وهم قلّة… لكنّهم أمل الأمّة.

إنّ وصول الإنسان إلى الولاية الحقيقية والقدرة على الهداية والنصح لا يتأتّى إلّا من خلال تزكية النفس وتنقيتها من شوائبها، إذ لا يكفي امتلاك العلوم النظرية أو الأحكام الشرعية دون طهارة الباطن وصفاء السريرة. فالعلم بدون تزكية يصبح أداةً للغواية، بل قد يُستخدم في خدمة الأهواء الشخصية أو مصالح دنيوية، ويبتعد عن جادّة الحق.

ولذا فإنّه لا بُدّ من وجود منهج تربوي روحي يرافق العلوم الظاهرية، يرقّي النفس ويرشدها نحو الكمال، هذا المنهج هو الذي اتّبعه الأنبياء والأولياء عليهم السلام، الذين لم يقتصروا على تلقين الناس العلوم فقط، بل عملوا على تهذيب القلوب، وتطهير النفوس، وتربية العقول، وتمكين الوجدان من تقبل الحق.

كما أنّ تحقيق الفقه الرباني والشريعة السليمة يتطلب حضور القلب إلى جانب العقل، وانصياع النفس للإرادة الإلهية، فبدون هذا التكامل لا يمكن أن يكون العلم سوى معلومات جامدة، لا تؤدي إلى عمل ولا إلى نفع.

وبالتالي فإنّ الحاكم أو العالم أو المرشد الذي لا يتحلّى بصفات النقاء النفسي والورع والصدق في العطاء، يكون عائقًا في طريق الناس إلى الحقيقة، وقد يقودهم إلى الضلال، وإن كان ظاهره العلم والدين.

في مقابل ذلك، فإنّ الأولياء الذين يستمدون من الله نور اليقين والولاية، يستطيعون أن يحركوا القلوب، ويهذبوا النفوس، وينيروا العقول، فتكون دعوتهم ذات أثر حقيقي وباقٍ، تمتد من جيل إلى جيل.

إنّ مقاصد الشريعة لا تتحقق بالاحتكام إلى مجرد القوانين الظاهرية، بل بالاجتماع الكامل بين العلم والعمل والتزكية والتقوى. وهكذا يكون الدين رسالة حياة شاملة، لا كتاب قواعد جامدة، ولا مجرد طقوس شكلية.

المحور الأساسي للحكومة الدينية: الولي الحيّ الإلهي

في النظرة الدينية التقليدية وفي المنهج الظاهري، يُعتبر المجتهد من يتقن الفقه وأُسس الاستنباط وطرقه، ومن يمتلك رؤية اجتماعية يمكن أن يكون وليًا حاكمًا دينيًا يدير المجتمع. هذه نظرة دنيا في مجال الاجتهاد والحكم الديني. أما في النظرة المعرفية للدين، فهناك رؤية قصوى وأعمق لكلٍ من الاجتهاد والحكم الديني، حيث تعتبر الولاية الإلهية هي الأصل والأساس للحكم الديني، أي أن كل إدارة شؤون الدولة يجب أن ترتكز عليها.

الولاية الفقهية في الحكم الديني هي مجرد قطرات من بحر الولاية الإلهية والباطنية. ويجب تطوير النظرة الدنيا الموجودة في مجال الدين والحكم. إذا كانت الولاية الإلهية الحقيقية هي الأساس، فإن المشاكل والتحديات التي تواجه المجتمع اليوم في المجال الديني والاجتماعي لن تظهر بهذه الصورة المؤلمة. المشاكل تتزايد بسبب حركة الوجود وتطور حياة الإنسان، التي تفرض تجديدًا مستمرًا في فهم الدين والإنسان والعالم.

إذا كان المجتهد ينظر إلى الأحداث اليومية بنظرة سطحية ولا يربط اجتهاده الديني بالولاية التكوينية والباطنية الحقيقية، فلن يستطيع الإجابة على قضايا زمانه ومجتمعه. الفقيه العارف هو من يملك الحقيقة الحقيقية للدين وتجلياتها في وجوده، وهذا ما يؤسس اجتهاده على أساس ولاية حقيقية تمكنه من حل مشكلات الدين.

زيادة المشاكل في مجال الدين والحكم نابعة من غياب الأساس المعرفي والولائي في الاجتهاد الفقهي التقليدي، المبني على ظاهرية بحتة. الفقيه العارف بولاية الله يتمكن من تشخيص القضايا الدينية بعمق وموضوعية لأنه يمتلك عقلًا نوريًا يمكنه من فهم مراد الشارع المقدس بشكل صحيح. والأهم هو صحة وصدق فهم واستخلاص حقائق الدين والمجتمع، فكلما زادت صحة الفهم، تمكن من مواجهة المشكلات بحكمة وفعالية.

في الحكم الديني المرتكز على الولاية، يجب اتباع من له نصيب وافر من نور الحقيقة، وإذا عجز الإنسان عن التعرف على هذا الولي، فإنه يغرق في الخطأ والمشاكل. كما أن أعظم مشاكل العلوم الإنسانية سببها ابتعادها عن أولياء الله. في عصر الغيبة، يجب عبر العلامات والأدلة أو أهل الباطن والخبرة التعرف على ولي الله الحيّ الحاضر ممثل الإمام المنتظر، وإلا فإن الإنسان يسير في طريق مليء بالأخطاء. أما من توفق في التعرف على الولي الحيّ واتباعه بإخلاص، فذاك هو من على طريق الفلاح والنجاة.

تقدّم بقاء أصل الإسلام عند التضارب مع بقاء النظام الديني

في النظام والحكم الديني، إذا تم الإصرار على تنفيذ الدين بأقصى درجاته، فإن ذلك قد يتحول إلى خطر كبير يتسبب في النفور والهروب من الدين ومواجهته. إذا كان القائمون على الدين والنظام علماء حقيقيون، فلن يصروا أبداً على تنفيذ الدين بأقصى درجاته، لأن بقاء أصل الإسلام في هذه الحالة يصبح مهدداً.

السبب في هجرة ملايين الأشخاص من البلاد اليوم هو عدم قدرتهم على تحمل الإصرار على تطبيق الدين بأقصى حدوده. وعدد أكبر بكثير يتمنى الهجرة. الأغلبية العظمى من هؤلاء الذين هاجروا هم من المتعلمين الذين تمكنوا من الحصول على قبول في دول أخرى. هؤلاء يشكلون خطرًا حقيقيًا على النظام الإسلامي الحالي.

إذا حدث تضارب بين بقاء أصل الإسلام وبقاء النظام الديني، فيجب تقديم أولوية بقاء أصل الإسلام، ويجب على النظام التكيف مع هذا الواقع. النظام الديني موجود أساسًا من أجل بقاء أصل الإسلام، ثم يأتي تطبيق الأحكام الدينية بما هو ممكن.

يجب على النظام الإسلامي أن يتحلى بالحنكة السياسية وأن يسعى لحل مشاكل البلاد. إذا استمر في إدارة الأمور بشكل متشدد ومتطرف في تطبيق الدين والثورة، فإن ملايين الإيرانيين في الخارج، الذين تزداد أعدادهم يومًا بعد يوم، سيصبحون أدوات في يد أعداء النظام ويسببون له مشاكل متزايدة.

سبب استياء هؤلاء المهاجرين هو أن الحكام حاولوا فرض دين ظاهري مفصل بأقصى حدوده كأنه لعنة على الناس، وقالوا: “إما أن تقبلوا الدين 100% أو تخرجوا من هنا!” هؤلاء الناس، الذين كانوا يطلبون الحق وكانوا من المتعلمين، لم يتحملوا هذه الطريقة التي فرضت عليهم الدين فجأة بكل أحكامه وأخطائه وتحريفاته، فغادروا البلاد. وبعضهم للأسف أصبح أداةً في أيدي الأعداء.

عندما يتبرأ عدد من المسلمين من الإسلام بسبب سوء تصرفات بعض المدعين، فإن ذلك يضرب جوهر الإسلام. هؤلاء الذين غادروا كانوا بحق فطرتهم تبحث عن الحق، ولكن بدلاً من تقديم الدين بالحقيقة وبما هو ممكن للمجتمع ليترقى تدريجيًا، تم فرض كل الأحكام دفعة واحدة، مع كل تحريفاتها وأخطائها، فرفضها الكثير من الناس.

هذا الأمر لا يضر فقط إيران، بل يؤثر على أمة الإسلام بأكملها، حيث يتبعهم غيرهم من الشعوب ويبتعدون عن الإسلام. هؤلاء يصبحون بلسانهم وقلبهم ونشاطهم دعاة سوء لما فُرض على الإسلام من فقه ظاهري معيب مليء بالتحريف والقهر باسم الإسلام.

عندما يُضطر الاختيار بين “تنفيذ كل الأحكام الدينية” و”بقاء أصل الإسلام”، فإن الرأي الصائب هو تقديم بقاء أصل الإسلام. تنفيذ الأحكام الدينية هو هدف يُمكن بلوغه بعد ضمان بقاء أصل الإسلام. الأئمة المعصومون رضوان الله عليهم كانوا متسامحين مع الخلفاء رغم عدم فهمهم الكامل للأحكام. هذا التسامح كان لحماية جذر الإسلام من الضرر.

ولكن أن يتم بناء أساس يقوم على إجبار الجميع على تنفيذ كل أحكام الدين بشكل صارم ومطلق، فهذا يعني إعطاء الأولوية للتنفيذ على حساب أصل الإسلام، وهذا حكم مرضٍ ليس من عند الله ولا من دينه.

الدين الإسلامي دين حب ومحبة، والنظرة الجامدة والمتشددة والمطلقة تؤدي إلى تآكل جذور الإسلام. إذا حدث يوماً تعارض بين بقاء النظام الديني وبقاء أصل الإسلام، فالنظام نفسه يجب أن يضحي ليبقى أصل الإسلام، لكي يستطيع لاحقًا بناء نظام ديني جديد.

الأصل هو الإسلام، وهو الذي يولد النظام الديني، وليس العكس. إذا أراد النظام الحالي لبقاء الدين، عليه أن يدرك أن الإصرار على تنفيذ كل الأحكام بشكل كامل وبدون ترتيب أولويات، سيقضي على الدين نفسه.

في الوضع الحالي، يهتم المتصدون للنظام الديني أكثر ببقاء النظام نفسه من بقاء أصل الإسلام. حتى الحوزات العلمية لا تنقل أو تروج لنظرية تقدم بقاء أصل الإسلام على بقاء النظام الديني، وهذا من واجباتها الفقهية. نظام الفقه الظاهري الحالي يعاني من هذه المشكلة، وحلها يتطلب جهودًا جادة، ونحن قد قدمنا حلولًا شاملة في مجموعتنا المؤلفة من ستة أجزاء بعنوان «القوانين المقترحة».

فصل چهارم: فقاهت دینی

صاحبان معرفت، خبرگان حقایق و فقیهان دین‌شناس

عالمان ربانی و فقهای دین‌دان که در زمره‌ی اولیای الهی قرار دارند، راه درست رسیدن به حقایق و معارف دین در عصر غیبت‌اند، نه هر عالمی که به‌گونه‌ای اکتسابی توان استنباط احکام را دارد. نظام استنباط چنین عالمی به سطحی‌اندیشی، ظاهرگرایی و نوعی پوپولیسم و عوام‌گرایی مبتلاست و از دقت، عقلانیت، نورانیت و ولایت باطن خالی است. به‌طریق اولی چنین نظامی نمی‌تواند مستند به خداوند باشد و حکم فقیه ظاهرگرا فاقد استناد قطعی به خداست.

راهی که خداوند در زمان غیبت برای رسیدن بشر به معارف دین قرار داده است، از طریق عالمان ربانی و حکیمان صمدانی متخصص در فقه می‌باشد؛ زیرا حق تعالی همه‌ی عوالم را آفرید و معصوم را سرآمد آفرینش خود قرار داد و او را به خلافت خود در میان آدمیان برگزیند. در زمان غیبت نیز راه علم یقینی را تشرّف به حضور معصوم قرار داد که البته راهی عمومی نیست و کمتر کسی توفیق این تشرّف معنوی و علم یقینی را پیدا می‌کند؛ اما راه علمی که از مراتب علم است برای همگان آسان ساخته شد؛ بدین صورت که برای آشنایی با حقایق دین و معارف آن و برای وصول به فقه دینی، از اهل باطن و معرفت که صاحب حقایق و معارف دین هستند، استفاده شود. یعنی همگان، افکار و آرای عالم ربانی و حکیم صمدانی که دور از ریا، تزویـر، سالوس، جمود، پیرایه و استثمار است، در نظامی علمی و در اجتهاد دستگاه‌مند، به نیابت از معصوم بپذیرند و او را ملاک و معیار خود قرار دهند تا هرچه بیشتر خود را به واسطه‌ی آنان با حقایق دین آشنا سازند.

با این نگاه، تصور ظاهرگرایی از مجتهد دینی به‌جا و صائب نیست. در برداشت عموم در فقه ظاهرگرا و میان فقهای معمول دینی، توان استنباط صرفاً از روی ظاهر دلایل و متون مقدس کافی است. در حالی که فقیه دینی اگر اهل ولایت و معرفت و حکمت نباشد، نمی‌تواند به روح و باطن دین احاطه داشته باشد و به همین دلیل نمی‌تواند راهگشای مشکلات اهل دیانت باشد. مردمان به فقیه دینی همانند پزشک متخصص مراجعه می‌کنند، زیرا نسخه‌ی دینی او را راهگشای زندگی خود می‌دانند. پس اگر فقیه اهل حکمت و معرفت نباشد و به ولایت و توحید صمدانی نرسیده باشد، نمی‌توان خود را به دست او سپرد؛ زیرا تخصص آگاهی به حقایق دینی است و ظاهرگرایی مبتلا به جهل و پیرایه است و آگاهی‌های آن تضمین نمی‌شود و منطق نمی‌یابد.

تعریف دقیق «فقیه» که در فقاهت دینی از آن بحث می‌شود نیازمند توجه است. در اصطلاح موجود دینی و در طیف ظاهرگرایان، فقیه کسی است که فقط بتواند احکام را استنباط کند و فروع را بر اصول رد کند؛ ولی از نگاه دین معرفتی، فقیه حقیقی چنین تعریف می‌شود: عالمی ربانی که اصول و فروع دین، عقاید و اخلاق و احکام اسلامی را در خویش متحقق ساخته و آن را در خود مورد بازیابی قرار داده باشد و بتواند آن را در نظام استنباط و اجتهاد دینی و با علم فقه به مخاطبان برساند.

در نگاه فقه معرفتی، فقه صرف استنباط فقهی از ظاهر دلیل و متن قدسی نیست. فقیه نیز فقط مستنبط نیست، بلکه شخصی است که افزون بر علم و توان استنباط فقهی و احاطه بر نظام اجتهاد، تحقق وجودی به دین و حقایق و معارف آن نیز داشته باشد که البته تحقق وجودی نیز برای انسان بدون مسیر معرفتی حاصل نمی‌شود. بنابراین تفقه حقیقی در نگاه دین معرفتی، بدون رسیدن به علم، حکمت و معرفت وجودی حاصل نمی‌گردد و نیازمند زمینه‌هایی است که ولایت موهبتی یا دست‌کم ملکه‌ی قدسی اعطایی را همراه داشته باشد.

التحقق من صحة مصادر وأسانيد الأحكام الدينية وضرورة تنقية الدين من الأسانيد الزائفة والمُدخلة.
الفهم المنهجي لمعنى ومراد الشارع المقدس من الحكم الشرعي.
التشخيص الدقيق والموضوعي للحالة الجزئية أو الواقعية التي يُطبّق عليها الحكم.
التعرّف على المقياس الحقيقي والغاية الأساسية في تشريع الحكم، مع تجنّب كلّ نوع من القياس، والاستحسان، والافتراضات، والمصالح غير المبنية على أساس.

إنّ التغافل عن هذه المبادئ الأربعة يُوقع الفقه في حصرٍ على الظاهر والشكل فقط دون عمق، ويقصره على فهم سطحي للأدلة. فجميع هذه الأركان تتعرّض لخلل في النظام الاجتهادي والاستنباطي للفقه الظاهري.

الأركان الأربعة هي:

  1. الركن الأول:
    خلل في التمييز بين التقديس والتحقيق في الدين، حيث تُستخدم مصادر ضعيفة أو زائفة كأنها دين الله، ويُستند إليها بسهولة في إصدار الفتاوى بناءً على إجماعات وشهرة غير سليمة، دون أدنى شك أو تردّد عقلاني في ضعف أو عدم أساس هذه المصادر وما تحتويه من شوائب. وأي نقد يُقابل بالتكفير والردّة، ما يحجب فضاء البحث والتحقيق.
  2. الركن الثاني:
    الفقهاء المفترض أن يتجاوزوا الظواهر للوصول إلى مراد الشارع الحقيقي، لكن الفقه السائد يكتفي بالظاهر كدليل كافٍ، وهذا يمنع إدراك المقصد الحقيقي والغاية من التشريع.
  3. الركن الثالث:
    غياب الموضوعية في الفقه الظاهري، حيث لا يُعتبر فهم موضوع الحكم ضرورة، في حين أن خطأ فهم الموضوع ينعكس على استنباط الحكم الصحيح، ولا يمكن إصدار فتوى سليمة من دون معرفة دقيقة للموضوع.
  4. الركن الرابع:
    عدم الاعتناء بالمقياس الحقيقي للحكم، حيث فهم المقياس يتحقق بعد فهم المراد، ويتطلب جمع النصوص المتصلة لفهم القصد الحقيقي للشرع، وهو ما يغيب في الفقه الظاهري.

العلماء المتخصصون في تشخيص أضرار الدين والمجتمع والناس
العلماء الربانيون، أصحاب العلوم المعرفية والموهوبة، هم المختصون في تشخيص أضرار الدين والمجتمع وتنقية الدين من شوائبه. المشكلة الرئيسية تنبع من أشخاص يُعرفون بـ «علماء الدين» ولكنهم يفتقرون إلى القدرة الذاتية الحقيقية لذلك، إذ لا تكفي العلوم المكتسبة فقط، بل تحتاج إلى صفات جوهرية وعلوم باطنية وموهوبة.

اليوم، الحل الأهم لمشكلات الدين والمجتمع هو تنقية الدين وتعاليمه، وهذا يستلزم تأهيل أشخاص أكفاء ومتخصصين في كل مجال ضمن نظام الفقه المعرفي و«الاجتهاد العلمي». إذ إذا لم يكن الدين في يد أصحابه الحقيقيين، يتحول إلى شوائب وانحرافات. لذلك، يجب الاستثمار في الأشخاص ذوي القدرة الذاتية على العلوم الخاصة والتربية المناسبة لهم، وقد لا يوجد بين ملايين البشر إلا قليلون يمتلكون هذه الصفات الجوهرية.

الفهم المتناسق بين ظاهر وباطن الدين في الفقه المعرفي
في الفقه الظاهري، يُنظر إلى ظاهر الدين والحديث والقرآن، ويُحكم بناءً على الفهم الظاهري فقط، كما لو أن الفقهاء مكلفون فقط بفهم الظواهر، وهذا فهم جامد يفتقد إلى الجوهر والمعنى الحقيقي.

أما في الفقه المعرفي، فالمقصود هو فهم محتوى الكلام ومراده، إذ لا بد من القفز من الظاهر إلى المراد الحقيقي للمتكلم، عبر فهم دقيق ومنهجي.

اللفظ في النصوص الدينية يعبر عن المراد، والفقه مطالب بالكشف عن هذا المراد لا الاقتصار على الظاهر. الفهم السطحي قد يغطّي الحقيقة ويؤدي إلى استنتاجات خاطئة تضر الدين والمجتمع. ذلك يؤدي إلى جمود وتشدد دينين ودفع الناس إلى النفور أو حتى العداء للدين.

فهم المراد الحقيقي للشارع المقدس يكون بالعقل النير المتغلغل في العلم، لا بالعقل العادي السطحي. تعابير مثل «أصحاب الملكة القدسية» و«راسخون في العلم» و«المطهّرون» و«الواجدون للولاية» تدل على هؤلاء الأشخاص القادرين على فهم روح الدين ومراده الحقيقي.

الفقه الحقيقي هو الفهم القلبي لروح الدين لا مجرد مهارة فقهية
الفقه الحقيقي هو استنباط معاني ومراد الشارع في نظام اجتهادي علمي معرفي، مبني على يقين قلبي نابع من نور الولاية والملكة القدسية، وليس مجرد فهم لغوي أو علمي عادي. الفقه لا يقتصر على فهم ظاهر النصوص، بل هو انتقال من الفهم الظاهري إلى الفهم القلبي المتعمق.

الفقهاء الحقيقيون هم الذين يربطون بين الظاهر والباطن، بين النصوص والمقاصد، ويستطيعون صياغة أحكام تلبي حاجات المجتمع الحقيقية، ولا يكتفون بإصدار فتوى جامدة واحدة للجميع، بل يفهمون خصوصيات كل حالة.

خلاصة
الفقه الظاهري يعاني من قصور كبير في جميع الأركان الأربعة، ولا يمكن فهم الدين وفهم أحكامه بشكل صحيح دون اجتهاد علمي معرفي عميق يدمج بين العلم المكتسب والموهوب. ينبغي على الفقهاء أن يمتلكوا صفات ذاتية خاصة، وأن يكونوا قادرين على فهم النصوص في سياقها الموضوعي والروحي، ليصلوا إلى حقيقة الدين ومراده، وينقلوا الدين من مجرد أوامر ونواهٍ جامدة إلى منهج حياة شامل قائم على الحكمة والحق.

النضال والمقاومة في خدمة أمن وسلامة الشعوب

في الفقه المعرفي، يُنظر إلى الحرب والنضال والمقاومة كوسائلٍ لتحقيق الأمن والسلام والرخاء للناس والمجتمعات، لا كأدوات للهيمنة أو توسع النفوذ، حتى وإن كان النفوذ دينياً. يجب دائماً الانتباه إلى الهدف الأساسي للدين من النضال، إذ يُفهم خطأً أن وجود الجهاد في الإسلام يعني بالضرورة وجود الحروب المستمرة، وأن تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي عليه السلام الحافل بالحروب يعني أن المجتمعات الدينية يمكنها خوض حروب متعددة. ولكن النظر في مقاصد الدين تُظهر أن الفقه المعرفي يرفض هذه النظرة السطحية، التي تُنسب الدين إلى العنف والحرب كذاتٍ مقدسة، وتعتبر كل زيادة في العتاد الحربي والقتال أمراً جوهرياً في الدين.

وفقاً للفقه المعرفي، فإن اللجوء إلى القتال المسلح والحرب يكون فقط عند الضرورة القصوى وعدم وجود بديل آخر، والهدف المقدس من كل قتال هو تحقيق الأمن الفردي والاجتماعي. وإذا وقعت جهادات وحروب، فهي بمثابة تمهيد لإرساء الأمن والسلام والرخاء للمجتمع. لذلك، يرى الفقه المعرفي ضرورة تنفيذ خطة لإنهاء الحروب ومنع إثارة الحروب على مستوى العالم في أقرب وقت ممكن.

النضال والحرب هما فقط وسيلتان للوصول إلى الأمن والسلام والرخاء للبشر. الإسلام لا يوافق على العنف والحروب والنزاعات بأي شكل من الأشكال. وإذا استخدم النضال كوسيلة، فذلك لإضافة عنصر من الاستقرار والأمان، لا لإلغاء أمن وسلامة المجتمع بذريعة الجهاد في سبيل الله.

اللا أمن هو وبالٌ على الإنسان والطبيعة على حد سواء. والدين يهدف إلى تحقيق الأمن الفردي والاجتماعي المنظم عبر نظام الحكم لجميع الناس. ويمكن للدين عبر تعاليمه أن يردع كل أشكال الحرب. في غياب الأمن أو ضعفه، تزداد الميل للعنف والاقتناء المكثف للأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية. إقامة الأمن والسلام هدف مقدس يسعى الدين إلى تحقيقه وتأمين ظروفه.

في الدين، الحرب بحد ذاتها ليست مقدسة، بل الهدف المقدس هو إقامة الأمن والسلام للبشر. لا توجد آية، حديث، أو سيرة تشجع الحرب أو التوسع بالسلطة الدينية كغاية في ذاتها. في الاجتهاد الحكيم، لا يُعتبر القتال بحد ذاته مرغوباً. كل القتال يكون في حالة الضرورة المطلقة، من أجل حفظ الأمن العقائدي والسياسي والاقتصادي والروحي والمادي للبشر. وإلا، لما ميزنا بين الجهاد الذي يُعتبر من أعمال الدفاع، والحروب الأخرى.

النظرة السطحية إلى الجهاد والنضال، كالتي تسود تجاه الدين، هي نظرة نمطية وغير دقيقة لمقاصد الدين. وهذا أدى إلى ممارسات خاطئة وأعمال متطرفة باسم الدين، مما جعل المجتمعات العالمية تصنف المسلمين كإرهابيين وتتهم الإسلام بأنه دين الإرهاب. هذه الدعاية السيئة يستخدمها أعداء الإسلام عبر استغلال هذه النظرة المتطرفة المبنية على الفقه السطحي الذي يفتقر إلى فهم جوهر الدين.

الفقه المعرفي يؤكد أن كل حرب لا تحقق هدف الأمن والسلام لا تتفق مع فلسفة الدين. فلسفة الدين هي تأمين الحريات والأمان. وعندما لا يكون هذا الهدف محورياً، يصبح كل طرف يسعى لتوسيع نفوذه وأراضيه بأي وسيلة، مستخدماً الدين لتبرير مصالحه الشخصية.

الإسلام والتشيع لا يبتغي الحروب، وسيف الدين في كل آيات الجهاد هو سيف الرحمة الجراحية، لا سيف القسوة والظلم والتوسع الإمبراطوري.

في الوضع الحالي، الفارق بين تجهيز القوة الحربية دفاعاً عن الدين وأمن الناس، وبين تجهيزها للغزو والتوسع الديني هو فرق دقيق لكنه خطير. فالنظرة الأولى هي نظرة معرفية تعتمد الرحمة والحماية، والثانية تنطلق من أيديولوجية هيمنة سلطوية تُنسى فيها أمن وسلامة البشر، ولا يمكن أن تكون مقدسة.

منهج أهل المعرفة والولاية هو الاقتداء بسيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام، الذين كانوا يكرهون إراقة الدماء ويصبرون على الأذى ويغفرون للخصوم، كما في قصة الإمام علي عليه السلام الذي لم ينتقم ممن جرحه.

الغاية من هذه العقيدة هي «إنهاء الحروب في العالم ومنع إثارة الحروب في زمن الغيبة» التي بدأت منذ استشهاد سيد الشهداء عليه السلام، لأن الدين أساساً ضد الحروب والدماء. وإذا لم تُعدل النظرة القاسية والسلطوية، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية تضرب الدين والديانة في أساسهما، ويصبح الدين ضد الدين ذاته. إذ إن العنف يولد العنف، والرد بالشر على الشر هو شر مضاعف، وهذا ما يسميه الفقه المعرفي بالدين المعادي للدين.

الإسلام ليس دين الحرب والعنف والهيمنة، بل هو دين الرحمة والرأفة والأمن والسلام.

النضال والمقاومة في خدمة أمن وسلامة الشعوب

في الفقه المعرفي، يُنظر إلى الحرب والنضال والمقاومة كوسائلٍ لتحقيق الأمن والسلام والرخاء للناس والمجتمعات، لا كأدوات للهيمنة أو توسع النفوذ، حتى وإن كان النفوذ دينياً. يجب دائماً الانتباه إلى الهدف الأساسي للدين من النضال، إذ يُفهم خطأً أن وجود الجهاد في الإسلام يعني بالضرورة وجود الحروب المستمرة، وأن تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم والإمام علي عليه السلام الحافل بالحروب يعني أن المجتمعات الدينية يمكنها خوض حروب متعددة. ولكن النظر في مقاصد الدين تُظهر أن الفقه المعرفي يرفض هذه النظرة السطحية، التي تُنسب الدين إلى العنف والحرب كذاتٍ مقدسة، وتعتبر كل زيادة في العتاد الحربي والقتال أمراً جوهرياً في الدين.

وفقاً للفقه المعرفي، فإن اللجوء إلى القتال المسلح والحرب يكون فقط عند الضرورة القصوى وعدم وجود بديل آخر، والهدف المقدس من كل قتال هو تحقيق الأمن الفردي والاجتماعي. وإذا وقعت جهادات وحروب، فهي بمثابة تمهيد لإرساء الأمن والسلام والرخاء للمجتمع. لذلك، يرى الفقه المعرفي ضرورة تنفيذ خطة لإنهاء الحروب ومنع إثارة الحروب على مستوى العالم في أقرب وقت ممكن.

النضال والحرب هما فقط وسيلتان للوصول إلى الأمن والسلام والرخاء للبشر. الإسلام لا يوافق على العنف والحروب والنزاعات بأي شكل من الأشكال. وإذا استخدم النضال كوسيلة، فذلك لإضافة عنصر من الاستقرار والأمان، لا لإلغاء أمن وسلامة المجتمع بذريعة الجهاد في سبيل الله.

اللا أمن هو وبالٌ على الإنسان والطبيعة على حد سواء. والدين يهدف إلى تحقيق الأمن الفردي والاجتماعي المنظم عبر نظام الحكم لجميع الناس. ويمكن للدين عبر تعاليمه أن يردع كل أشكال الحرب. في غياب الأمن أو ضعفه، تزداد الميل للعنف والاقتناء المكثف للأسلحة، بما فيها الأسلحة النووية. إقامة الأمن والسلام هدف مقدس يسعى الدين إلى تحقيقه وتأمين ظروفه.

في الدين، الحرب بحد ذاتها ليست مقدسة، بل الهدف المقدس هو إقامة الأمن والسلام للبشر. لا توجد آية، حديث، أو سيرة تشجع الحرب أو التوسع بالسلطة الدينية كغاية في ذاتها. في الاجتهاد الحكيم، لا يُعتبر القتال بحد ذاته مرغوباً. كل القتال يكون في حالة الضرورة المطلقة، من أجل حفظ الأمن العقائدي والسياسي والاقتصادي والروحي والمادي للبشر. وإلا، لما ميزنا بين الجهاد الذي يُعتبر من أعمال الدفاع، والحروب الأخرى.

النظرة السطحية إلى الجهاد والنضال، كالتي تسود تجاه الدين، هي نظرة نمطية وغير دقيقة لمقاصد الدين. وهذا أدى إلى ممارسات خاطئة وأعمال متطرفة باسم الدين، مما جعل المجتمعات العالمية تصنف المسلمين كإرهابيين وتتهم الإسلام بأنه دين الإرهاب. هذه الدعاية السيئة يستخدمها أعداء الإسلام عبر استغلال هذه النظرة المتطرفة المبنية على الفقه السطحي الذي يفتقر إلى فهم جوهر الدين.

الفقه المعرفي يؤكد أن كل حرب لا تحقق هدف الأمن والسلام لا تتفق مع فلسفة الدين. فلسفة الدين هي تأمين الحريات والأمان. وعندما لا يكون هذا الهدف محورياً، يصبح كل طرف يسعى لتوسيع نفوذه وأراضيه بأي وسيلة، مستخدماً الدين لتبرير مصالحه الشخصية.

الإسلام والتشيع لا يبتغي الحروب، وسيف الدين في كل آيات الجهاد هو سيف الرحمة الجراحية، لا سيف القسوة والظلم والتوسع الإمبراطوري.

في الوضع الحالي، الفارق بين تجهيز القوة الحربية دفاعاً عن الدين وأمن الناس، وبين تجهيزها للغزو والتوسع الديني هو فرق دقيق لكنه خطير. فالنظرة الأولى هي نظرة معرفية تعتمد الرحمة والحماية، والثانية تنطلق من أيديولوجية هيمنة سلطوية تُنسى فيها أمن وسلامة البشر، ولا يمكن أن تكون مقدسة.

منهج أهل المعرفة والولاية هو الاقتداء بسيرة الأئمة المعصومين عليهم السلام، الذين كانوا يكرهون إراقة الدماء ويصبرون على الأذى ويغفرون للخصوم، كما في قصة الإمام علي عليه السلام الذي لم ينتقم ممن جرحه.

الغاية من هذه العقيدة هي «إنهاء الحروب في العالم ومنع إثارة الحروب في زمن الغيبة» التي بدأت منذ استشهاد سيد الشهداء عليه السلام، لأن الدين أساساً ضد الحروب والدماء. وإذا لم تُعدل النظرة القاسية والسلطوية، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية تضرب الدين والديانة في أساسهما، ويصبح الدين ضد الدين ذاته. إذ إن العنف يولد العنف، والرد بالشر على الشر هو شر مضاعف، وهذا ما يسميه الفقه المعرفي بالدين المعادي للدين.

الإسلام ليس دين الحرب والعنف والهيمنة، بل هو دين الرحمة والرأفة والأمن والسلام.

الفصل الخامس: العلم الحقيقي في الدين

العلوم المعرفية، الهدف الأسمى للدين

النظام الحالي للعلوم الدينية، الذي يُمثل الدين السطحي والظاهر، مبني على اكتساب العلوم الظاهرية الرسمية فقط، وهو لا يُعنى كثيراً بالعلوم الباطنية والمعرفية، بل قد يعتبرها في بعض الأحيان مستحبة أو حتى محرمة. بل إن بعض العلماء الظاهريين قد يمنعون طلبة العلوم الدينية من التوجه نحو هذه المسالك. بوجه عام، ثقافة الدين الظاهرية لا تتناول بشكل جدي العلوم الباطنية والمعرفية أو الاجتهاد فيها. الثقافة السائدة في الحوزات العلمية تقتصر على اكتساب العلوم الظاهرية فقط، في حين أن الدين المعرفي يؤكد على ضرورة العلوم الباطنية والمعرفية، ويرى أن مرتبتها أعلى من أي علم آخر؛ لأن الهدف الأسمى للدين هو هداية البشر للوصول إلى الحق تعالى، والهداية أمر وجودي، والأمر الوجودي هو أمر معرفي وباطني.

كيف يمكن للإنسان أن يبلغ السعادة والكمال الوجودي دون تفعيل القوى الباطنية والمعرفية في نفسه من خلال السير والسلوك والتحول الباطني؟ إذا لم يسعَ الإنسان إلى العلوم الباطنية والمعرفية، فإن فلسفة الدين وهدفه الأسمى ستصبح محل شك. العلوم الباطنية والمعرفية هي الأقرب إلى الغاية النهائية للخلق، فجميع العلوم الظاهرية والعلوم الوسيطة موجودة في نهاية المطاف للوصول إلى الهدف الأسمى، والعلوم الباطنية والمعرفية هي غاية كل هذه العلوم، وهي السبيل إلى الهداية الإلهية.

الهداية هي أن يكتسب وجود الإنسان صفة التأله ويصبح إلهياً، وهذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا عبر الأمور والعلوم الباطنية، القلبية، السرية.

إذا كانت العلوم الدينية الظاهرية في الوضع الراهن لا تولي اهتماماً كافياً لهذه النقطة، فإن السبب هو عدم التركيز على فلسفة الدين وحقيقته، بحيث يُفهم الفقه الديني فقط على أنه استنباط الأحكام الظاهرية، دون الانتباه إلى أن الفقه الديني وأحاطته به هدفها السعادة والفلاح للإنسان، فهل السعادة والبراءة تحدث فقط عبر القشور الخارجية للدين؟ أم يجب أن يتحقق الإنسان أيضاً في لب الدين وروحه وباطنه؟

بلا شك، للدين مثل الإنسان جوهر وداخل، وليس شكلاً فقط.

الوصول إلى العلوم الباطنية والمعرفية له أصول ومنهجيات، ففي سير وسلوك روحي وتربوي تحت إشراف مربٍّ معنوي وبعون إلهي، تحدث تحولات في الباطن تجعل الإنسان يكتسب المعرفة الباطنية ويطلع على الأسرار الغيبية، ويصل إلى مقام الجمع، ويستطيع السير في جميع العوالم.

إذا فُتح باب المعرفة والعلوم الباطنية، يمكن للإنسان أن يتحرر من الاقتصار على الظواهر المرئية والموجودة فقط، ولا يقف محصوراً ومأسوراً في القشور، بل بفضل التحول الباطني يستطيع أن يمتلك الرؤية الظاهرة والباطنة في آن واحد.

خلاصة القول: «كن مجرداً لترى المجرد». إذا أراد أحد الوصول إلى الجمال، فعليه أن يكون جميلاً أولاً، وإذا أراد الوصول إلى الله، فعليه أن يصبح إلهياً. إذا كان يريد الوصول إلى العوالم الباطنية والغيبيات، فيجب أن يمتلك باطنية أولاً.

لذا، فإن طريق الوصول إلى الغاية الأسمى للخلق هو التحول الوجودي والسعة الوجودية، وهذا التحول يتحقق من خلال التحول الباطني عبر الاطلاع على العلوم والمعارف الباطنية والتربية الباطنية تحت إشراف مربٍّ معنوي.

الفقيه المعرفي لا يمكن أن يغفل عن الأدلة النقلية للدين وظواهرها الظاهرة، بل لا بد أن تكون الكشوف والشهود لديه متوافقة مع النتائج القطعية والأدلة القوية الدينية. الفقيه المعرفي يستنبط من هذه الظواهر، بأسلوب منهجي، في مختلف مجالات الدين (كعلم الكلام، الفلسفة، الأخلاق، التصوف، الشريعة، الاجتماع، السياسة وغيرها)، المراد الحقيقي للمتكلم المقدس والمشرّع المعظم. جميع الحواس والعقل والقلب والروح والباطن عند الفقيه المعرفي في حالة نشاط مستمر ليصل هو بنفسه إلى حقيقة الدين ويهدي غيره بحسب استعداداتهم إلى حقيقة الوجود.

معرفة الحقائق، من مراتب الفقه المعرفي العليا

معرفة الحقائق، غاية وأسرار الأمور، هي المرتبة العليا في فقه الدين المعرفي. في النظرية المعرفية، لا يقتصر الفقه على فهم معاني نصوص الدين، بل يتجاوز ذلك إلى مرتبة أرقى، إذ يشمل: «معرفة الباطن والنتائج النهائية للأمور، والاطلاع على أسرار الخلق وعلل وآفات النفس البشرية». هذه المعرفة تهدي الفقيه الحقيقي إلى الحقائق الملكوتية والروحية الثابتة. هذه المرتبة، التي تُعد من مراتب الفقه العليا والنهائية، هي مرتبة «الوصول إلى الحقائق». ليست هذه المرتبة من المراتب الأولية أو الوسطى، بل هي من المراتب العليا والقصوى.

الشخص الذي غاص في العلم وأجاد تأويل نصوص الدين واستنباط نتائجها الخارجية والموضوعية في الوجود، يكون قادراً على الاطلاع على مشاكل الإنسان النفسية والروحية، وتحديد خارطة الطريق للحياة الإنسانية، وهدايتهم إلى حقائق الوجود.

الفقيه المعرفي، بمعرفته بعلم التأويل ودراسة النتائج النهائية للأمور، يدرك سير النزول والصعود في ظواهر العالم، ويعرف الاسم والرب والحقيقة الإنسانية، ويقدر أن يهدي الناس إلى حقيقتهم.

الفقاهة المعرفية، سر حياة وبقاء الدين

هذه هي الفقاهة المعرفية التي يتمتع بها العلماء الربانيون أصحاب الولاية، وهي سر حياة وبقاء الدين، لا الاجتهاد والفقاهة العادية والمستويات الظاهرية العلمية والفقهية.

المشرّع المقدس قد ت foresaw تولي مسؤولية الدين والشريعة في جميع الأزمنة. ولذلك، لضمان صيانة الدين في كل عصر، وخصوصاً في زمن الغيبة، فإن مسؤولية الفقاهة بمعناها الحقيقي ليست فقط ضرورة عقلية، بل هي أمر مقدّر من قبل صاحب الشريعة نفسه، وهذا ما يضمن خلود وفعالية الحياة الدينية للمجتمع. إذ في دائرة الدين، إدارة المجتمع دون متصدين ذوي ولاية، أو على الأقل أصحاب ملكة قدسية، لن تحقق بنية صحية ومستقرة. المشاكل والأضرار الاجتماعية الكثيرة خلال زمن الغيبة دليل على ذلك.

الدين يجب أن يُنظر إليه ككيان عضوي لا ككائن ميت ميكانيكي. الكائن العضوي تكون كل أجزائه على اتصال حيوي دائم، وكل لحظة تحدث فيه تفاعلات حيوية. الدين، في النظرة السطحية، يُعتبر كائنًا ميتًا ومستقلاً عن حياة وليه ومالكه، وهذا غير صحيح. الدين هو تجلٍّ كامل لمنش الولاية الإلهية، والولاية هي روح الدين، أي أن الدين يحيا ويبقى من خلال هذه الولاية.

المشرّع الأصلي للدين والشريعة قد توقع في عصر الغيبة أن يظل ولي حيّ وروح الولاية تنفخ في نفس الدين والمجتمع والناس. هذه الولاية تتحقق في مراتبها في شخص الولي الحي.

النتيجة: صاحب الشريعة الأصلي يعلم أن حقيقة الدين يجب أن تنفخ في نفس شخص ما في زمن الغيبة، بحيث تظل الولاية الإلهية محفوظة وفعالة، ويستطيع هذا الشخص إحياء الدين في المجتمع والناس. واجب المجتمع العلمي والواعي هو أن يعرف من هو هذا الشخص الذي نُفخت فيه روح الدين، ومن هو الذي يحقق روح الدين عمليًا. يجب البحث عن هذا الولي، لأنه وحده قادر على خدمة الدين والمجتمع حقًا.

لذا، بالإضافة إلى العلم، والفضل، والاجتهاد، والفقاهة العلمية، والمدارج الظاهرية، يجب أن يُنظر إلى من تجلّت فيه حقيقة الدين والولاية في النفس والروح، ومن يستطيع بسلطان الولاية أن ينفخ حقيقة الدين في المجتمع والناس. وهذا لا يقدر عليه إلا عدد قليل من العلماء الربانيين أصحاب المعرفة والولاية.

حقيقة الولاية ودورها في بقاء الدين

الولاية، بمعناها الحقيقي والروحي، ليست مجرد منصب علمي أو اجتماعي، بل هي جوهر الدين وروحه الحيّة التي تحافظ على استمرارية الدين في العالم وفي قلوب الناس. الولاية تعني ارتباطا حيا ومباشرا بين الإنسان والحق الإلهي، وهي الرابط بين العالم الغيبي والعالم المادي، وهي التي تنفخ روح الدين في القلوب والأفكار، وتجعل منه قوة حيوية فاعلة.

في عصر الغيبة، عندما يكون الغائب الحي، أي الإمام المعصوم، غير حاضر بشكل ظاهر، تتحقق الولاية في هيئة العلماء الربانيين الذين يتمتعون بعلم واسع، وفهم عميق، وصدق في السير، وقدرة على استنباط الأحكام الشرعية وتوجيه الناس إلى الطريق الصحيح. هؤلاء هم الذين يضمنون استمرار الدين، ويؤمنون استقرار المجتمع على أساس القيم الدينية.

الدين والولاية: علاقة عضوية لا تنفصل

لا يمكن فصل الدين عن الولاية، فالدين بدون ولاية يشبه الجسد بلا روح، وهذا الجسد لا يمكنه أن يحيا أو يتحرك أو يحقق غايته. الولاية هي التي تحرك الدين وتنقل رسالته عبر الزمن والأماكن، وتحافظ على نقائه وصفائه من التغيير أو التحريف.

لذلك، يجب أن يكون البحث عن الولي الحقيقي الذي يحفظ الولاية وينفخ فيها روح الدين، أولوية لكل مسلم واعٍ، لأن هذا الشخص هو الأصيل في حفظ الدين ونقله بسلاسة وفعالية.

أهمية الفقيه المعرفي في عصر الغيبة

في زمن الغيبة، الفقيه المعرفي هو ذلك العالم الذي يمتلك ملكة التفقه المعرفي، الذي يستطيع أن يجمع بين العلم الظاهر والباطن، بين الفقه والتأويل، بين العقل والقلب، ليكون بذلك نبراسًا يضيء درب الناس ويوجههم نحو الحقيقة.

الفقيه المعرفي لا يكتفي بفهم النصوص الدينية بشكل ظاهري، بل يسعى إلى الكشف عن الأبعاد الخفية والحقائق العليا التي تحملها تلك النصوص، ويطبقها في الواقع الحياتي بطريقة تحقق المصلحة الحقيقية للمجتمع.

خاتمة

إن الفقيه المعرفي هو الضامن الحقيقي لاستمرار الدين في الحياة، وهو المسؤول عن نقل رسالة الدين بأمانة ووعي، محافظاً على أصالته وروحه الحيّة. بدون هذه الفقاهة المعرفية، يواجه الدين خطر الانحراف والجمود، وتضيع معالم الحقيقة في بحر التفسيرات الظاهرية.

لذلك، فإن العلم الشرعي المتعمق، والاجتهاد المستنير، والولاية الروحية الحقيقية، جميعها متطلبات ضرورية لبقاء الدين ونموه، خاصة في الظروف الصعبة كعصر الغيبة.

دور الولاية في تعزيز الوحدة الاجتماعية والهوية الإسلامية

إن الولاية لا تقتصر على البعد الديني والروحي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية وسياسية مهمة، إذ تمثل محور وحدة المجتمع الإسلامي، وركيزة أساسية في الحفاظ على الهوية الإسلامية في مواجهة تحديات الزمن والحداثة.

فالولي الحقيقي هو الذي يستطيع أن يجمع بين توجيه الأفراد على الصراط المستقيم وبين حفظ استقرار الجماعة من الانقسام والتفكك، وهو الحارس الأمين الذي يقي المجتمع من الأفكار المتطرفة والضلالات التي قد تهدد كيان الأمة.

وبهذا المعنى، فإن الولاية تكتسب بعداً سياسياً وجماعياً مشروعاً، يُمكن من خلاله الحفاظ على وحدة الأمة، وتقوية أواصر المحبة والتعاون بين أفرادها، وتعزيز القيم الإنسانية التي أرسى دعائمها الدين الحنيف.

الاجتهاد المستمر ضرورة من ضرورات الولاية

لا يمكن للولاية أن تتحقق بشكل فعّال إلا من خلال الاجتهاد المستمر والتجديد الدائم في فهم النصوص الدينية وتفسيرها، بما يتلاءم مع مقتضيات العصر ومتغيراته. إن الجمود الفكري والتقليد الأعمى يشكلان تهديداً حقيقياً لوظيفة الولاية، ويعرقلان مسيرة الدين في خدمة الإنسان.

فالولي الحقيقي هو المجتهد الذي يتفاعل مع تطورات العصر، ويستطيع أن يستنبط الأحكام الشرعية الجديدة التي تلبي حاجات المجتمع وتحقق مصالحه، دون أن يخالف نصوص الشرع ومبادئه الثابتة.

الولاية كأساس لنهضة إسلامية مستدامة

تتحقق النهضة الإسلامية الحقيقية والشاملة حينما يتوفر في الأمة رجال الولاية، الذين لا يقتصر دورهم على الجانب النظري فقط، بل يمتد ليشمل العمل العملي والاجتماعي والسياسي، في بناء الإنسان والمجتمع والدولة.

فبوجود الولاية القوية، تزداد قدرة الأمة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وتتحقق العدالة الاجتماعية، ويترسخ الأمن والاستقرار، وينتشر العلم والمعرفة، مما يؤدي إلى ازدهار الحضارة الإسلامية وتقدمها.

خاتمة

في الختام، يمكن القول إن الولاية ليست مجرد مفهوم ديني نظري، بل هي حقيقة عملية حيوية تلعب دوراً محورياً في حفظ الدين ونقله، وتحقيق الوحدة الاجتماعية، وتجديد الفكر، وبناء مستقبل مزدهر للأمة الإسلامية.

ولذلك، فإن تأصيل الولاية وتعزيز مكانتها العلمية والروحية، والارتباط الحقيقي بها من قبل المسلمين كافة، يشكلان شرطاً أساسياً لبقاء الدين حياً، وتحقيق نهضة إسلامية حقيقية ومستدامة في العصر الحاضر.

البَصْمَة الحقيقية للقيادة الدينية والسياسية للمجتمع

يعتقد بعضهم أن العلماء الدينيين يجب أن يختصوا بالأمور التعبدية والمرجعية الدينية للشعب، بينما يتركّز العلماء السياسيون على شؤون الحكم والقيادة السياسية، ولا حاجة لأن يحكم العالم الديني أو أن يكون الحكام من العلماء الربانيين. أي أن هؤلاء يرون أن المجتمع ينبغي أن يلجأ إلى علماء مخصّصين لكل من الدين والسياسة، ولا يلزم أن يتدخل العلماء الربانيون في السياسة أو أن يشارك رجال الدين السياسيين في المرجعية والديانة. هذه النظرة تنبع من رؤية غير معرفية للدين والفقه الديني. في الدين والفقه المعرفي، لا يمكن للعالم الرباني الديني أن يفتقر إلى الشمولية، ولا أن يغفل عن مقاومة الظلم والسعي للعدل، ولا أن يعتبر الثورة والسياسة أمورًا هامشية في الدين. كما لا يمكن له أن يجعل الدين والعبادة أمورًا خارج نطاق الحكم.

إذا أتاح المتدينون العلماء فرصًا للأولياء الإلهيين لدخول الحكم، وكان نظام الحكم مكوّنًا من أشخاص متدينين وعلماء ومؤهلين، وارتبط الدين العالِم العادل بالسياسة والحكم وتوحّدا، وطُردت أهواء النفس، أي توفرت جميع الشروط التي ذكرناها في كتاب “أُسس القيادة” للنظام الحاكم، فإن مستقبل النظام سيكون مضمونا، وإلا فلا.

فقط القيادة التي تجمع بين العالم الرباني والكفاءة السياسية وشروط القيادة والإدارة الشاملة للمجتمع يمكنها أن تضمن نمو المجتمع الحقيقي في جميع الاتجاهات.

هذه ليست الطريقة التي يراها الدين والفقه المعرفي، حيث يقول الساسة إن المرجعية الدينية هي المعنية بالدين، وتقول المراجع إن النظام وقواته يحافظون على الحكم. مثل هذا المجتمع يصاب بالازدواجية التي بالرغم من القول بأن الدين هو السياسة والسياسة هي الدين، إلا أنهم عمليًا يفصلون بينهما في الممارسة الفعلية لمسؤولي الدين.

وفقًا لمقتضى الدين والفقه المعرفي، فإن العالم الرباني والحكيم الصمداني هو الذي يمكن أن يكون التجسيد الحقيقي للدين في المجتمع. أي أن الحكم بدون عالم رباني وحكيم صمداني، وأيضًا العالم الرباني بدون كفاءة حكم وقدرة على تحقيق الولاية العامة، لا يكون فاعلًا. للحكم الإلهي يحتاج العلماء الدينيون إلى كبح أهوائهم وألا ينغمسوا في البُعد الملوث. ضبط النفس يحتاج إلى تربية في محضر أصحاب الولاية، مع الافتتان والطاعة الصادقة لهم، ومع العون الروحي المسيحي، يمكن التحرر من أهواء النفس.

إعادة التعرف على الشوائب، شأن أصحاب الولاية

سبب كل الشوائب والتحريفات الموجودة في الدين والفقه الديني هو غياب الفهم الصحيح للدين. عندما يُقال “يجب أن توجد ملكة الفهم القدسي في المجتهد الديني”، يعني ذلك أنه إذا لم يكن للمجتهد اشراف معرفي على روح الدين ولم يتحقق الدين في وجوده، فلا يكون قد حصل فعليًا على ملكة الفهم القدسي، ولا يمكن اعتباره عالمًا حقيقيًا بالدين.

إذا لم تتوفر الشروط الكافية للفهم الصحيح لحقيقة الدين، فإن الدين المقدم سيكون دينًا مشوبًا بالشوائب أو محرفًا، وسيُطبق هكذا في المجتمع. على سبيل المثال، الفهم الخاطئ لقضايا السياسة والحكم والنظام الإسلامي، وطريقة العلاقة بين السياسة والديانة، والقضايا الثقافية مثل الحجاب، والقضايا الاقتصادية مثل الربا، والقضايا العسكرية مثل الحرب، تجعل المجتمع يعاني بطريقة يشعر بها الجميع بالأضرار بشكل مؤسسي. ذلك لأن غياب الشروط الكافية للفهم الصحيح للدين يؤدي إلى أن تكون تعاليم الدين مشوبة إلى حد كبير بالشوائب. حتى إذا وُجدت نسبة قليلة من الفهم الصحيح، فإنها لا تستطيع أن تُمارس بشكل سليم بسبب الحصار بالأخطاء والأضرار. هذه الفهمات الخاطئة للدين هي التي دفعت المجتمع إلى الابتعاد عن الدين المشوب بالشوائب والتحريف أو حتى محاربته.

إذا قال كثيرون إنهم سئموا من الدين، وعُرِفَت جذور ذلك وعللهم، يتبين أنهم قد سئموا مما هو معروض باسم الدين، لا من الدين الحقيقي ذاته.

لا بد من إدخال دراسة الشوائب الدينية إلى العلوم الدينية في الجامعات، والتعرف على شوائب الدين والعلوم الدينية كالفقة والأصول والفلسفة والتصوف والعلوم السياسية والاجتماعية، لكي نصلح الحياة الفردية والاجتماعية المبنية على هذه الشوائب.

في المنظومة الدينية الحالية التي يحتكرها الظاهرية، لم يكن معيار فهم الدين الإشراف على روحه والتعرف الموضوعي عليه وتحقيقه في القرب والولاية، بل اعتمد فقط على الفهم الذهني التجريدي للدين، وهو ما أدى إلى الحالة الحالية (النتائج العملية في حياة الناس والجماهير، من حكم مدعٍ تدين في نهاية عام 1401 هجري شمسي وما تلاه).

عدم الاقتصار على الفقه الظاهري بعنوان “مسلم”

في الدين المعرفي، وعلى عكس الفقه الظاهري، فإن لقب المسلم هو الخطوة الأولى لدخول الإسلام، والمراحل التالية هي الكمال، وهو طريق طلب الحق وأسلوب الحياة المؤمن. وقد ذكرنا هذه المراتب في مقدمة كتاب “الاقتصاد السليم والقضاء على الفقر”. لذا فإن مجرد الإسلام الظاهري ليس نهاية الكمال، بل يتطور الكمال إلى الإيمان القلبي. لذلك، “المؤمن” مرتبة أرفع من “المسلم”، ولا يختزل به. صحيح أن من قال الشهادتين يُحسب مسلماً ويخرج من دائرة الكفر، لكن أن يكون المسلم مجرد شرط لازم وليس كافياً للسعادة الإنسانية، بل يجب السعي وراء طلب الحق ثم الإيمان القلبي بالمعارف والحقائق الإلهية. قد يؤدي المسلمون الطقوس والعبادات، لكن من ينال الإيمان القلبي، يبقى إيمانه ولا يتغير بالأحداث.

معظم الأضرار التي تصيب الأفراد في المجتمع الديني سببها أن الناس يحملون لقب المسلم لكنهم يفتقرون للإيمان القلبي ولم يصلوا إلى تلك المرتبة.

الدين حقيقة حية وواقعية، لكن دين أغلب الناس هو دين شكلي، ودين بعضهم ذهني، أي أن كل واحد له دين في ذهنه، لكن الدين حقيقة خارجية حية وجارية، تتحقق في الإنسان بالإيمان القلبي بشكل أبدي.

من منظور الدين والفقه المعرفي، لقب المسلم والدين العام هو أدنى مستوى من الإسلام، والسعادة أعلى مرتبة هي طلب الحق ثم الإيمان.

منظور معرفيّ من الدين:

بعد أن يكون الإنسان قد حصل على الإسلام بالشهادتين والمسلمة بالحد الأدنى، يجب أن يعتني بمرتبة طلب الحقّ، ثم باليمن الإيمانيّ الذي هو أمرٌ قلبيٌّ وباطنيّ، وفقط بعد هذه المرتبة يُطرح الحديث عن الناس والمجتمع الديني والسعادة الحقيقية والفلاح الحقيقي. إذ لا يمكن أن ننتظر من مجتمع ديني قائم على مجرد المسلمين الظاهريين والأعمال السطحية أن يحقق تطبيقاً اختيارياً للتعاليم والأحكام الدينية بين الناس والمجتمع. ذلك لأن هذا الأمر يتحقق فقط في المجتمع الحقّ طالباً ثم في المجتمع المؤمن. فالركيزة المتينة للمجتمع الديني هي الإيمان القلبي والباطني للناس، والذي يتحقق بجهود العلماء أصحاب الولاية والمعرفة في تعميق الإيمان القلبي لدى الناس.

التعارض مع «التحجر» والظهور الظاهريّ و«الالتقاط» العلماني:

الدين الذي يروّج له الظاهريون ويذكرونه في كتبهم، يكون في سيرته مزيجاً من جريان التحجر وجريان الالتقاط. والالتقاط خصوصاً ازداد بعد أن تغير نمط التعليم في الحوزات من استاديّة إلى اقتباس النظام التعليمي الجامعي، وأُديرت الحوزات على يد مزيجين جامعيين حوزويين، فزاد الالتقاط على التحجر. لكن الإسلام المعرفيّ لا يتوافق مع التحجر ولا مع الالتقاط، ولا علاقة له بهما. فالتحجر والالتقاط كلاهما من جهتين مختلفتين: أهل الدنيا يتوافقون مع الالتقاط، وأهل الجمود والتصلب على السنن وأهل العنف مع التحجر. الدين حين يكون معرفياً وحقيقياً لا يكون ملتبساً بالالتقاط، ويحافظ على حدوده مع أهل الدنيا، ولا يكون فيه تحجر ولا عنف. في كلّ حقبة، كان الإسلام عرضة لهذين التيارين، إما لأشخاص جافين وعنفيين، أو لأشخاص منفعين ومصلحيين دنيويين. لكن الإسلام المعرفيّ والحيّ لا يكون كذلك.

أسباب التحجر والالتقاط:

لكي يُقدّم الإسلام والمعرفة الصحيحة والخالية من الشوائب إلى المجتمع، يجب أولاً أن تُعرف جذور وأسباب التحجر والالتقاط، لأن كلا الفريقين المذكورين يمنعان تقديم هذا الدين المعرفي ويتعارضان معه. أسباب التحجر تكمن في شخصية وطبيعة وأذهان الأفراد، وفي الثقافة المغلقة للمجتمع المدّعي التدين. فإذا قلّت الجفاف والغلظة والعنف والاستبداد والقمع الفكريّ في المجتمع، وقلّ الجمود لدى الأفراد، سيقلّ التحجر ويُدار.

أما الالتقاط، فله جذور في النفسانية والرغبات النفسية. فالملتقطون يخلطون ما يريدونه أنفسهم مع أصول الإسلام. الالتقاط أكثر جذوراً في «أهل النفس»، فالإنسان النفساني يريد التحديث والتقدم والمصالح الدنيوية والمال والمنصب، ويريد في نفس الوقت أن لا يفقد الإسلام، فيجمع بين الدنيا والآخرة بطريقة لا تضره دنياه. المنفعي يبحث عن الدنيا والآخرة، والمعرفي يتجاوز الدنيا والآخرة. التحجر والصلابة متعلقان أكثر بالعقل، والالتقاط متعلق بالرغبات النفسية. فإذا أراد الإنسان أن لا يقع في الالتقاط، عليه مراقبة نفسياته ليعرف مقدار تعلقه بالدنيا والمناصب، وإذا أراد أن لا يقع في التحجر، فعليه مراقبة مرونة ذهنه ليعرف مقدار تعصبه وجمود فكره.

في التاريخ:

يمكن رؤية إبن الزبير (ملتقط ومنحرف نفسياً) والخوارج (متحجرون وجامدون). ومن أقوال وأفعال بعض الأفراد، حتى إن كانوا من العلماء الكبار، يمكن استنتاج مقدار الجمود الفكري أو الالتقاط لديهم.

الشعار: «ديننا هو سياستنا وسياستنا هي ديننا»

الشعار بشكل عام ليس مشكلة، لكن بعض التفاسير الشعبية له وأداءاته الخاطئة ليست صحيحة. المقصود من الشعار هو ألا يظن أحد أن الدين لا يمتلك برنامجا للسياسة والحكم، أو أن السياسة والحكم ليست بحاجة للتوافق مع الدين. السياسة يجب أن تكون موافقة للدين، والدين له برنامج وأساس في المسائل السياسية، وليس أن يكون كل ما يقوله الحاكم وكل سياسة يتخذها ديناً. هذه الفكرة خاطئة.

السياسة تصبح عين الدين عندما تثبت وتُوضح: أولاً، حكم تطبيقي؛ وثانياً، مطابقة موضوعية. بمعنى هل الحكم الديني والسياسة الدينية في زمن الغيبة مشروعة دينياً وشرعاً؟ وهل الحاكم يمتلك ولاية إلهية ثابتة؟ ولا يمكن اعتبار مجرد الاجتهاد الظاهري والعدالة السطحية كافية لتسليم كل سياسات الحاكم كدين لا غبار عليه. الحكم الديني الحقيقي يقتصر على المعصومين أو أولياء الله، والآخرون رغم عدالتهم واجتهادهم، لا يمكن الحكم على كل أعمالهم السياسية على أنها دين.

خلاصة:

العلاقة بين الدين والسياسة ليست مساواة بل عموم وخصوص من جهة. فإما أن يكون صاحب الدين الحقيقي موجوداً والولاية الإلهية معه فتظهر السياسة الدينية، أو يكون صاحب الدين موجوداً ولكن السياسة لم تظهر، أو توجد سياسة غير دينية، أو توجد سياسة يزعم أصحابها الدين ولكنهم ليسوا ولاة الله الحقيقيين. لذا يجب أن لا يُصنع للعلماء غير المعصومين تمثال يُعتقد أنهم يمثلون الدين في كل أفعالهم، لأن ذلك يضر بالدين وبالمجتمع.

ولاية الله في الحكم تعني أن الحاكم الحقيقي هو من في دائرة ولاية الله والمعصومين، وهذه الولاية ثابتة لا تُزول ولا يمكن أن ينسبها أحد لنفسه. فالمقام موهبة وليس اكتساباً. لا يمكن اعتبار غير المعصومين أو أولياء الله الحقيقيين ولاة بمعنى الولاية الكاملة المعصومية.

حتى ظهور حكومة دينية حقيقية، لا ضمان لبقاء الحكم إسلامياً، ولا يجب أن يُطلق عليه الحكم الديني إلا إذا تحقق ذلك. وإن حصل حكم ديني، يجب أن تكون رضاء العلماء الربانيين من أولياء الله أساساً لاستمراريته وحفظه من الآثار السلبية.

نورانیت علم حقیقی

في الدين المعرفي، حقيقة أي علم ليست سالبة، والعلم الصحيح يمتلك العصمة، بل نوع استخدام ذلك العلم هو الذي يكون إيجابياً أو سلبياً. من المنظور المعرفي، حقيقة العلم والدين نور، وكلاهما نور وإظهار وانكشاف الحقيقة. حقيقة الدين نور، وحقيقة العلم أيضاً ليست سوى نور. كلاهما ظهور لحقيقة الإنسان، بمعنى أن الدين هو نزول حقيقة باطن الإنسان عليه، والعلم هو انكشاف وظهور وتجلي هذه الحقائق عليه. جميع هذه الحقائق هي تفسير لحقيقة الإنسان. لذلك، فإن حقيقة العلم في أي مجال كان لا يمكن أن تكون إلا نوراً.

وبناءً عليه، فإن اعتبار بعض العلوم نافعة أو غير نافعة استناداً إلى بعض الأحاديث هو فهم سطحي وظاهر. وذلك لأن النفع أو الضرر لا يرتبط بالعلم ذاته، بل باتجاه ونوع استخدامه. حقيقة العلم لا يمكن أن تكون سالبة، وإنما اتجاه وكيفية استخدامه هو ما يجعل العلم غير نافع بل سالب.

من المنظور المعرفي، لا يوجد علم غير ديني أو علم سلبي في الجوهر، بل هذا هو نوع الاستخدام الذي يمكن أن يجعل العلم سلبياً. ولهذا، فإن النظرة السطحية هي التي أدت إلى عدم قبول بعض التيارات الدينية للعلوم الأخرى، حتى للعلوم العادية والإيجابية التي لا تقع مباشرة ضمن حقل الدين، وكانت هناك نظرة سلبية تجاهها. ولذلك، فإن السبب في اعتقاد الكثير من الناس أن عددًا كبيرًا من العلوم العادية بشرية غير دينية، يعود إلى هذه النظرة السطحية تجاه العلم والدين. أما من الناحية المعرفية، فالدين لا يتعارض مع حقيقة العلم (أياً كان ذلك العلم)، بل يعتبره نوراً مثل الدين. النتيجة المترتبة على هذه النظرة السطحية هي أنه حين تُعتبر جميع العلوم، عدا الفقه وأصوله، غير دينية، يغلق باب نور كل العلوم على الإنسان، سواء علوم النفس (العالم الداخلي) أو علوم الكون الخارجي، ويُغلق بذلك باب العلم والمعرفة والصدق أمام البشر.

بهذه النظرة السطحية، يُفهم الدين على نحو محدود ومغلق، وبدون فهم كافٍ للعالم الداخلي للإنسان الذي يحتوي على العالم الكبير، وكذلك بدون اطلاع على العالم الخارجي من خلق وسماء وأرض وبشر، وهكذا يُقدَّم الدين ويُعرض بنظرة ضيقة وضيقة الأفق. في هذا السياق السطحي، حتى وإن كان مقصود الدين هو الحذر والتقوى، فإن الدين يُخنق ويُخنق أصحابه.

لذا، إن اعتبار حقيقة العلم سلبية هو تناقض، تماماً كما هو ظلم اعتبار النور ظلاماً. المناقشات الفقهية التي تتناول العلوم السلبية في الحقيقة تنكر نوع استخدام هذه العلوم، لا العلوم نفسها. كما أن العلم الديني نفسه إذا استُخدم لأغراض دنيوية، كطلب المال أو السلطة أو السياسة أو المصلحة الشخصية، فإنه يصبح علماً سلبياً أكثر من غيره؛ لأنه لا يوجد في هذا العالم ما هو أكثر سلبية من استغلال الدين وإساءة استخدام العلم الديني. لا يمكن لأي علم أن يُساء استخدامه بهذا القدر.

النتيجة هي أنه إذا دُرس السياق الفكري والجغرافي لأحاديث العلوم السلبية ومخاطبيتها بدقة، يتضح من هو المقصود من الإمام المعصوم (عليه السلام) في هذه الأحاديث وما هو المقصد الحقيقي من كلامه. حينها، نعلم أن كلام الإمام كان موجهاً لأشخاص محددين وفي ظروف معينة. وإذا استخدم شخص ما هذه العلوم التي تعتبر سلبية بسبب نوع استخدامه لها، في مواجهة أعداء الكفر والإلحاد والاستكبار وظلمهم، فإنه لا يرتكب حراماً، بل قد يكون هذا الفعل واجباً، وأحياناً يفرض على أصحاب الأهلية اللازمة.

في هذا العصر المتقدم، الذي هو عصر انفجار المعلومات، فإن تحريم علم ما بسبب إمكانية سوء استخدامه، لا معنى له. إذا كان هذا صحيحاً، فيمكن تحريم العلوم الدينية والمعرفية أيضاً في بعض الحالات بسبب عدم أهلية بعض الناس.

بتطبيق هذا المبدأ المعرفي القائل بأن “لا علم بحد ذاته يمكن أن يكون سالباً”، لن يغلق مجال العلوم الدينية على نفسه. لأن من يريد الدخول في الدين والعلوم الدينية والبحث فيها، إذا لم يستفد من العلوم العادية البشرية، فلن يستفيد بشكل مناسب من الدين أيضاً. الإلمام بالعلوم العادية البشرية، التي يُطلق عليها خطأً أنها غير دينية، هو أداة لفهم الدين بدقة وتقديمه بشكل أفضل. العالم العارف بالدين هو في الحقيقة ملم بجميع العلوم، ليس بالضرورة أن يجتهد في كل واحدة منها، بل يجب أن يكون لديه معرفة بها ليستطيع نقل معارف الدين وحقائقه، ويهدي البشرية. هداية كل فرد تتم عبر طريقه الخاص، وإذا اعتُبرت هذه العلوم العادية بشرية غير دينية، فإن طرق الهداية ستصبح محدودة.

تحريم بعض العلوم العادية البشرية أو العلوم الخارقة (مثل العلوم الغيبية) له أسباب عدة، منها أن بعض العلماء لم يكن لديهم إمكانية الوصول إلى هذه العلوم. الأشخاص الذين لديهم فهم ظاهري للدين لا يمكنهم بسهولة الوصول إلى علوم تُمنح بطرق خاصة من الله أو تنتقل شفهيًا بين أهلها. سبب آخر هو الاحتياط والتقوى، حيث يقولون: لماذا لا نحرم علماً لا نعلم صحته حتى لا يقترب منه الناس؟ لو كان العلماء متمكنين من هذه العلوم، لكان وضع العلوم الدينية والدين والمعارف أفضل بكثير من الوضع الحالي.

طمأنينة نتائج العلوم المعرفية

المخرجات العلمية التي تُحصَل بالعقل العادي للإنسان لا يمكن أن تتمتع بدرجة عالية من الاطمئنان أو صدق مطلق، ولا يمكن للإنسان أن يترك مصيره الحقيقي وحياته الأسمى رهين الاحتمال والتخمين. أما الدين والعلوم المعرفية التي تراقب حقائق الوجود، فهي تتمتع بدرجة عالية جداً جداً من الاطمئنان، وإن كان أحياناً بسبب عدم الفهم الصحيح للحقائق والمعاني قد تُحصَل على نتائج خاطئة.

عندما يُقال في مجال العلم إن الأمر تخميني، فإن المقصود هو العلوم العادية البشرية، وليس العلم المعرفي. أما الحقيقة التي يسعى إليها الدين بشكل خاص فهي العلم بمعناه النوري، أي العلم المعرفي. فإذا أُخذت حقيقة الدين (التي هي النور) في الاعتبار مع حقيقة العلم (وهي المعرفة النورية) فهناك وحدة بينهما. وإذا ما تم الوصول إلى حقيقة المعرفة الدينية والمعرفية، فستكون بلا شك على درجة عالية جداً من الاطمئنان، وأحياناً قد تصل إلى درجة اليقين التام، بحيث إن إنكارها يشبه إنكار البديهيات.

لذا، في المراتب العليا للعلم المعرفي في الدين، حين يتحدث القرآن الكريم والأئمة المعصومون (عليهم السلام) عن حقائق الدين وعالم الوجود، تكون هذه المعارف يقينية وخالية من الخطأ. أما في المرتبة التالية، فإن أولياء عصر الغيبة حين يتحدثون عن حقائق الدين والمعرفة ويخبرون بالغيب، تكون نتائجهم على درجة من اليقين القريب من التام؛ لأن أولياء الله الحقيقيين لا ينطقون إلا بما شهدوه واكتشفوه ورأوه حقاً. إن شهودهم الباطني والحقيقي يتمتع بدرجة عالية جداً من اليقين، وإذا كان الشخص في تلك المرتبة من الولاية الإلهية ومن الراسخين في العلم، فإن نتائجه ستكون أكثر ثقة بلا شك.

ومن الجدير بالذكر أنه بالرغم من تفوق الاطمئنان في العلوم المعرفية مقارنة بأي علم آخر، فإن الدين المعرفي لا يتعارض مع أي علم، ولا يعتبر حقيقة أي علم غير دينية بأي حال من الأحوال. ومن هذا المنظور، فإن نوعية استخدام العلم هي التي تحدد ما إذا كان العلم سلبياً وغير ديني أو إيجابياً ودينياً. فحقيقة أي علم ـ التي هي النور ـ لا تتعارض مع الدين، ولا توجد علوم بشرية عادية أو فوق عادية غير دينية. مع العلم أن نتائج العلوم المعرفية الدينية أكثر موثوقية مقارنة بالعلوم العادية البشرية.

في الواقع، فإن صاحب الولاية والمعرفة الدينية ـ الذي هو من أولياء الله ـ يمكن أن يكون الحاكم الفصل في أي أمر أو موضوع يواجهه الناس ولا يصلون فيه إلى اليقين.

ضرورة تفوق المشرح على الكاتب

أن يكتب أفراد شرحاً أو كتاباً من دون علم ومعرفة كافية وبدون تأمل، لا ينتج إلا نتائج ضئيلة. يجب أن يكون المشرح أفضل من صاحب الكتاب ليتمكن من توضيح مراده ومقصده. الشروح التي يكتبها أصحاب الفهم السطحي اليوم على كتب بعضهم البعض هي شرح اسم وتفسير ظاهري فقط. من يشروح كتاباً يجب أن يكون متفوقاً على صاحبه، وإلا فإن العمل يفسد. من يريد شرح كتاب أحدهم يجب أن يكون أعلى منه وجودياً. في الوضع الحالي، يتم تناول الكتب القديمة وإعادة تدويرها من دون إضافة حياة أو معنى جديد، ويُطعم الآخرون هذا التراث المجمد. من يريد غذاءً روحياً ومعنويًا حياً وجديدًا ليُطعم الآخرين حياةً ومعرفةً، يجب أن يكون أعظم من صاحب ذلك العلم. لذلك، يجب على المرء أولاً أن يكون قد انتعش وحصل على حياة متصلة بالحياة الأبدية، ثم يمنح الحياة والمعرفة للآخرين، وهذا لا يتحقق إلا بالتربية المعرفية. بعد ذلك، يمنحه الله سبحانه وتعالى الأرض والسماء وكل الموجودات ليستطيع العمل الوجودي.

ضرورة وجود أشخاص في الدين والناس يمتلكون أعماقاً عميقة من الألم الروحي والفكري، ليحصلوا على نصيب من الحقيقة والمعرفة والولاية الإلهية.
ومع ذلك، للأسف، بين العلماء الحوزويين، أولئك الذين يتحلون بالصدق يفتقرون إلى فهم الولاية، وهم غافلون عن الولي الحي الإلهي الذي بجانبهم، وأما الذين هم مدفوعون بالدنيا والرغبة في التفوق، فحتى وإن عرفوا الولي الإلهي، فإنهم يصارعونه، ويكبّله بالتكفير والتفسيق، ويعزلونه أو يقتلونّه.

على الطالب والعالم أن يكون عارفاً بالولي، وعندما يكتشفه، يجب أن يكرّس كل جهده لخدمة رسالته.
الأولياء هم الذين يشعرون بألم الناس، وألم العالم كله يمر عبر وجودهم. يجب أن يكون ألم الناس متجذراً في قلب العالم الديني، فلا تُحل المشاكل بمجرد النداء “الشعب الشعب” دون فهم عميق. يجب أن يكون العالم الديني قد عاش مع الناس وعرف آلامهم. الطالب الذي يُحتجز طيلة حياته في زاوية صغيرة ويُعطى فقط قوت يومه لا يستطيع أن يشعر بألم الناس. الطالب الذي يُقبل يجب أن يكون قد شهد آلام الناس أو يُعرّف على هذا الألم.

المربّي محور المعرفة وتأثير ضعف التعلّم المقتصر على الكتب
تعتمد بيوت العلم ذات المنهج الظاهري على النقل أساساً، حيث تسود الأفكار التي تركز على النقل في عرض تعاليم الدين، لأن هدفهم الأساسي هو الوصول إلى الأحكام الشرعية لأداء الواجبات.

الكتب هي محور هذه البيوت، لا الأستاذ والمربي، مع أن قيمة التلميذ يجب أن تكون مرتبطة بمربيه وأستاذه لا بالكتاب فقط. القرآن الكريم هو كتاب قائم على الأستاذ والمربي. يجب أن تعمل الحوزة على تربية التلميذ أولاً من خلال مربي محوري، ثم في مراحل متقدمة تهيئه لعدم الحاجة لأستاذ ظاهري، حتى يصل إلى الله تعالى مباشرة ويصبح المربي المباشر له هو الله تعالى.

في الحوزات غير العصمائية وغير المعرفية، يقتصر الأمر على نقل الأخبار والأقوال وجمعها، مع بعض الجرح والتعديل للوصول إلى حكم، ولا يُعنى كثيراً بما يتجاوز العلوم النقلية. والسؤال: هل تُحل مشاكل الدين والبشرية والهداية بمجرد النقل؟ هل هذه هي الحوزة العصمائية والمعرفية؟ وهل لا مكان للعقلانيات والحدس العقلي في الحوزة العصمائية؟

تحريم العلوم العقلية والكتب الصوفية كان نتيجة غياب المعايير المعرفية والعصمائية وتركيز الحوزة على النقل فقط. الحوزة العصمائية تربي الورثة الحقيقيين للأئمة المعصومين، حيث الجذور فيها رسول الله والأئمة، والفروع هم الأولياء والعلماء أهل المعرفة، الذين هم الورثة الحقيقيون للمعصومين. في هذه الحوزة يُنتقى الأفراد حسب قدراتهم ويخوضون مراحل الكمال.

الحوزة الحالية تقتصر على النقل، بينما الحوزة المرجوة هي العصمائية والمعرفية التي تربي ورثة الأنبياء. لا يمكن للتربية أن تتم بدون مربٍ إلهي يربط التلميذ بالمربي الأعلى وهو الله تعالى، وهذا عمل الأنبياء والأولياء.

الأولياء الحقيقيون في هذا النظام يربون أنفسهم ليبلغوا مقام الأخبار المباشرة من المصدر الأسمى. هؤلاء لا يتوقفون عند المربي الظاهري بل يرتقون ليبدأ العمل الحقيقي معهم. فقط عند الاتصال المباشر بالله يمكنهم أن يخدموا المجتمع بفاعلية.

من دون اتصال بالمصدر الإلهي أو إذن من ولي حي إلهي، تكون محاولات التدخل في شؤون الناس مضرة أكثر من نفعها، وقد تؤدي إلى فساد وضمان.

هناك الكثير من الادعاءات الكاذبة التي تُستغل للتضليل. لو كشفت الحقائق، لظهر أن من يستندون لمصادر خاطئة هم الأكثر شهرة، في حين أن الأولياء الحقيقيين غالباً ما يكونون غُرباء ومغمورين، وهم الذين يديرون أمور الناس خلال الغيبة.

الحوزة الظاهرية تهدف فقط لتوفير الحد الأدنى لمنع انهيار أركان الدين والحياة، لكنها بالمقارنة مع الحوزة العصمائية مثل نجم في بحر لا نهائي. يمكنها فقط أن تخرج علماء ملل، لكنها فقيرة في المعارف الضرورية لبلوغ الكمال العقلي والإعداد لظهور الإمام المنتظر.

في الحوزة الظاهرية لا مكان كبير للبحث العلمي التطبيقي، ولا تُنتج نتائج ذات قيمة حقيقية.

في الحوزة العصمائية والمعرفية، المربي المناسب هو معيار القيمة، وهو الذي يُسلم روحه له، وهو كالقرآن الناطق، يحوي القبلة والمحور لكل تلميذ، ويحظى بإخلاص تلميذه الذي بدوره يستقبل العلم والمعرفة والولاية الإلهية في قلبه. التعليم هنا نابع من التربية وليس العكس.

اليوم الحوزات نظامها تعليمي بحت يشبه المدارس، لا تركز على التربية، ولذلك تظهر الأساتذة الظاهرية فقط. الأصل هو التربية، التي تشمل نقل المعرفة العلمية أيضاً، وهذه تحتاج لنظام تعليمي متكامل.

المربي هو من يعرّف الإنسان على روح الدين ويقوده للحقيقة، وليس مجرد التعامل مع الكلمات والمفاهيم. غلبة النظام القائم على الكتب تجعل العلماء بعيدين عن روح الدين. المربي الحقيقي بجاذبيته يمكنه أن يوقظ روح الدين في تلميذه، حتى وإن استغرق ذلك سنوات عديدة، وقد لا ينجح سوى واحد من بين المئات أو الآلاف.

بعد هذه المرحلة يمكن للشخص المهتدي أن يهدي غيره، وإلا سيكون سببا في الضلالة لنفسه ولأتباعه.

الحوزات الظاهرية لا تعرف سياسة المربي المحوري، فتقدير التلميذ يجب أن يكون للمربي وليس للكتاب. القرآن نفسه كتاب مربي محوري لا يمكن الاقتراب منه بدون وجود مربي إلهي صاحب ولاية.

إذا كانت الحوزة قائمة على وجود مربي صاحب ولاية في إدارتها، يمكنها أن تجعل العلماء متمكنين من روح الدين، وتعبر بهم من ظاهر الدين إلى جوهره، فيكونوا تجسيداً للحقيقة ومظهرها الأدنى.

في الحوزة العصمائية والمعرفية والولائية، الولي الإلهي يتعامل بجاذبيته الروحية ويجمع بين الشريعة والعقل والحدس لتمييز الحقائق.
هذا المغناطيس هو المقياس الحقيقي، وبدونه لا يبدأ شيء. بعد ظهور الإمام المهدي، يكون سبب هداية الكثيرين هو هذا المغناطيس الروحي وقربهم من الولاية الإلهية.

إذا تأسست الحوزة على هذا الأساس، والمقياس هو المغناطيس الروحي والباطني، يمكن حينها الانتقال إلى المرحلة التالية، حيث المربي الإلهي الذي يتقن تربية الروح ينقل التلميذ من مرتبة النفس إلى الله، ويجعله مستقلاً عن الحاجة للمربي الظاهري، فتبدأ مرحلة يصبح فيها التلميذ مربي نفسه.

هذا المغناطيس الروحي إلى جانب المعرفة المكتسبة يمكن أن يقود العلماء إلى جوهر الدين وروحه، ليتمكنوا من هداية الناس إلى السعادة والنجاح.

الذين قضوا سنوات طويلة في الدراسة الظاهرية فقط قد لا يصلون إلى معرفات الحقائق، ويجب أن يتلقوا التربية من مربٍ إلهي يسير بهم في طريق الباطن. في نظام المعرفة الحقيقي، إذا أوكل المربي أمراً لتلميذه فهناك حكمة، والتلميذ يعمل بحب وبدون شك. مع وجود المربي الإلهي، لا حاجة للدراسة الكثيرة بل للعمل المستمر في طريق الباطن. يجب أن لا يحتجز الطالب نفسه في غرف مغلقة بل يلتفت إلى العلو والسمو.

قال تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية:13]

العلماء السابقون كانوا ذوي تربيات ربانية واتساع وجودي يجعلهم يسيطرون على السماوات والأرض.

اختبار السلطة في المباهلة ومعيار المعرفة

من مقتضيات الحوزة المعرفية والعصمائية هو التعرف على الوريث الحقيقي للأنبياء والأئمة المعصومين. العلماء الذين يدعون هذه الوراثة يحملون سلطة مباهلة ولايّة، ومسار معرفتهم عبر كتبهم وأعمالهم وبركاتهم العلمية والروحية.

الولاية في الفقه المعرفي حقيقة، وليست مجرد مفهوم نظري. الولاية بدايةً من الله ثم الأنبياء والأئمة، ثم أولياء العصر الغيبة. هذا هو الطريق في الكون كله. هؤلاء هم هداة البشرية، بالباطن والظاهر.

لذا، المحور الرئيسي في الحوزة العصمائية والمعرفية هو هداية البشر، والهادي فقط هو الولي الإلهي. في عصر الغيبة، يجب أن يكون النظام هادي محوري لا علمي أو كتابي فقط. ليس معيار الولاية أن تكون أعلم، بل أن تكون وارث الأنبياء.

الأولياء في عصر الغيبة ينقسمون إلى محبوبين ومحبين، وكلاهما يمتلك العلم اللدني والعلم المكتسب، معاً يُحققان الوراثة.

معرفة صاحب الحقيقة تكون بالجاذبية الروحية والاختبار الحقيقي.

الظاهر والألقاب وحدها ليست معيار الولاية، ويجب ألا تكون الظهورات مضللة. المعيار يشمل الجاذبية الروحية والمحتوى العلمي المعرفي. الولي يجلب حقيقة الدين للناس والأعمال العلمية. قد يظل بعض الأولياء مخفيين بسبب بساطتهم.

قلة هم الذين يوفقون لمعرفة صاحب الولاية وفهم حقائقه.

الحوزة المعرفية مسؤولة عن هداية الناس.

جذور العلماء ونواياهم طيبة، لكن الخلط في اعتبار أن الحفاظ على الدين أهم من هداية الناس هو ما يمنع الحوزات من أن تكون مؤثرة.

في نهاية المطاف، كلّ هذه النقاشات يجب أن تهدف إلى خدمة الإنسانية والارتقاء الروحي والتكاملي للمجتمع، وليس فقط حفظ الكتب أو القوانين.

البناء الظاهري بهذا الشكل لا يتوافق مع وجهة نظر العلماء المعرفيين. لو كان حضرات المعصومين عليهم السلام حاضرون، لما حدث كل هذا التحريف والخلط والزينة في الدين؛ لأن من خلال أحوال وسلوك وأقوال وهداية صاحب العصمة يمكن معرف ما هي الهمّ الرئيسي للدين. إن البُعد والغيبة بين الناس والإمام المعصوم عليه السلام قد أدّت إلى قِلّة وصول الحقائق إلى البشر، وسببت مشكلات كثيرة في الدين.

اليوم، الأولياء الإلهيون الذين هم الورثة الحقيقيون للأنبياء وحضرات المعصومين عليهم السلام، يتحمّلون مسؤولية هداية الناس. إنهم كالأب أو الأم الحنونين الذين يريدون تربية أبنائهم، يحتضنونهم ويسحبونهم ذهاباً وإياباً لكي لا يصيبهم ضرر أو آفة. كل ما يؤلمهم هو أبناؤهم. لذلك، إذا اعتبر الحوزة الناس أبناءها واعتبرت نفسها مسؤولة عن هدايتهم، فذلك أفضل بكثير من أن تعتبر نفسها مسؤولة فقط عن حفظ دين ذهني منفصل عن أهل الدين وبعيد عن الجوهر الحقيقي. هذا الخطأ النظري هو أصل المشاكل والمآزق الكبيرة التي تواجه مجتمعاً يُحكم بدين ظاهري، ويؤدي إلى أزمة مستعصية وحالة مأزق.

في الحوزة الحالية، هناك قاعدة تفكير سائدة ترى الدين بدون متدينين وأهل دين، وهذا مختلف تماماً عن طريق ولاية الحق الحقيقي، حيث يكون الدين مرتبطاً بالمتدينين. فالدين كدم يسري في عروق حياة الإنسان والمجتمع، وطالما أن الأفراد أحياء فهذه الدماء جارية وتمنح الحياة، ولكن إذا فقد الناس واحداً تلو الآخر هذا الدم الحي، فإنه يخرج من عروقهم.

سبب النفور من الدين وأحياناً العداء له هو تمسك أهل الظاهر بدين سطحي وهمي خيالي، ونسوا الدين الحقيقي الذي لا ينفصل عن أهل الدين، والذي يتحقق ويتجسد مع أهل الدين والناس. هذا الأمر يعود جذره إلى الخلط الأساسي في المنهج.

إذا ما استقر هذا المفهوم في الحوزة العلمية الدينية، فإن اختيار الأشخاص سيكون بدقة واهتمام بحيث يتم اختيار من يحمل هموم الناس ولديه روح هدايتهم. كيف يكون الطالب وارث الأنبياء والأولياء ما لم يرَ الناس ولم يشعر بألم هدايتهم؟

الفهم الصحيح وتقديم الدين الشامل يحتاج إلى ولي إلهي

اليوم، مع هيمنة الدين الظاهري، يشعر كل من الناس والنظام الحاكم والحوزة العلمية بوجود فراغ في الحوكمة، ويدركون أن أصل هذا الفراغ هو الدين السائد ذاته، حيث يعاني الدين المقدم من نقائص. الناس تائهون وغير متأكدين من ماهية الدين وكيفية نظرته للأبعاد المختلفة لحياتهم. وحتى روحانيي الحوزة يشعرون بهذا الفراغ.

يجب أن يُدرس الدين من حيث مدى قدرته على الاستجابة لمختلف جوانب الحياة وللاحتياجات الفردية والاجتماعية للإنسان.

الدين الذي يُحكم باسمه يفتقر في سجله العملي إلى المحتوى الحقيقي للإسلام وإلى الوعي والمعرفة بالدين الإلهي، وهو دين مُزخرف بالأوهام والزينات المضافة، جافّ وخالٍ من الروح والخصائص الإلهية. هذا الدين لأنه غير حقيقي، لا يقدّم للناس خطة واضحة وعملية للحكم.

لفهم الدين بصورة صحيحة، ليس كافياً مجرد معرفة الأدبيات واللغة العربية والعلوم الحوزوية وبعض العلوم الأخرى، بل هذه العلوم والمعارف الذهنية تحتاج إلى خلفية معرفية واقعية. والفهم الحقيقي للدين في مقام الأولياء الإلهيين وأصحاب المعرفة. فهم الدين وتقديمه الصحيح عمل الحكيم صاحب المعرفة، الحكيم الذي يعرف الإنسان ويعرف الله. فإن لم يعرف الله، فما الذي يود هداية الناس إليه؟ وإن لم يعرف الناس، فهو كطبيب لا يعرف مرضاه ولا يعي آلامهم، فصاحب المعرفة والحكمة يعمل كطبيب يعرف المرض ويعرف الدواء. يعرف الناس والله متاح له، هو الوسيط بين الخلق والحق تعالى ويهدي الجميع. الدين يحتاج إلى حكيم ومتأله وعارف بالدين، لديه معرفة حقيقية بالله، بدينه، بأهل الدين، وبالإنسان.

جذر مشكلة نظام الحكم هو أن أغلب المنظرين له يرون الدين مغلقاً وثابتاً ومحصوراً في الظاهر. يرونه ثابتاً لا يحتاج إلى ارتباط حي ونشط مع صاحبه الله، ولا مع الإنسان الذي يريد أن يَصل به إلى الهداية ويعيش الحياة الدينية. يرونه بلا روح، بينما الدين حيّ. وبما أنهم رأوه بلا روح، تصوروا له وجوداً خارجياً دون ارتباط بشخص عارف بالدين أو متدين. هذا النهج الخاطئ هو السبب الرئيس لمشاكل النظام الحاكم. في حين أن الدين كدم الإنسان الحي يسري في نفس المتدين ويكتسب الحياة والمعنى.

ليس من الصحيح الاعتقاد أن الدين مجرد نصوص ثابتة، وأن ذلك يكفي لإدارة المجتمع والناس. القرآن الكريم يحتاج إلى ولي حي وعارف بالقرآن، الذي هو الثقل الآخر للدين، والولي الحي الإلهي قادر على تقديم خطة حية ومُعاصرة لإدارة حياة الإنسان. في زمن الغيبة، أصحاب الحكمة والمعرفة – الذين إلى جانب العلوم المكتسبة يمتلكون علوم الحقائق والمعارف الإلهية الموهوبة – هم أيديولوجيو الدين.

العالم الإلهي القدسي يعرف كل الآلام، ويعرف الناس، وخصائصهم وتناسباتهم، وأفعاله تكون عن حكمة ومعرفة حقيقية. يجب القول كما في القرآن الكريم أن كل ما هو رطب ويابس، فإن من يحيا الدين بهذه الصورة لديه في وجوده الحي، وفي نفسه، رطب ويابس، وجواب لجميع الاحتياجات المتنوعة والمعاصرة.

نزع الزينة هو أول كسر للأصنام للعالم الإلهي

في الحوزة العلمية، توجد وجهات نظر فكرية متعددة حول محتوى الدين وكيفية فهمه ونظام الاجتهاد فيه. مثلاً، أحد هذه المذاهب الفكرية هو «مدرسة التفكيك»، التي تقوم على تنقية المعارف الدينية وفصلها عن الفكر العقلي والفلسفي والصوفي. وهم يرون أن العقل لا مكان له في فهم حكمة الدين ومقاصده، ويجب على المتدينين الاكتفاء بظاهر كلام الله وحضرات الأئمة المعصومين عليهم السلام، والعمل بظاهره فقط، دون البحث عن الحكمة أو الدليل، لأن العقل لا مكان له في هذا.

كلامهم يشبه أن يُقال للناس: أغلقوا عيونكم وعيشوا! بينما الإنسان بلا عين سيكون ضائعاً وحائراً في كل منعطفات الحياة ويحتاج لمساعدة الآخرين. هم لا يدركون أن الدين أُرسل للعاقلين، وأن في القرآن الكريم دعوة مستمرة للتفكر والتأمل، حتى أن أحد شروط التكليف الديني الأساسية هو العقل، ومن لا يملك عقلًا سليمًا لا يُكلّف، فما بالك بأن يكون مجتهداً!

الطريقة الأساسية لإصلاح الدين وإعادة ترميمه هي النظر إليه بعلم ووعي وعقل، وكل ما يُفهم يكون العقل هو أداته ونافذته.

في «الاجتهاد العلمي» المعتمد في الدين المعرفي، تُدرس القواعد والأحكام الدينية بشكل منهجي. في هذا النظام، يُؤرّخ ويُميز كل ما هو غير عقلاني أو بلا دليل شرعي. يجب أن يدرس الدين علمياً على يد خبراء موثوقين. يجب التمييز بين القواعد والتعليمات المدعومة بالدليل والعقل، وما ليس كذلك. وهذا لا يتم بالهتاف أو الصراخ.

يستنتج الإنسان بعقله أن الله والقرآن الكريم، كالوحي الإلهي والرسول الكريم، موجودان ولهما كلام حكيم وعلم للحياة السعيدة. لذلك يُختار أسلوب الحياة الديني بالعقل، ومع التمسك بالعقل يصبح هذا الأسلوب عملياً شرعياً. إذا لم يفهم الإنسان كلام الله بالعقل، كيف سيعمل به؟ مثلاً إذا قيل في الدين «قاتلوا!»، العقل هو الذي يتدخل لفهم موضوع القتال وأسبابه وكيفيته. بدون عقل، كيف يتم العمل بالأحكام الدينية؟

من يتبع المدارس التي تعادي العقل أو تتصادم مع التصوف أو العلوم التجريبية، يعجز عن الفهم الصحيح والعقلي لمقصد الدين، وإلا لما التزموا بمثل هذه المدارس. كيف يريد هؤلاء تفسير الدين بدون عقل؟ وكيف يريدون معرفة الموضوعات بدون تجربة واختبار؟ وكيف يريدون بلوغ الحقيقة والمعرفة بدون تصوف وسير معنوي؟ طبعاً، الإنسان العاقل يقول يجب أن أفهم الكلام أولاً حتى أعمل به، وإذا لم أفهم فلا معنى للعمل. سبب سوء الفهم هو أن العقل لم يدرك الموضوع جيداً ليستخلص المعيار وطريقة العمل من المصادر الشرعية الموثوقة.

المجتمع الذي ينظر إلى الدين بنظرة سطحية وظاهرية لفظية، ويعمل بأحكامه ظاهرياً دون فهم حقيقي لأصول التعاليم، نتيجته مجتمع يؤمن بالدين لكنه يرتكب الكثير من الحرام ظناً أنه حلال والعكس. أي: لديهم دين وفي نفس الوقت لا دين لهم! لأن جذور مشاكل المجتمع هي بعدم التفكير العقلي. من يعطل العقل لن يبحث في موضوعات الدين وحكمته ولن يعرف نفس الدين. كيف يكون ذلك إنساناً متديناً حقيقياً؟

الأمور المنسوبة إلى الدين يجب أن تكون مقرونة بالفهم الصحيح لا الظاهر فقط. وإلا سيكون الدين مجرد «زينة» وخداع كما هو حاصل اليوم، ويُنتج ديناً «مشكلاً». الدين الحي هو الذي يعيد التوازن للعقل والروح ويمنح الإنسان حياة جديدة. فإذا لم يكن الدين هكذا، فلا داعي له.

الفصل السادس: المجال المعرفي في الدين

القيمة المعرفية للعلوم الدينية: مطابقة الحقائق الموضوعية

كل علم يبحث في جمل من التصريحات التي إذا كانت تعبر عن حقائق وجودية فإنها تكون صادقة وذات قيمة، وإلا فهي مجرد مفاهيم تجريدية وكاذبة لا أكثر. في الوقت الحاضر، تصورات العلوم الدينية والعلوم الحوزوية والعلوم الإنسانية السطحية لا تمتّ صلة كبيرة بالحقائق الوجودية، ولا تُعتبر معرفة أو وعيًا حقيقيًا.

في “علم فلسفة المعرفة” يجب دراسة مدى تطابق حقائق كل علم مع الحقائق والخصائص الوجودية، سواء كانت مادية أو معنوية. يجب تصنيف العلوم وعلمائها، ومقارنة المسائل والوقائع العلمية بالحقائق الوجودية الجوهرية، سواء كانت تجريبية أو عقلية أو قلبية أو باطنية، دون التوسع في مسائل غير ذات صلة. من الضروري بدايةً البحث والدراسة المعرفية للحقائق الجذرية والموضوعية، ثم بناءً عليها يتم إنتاج تصورات متناسبة، فتتحول المعرفة إلى علم منهجي ذي منطق فهم واضح، يُدرج في العلوم ذات الصلة ويُدرَّس. باختصار، لا بد من وجود مطابقة بين مسائل وحقائق العلوم والحقائق الوجودية، وإلا فإن العلوم الدينية لا تملك خاصية علمية حقيقية.

لا يوجد أي علم أو مسألة حقيقية في هذا العالم بلا أصل حقيقي، وكل الحقائق التي أدركها أهل المعرفة تتطابق مع حقائق العلوم والحياة. وبهذه الطريقة، تُستخرج جذور الحقائق من التصريحات العلمية الموجودة، وتُنتج وقائع علمية للحقائق التي يكتشفها أهل المعرفة، وتُستبعد المسائل والوقائع التي لا أصل لها، فلا يملأ العقل والقلب العلمي إلا الحقائق المتجذرة. لذا لا بد من بناء جسر بين الحقائق والوقائع. ونتيجة لذلك، تخضع كل العلوم الدينية والحوزوية إلى إعادة نظر معرفية تفضي إلى اكتساب آثار وصفات وفوائد حقيقية.

الفرق بين إنتاج العلم وتكرار المعلومات

في العلوم المعرفية، يأتي إنتاج الفكر والعلم في المقام الأول، ويُعدّ تطبيق العلوم وواقعيتها المعيار الأساسي. إذا كان المجال يفتقر إلى مختبر مناسب لدراسة موضوعاته، فلا يمكنه الادعاء بأن أحكامه وتصريحاته دينية علمية. الحوار وتكرار ما ورد من تعاليم ومعلومات سابقة ليس إنتاجًا علميًا. إنتاج العلم يعني اكتشاف معارف جديدة. العلم الذي لا يكون ذا تطبيق ولا واقعي، هو مجرد لعب ذهني، ولا يولد إنتاجًا حقيقيًا. الثقافة الحوزوية يجب ألا تقوم على النقل فقط، إذ إن هذا كان ضروريًا في زمن الحفاظ على النصوص ومنع ضياعها. أما اليوم، فباستخدام الوسائل البرمجية الحديثة، يتبين أن كثيرًا من الكتب التي كتبت حول موضوع واحد مليئة بالتكرار، وكُتبت بعضها فوق بعض.

ما يُطرح في الحوزات مناقشات ذات طابع مفهومي ذهني، ولا يتم التركيز على المناقشات الواقعية والمادية الحقيقية. هي حوارات كلامية مجردة. لكن العلماء في الحوزة هم ورثة الأنبياء، ويجب أن يكونوا مثل الأنبياء والأولياء في تحويل الواقع المادي إلى مفهوم ذهني وعلمي. لقد وهب الله للأنبياء والأولياء حقائق معينة في قلوبهم، وهم يعلنونها عبر الكلمات والمفاهيم. كلمات القرآن الكريم، التي أنزلها الله بنفسه، هي نازلة من الحقائق.

كمثال، من يرى حلمًا ويريد التعبير عنه، يجب أن يحوله إلى مفهوم. أما الأنبياء والأولياء، فالحقائق واضحة لهم. عندما يريدون التعبير عنها، عليهم إيجاد مفهوم لها. أي أن الحقائق التي لا تُصاغ في مفاهيم يجب أن تُصنع لها مفاهيم.

العالم الديني هو وارث الأنبياء. ورثة الأنبياء يجب أن يكونوا أقرب الناس إلى النبي. أقل ما يُطلب من العالم الديني هو أن يكون شبيهًا بالأنبياء في معرفته بالحقائق.

العالم الديني ليس مجرد ناقل ظاهر أقوال الأنبياء، بل يجب أن يشرح مراد الشارع. الأئمة المعصومون، حين كانوا أحياءً وحاضرين، كانوا يوصلون أقوالهم، أما في عصر الغيبة، حيث لا يوجد معصوم مباشر، وتعرضت الأقوال للتحريف، تصبح مسؤولية العلماء الربانيين أثقل؛ لأنهم يجب أن يفهموا مراداتهم ويطابقوها مع الأقوال. لذا إذا أرادوا معرفة مرادات المعصوم، يجب أن يكونوا مشابهين لهم. من يمتلك هذه الشبه والقدرة، يجب أن يكون محورًا لمسيرة الرسالة والدين، والآخرون يساعدونه في المجالات المختلفة.

ورثة الأنبياء يجب أن يكونوا أشبه الناس بالنبي. إذا لم تُفتح مجالات العلوم المعرفية والتربية والسلوك في الحوزات ولم يُعطَ لها حيز، فسيتعذر في المستقبل أن يلمس كثير من علماء الدين الحقيقة، ولن تتأسس ثقافة ورثة الأنبياء حقيقية في العلوم الدينية.

التعاطف مع الناس؛ أهم خصائص الأولياء

يجب أن تكون روح العالم الديني روحًا شعبية، ويجب على الحوزة أن تهتم بدراسة الناس دراسة ميدانية وواقعية إلى جانب تعلم العلوم. إذا لم يُعطَ هذا الجانب أهمية، وركزوا فقط على الحفظ والقراءة، فسيكون الأمر كما لو أنهم غارقون في حفظ ألفاظ ومصطلحات كتب الطب، دون اهتمام حقيقي بتشخيص الأمراض أو علاج المرضى. في حين أن الدواء في النهاية يجب أن يُعطى للمريض، والدواء بحد ذاته ليس هدفًا.

الدين موجه للمتدينين. عندما يغوص الناس في هذه العلوم، حتى وإن بدأوا بحب الدين وحرصهم على الناس والإنسانية، فإنهم يغرقون في المفاهيم والانتزاعات الذهنية، ويبدأون في نسيان حتى هذا القدر القليل من المبدأ.

الذين يدخلون الحوزة يجب أن يكون في داخلهم ألم الناس والمجتمع. قلة فقط هم من يدخلون العلوم الدينية حقًا بسبب ألم الدين ورغبتهم في إصلاح وضع المجتمع. كثيرون يعيشون في فضاء الذهنيات ويحبون المفاهيم والكلمات مجردة، ولا ينظرون إلى الواقع والمصاديق بشكل ملموس، بل يستمتعون باللعب اللفظي.

طلاب علوم الظاهر ومؤلفو كتبهم غارقون في الذهنيات. يجب أن تتحقق المفاهيم على أرض الواقع وإلا فهي مجرد انتزاعات ذهنية. هؤلاء الأشخاص يصبحون أصحاب رسائل ودروس خارجية، ولكنهم لا يعلمون شيئًا عن ألم الدين، أو هداية الناس، أو آخرتهم، أو عن أحوالهم الروحية والباطنية.

أن الله أرسل لكل قوم رسولًا منهم، دليل على أهمية معرفة الناس وألمهم. الرسول هو الوسيط بين الحق تعالى والناس لينميهم. يجب أن يكون الناس عنده مثل أولاده. علماء الدين أيضًا يجب أن يؤلمهم نمو الناس، وإلا فهم مثل أب غارق في عمله ومراكمة ماله، ناسياً أن كل هذه الوسائل هي من أجل نمو كمال عائلته.

العلم الذي يجمعه العالم ولا يُفيد الناس، كجمع مال هذا الرجل. المشكلة في الحوزة اليوم أن العلماء لا يرون الناس كأولادهم. كما قال رسول الله ﷺ: «الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله».

الخوف اليوم أن الحوزة الدينية انفصلت عن الناس. نظام الحوزة اليوم ليس مبنيًا على تشخيص الأمراض وعلاج المرضى. المرضى هم الناس الذين يجب أن يُهَادوا ويُرشدوا. قد يكون هناك خارج الحوزة من يهتمون بالناس، لكن لا يملكون علم الهداية، وأهل الحوزة الذين يملكون علم الهداية، ليس لديهم ألم الناس

حل المشكلات والمسائل الحقيقية والغيبيّة وعلاج الأمراض والمشكلات الروحية للفرد والمجتمع لا يكون إلا بأيدي من لهم إلمام بالعلوم والحقائق الربوبية، وأسماء الله وأذكاره.

علم أسماء الله وعلاج مشاكل الناس

لقد ذكرنا أن من الوظائف الأساسية للمجال المعرفي هو الاستفادة من العلوم الحقيقية، ما بعد الطبيعية والإلهية، في سبيل حل مشاكل الناس. ومن هذه العلوم الإلهية، يمكن ذكر علم أسماء الله وصفاته. ينبغي أن تعمل الحوزات العلمية على الموضوعات بحقائقها وواقعيتها. إن علم أسماء الله وصفاته من خصائص الإنسان، وبعد المعصومين عليهم السلام، يكون أولياء الله الأحياء الذين يمتلكون هذا العلم الولائي موكلين به. إذا كانت الحوزات تعتمد على محور الولاية، فينبغي لها أن تفكر أبعد من العلوم المفهومية، وإلا فإن الجامعات تنجح أكثر من الحوزات في هذا المجال. يجب أن تزود الحوزات العلمية علم أسماء الله وصفاته بصورة منهجية وموثقة وقابلة للتقديم، لتكون حقاً ربانية، وإلا فإن المجتمع والناس سوف ينفرون منها ويبتعدون عنها.

في المجال العصمتي والمعرفي، توجد سيطرة واهتمام كافيان بالتكامل بين المسائل المادية والغيبيّة، الفيزياء والميتافيزيقا، الطبيعة وما وراء الطبيعة، والكون وحقائق الوجود. فلا يوجد تعارض بين هذه المجالات في المجال المعرفي. من أبسط المسائل المادية والتجريبية إلى أعقدها، لا يستثنى شيء من هذه القاعدة، فجميع الاكتشافات العلمية هي في جوهرها كشف لحقائق الأشياء. وأحياناً تصل هذه الاكتشافات إلى ما يتطلب أدوات كشف غير مادية. ومن هذه الأمور الغير مادية علم أسماء الله. لذلك، هناك ترابط بين المادة والمعنى، وهما موجودان في امتداد بعضهما البعض، لا في مقابل بعضهما، ولا انفصال أو تعارض بينهما، لأن جميع عوالم الوجود هي مراتب من حقيقة واحدة.

لذلك، يجب الانتباه إلى نقطتين هامتين: أولاً، وجود الترابط بين المادة والماوراء المادة (الفيزياء والميتافيزيقا)، ومن ثم فإن من يسعى لفهم حقيقة الأشياء يجب ألا يفرق بين الحقائق الطبيعية والغيبيّة. ثانياً، عندما يكون العلم الرباني هو حامل راية الدين، فيجب أن يكون متسلحاً بعلم أسماء الله ومعرفة الأمور المعنوية. إذا كان العالِم يشعر بألم الدين والبشرية في قلبه ويرى نفسه مسؤولاً عن إيصال البشرية إلى الحقيقة والله، فلا بد أن يمتلك علم الأسماء ليتمكن من معالجة مشاكلهم. لأنه إن لم يساعد العلماء الناس في حل مشاكلهم، فلن يرى أحد فائدة في الدين وسيبتعد عن طلبه ومطالبته. إذا كان العالم يعاني من ألم الدين، فيجب أن يرد على ثقة وتوقعات الناس. وثقة الناس تتطلب امتلاك قدرات تنال بالتمكّن من علوم أسماء الله والعلوم الغيبية. من يمتلك هذه القدرات يمكنه مساعدة الناس في مجالات متنوعة مثل الأمراض، الوفيات، الاقتصاد، السياسة، الصناعة، الأمن والدفاع، وغيرها. وبالطبع، إذا استطاع عالم معرفي إزالة أي مشكلة للبشرية، فلن يمتنع عن ذلك أبداً.

ولا يمكن تعميم هذه العلوم الغيبية في الحوزات من البداية على الجميع، لأن هناك فئة خاصة يمكنها أن تحظى بهذه الموَهبة أو تُختار لتعليم هذه العلوم. كما أن الإنسان في العصر الأول من الحضارة لم يكن يعرف الذرة ولا كان يتوقع أن يصل أبناؤه إلى اكتشافات مثل انشطار النواة، والآن هذا العلم في متناول الإنسان. وهكذا الحال في العلوم المعنوية، فلا يزال البشر في مراحلهم الأولى منها ولم يبلغوا عصر التطور والتقدم الشامل فيها. كما أن في العلوم المعقدة لا يملك الجميع القدرة على تعلّمها، كذلك في العلوم المعنوية وعلم أسماء الله وصفاته، هناك من يتمتع بالاستعداد والميول اللازمين لاكتساب هذه العلوم واستخدامها لمساعدة الناس.

على سبيل المثال، في العلوم التجريبية يحتاج الحفاظ على حياة المريض واستمرارية التنفس إلى أدوات مادية، أما في العلاج عبر أسماء الله وصفاته فيتطلب ذلك أموراً فوق مادية يمتلكها الإنسان الكامل وأهل المعرفة، وقد يستطيع بعلمه الأسمائي، ضمن حد وجوده، بلوغ كيمياء الحياة والخلق ومن هناك العمل على الإحياء والخلق.

المجال المعرفي وريث علوم الأنبياء

العلماء في المجال المعرفي يتحملون دور الأنبياء وهم ورثتهم، ولهذا يتوقع منهم أدوار لا تُطلب من غيرهم، مثل القيادة الشعبية التي تحظى بمقبولية، ومجابهة مؤامرات الكفر والنفاق والاستكبار. هذا لا يتحقق إلا بالتمكّن من العلوم الغيبية والتصرّفية والقوة. إذا أرادت الحوزات أن تكون قوية وتتصدر قيادة المؤمنين في عالم مليء بالكفر والنفاق واللائكية والعداء، فيجب أن تكون مجهزة بالعلوم الربوبية والغيبيّة والقوى، وليس مجرد الاعتماد على المعدات المادية والسلاح، إذ أن هذه تتطور في كل مكان. العلماء الولائيون بقواهم الربوبية والماورائية يمكنهم حل كثير من مشاكل المجتمع. وإذا لم تحل هذه المشكلات بل زادت باسم الدين، فهؤلاء ليسوا ولاةً ربانيين حقيقيين.

يجب أن يكون الورثة الحقيقيون للأنبياء من يمتلكون القوة الفائقة والماورائية، ومحل ثقة الناس، ولا يسيئون استخدام قوتهم، فالقوى الماورائية مثل شيك على بياض يمكن لمن يمتلكه أن يفعل به الكثير. الأنبياء كانوا يملكون هذه القوى ويستخدمونها في الهداية دون الحاجة لتفسير قدرتهم الباطنية للآخرين.

الورثة يحملون خصائص وقدرات ومسؤوليات كبيرة، منهم مسؤولية هداية المجتمع وإيصال الناس إلى الله، وصلاحيات واسعة تشمل ما في السماوات والأرض، من مخلوقات معنوية مثل الملائكة، ومخلوقات مادية مثل الجن، وكل هذه القوى تحت سيطرتهم، كما جاء في القرآن الكريم:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

الأنبياء كانوا يمتلكون علوم السيطرة، والورثة يمكنهم أن يكونوا مجهزين بهذه العلوم. لا يمكن لأحد أن يدعي أنه وريث للأنبياء ولا يكون لديه قوة أو علم مقدور عليه! وإذا لم تكن الحوزات تمتلك هذه القوى فلا بد أن تكون وراثة الأنبياء مجرد كلام وأدبيات وفروع فقهية، وليس علومًا ربوبية وغيبية وقوية.

على مر التاريخ، كان هناك علماء ورثة للأنبياء يمتلكون العلوم الربوبية والقوة، ويستخدمونها عند الحاجة، لكن للأسف لم تحظَ هذه العلوم بمكانة راسخة في الحوزات وغالباً ما بقيت سرية، تنتقل بشكل شفهي، ولم تُدوّن.

ويجب ذكر دور الحكام الظالمين في قمع هذه العلوم والولاة الحقيقيين، فهم بسبب تهديدهم من قوة أولياء الله، كانوا يقتلونهم أو يُعتقلون أو يفرضون عليهم قيوداً قاسية لمنع تأثيرهم الشعبي. الحكام الظالمون لا يحتملون وجود مثل هؤلاء العلماء، ويستخدمون كل الوسائل للحيلولة دون وصولهم إلى الناس.

كما أن العلماء السطحيين الذين يجهلون حقيقة هذه القوى قد يرفضون هذه العلوم، بل يصفونها بالكفر والتكفير، ويتصادمون مع أولياء الله الذين يمتلكونها. الفرق بين الحكام الظالمين وهؤلاء العلماء في مستوى وعيهم بالقوى الربوبية. الظالمون يؤمنون بها ويسعون للسيطرة عليها، بينما العلماء السطحيون قد يكونون مؤمنين بها خفية لكن خوفهم من فقدان مكانتهم يدفعهم لمقاومتها.

إنتاج العلم الإلهي

العلوم الحوزوية السطحية والغير معرفية لا تلبي حاجات الناس المادية والروحية، ولا تجد إقبالاً في العصر الحديث. العلوم الوهمية تفتقر إلى الحقيقة ولا تلبي حاجات الإنسان، بينما العلوم المعرفية تنعش الإنسان، وكلما ازداد العالم علمية ازداد افتتان الناس بالعلوم والحقائق الإلهية، وتزداد حاجة العلماء للاستفادة منها.

يمكن من خلال نشر العلوم الإلهية والغيبيّة معالجة بعض الأمراض والمشاكل معنويًا، ودعوة العلماء للتحقيق والتجربة العلمية حول هذه الطرق، تمامًا كما حدث مع علم النفس والطب التكميلي، حتى تصبح نظرية علمية معرفية مقبولة. كما يمكن للعلماء الماديين بمساعدة الأولياء الذين يملكون سيطرة على المادة والماوراء المادة أن يساهموا في دراسة تأثير الإيمان والكفر على المادة وابتكار أدوات لقياس أثر الأذكار، رغم أن البشر ينظرون اليوم إلى هذه الأمور كأول مرة اكتشفوا الذرة أو الجينات.

علم التغذية والروحانية الغذائية

كل الموجودات في عالم المادة لها عمر محدود ثم تنتقل إلى عالم آخر. وبعض النباتات والحيوانات لها عمر أطول. إذا تمكن الإنسان من تناول أغذية تحمل حياة أكثر، سيزيد عمره، والعكس صحيح. الماء كمصدر للحياة مثال على ذلك. هناك آيات كثيرة في القرآن عن الأغذية، وإذا درست علمياً بدقة، ستكشف حقائق علمية مهمة. تقع على عاتق الحوزات استخراج هذه العلوم من القرآن والروايات بالطرق التجريبية وبمساعدة أولياء الله، ثم تقديمها للعلماء لإجراء بحوث علمية متنوعة لخدمة صحة الناس.

يجب زراعة أغذية مميزة وفقاً لآراء المتخصصين في التغذية الروحية لتعزيز الحياة والصحة والعمر، وهذا يحتاج إلى نظام علمي معرفي دقيق.

في نظر أهل المعرفة، لكل غذاء حياة وموت داخلي، والعلم يدرس تأثيرها على الإنسان سواء مادياً أو روحياً.

ضرورة التنبؤ المستقبلي ودراسة المستقبل

يجب أن تتغير وتتطور المحتويات والهياكل الحالية للمجالات العلمية والدينية. لا بد من الاسترشاد بأهل المعرفة والأولياء الإلهيين الذين لهم اطلاع بالغ على الغيب، من أجل تقديم خطط مبتكرة وحديثة لإدارة المجتمع، ومعالجة التحديات والمشكلات الراهنة. وللأسف، فإن العلوم المستقبلية العملية والقدرات التنبؤية لا تلقى اهتمامًا كافيًا في الحوزات التي غلب عليها الطابع الظاهري، بينما التنبؤ المستقبلي والرؤية المستقبلية ضروريان لإدارة أي مجتمع.

الحوزات الظاهرية بدلاً من السعي لتطوير القدرة على التنبؤ بالمستقبل، تغوص أكثر فأكثر في ماضي مضاعف. أما في مجال دراسة المستقبل، فإن الأصل والأساس لهذه المهارة هو القرآن الكريم. على سبيل المثال، علم الطالع الذي يتعلق بالتنبؤ بالمستقبل يمكن استخراجه من القرآن الكريم، ومن خلاله يمكن رسم مستقبل الفرد والدولة والعالم بشكل واضح، وتحقيق الثروة والتقدم. تعتبر الحوزات العلمية اكتساب هذه العلوم الغيبية والقدرات القوة ضرورةً لا غنى عنها. أما الحوزات الظاهرية التي عالقة في الماضي، فمع وعي الجماهير تفتقد تدريجياً إلى صلاحية الاستهلاك، ولن يكون لها تأثير حقيقي في المجتمع.

اليوم، يضطر صانعو القرار في إدارة العالم إلى اللجوء إلى دراسات المستقبل، ويستعينون بمصممي السياسات ومستشاري المستقبل الذين يمتلكون، إلى جانب العلم والتخصص، حسًّا إدراكيًا متفوقًا يُعينهم في صناعة القرار. هذا الحس يتجاوز كل العلوم والقوانين الإدارية المعتادة، ومن خلاله يصبح الفرد قادرًا على رؤية شمولية للمستقبل وتصوّره، ويستفيد من نتائج العلوم الأخرى في ضوء هذه الرؤية.

وعلى الحوزات العلمية أن تتساءل: ما هي مسؤوليتها في هذا المجال؟ وكيف يجب أن تتصرف؟

عندما يقول القرآن الكريم:
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)،
فهل يُحتمل أن لا يكون في القرآن الكريم علم المستقبل؟ إنّ علم الطالع هو من طرق الوصول إلى علم المستقبل في القرآن الكريم، وبالاعتماد عليه يمكن للحوزات البحثية أن تكتسب هذا العلم الإلهي، وتتمكن من استخراجه وتطبيقه عمليًا.

المهم في هذا المجال هو استخراج هذه العلوم وتطبيقها، ويمكن من خلال القرآن الكريم دراسة المستقبل ووضع السياسات المستقبلية بناءً على ذلك. يمكن رؤية المستقبل منذ الآن، ولا يبقى أمر مهم مخفيًا. كيفية التطبيق العملي لهذا العلم تتطلب توفر شروط أمنية وثقافية وزمانية ومكانية، وهي غير متاحة اليوم، خصوصًا أن أصحاب القوة قد يتضررون إذا علموا بوجود مثل هذا العلم.

دراسة المستقبل في العلوم الإدارية مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق والإيمان الحقيقي بالاعتماد على القرآن الكريم، الذي لا يزال مهملاً. القرآن الكريم يحتوي على قواعد علمية كثيرة، وأحيانًا تفتح كلمة واحدة منه بابًا علميًا جديدًا. من يبرع في التنبؤ القرآني، إذا أعلن عن ذلك، يتعرض للإنكار والتشهير والتهديد، وخاصة من جانب أصحاب السلطة والسطحية الذين يخشون مستقبلًا يعاقبهم على ممارساتهم.

إن تعميم التنبؤ المستقبلي ممكن، وسيتم مناقشته في مكان آخر، أما الآن فالهدف هو الإشارة السريعة إلى بعض العلوم الربوبية والمعرفية التي تفتقدها الحوزات الظاهرية. أما الواقع الحالي، فبسطوة أصحاب الظاهرية، لا تهيأ الظروف لإعلان هذه المعارف وتطبيقها. ويكمن الفائدة الآن في حفظ هذا الطريق للأجيال القادمة كي يسعوا لتحقيقه عند توفر الفرصة ويستفيدوا من خيراته العظيمة.

ضرورة التنبؤ المستقبلي ودراسة المستقبل

يجب أن تتغير وتتطور المحتويات والهياكل الحالية للمجالات العلمية والدينية. لا بد من الاسترشاد بأهل المعرفة والأولياء الإلهيين الذين لهم اطلاع بالغ على الغيب، من أجل تقديم خطط مبتكرة وحديثة لإدارة المجتمع، ومعالجة التحديات والمشكلات الراهنة. وللأسف، فإن العلوم المستقبلية العملية والقدرات التنبؤية لا تلقى اهتمامًا كافيًا في الحوزات التي غلب عليها الطابع الظاهري، بينما التنبؤ المستقبلي والرؤية المستقبلية ضروريان لإدارة أي مجتمع.

الحوزات الظاهرية بدلاً من السعي لتطوير القدرة على التنبؤ بالمستقبل، تغوص أكثر فأكثر في ماضي مضاعف. أما في مجال دراسة المستقبل، فإن الأصل والأساس لهذه المهارة هو القرآن الكريم. على سبيل المثال، علم الطالع الذي يتعلق بالتنبؤ بالمستقبل يمكن استخراجه من القرآن الكريم، ومن خلاله يمكن رسم مستقبل الفرد والدولة والعالم بشكل واضح، وتحقيق الثروة والتقدم. تعتبر الحوزات العلمية اكتساب هذه العلوم الغيبية والقدرات القوة ضرورةً لا غنى عنها. أما الحوزات الظاهرية التي عالقة في الماضي، فمع وعي الجماهير تفتقد تدريجياً إلى صلاحية الاستهلاك، ولن يكون لها تأثير حقيقي في المجتمع.

اليوم، يضطر صانعو القرار في إدارة العالم إلى اللجوء إلى دراسات المستقبل، ويستعينون بمصممي السياسات ومستشاري المستقبل الذين يمتلكون، إلى جانب العلم والتخصص، حسًّا إدراكيًا متفوقًا يُعينهم في صناعة القرار. هذا الحس يتجاوز كل العلوم والقوانين الإدارية المعتادة، ومن خلاله يصبح الفرد قادرًا على رؤية شمولية للمستقبل وتصوّره، ويستفيد من نتائج العلوم الأخرى في ضوء هذه الرؤية.

وعلى الحوزات العلمية أن تتساءل: ما هي مسؤوليتها في هذا المجال؟ وكيف يجب أن تتصرف؟

عندما يقول القرآن الكريم:
(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الاَْرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)،
فهل يُحتمل أن لا يكون في القرآن الكريم علم المستقبل؟ إنّ علم الطالع هو من طرق الوصول إلى علم المستقبل في القرآن الكريم، وبالاعتماد عليه يمكن للحوزات البحثية أن تكتسب هذا العلم الإلهي، وتتمكن من استخراجه وتطبيقه عمليًا.

المهم في هذا المجال هو استخراج هذه العلوم وتطبيقها، ويمكن من خلال القرآن الكريم دراسة المستقبل ووضع السياسات المستقبلية بناءً على ذلك. يمكن رؤية المستقبل منذ الآن، ولا يبقى أمر مهم مخفيًا. كيفية التطبيق العملي لهذا العلم تتطلب توفر شروط أمنية وثقافية وزمانية ومكانية، وهي غير متاحة اليوم، خصوصًا أن أصحاب القوة قد يتضررون إذا علموا بوجود مثل هذا العلم.

دراسة المستقبل في العلوم الإدارية مهمة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق والإيمان الحقيقي بالاعتماد على القرآن الكريم، الذي لا يزال مهملاً. القرآن الكريم يحتوي على قواعد علمية كثيرة، وأحيانًا تفتح كلمة واحدة منه بابًا علميًا جديدًا. من يبرع في التنبؤ القرآني، إذا أعلن عن ذلك، يتعرض للإنكار والتشهير والتهديد، وخاصة من جانب أصحاب السلطة والسطحية الذين يخشون مستقبلًا يعاقبهم على ممارساتهم.

إن تعميم التنبؤ المستقبلي ممكن، وسيتم مناقشته في مكان آخر، أما الآن فالهدف هو الإشارة السريعة إلى بعض العلوم الربوبية والمعرفية التي تفتقدها الحوزات الظاهرية. أما الواقع الحالي، فبسطوة أصحاب الظاهرية، لا تهيأ الظروف لإعلان هذه المعارف وتطبيقها. ويكمن الفائدة الآن في حفظ هذا الطريق للأجيال القادمة كي يسعوا لتحقيقه عند توفر الفرصة ويستفيدوا من خيراته العظيمة.

إن مستقبل أي أمة يعتمد بشكل أساسي على قدرتها في التنبؤ والتحضير للمستقبل. وهذا لا يتم إلا من خلال بناء أنظمة علمية رصينة تعتمد على مصادر موثوقة كالقرآن الكريم والسنة النبوية، إضافة إلى الدراسات المعاصرة في مجال العلوم المستقبلية.

إن الاعتماد على الماضي وحده، أو الغوص في التفاصيل التاريخية دون نظرة شاملة للمستقبل، سيجعل الأمة حبيسة الماضي، وغير قادرة على مواجهة تحديات العصر الحديث. أما أولئك الذين يمتلكون رؤية مستقبلية واضحة، فيستطيعون تخطيط السياسات واتخاذ القرارات التي تضمن بقاءهم وتقدمهم في ظل متغيرات متسارعة.

ومن هنا تبرز أهمية تطوير المناهج التعليمية في الحوزات العلمية، لتشمل تخصصات في علوم المستقبل والتنبؤ، مستندة إلى فهم عميق للقرآن الكريم وتطبيقاته في الحياة الواقعية. كما ينبغي تعزيز الدراسات البحثية التي تدمج بين العلوم الإدارية والاقتصادية والاجتماعية مع البُعد الروحي والعلمي القرآني.

إن تحقيق هذا الهدف يتطلب تعاونًا بين العلماء، والمفكرين، وصانعي القرار، لتشكيل فرق عمل متعددة التخصصات تُعنى بدراسة المستقبل، وتطوير استراتيجيات متكاملة تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية وقيمها.

كما يجب على الحوزات العلمية أن تُشجع الشباب على البحث العلمي والابتكار في هذا المجال، وتوفير المناخ المناسب الذي يُمكنهم من الإبداع، والابتعاد عن الجمود الفكري والتقليدية الزائدة التي تعيق التقدم.

في الختام، إن الاستثمار في دراسة المستقبل هو استثمار في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة لأي مجتمع، وهو مسؤولية تقع على عاتق الجميع، وخاصة الحوزات العلمية التي تمثل القلب النابض للمعرفة الدينية والثقافية.

هل ترغب أن أواصل أكثر؟
أو هل تود مراجعة أو تعديل في الأسلوب أو بعض العبارات؟

بكل سرور، سأواصل الترجمة بنفس الأسلوب الرسمي والأكاديمي:

إن من الضروري أيضًا أن تتبنى الحوزات العلمية أساليب تعليمية حديثة تتواءم مع متطلبات العصر الرقمي والتقني، بحيث يتم دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية والبحثية. فالتحول الرقمي يُعد أداة مهمة لتعزيز قدرة الباحثين على جمع البيانات وتحليلها، مما يسهم في بناء نماذج مستقبلية دقيقة وفعالة.

كما ينبغي للحوزات العلمية أن تُقيم دورات تدريبية وورش عمل متخصصة في مجالات التخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر، والابتكار، مما يساعد في تطوير مهارات الطلبة والعلماء، وتهيئتهم لتحمل مسؤوليات القيادة في المستقبل.

وعلاوة على ذلك، يجب تعزيز التواصل بين الحوزات العلمية والمؤسسات البحثية والجامعات العالمية، للاستفادة من الخبرات الدولية وتبادل المعارف، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية الأصيلة. إن هذا التفاعل يعزز من فرص تطوير مناهج مرنة وقابلة للتجديد، ويُمكّن الحوزات من مواكبة التطورات العلمية الحديثة.

كما لا يمكن إغفال دور الفقهاء والعلماء في تقديم اجتهادات فقهية معاصرة تتناول القضايا الجديدة التي تفرضها التطورات العلمية والتقنية، مثل الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، والبيئة، وغيرها من المجالات التي تؤثر على حياة الإنسان والمجتمع.

إن هذا الاجتهاد الفقهي الحديث يجب أن يستند إلى فهم عميق لمقاصد الشريعة الإسلامية، ويهدف إلى تحقيق المصلحة العامة، وصون الحقوق، وضمان العدالة، بما يحقق التكامل بين الدين والحياة.

ختامًا، إن بناء مستقبل واعد ومزدهر للمجتمعات الإسلامية يتطلب تبني رؤية استراتيجية شاملة، تُبنى على العلم والبحث والابتكار، مستندة إلى ثوابت الدين، ومتفاعلة مع متطلبات العصر الحديث. ويجب أن تكون الحوزات العلمية في مقدمة هذه المسيرة، لتكون منارات هداية ومعرفة، تقود الأمة نحو مستقبل أفضل.

ضرورة محورِيّة أدبيّات القرآن الكريم

أهمّ مصدر علمي في الحوزات الدينية هو القرآن الكريم. لقد ذَكَرنا في كتابنا «علم الاشتقاق وتفوّق الأدبيّات» أنّ القرآن الكريم يمتلك لغته العربيّة الخاصّة والمتميّزة، ومن اللازم أن تُعلّم الحوزات لغة وأدبيّات القرآن العلميّة وأن تُدرّسها. كلمات القرآن الكريم تمثّل رمزًا للحقائق الباطنيّة ومرتبطة بالعالم المعنوي. فالقرآن الكريم، بما هو كتابُ المعرفة وكتاب الخاتم، نزل بأبلغ اللغات وأفصحها ليكون متجاوزًا لحدود الزمان، فلا يعتريه القدم مع مرور الأجيال. القرآن الكريم هو أبلغُ اللغات، لكن في الحوزات، أدبيّات أهل السنّة تتركّز على المحاورة في المجتمعات العربيّة، ولا تُعتبر أدبيّات القرآن الكريم الخاصة محورًا للدراسة الحوزويّة. القرآن الكريم حقيقة أنزلها الله للبشر، ومعناها المرتبط بكلماتها حكيم وعقلاني. وإذا لم يكن القرآن محور اللغة والأدبيّات العربيّة، فإنّ لغة القرآن ستتلاشى مع مرور الزمن. للأسف، فإنّ العرب الناطقين بلغتهم الأقرب إلى القرآن الكريم، قد اتّبعوا طريقًا في اللغة والأدبيّات لا يتّصل كثيرًا بلغة القرآن الكريم.

ينبغي أن تكون اللغة والأدبيّات ذات منشأ قرآني، وأن يكون القرآن الكريم إمام اللغة، لا أن تكون لغة وأدبيّات العرب القديمة معيار فهم لغة القرآن الكريم. عندما تكون لغة الدين والحق حقيقةً هي اللغة القرآنيّة، فإنّ الابتعاد عنها يعني الابتعاد عن الثقافة الأصيلة الدينيّة.

تنقية الدين من الشوائب: أهمّ رسالة للوليّ الإلهي

لقد أشرنا سابقًا إلى أنّ تصورات الظاهريّين في الدين مليئة بالشوائب والخرافات والتحريفات والتزوير، وأنّ المشكلات الكبرى التي تعانيها الحوزة الحاكمة نابعة من هذه الشوائب الدينيّة. مهمّة الحوزات الرئيسية هي تنقية الدين من هذه الشوائب. هذا التحديد هو في مقام الثبوت، وهو حجّة لصاحب التشخيص إذا كان يمتلك الإشراف الوجودي، لكن إذا أراد إقناع الآخرين يجب أن يتبع طريق الاستدلال ويخاطب بعقلانية علميّة ومنطق بين الذهنيّات.

الشخص الذي بلغ مراتب عليا من السعة الوجوديّة يشاهد ألعاب كبار القوم بسهولة، مثل البالغ الذي يشاهد ألعاب الأطفال. وهذا ينطبق على الدين أيضًا؛ فالشخص المتمكّن وجوديًا يرى الشوائب والخرافات الدينيّة كألعاب أطفال، ويميزها بسهولة عن حقائق الدين.

يجب أن نعرف كيف يُمكِن لهذا الشخص أن يُوصل الآخرين إلى هذا التشخيص. كما يثق المجتمع بالأطباء لتشخيص وعلاج الأمراض، فالمجتمع العلمي يمكنه أن يثق بوليّ إلهي مؤهل في تشخيص حقائق الدين. ومن يريد أن يصبح محققًا بنفسه يجب أن يصل أولًا إلى سعة وجودية كافية.

يجب أن يمتلك الباحث القدرة الوجودية والاستعداد، وأن يكون تحت إشراف وليّ إلهي، حتى يبلغ الكمال المطلوب. أي يجب أن يتوفّر لديه استعداد فهم وقدرة تمييز مقدّسة، ويتربّى على يد وليّ إلهي ليصل إلى الرؤية الواضحة والتمييز. وكذلك في الاجتهاد، الشرط الأساسي هو الوصول إلى هذا الفهم أو الملكة القدسية. الذي ينال الملكة القدسية يلاحظ تحولًا وجوديًا في ذاته. المميّز الحقيقي للمعرفة الدينيّة هو في وجود الإنسان نفسه. العلوم المكتسبة تهيّئ المجال فقط، لكن العمل الأساسي هو للسعة الوجودية. المواهب الفردية مع التوجيه تؤدي إلى السعة الوجودية وشرح الصدر. وهذا يحتاج إلى وقت ومصاحبة وليّ إلهي ليحدث التحول الوجودي تدريجيًا.

فتح باب فهم حقائق القرآن الكريم

الثقافة السائدة في الحوزات الظاهريّة والمجتمع الديني القائم عليها، هي ثقافة إغلاقية (إغلاق باب فهم القرآن للبشر). هذه الثقافة تعتقد خطأً أن القرآن الكريم موجه فقط لـ«مَن خُطِب إليه» وأنه هو وحده من يفهمه. في فهم الحقائق والباطن القرآني، الثقافة سائدة هي ثقافة مغلقة ومقبضة، وهذه الثقافة تقيّد الباحثين وتحجب عنهم الحقائق القرآنية. لأنّ الفقهاء في المسائل العملية كثيرًا ما يلجأون إلى الاحتياط وعدم إصدار آراء واضحة، يعود السبب في ذلك إلى الفقر المعرفي في فهم الحقائق القرآنيّة. القرآن يطرح موضوعات ما زالت خارج نطاق فهم الحوزة الحالي، لأن من جهة نظرة إغلاقية على باب فهم الحقائق، ومن جهة أخرى الطغيان والاستعمار، لم يسمحا للعلماء الشيعة الحقيقيين بالحرية في البحث والاكتشاف.

على مر التاريخ، استغلّ الحكام والسلطات العلماء وأبحاثهم في خدمة سلطتهم، ومن هذا المنظور لم يتغيّر الحال كثيرًا، رغم أنّ الفضاء الرقمي الحديث يتيح بعض الفرص لصوت الباحثين. إذا كان العلماء في السابق يتحدثون عن حقائق لا ترضي الحكّام، كانوا يُطردون ويُضطهدون. والنتيجة أن التاريخ لم يشهد تقدمًا فعليًا في مجال الحقائق القرآنية. رغم وجود آلاف الكتب في التفسير، إلا أنّها تقتصر غالبًا على أسباب النزول، واللغويات، والأحاديث، والتفسير الظاهري، ولا تكشف عن حقائق جديدة. هناك الكثير مما يجب إنجازه لنقدم حقائق القرآن وعلومه بشكل واضح وعملي.

اليوم، إذا نُطق أحد بالحقائق، تقف القوى المعارضة في طريقه، ولكن العائق الأساسي هو الثقافة الإغلاقية في الحوزات الظاهريّة. هذه العقبة داخلية في تفكير الحوزويين، وهي أخطر من العقبات الخارجية، وإذا أرادت الحوزات أن تتحول، يجب عليها أن تجري تغييرًا جذريًا في هذا المجال. لو كانت الحوزات تملك ثقافة صحيحة للفهم القرآني، لكان بالإمكان الاعتماد على الإلهامات والنور العقلي للارتقاء بالفهم والاستفادة من الملكة القدسية لإنتاج معرفة علمية جديدة تستند إلى القرآن.

الثقافة العلمية الحكيمة: نقطة أمل الشيعة

ثقافة الشيعة تستقر وتنمو في القلوب إذا أولت اهتمامًا جادًا لأمرين: أولًا، الكشف عن الأفكار غير الصحيحة والشوائب التي إذا لم تُكتشف، ستُشكك في مبادئ المدرسة بأكملها. ثانيًا، تحقيق هذا الهدف يجب أن يُتوقع من الحوزات نفسها ويُترك لها، فلا يُستهان بها. تعزيز الثقافة الشيعية الصحيحة هو عمل يجب أن تقوم به الحوزات ذاتها من داخلها. فالحوزات إذا لم تبتعد عن ولاية وثقافة المعصومين عليهم السلام، فهي وحدها القادرة على إنجاز هذه المهمة. لا يمكن للخبراء غير الحوزويين مهما زاد تخصصهم أن يصلوا إلى منبع المعارف الحقيقي. طبعًا لا يُتوقع من الحرفيين والخُدّام غير المتخصصين معرفة دينية صحيحة، فالمعرفة الدينية تحتاج إلى التفهّم والسيطرة على نظام الاجتهاد والاستنباط.

المهمّ هو أن تُطهّر الحوزات نفسها من الأفكار الوهمية والتخيلية والضعيفة وغير المؤكدة، وألا تتمسك بها بشدة كأنها من الدين. يجب الانتباه إلى أنّ أقوال الأئمة عليهم السلام صدرت في ظروف زمنية صعبة، وفي ظل قمع سياسي، والجمهور لم يكن مؤهلاً لفهم الحقائق العلمية بشكل مباشر. لهذا السبب، عبّروا عما يناسب زمانهم وجمهورهم، فلا حاجة اليوم للإصرار على تلك القضايا أو ترويجها باعتبارها ضرورة دينية. للأسف، بعض المبلّغين السطحيين يزيدون في تضخيم هذه الأمور غير المثبتة، مما ينفر المجتمع العلمي. كما أنّ الخطاب الديني يتشتّت بأحاديث فرعية وخاطئة تُلهي عن المواضيع الأساسية. لا يجب التمسك بآراء مستندة إلى أدلة ضعيفة أو غير واضحة. في المسائل العقلية، يجب الدخول بالعقل لا بالاعتماد على نصوص ملوّثة بالخرافات والتي تعوق الدعوة الصحيحة إلى ثقافة دينية حكيمة.

ثقافة الشيعة تُحفظ وتنمو إذا تحرّك طلبة الحوزة الفضلاء والشباب تحت إشراف عالم رباني وولي إلهي، يتعلمون الدين منه، وينشرونه بتوجيهه. وبما أن الشيعة يملكون ثقافة علمية وحكيمة ومعصومية، وهم وحدهم بين الأديان والمذاهب الذين لهم معلم معصوم لأكثر من قرنين ونصف، فلا يجب الاستهانة بالحوزات الشيعية اليوم. على الطلبة الشباب الذين يدخلون الحوزات، والمفتوحين على الفكر، أن يكونوا أمل المستقبل، فهم ليسوا جامدين كالسابقين. عالم اليوم مفتوح أكثر، وثقافة الشيعة أكثر أملًا عند الجيل الجديد. التوقع المستقبلي يقول إنّ أجيالًا جديدة ستدخل الحوزات وتعزز أسسها المعرفية، وتُنهي سيطرة الظاهريين على مصير الحوزات والحكم، وتقضي على الوصاية والقيّم المهيمنين على شؤون الناس.

1]  ابراهيم / 7.

[2]  انسان / 3.

[3]  بقره / 179.

[4]  بقره / 193.

[5] – بقره / 217.

[6] – اسراء / 82.

[7] – آل‌عمران / 19.

[8] – آل‌عمران / 19.

[9] – صافات / 40.

[10] – قصص / 56 .

[11] – صافات / 35 .

[12] – آل‌عمران / 31.

[13] – واقعه / 79.

[14] – آل‌عمران / 159.

[15] – روم / 7.

[16] – آل‌عمران / 159.

[17] – انفال / 60.

[18] – جاثيه / 13.

[19] – جاثيه / 13.

[20] – انعام / 57.

[21] – فرقان / 30.

س390 ـ «143 ثمانية أزواج …».

391 ـ «144 ومن الابل اثنين».

392 ـ «145 لا أجد … محرما».

393 ـ «146 حرّمنا كلّ ذي ظفرٍ».

394 ـ «148 لو شاء اللّه … ولا حرّمنا من شيء».

395 ـ «151 و لا تقتلوا أولادكم من إملاق».

396 ـ «152 و لا تقربوا مال اليتيم».

397 ـ «160 من جاء بالحسنة».

398 ـ «164 ولا تكسب كلّ نفسٍ إلاّ عليها».

399 ـ «165 هو الذي جعلكم خلائف الأرض».

* * *

صفحه ی 67)

*********

« فهرست تفصيلى آيات اقتصادى قرآن كريم» (بخش دوم)

سوره اعراف

400 ـ «10 وجعلنا لكم فيها (ارض) معايش».

401 ـ «24 ولكم في الأرض مستقر ومتاع».

402 ـ «25 فيها تحيون».

403 ـ «26 قد أنزلنا عليكم لباسا».

404 ـ «31 خذوا زينتكم».

405 ـ «32 من حرّم… والطيّبات من الرزق».

406 ـ «33 إنّما حرّم ربّي الفواحش».

407 ـ «50 أفيضوا علينا من الماء».

408 ـ «51 غرّتهم الحياة الدنيا».

409 ـ «56 لا تفسدوا في الأرض».

410 ـ «57 هو الذي يرسل الرياح».

411 ـ «58 والبلد الطيّب يخرج نباته».

412 ـ «73 هذه ناقة اللّه … تأكل في أرض اللّه».

413 ـ «74 تتّخذون من سهو لها قصورا».

414 ـ «84 وأمطرنا عليهم مطرا».

415 ـ «85 فأوفوا الكيل والميزان».

صفحه ی 68)

*********

416 ـ «94 أهلها بالبأساء والضرّاء».

417 ـ «96 آمنوا… لفتحنا عليهم بركاتٍ».

418 ـ «100 للّذين يرثون الأرض من بعد أهلها».

419 ـ «128 إنّ الأرض للّه يرثها من يشاء».

420 ـ «130 ونقصٍ من الثمرات».

421 ـ «133 فأرسلنا عليهم الطوفان والجرّاد…».

422 ـ «134 فلمّا وقع عليهم الرجز».

423 ـ «135 فلمّا كشفنا عنهم الرجز».

424 ـ «136 فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليمّ».

425 ـ «137 وأورثنا… مشارق الأرض ومغاربها».

426 ـ «141 يسومونكم سوء العذاب».

427 ـ «148 من حليهم عجلاً جسدا له خوار».

428 ـ «152 إنّ الذين اتّخذوا العجل سينالهم».

429 ـ «156 واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة».

430 ـ «157 ويحلّ لهم الطيّبات».

431 ـ «158 له ملك السموات والأرض».

432 ـ «160 إذا استسقاه قومه».

صفحه ی 69)

*********

433 ـ «161 أسكنوا هذه القرية وكلوا منها».

434 ـ «162 فأرسلنا… رجزا من السماء».

435 ـ «163 إذ يعدون في السبت».

436 ـ «168 وبلوناهم بالحسنات والسيّئات».

437 ـ «169 يأخذون عرض هذا الأدنى».

* * *

سوره انفال

438 ـ «1 يسألونك عن الأنفال».

439 ـ «3 وممّا رزقناهم ينفقون».

440 ـ «4 لهم… رزق كريم».

441 ـ «26 مستضعفون في الأرض … رزقكم من الطيّبات».

442 ـ «28 أولادكم فتنة … عنده أجر عظيم».

443 ـ «36 ينفقون أموالهم ليصدّوا».

444 ـ «41 إنّما غنمتم من شيء فإنّ للّه خمسه».

445 ـ «42 إذ أنتم بالعُدوَة الدنيا… و الركْب أسفل منكم».

446 ـ «53 لم يك مغيّرا نعمةً أنعمها».

صفحه ی 70)

*********

447 ـ «60 وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة».

448 ـ «63 لو أنفقت… ما ألّفت بين قلوبهم».

449 ـ «67 يريدون عرض الدنيا».

450 ـ «69 فكلوا ممّا غنمتم».

451 ـ «72 وجاهدوا بأموالهم».

452 ـ «73 تكن فتنةً في الأرض».

453 ـ «74 وجاهدوا في سبيل اللّه».

* * *

سوره توبه

454 ـ «9 اشتروا بآيات اللّه».

455 ـ «11 وآتوا الزكاة».

456 ـ «18 وآتى الزكاة».

457 ـ «19 سقاية الحاجّ وعمارة المسجد».

458 ـ «20 وجاهدوا… بأموالهم».

459 ـ «21 يبشّرهم ربّهم برحمة».

460 ـ «22 إنّ اللّه عنده أجر عظيم».

صفحه ی 71)

*********

461 ـ «24 وأموال اقترفتموها».

462 ـ «25 يوم حنين … وضاقت عليكم الأرض».

463 ـ «28 إنّما المشركون نجس … يغنيكم اللّه».

464 ـ «29 حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون».

465 ـ «34 «الأحبار و الرهبان» ليأكلون أموال النّاس».

466 ـ «35 هذا ما كنزتم لأنفسكم».

467 ـ «37 إنّما النسي زيادة في الكفر… ليواطئوا عدّة ما حرّم اللّه».

468 ـ «38 اثّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا».

469 ـ «41 وجاهدوا بأموالهم».

470 ـ «44 أن يجاهدوا بأموالهم».

471 ـ «50 إن تصبك حسنةً تسؤهم).

472 ـ «53 أنفقوا طوعا أو كرها».

473 ـ «54 ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون».

474 ـ «55 فلا تعجبك أموالهم».

475 ـ «58 من يلمزك في الصدقات».

476 ـ «59 رضوا ما آتاهم اللّه».

477 ـ «60 إنّما الصدقات للفقراء …».

صفحه ی 72)

*********

478 ـ «67 ويقبضون «أي المنافقون» أيديهم».

479 ـ «69 من قبلكم… أكثر أموالاً».

480 ـ «71 ويؤتون الزكاة».

481 ـ «72 وعد اللّه المؤمنين …».

482 ـ «74 وما نقموا إلاّ أن أغناهم اللّه».

483 ـ «75 «من عاهد» لنصدّقنّ».

484 ـ «76 فلمّا آتاهم … بخلوا به».

485 ـ «79 مطوّعين… في الصدقات».

486 ـ «81 كرهوا أن يجاهدوا بأموالهم».

487 ـ «85 لا تعجبك أموالهم».

488 ـ «86 استئذنك اولوا الطول منهم».

489 ـ «87 رضوا بأن يكونوا مع الخوالف».

490 ـ «88 جاهدوا بأموالهم».

491 ـ «91 ليس على الضعفاء… على الذين لا يجدون ما ينفقون».

492 ـ «92 إذا ما آتوك لتحملهم».

493 ـ «93 يستأذنونك وهم أغنياء».

494 ـ «98 من الأعراب من يتّخذ ما ينفق مغرما».

صفحه ی 73)

*********

495 ـ «99 ومن الأعراب… يتّخذ ما ينفق قربات».

496 ـ «100 والذين اتّبعوهم بإحسان».

497 ـ «101 وممّن حولكم من الأعراب منافقون».

498 ـ «103 خذ من أموالهم صدقة».

499 ـ «104 ويأخذ الصدقات».

500 ـ «111 إنّ اللّه اشترى».

501 ـ «116 له ملك السموات والأرض».

502 ـ «117 الذين اتّبعوه في ساعة العسرة».

503 ـ «118 وعلى الثلاثة الذين خلفوا».

504 ـ «120 ما كان… أن يتخلّفوا عن رسول اللّه».

505 ـ «121 ولا ينفقون نفقةً صغيرةً ولا كبيرة».

506 ـ «122 فلولا نفر من كلّ فرقةٍ منهم طائفة ليتفقّهوا».

* * *

سوره يونس

507 ـ «4 ليجزي الذين آمنوا».

508 ـ «5 لتعلموا عدد السنين والحساب».

صفحه ی 74)

*********

509 ـ «6 إنّ في اختلاف الليل … لآيات».

510 ـ «7 إنّ الذين لا يجون لقاءنا… رضوا بالحياة الدنيا».

511 ـ «21 إذا أذقنا الناس رحمةً من بعد ضرّاء».

512 ـ «22 هو الذي يسيركم في البرّ والبحر».

513 ـ «23 متاع الحياة الدنيا».

514 ـ «24 إنّما مثل الحياة الدنيا كماءٍ».

515 ـ «31 من يرزقكم من السماء».

516 ـ «41 فقل لي عملي».

517 ـ «54 لكلّ نفس ظلمت ما في الأرض».

518 ـ «55 إنّ للّه ما في السموات والأرض».

519 ـ «58 هو خير ممّا يجمعون».

520 ـ «59 ما أنزل اللّه لكم من رزق».

521 ـ «61 ولا تعملون من عمل إلاّ كنّا عليكم شهودا».

522 ـ «64 لهم البشرى في الحياة الدنيا».

523 ـ «66 إنّ للّه من في السموات ومن في الأرض».

524 ـ «67 جعل لكم الليل لتسكنوا فيه».

525 ـ «68 هو الغني له ما في السموات وما في الأرض».

صفحه ی 75)

*********

526 ـ «70 متاع في الدنيا ثمّ إلينا مرجعهم».

527 ـ «83 وتكون لكما الكبرياء في الأرض».

528 ـ «87 أن تبوّء لقومكما بمصر بيوتا».

529 ـ «88 إنّك آتيت فرعون وملأه زينةً وأموالاً».

530 ـ «93 رزقناهم من الطيّبات».

531 ـ «98 كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا».

* * *

سوره هود

532 ـ «3 يمتّعكم متاعا حسنا».

533 ـ «6 إلاّ على اللّه رزقها».

534 ـ «7 ليبلوكم أيّكم أحسن عملاً».

535 ـ «9 ولئن أذقنا الإنسان منّا رحمة».

536 ـ «10 ولئن أذقناه نعماء».

537 ـ «11 صبروا وعملوا الصالحات».

538 ـ «12 وضائق به صدرك».

539 ـ «15 من كان يريد الحياة الدنيا».

صفحه ی 76)

*********

540 ـ «16 وباطل ما كانوا يعملون».

541 ـ «31 ولا أقول لكم عندي خزائن اللّه».

542 ـ «37 وأصنع الفلك بأعيننا».

543 ـ «40 قلنا احمل فيها من كلّ زوجين اثنين».

544 ـ «41 وقال اركبوا فيها».

545 ـ «46 إنّه عمل غير صالح».

546 ـ «52 يرسل السماء عليكم مدرارا».

547 ـ «84 ولا تنقصوا المكيال».

548 ـ «85 ولا تبخسوا الناس».

549 ـ «88 ورزقني منه رزقا حسنا».

550 ـ «93 اعملوا على مكانتكم».

551 ـ «115 لا يضيع أجر المحسنين».

552 ـ «116 ينهون عن الفساد».

553 ـ «117 ليهلك القرى».

* * *

صفحه ی 77)

*********

سوره يوسف

554 ـ «20 وشروه بثمن بخسٍ».

555 ـ «21 قال الذي اشتراه».

556 ـ «43 إنّي أرى سبع بقرات سمان».

557 ـ «46 أفتنا في سبع بقرات».

558 ـ «47 تزرعون سبع سنين دأبا».

559 ـ «55 قال اجعلني على خزائن الأرض».

560 ـ «56 كذلك مكنّا ليوسف في الأرض».

561 ـ «59 ولمّا جهزهم بجهازهم».

562 ـ «60 إن لم تأتوني به فلا كيل لكم».

563 ـ «62 اجعلوا بضاعتهم في رحالهم».

564 ـ «63 منع منّا الكيل».

565 ـ «72 قالوا نفقد صواع الملك».

566 ـ «73 ما جئنا لنفسد في الأرض».

567 ـ «75 جزاءه من وجد في رحله».

568 ـ «88 مسّنا وأهلنا الضرّ».

569 ـ «109 نوحي إليهم من أهل القرى».

* * *

صفحه ی 78)

*********

سوره هود

570 ـ «3 هو الذي مدّ الأرض».

571 ـ «4 وفي الأرض قطع متجاورات وجنّات».

572 ـ «17 أنزل من السماء ماءً فسالت أودية».

573 ـ «18 للذين استجابوا لربّهم الحسنى».

574 ـ «24 فنعم عقبى الدار».

575 ـ «25 ويفسدون في الأرض».

576 ـ «26 اللّه يبسط الرزق».

577 ـ «30 أرسلناك في أمّة قد خلت من قبلها».

578 ـ «31 بما صنعوا قارعة أو تحلّ قريبا من دارهم».

579 ـ «32 فأمليت للذين كفروا».

580 ـ «33 أفمن هو قائم على كلّ نفس بما كسبت».

581 ـ «34 لهم عذاب في الحياة الدنيا».

582 ـ «35 أكلها دائم».

583 ـ «37 ولئن اتّبعت أهوائهم».

* * *

صفحه ی 79)

*********

سوره ابراهيم

584 ـ «2 له ما في السموات وما في الأرض».

585 ـ «3 الذين يَستحبّون الحياة الدنيا».

586 ـ «6 اذكروا نعمة اللّه عليكم».

587 ـ «7 لئن شكرتم لأزيدنّكم».

588 ـ «18 لمّا يقدرون ممّا كسبوا على شيء».

589 ـ «24 كشجرة طيّبة».

590 ـ «25 تؤتي أكلها كلّ حين».

591 ـ «26 الذين آمنوا بالقول الثابت».

592 ـ «30 قل تمتّعوا».

593 ـ «31 وينفقوا ممّا رزقناهم».

594 ـ «32 أنزل من السماء ماءً».

595 ـ «33 سخّر لكم الشمس والقمر».

596 ـ «34 وآتاكم من كلّ ما سألتموه».

597 ـ «35 ربّ اجعل هذا البلد آمنا».

598 ـ «37 بواد غير ذي ذرع».

599 ـ «45 في مساكن الذين ظلموا».

* * *

صفحه ی 80)

*********

سوره حجر

600 ـ «3 ذرهم يأكلون ويتمتّعوا».

601 ـ «4 ما أهلكنا من قرية».

602 ـ «19 والأرض مددناها».

603 ـ «20 وجعلنا لكم فيها معايش».

604 ـ «21 إن من شيء إلاّ عندنا خزائنه».

605 ـ «22 فأنزلنا من السماء ماءً».

606 ـ «23 نحيي ونميت ونحن الوارثون».

607 ـ «39 بما أغويتني لأزيّننّ لهم في الأرض».

608 ـ «82 ينحتون من الجبال بيوتا».

609 ـ «88 لا تمدّنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجا».

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V