- ربيع القرآن الكريم
سماحة آية الله ( الشريف) - المعرِّف بالمؤلف: ، ، 1948م.
العنوان: ربيع القرآن الكريم / تأليف: .
بيانات النشر: إسلامشهر: ، 2020م (1399هـ ش).
الوصف المادي: 103 صفحة.
ردمك (ISBN): 978-600-6435-63-3
حالة الفهرسة: فيبا.
ملاحظة: الكتاب تفسير لسور: الشمس، الكوثر، المسد، القدر، النصر، والأعلى.
الموضوع: القرآن الكريم – التفسير.
تصنيف ديوي: 297.122
رقم الكتاب الوطني: 2945286 - الطبعة: الأولى
عدد النسخ المطبوعة: 3000 نسخة
السعر: 200000 ريال
الناشر: دار
مركز التوزيع: قم – شارع أمين – الزقاق 24، الفرع الأول إلى اليسار، الرقم 76
هاتف مركز التوزيع: 025-32159078
الموقع الإلكتروني: www.nekoonam.ir
جميع الحقوق محفوظة للمؤلف - المقدمة
- إنَّ القرآن الكريم هو الكتاب السماوي الأشمل الذي أنزله الله تعالى، وهو المعجزة الخالدة لرسول الإسلام الأعظم (صلى الله عليه وآله). وقد سُمي “قرآنًا” لكونه جامعًا لما في الكتب السماوية السابقة، ومحتويًا على ما أوحاه الله إلى الأنبياء من قبله بصورة كاملة.
- القرآن الكريم هو سجل الكائنات ودستور الوحي الإلهي الختامي، وما سبق من كتب سماوية إنما كان تمهيدًا وتهيئةً له، فهو كتاب لا مثيل له، يتحدى البشر والجن أن يأتوا بمثله، كما قال تعالى:
- (وَإِن كُنتُم فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ…) [البقرة: 23]
(قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ…) [الإسراء: 88] - رغم التقدُّم العلمي والتكنولوجي المعاصر، فإن العقل العلمي لم يستطع أن يأتي بمثل القرآن، لأن القرآن معجزة عقلية علمية، لا يمكن الشك في إعجازها لدى من يسلك سبيل المعرفة الموضوعية.
- اكتشاف الذات في ضوء القرآن الكريم
- القرآن الكريم يحتوي على قصة كل إنسان، ويُبرز مستقبله ومصيره، ويُعدّ مرآةً تعكس جميع احتياجاته الوجودية والروحية. وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله:
- (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) [الكهف: 54]
(وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام: 59] - كل من ينشد معرفة نفسه، يجد في القرآن دليله الأمثل، فالقرآن سجل حيّ لنفس الإنسان وأحواله، ويجب على الإنسان أن يأنس به ويتدبر آياته، لكي يعرف نفسه ولا يضلّ في متاهات الحياة الدنيوية.
- وقد يسّر الله تعالى هذا الكتاب للفهم والتذكر، كما قال:
- (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) [القمر: 17]
- القرآن الكريم كحقيقة حيّة
- القرآن الكريم ليس مجرد نص مكتوب، بل هو كائن حيّ ذو روح ومكانة سامية، لا اعوجاج فيه:
- (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) [فصلت: 41]
(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: 77]
(وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى: 52] - من لم يشعر بكرامة القرآن، فلأنه لم يتصل به اتصالًا حقيقيًا. فالقرآن في نزول دائم وتجلي متجدد، ولا يعرفه حق المعرفة إلا من يتفاعل مع روحه ويشهد نوره.
- ثبات القرآن وعصمته من التحريف
- لو أن القرآن الكريم تعرّض للتحريف، لفقد قيمته التشريعية ومصداقيته ككتاب هداية. ولكن القرآن نفسه يضمن عصمته، ويثبت صدقيته العلمية وموثوقيته المعرفية. وقد ثبت أن نفس هذا المصحف الذي بأيدينا، كان يُتلى ويُفسَّر ويُستند إليه من قِبل الأئمة المعصومين (عليهم السلام).
- جمعُ القرآن وترتيب آياته وسوره كان بأمر إلهي عن طريق جبرئيل، وقد نزل على رسول الله (ص) تدريجًا وانزالًا، كما قال تعالى:
- (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلًا) [الإنسان: 23]
(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1] - فضل السور القصيرة في رمضان
- ليالي شهر رمضان المبارك فرصة ذهبية للتواصل مع القرآن الكريم، والسور القصيرة فيه تُعد مدخلًا مناسبًا لهذا النور الربّاني، مثل سور: الشمس، الكوثر، المسد، القدر، النصر، الأعلى. فرغم قِصرها، تحمل معاني عظيمة وسامية. وسورة “التوحيد” تُعدّ من أثقل سور القرآن معنًى، وسورة “المسد” تجسِّد الغضب الإلهي على الظالمين.
- هذا الكتاب الذي بين يديك، هو حصيلة دروس تفسيرية أُلقيت في بعض ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان في أحد مساجد قم، وتمّ تحريرها ومراجعتها لتُقدّم في هذا الشكل الكتابي.
نظام الشمسيَّة
سورة الشمس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا
وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا
فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ
فَسَوَّاهَا
وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا
الترجمة والتفسير الأكاديمي
قسمٌ بالشمس وإشراقها، وبالقمر حين يتبعها، وبالنهار حين يظهر، وبالليل حين يغشيه، وبالسماء وما أقامها، وبالأرض وما مهدها، وبالنفس وما سوّاها.
وقد أوحى إليها بفجورها وتقواها؛
فقد فاز من طهّرها، وخسر من أفسدها.
ثم دُكّرت ثمود بطغيانها، حين أرسل أشقاها؛
فأوحى لهم رسول الله بحديث ناقة الله وموضع شربها،
فكَذَّبُوه وأبرحوها، فهدَّّهم ربّهم بسبب إثمهُم، فقلب الأرض عليهم،
وهو سبحانه لا يخاف تبعات ذلك.
تحليل السورة
تنتمي سورة الشمس إلى سور مكة المكرمة، وتقسم إلى قسمين رئيسين:
- (آيات 1–10) التي تُبيّن قانون النجاح والنجاة من خلال تزكية النفس، وتترتب عليه السعادة والخسران.
- القسم الثاني يتناول قصة ثمود كمثال عملي على من ضل عن هذا القانون، فكان العاقبة العذاب والهلاك.
تبدأ السورة بأقسام متتالية، توجه للمنكرين والمُعاندين لقضية الرسول ﷺ والقرآن. تهدف هذه الأيمان (11 قَسَمًا) إلى دعوة الإنسان للتدبّر في مخلوقات الكون، ليتوصل بعقله إلى حقيقة وجود النظام الإلهي الدقيق في الكون.
تتحدث الآيات عن انتظام شمس النهار، وضبط الليل، ورفع السماء، وتمهيد الأرض، كدلائل على وجود نظام ملكوتي محكم. من يتفهّم ذلك ويخلُص نفسَه تفتح له أبواب السعادة، ومن ينقص من فهمه يضيع.
دروس وتبصّرات
- ضرورة تزكية النفس وتنقيتها لكي تتماشى مع الفطرة السليمة.
- اتّباع النظام الكوني نهجًا عقليًا وروحيًا: الاتصال بالحق عبر مراقبة الشمس والقمر والسماء والأرض.
- انسجام الفطرة مع التوجيه الإلهي يولّد الطمأنينة والنجاة، والعكس يؤدي إلى التخبّط والخسران.
- قصة ثمود تذكر بحتمية الحساب على مخالفة النظام الإلهي، وأن معصية الصالحين تهدم المجرمين مهما علت مكانتهم.
الخلاصة
الرسالة الجوهرية لهذه السورة أن النجاح الروحي والأخلاقي يتم بتزكية النفس وربطها بالنظام الكوني والإلهي. هي دعوة للتدبّر في الآيات الكونية كوسيلة للوصول إلى كمال الفطرة، وتحذير لمن يخرج عن هذا المنهج.
الناسوت يقود غالبية الناس إلى الجحود والطغيان والهلاك، وحتى القلة التي تؤمن وتشغل ذهنها بالجوانب الباطنية، فإن أكثرهم يغرق في الشرك والظنون، ولا تنهض عقولُهم نحو الطريق الحق، حيث يطغى عليهم النفس المتمردة. وهؤلاء، حتى في عبادتهم، إنما يفعلون ذلك لإرضاء أنفسهم، فلا يرتقون إلى ما خلف الذات. وعندما يُفتح دفتر أعمالهم، يُقال لهم:
«اقْرَأْ كِتَابَكَ ۖ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا»
– «اقرأ كتابك، كفاك اليوم محاسباً نفسك».
في ذلك اليوم، عند رؤية الحقيقة الكاملة لأعمالهم، سيرون أن أعمالهم كانت فانية، محكومةً بالهوى، لا لله تعالى.
كما تجلَّى هذا المعنى في سورة الشمس بأيمانها الإحدى عشرة المتتابعة:
«قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا»
— فالمقصود: أنّ من زكاها فقد فاز.
فالزكاة والزيادة (في السلوك الروحي) أمر اختياري، يتحقق بانفصال الفضيلة عن الأنانية، وبالسير في المسار الطبيعي للكمال، وهو مسار يُمكِن الإنسان من الوصول إلى قدرة لا حدود لها، ويُحيي في ذاته طاقة الوحي والإلهام.
إن الإنسان يُولد في إطار الناسوت، فيجد ذاته مُقيَّدةً بالدنيا، فيبدأ من المادة، ولذلك تسيطر عليه غالبيّة الصبغات المادية، ويُكبِّرها على صبغته الملكوتية. وفي سيره نحو الكمال، عليه أن ينقل مادته إلى محل التجرد والملكوت. وفي مسيرته الروحية، ينبغي عليه أن يتخلّص أولا من التشبث بالعالم، ويذوق الناسوت، ثم يتجه نحو الباطن، ويخوض تجربة الصبغة الثانية. وبما أن هذه التسلسلية ثابتة في المسيَّرين للطريق (إلا من استثناهم الله)؛ فإن التخلي عن ملذات ولاصقات الناسوت، والتوجّه نحو الأبعاد الروحية والحقيقة، والسير في الطريق الطبيعي للارتقاء، أمر عسير للغاية. كثير من الناس يفشلون حتى في أولى درجات هذا السُلُّم. والانسياق خلف الناسوت يشبه الوقوع في دوامة أو الاستدانة الربوية، فالفائدة تتجاوز المستثمر، وتُفقر المدين. لذلك قال الحق:
«وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا»
— وخسر من خبّأها (نفسه عن نور الحق).
فمن يستخف بتعقيدات طبيعة الناسوت، يكون قد دسَّ نفسه في مؤامرة أدّت به إلى دوامة جهدٍ بلا جدوى.
آثارٌ من الآيات الأولى
إذا ابتُلي أحدٌ بضَعفٍ نفسي أو بغربةٍ أو بفقدٍ أو دينٍ، فإن المواظبة على قراءة هذه العشرة آيات من سورة الشمس قد تُثمر تنفيسَ الكربة أو شفاءً فعالاً.
المقاطع الثانية: مثال البؤس والضلال
في الآيات الخمس الأخيرة من السورة، والتي تبدأ بآية:
«كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا»
تُضرب قوم ثمود نموذجاً للطغيان والشقاء. هؤلاء قومٌ لم يتَّبعوا الفطرة الكونية، فانحرفوا نحو الفساد، وكفروا بنبيهم صالح، وقتلوا الناقة المعجزة التي أرسلها إليهم. فأهلكهم الله على ظلمهم وعبثهم، وجعل ديارهم مثل الأرض المنبسطة:
«فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا»
— فهلكوا جميعاً، ولم ينجُ منهم أحد، ومنع نسلهم من الاستمرار في الدين. وكانت معجزتهم أنّ شديدة العطش استهلكت مياه خصبة كانت لهم، وأرض شاسعة زاهرة، فقط لتُظهر قدرة الرحمن، وتُختبر إرادتهم. لكنهم، مشحونين بالكفر والطغيان، استكنوا لقتل الناقة على يدي “قدّار” وبتشجيع امرأةٍ تدعى رباب. وقد نعت القرآن قاتلها بأنه “شقي”. وقد وثّق الله تضامنهم معه بعد جريمة الابتر تلك، فحلّ بهم العذاب.
وقد عُرضت قصة ثمود مراتٍ عديدة في القرآن، منها في سور: النجم، والقمر، والأعراف، والشعراء، والنمل، وهود، والحجر، والفصلت، والذاريات، والحاقة. وفي الختام :
«وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا»
— أي: إن الله لا يخشى من عاقبة طاعون الباطل، فهذا دلالة واضحة على نهاية الظالمين.
سياق الإمامة وعبرة الغدير
في أنساق الإسلام وَفق منظومة الغدير، يحتلّ الإمام أمير المؤمنين مكانة مركزية، وقد اختار الله امتحان الأمّة بهذا الاختيار. ومن أسخف من اغتال الإمام؟ ابن ملجم، بدافع آثار باطلة وعقائد منحرفة، مشابهة لطغيان ثمود. ومَن لا يحب أمير المؤمنين، مصيره الضلال والفناء، كما جزاء طغاة ثمود. وسورة الشمس، من هذا المنظور، تُجسّد حقيقة الإمامة بعد النبوة، وتصف خصومها (غالبيتهم لا يجهلون، بل يعاندون عن قصد). وإنكار ولاية الإمام يقترنه انحطاط فكري وعملي، ينتج عنه العاقبة السقيمة.
درس الخاتمة
تماماً كما نُهبت ثمود، كل جماعة تُشرّع للمعصية، وتنشرها كمنهج اجتماعي، تحل بها لعنة مماثلة لقوم نوح وعاد وثمود ومَدْيَن. ومنتهى: لا فرق في المصير بين طغيان ثمود وطغيان يدعو للضلال والمعصية اليوم، فقد يؤتى يوم يعيش فيه فرعون العصر المعاصر، ثم لا يكّون له أثر.
لَعِبَ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلَا خَبَرٌ جَاءَ وَ لا وَحْيٌ نَزَل
إذا كان هناك اليوم من يروّج لمثل هذه الادعاءات الباطلة، فلا يمكن لهؤلاء أن ينجوا من عقاب هذه الجريمة المستشريّة، وإن كانوا في أوج حضارةٍ عريقة، مملوءةٍ بأشكال الرقي الماديّ، ومنغمسين في التقدمات الدنيويّة.
لقد قضى أهل الدنيا على أنفسهم مراتٍ عديدة، كما قال قَلِيمُ الكاشاني:
ما نحن بأهل علمٍ بأول هذا العالم ولا آخره
هذا الكتاب القديم يقع بين أيدينا بلا خبر.
هذه الدنيا التي لا بداية لها ولا نهاية، قد شهدت مراتٍ ومرات أعظم الحضارات، والتي بزوالها تظهر نتيجة انحرافها عن الطبيعة العلمية الدنيوية وتلوثها بالمعصية والفساد. إنّ التمرد والآثام المستشريّة تُهلك كل حضارة.
الحصن والملاذ للإنسان في غيبة طويلَةٍ مظلمةٍ، حيث يسود الظلم والعدوان في كل مكان، هو التمسك بالتوحيد والدين الخالص لله ومذهب ولاية الشيعة العلوية، بحيث يعيش الإنسان في كل لحظة تحت راية التوحيد والولاية حتى يحين الموت ويرتاح روحه على الإسلام:
(فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[25]
عصر الغيبة هو عصر المكر والخداع المتعدد الألوان، وعقاب هذا الزمان هو أيضاً خداع الزمن، فالسماء والأرض، والسحب والريح، والمطر، والشمس والقمر، جميعها تخدع الناس الماكرين.
إن سقوط المطر بدلاً من البركة يصبح نقمة، وتنتشر الأمراض الجديدة غير المعروفة التي تأخذ أعداداً كبيرة من البشر وتنهب السلام منهم. ازدياد السكتات القلبية، ووقع العقاب على كل من ابتعد عن التوحيد والولاية، وظلم وزيف المتنكرين، حيث تصيبهم هذه الفيروسات بلا رحمة.
سورة الكوثر
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ
إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)
باسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصلِّ لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر.
تحليل السورة
سورة الكوثر هي من السور القصيرة في القرآن الكريم، إلا أنها من أعظم وأثقل السور، وتُعد من سور الغيبات.
إذا اعتبرنا سورة الشمس سورة النبي الأكرم، وسورة الإمام علي (عليه السلام) سورة أمير المؤمنين، فإن سورة الكوثر خاصة بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام). هذه السورة هي بشارة ومصدر فرح وطمأنينة، كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستمد من زهرا (عليها السلام) النشاط والسرور.
تدل هذه السورة على المكانة الرفيعة للمرأة في الإسلام.
الخير الوفير
(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)
الفعل “أَعْطَيْنَاكَ” فعل متعدٍ يدل على العطاء العظيم والكرم، خصوصاً إذا كان العطاء من الله تعالى، فيزداد العطاء رفعةً وعظمة. والعطاء ليس مجرد إعطاء مادي بل يدل على المحبة والفضل.
ضمير الجمع “نا” يدل على العطاء المشترك من الله ومن تدبير الكائنات، مما يبين عظمة حقيقة الكوثر، وأنها أمر شامل وعام وليس خاصاً أو جزئياً. يشبه هذا العطاء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر حيث قال الله (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)[26] مشيراً إلى مشاركة الله وكائنات الوجود في هذا الفعل الإلهي العظيم.
مخاطب السورة هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، فالضمير “كاف” في (أَعْطَيْنَاكَ) يدل على التخصيص للنبي الأكرم، مع أن الكوثر حقيقة شاملة وعامة.
الكوثر على وزن “فُوعل” يدل على ما فيه كثرة وخير وفير، وهو خير داخلي نابع من الذات، وليس خيراً عرضياً خارجياً.
دور البنات في الكوثر
كان للنبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أبناء ذكور: عبد الله، والقاسم، وإبراهيم. توفّي عبد الله والقاسم قبل البعثة، وأبراهيم بعد البعثة في المدينة. كما كانت له بنات: أم كلثوم، رقية، زينب، وفاطمة الزهراء (عليها السلام).
استغل أعداء النبي موت أبنائه للسخرية منه وادعوا انقراض نسله ودينه، وسمّوه “أبتر” أي مقطوع النسل والريشة. وكان العرب في ذلك الوقت يفتخرون بالذكور ولا يعيرون البنات أي أهمية.
فأنزل الله سورة الكوثر ليواسي النبي ويؤكد له أنه لم يُنْقص من شأنه، بل أعطاه خيراً عظيماً لا يمكن للذرية الذكورية أن تعوضه. الكوثر في السورة ترمز إلى خير عظيم لا يملكه الذكور، بل إن البنات وحدهن هن الكوثر.
مثل ولادة مريم عليها السلام
في قصة ولادة مريم (عليها السلام) أيضاً، رفضت الأم خادمتها لله لأنها أنجبت بنتاً، وظنت أن البنت لا تصلح للخدمة. فذكّرها الله تعالى بأن الذكر ليس كالأُنثى، مع أن الله خلقهما على اختلاف، وأنه سيصنع منها ومن ذريتها خيراً عظيماً.
وهذا يدل على أن الخير العظيم الذي وعد الله به ليس فقط في الذكور، بل في الإناث، وخصوصاً في فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي هي الكوثر الحقيقي.
صلاة وقربان الشكر
(فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)
تدل هذه الآية على وجوب الصلاة والتقرب إلى الله بالشكر من خلال الأفعال التعبدية، وأنه لا ينبغي للمؤمن أن يتأثر بتعليقات الأعداء أو أن يحزن لعدم وجود الذرية الذكورية، لأن الله أعطاه خيراً عظيماً.
مصير الأعداء
(إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ)
يعني أن الأعداء هم الذين هم أبترون حقاً، قطعوا صلتهم بالله، وهم بلا أصل ولا ريشة ولا استمرار. في المقابل، فإن الذين يحملون ولاية الله ويدورون في فلكه، لهم استمرار وبقاء.
كما أن السادات اليوم منتشرون في أنحاء العالم، ويشهد لهم الجميع بالبر والفضيلة، حتى بين أهل السنة، وتكثر الزوايا والأضرحة التي يحترمها الناس.
فالاختبار الحقيقي للطهارة والولاء هو المحبة والتواضع تجاه السادات، ومن لا يحترمهم هو في الحقيقة أبتر وباطل.
سورة المسد
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ. وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ).
بِاسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. لَتَكُونَ يَدَا أَبِي لَهَبٍ قَطِعَتَا وَهَلَكَ. لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ وَلَا مَا كَسَبَ. سَوْفَ يَصْلَى نَارًا لَهَّابَةً. وَامْرَأَتُهُ الَّتِي تَحْمِلُ الْحَطَبَ. فِي عُنُقِهَا حَبْلٌ مِنْ لِيفِ الْمَسَدِ.
تحليل السورة
سورة المسد، التي تُعرف أيضاً بسورة “تَبَّتْ” أو “أبي لهب”، تَذْكُرُ أَحَدَ أَعْدَاءِ الوِلَايةِ وَمُعَادِي اللهِ، الَّذِينَ عَادَوْا اللهَ وَرَسُولَهُ. تَعْتَبِرُ هذه السورة من أوائل السور المكية. في السورة، تتناول الآيات الثلاث الأولى شخص أبي لهب، والآيتان الأخيرتان تتحدثان عن زوجته.
تتطرق السورة إلى دور سلبي للمرأة في هذه الحالة، حيث إنّها تَجْسِدُ مَثَلاً لِلمَرْأَةِ الضَّالَّةِ، عَكْسَ سورة الكوثر التي تُبَيِّنُ جَمَالَ وَمَكَارِمَ الْمَرْأَةِ كَمَظْهَرٍ لِكُلِّ الخَيْرِ وَالْفَضْلِ الإِلَهِيِّ. فزوجة أبي لهب، أم جميل، كانت سيئة الخُلُق وفاسدة، على عكس خديجة رضي الله عنها التي كانت أجمل نساء العرب.
استمرار التحليل والسياق التاريخي
تُظهِر سورة المسد مواقفٍ واضحة تجاه أعداء الإسلام، وبالأخص شخصية أبي لهب التي تمثل رمزاً للعداء الشديد للإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم. كما أن السورة تحذر من عاقبة العداء والتمرد على أوامر الله، حيث تُشير إلى العقاب الشديد في نار جهنم التي تنتظر أبا لهب وزوجته بسبب ما اقترفا من أفعال.
إنَّ استخدام تعبير “يدا أبي لهب” في بداية السورة يُضفي على النص قوة بلاغية وشدة في اللوم، مُبيِّناً قَطع العلاقة والتبرؤ من هذا الشخص. كما أن ذكر المال والكسب في الآية الثانية يُظهِر أن ما يمتلكه الإنسان من مال أو مركز لا ينفعه إذا كان في عداء الله.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تصوير زوجة أبي لهب “حمالة الحطب” يرمز إلى تحمّلها أعباء الكراهية والضرر، إذ كانت من أشد المعادين للإسلام، وهذا التصوير يُعد من الأساليب البلاغية الرصينة التي تظهر دورها في العداء.
أهمية السورة في الدراسات الإسلامية
تُعد سورة المسد من السور التي تُستخدم في الدراسات القرآنية لتوضيح مفهوم العقاب الإلهي على الظلم والعدوان. كما أنها تساهم في فهم شخصية أبي لهب الذي كان عم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وموقفه المعادي له، مما يعطي السورة بعداً اجتماعياً وتاريخياً مهماً.
إلى جانب ذلك، فإنَّ مقارنة صورة زوجة أبي لهب بزوجة النبي خديجة رضي الله عنها تُبرز التناقض بين الخير والشر، وتُظهر كيف أن المرأة في الإسلام يمكن أن تكون رمزاً للخير أو الشر حسب أفعالها وأخلاقها.
الدروس والعبر المستخلصة من سورة المسد
تُبرز سورة المسد عبرتها من خلال التوضيح الجلي أنَّ القوة المادية أو المال لا يُغنيان عن الوقوف في صف الحق، ولا ينفعان صاحبهما عند مواجهة غضب الله تعالى. فقد كان أبو لهب، بالرغم من مكانته المالية والاجتماعية، ممن رفض دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فاتحمل العقاب الإلهي الشديد نتيجة لعداوته وإصراره على الظلم.
وتُظهِر السورة كذلك أهمية التمسك بالإيمان والصدق في وجه الضغوط الاجتماعية والعائلية، حيث لم يكن موقف النبي من أبي لهب مجرد خلاف شخصي، بل كان مواجهة بين الحق والباطل، بين الرسالة السماوية وأعدائها.
البلاغة الفنية في سورة المسد
تتميز سورة المسد بقصرها وإيجازها الذي يترك أثراً بالغاً في نفوس المتلقين، فقد استخدمت كلمات مختارة بعناية، وأسلوباً بلاغياً قوياً، يعكس شدة التوبيخ والوعيد. استخدام العبارات مثل “تبت يداه” و”حملَةَ الحطب” تعبيرٌ عن الغضب الإلهي وعقابه القاسي، كما أن التكرار في السورة يرسخ المعنى في الذهن ويُشدد على جزاء الظالمين.
الخلاصة
سورة المسد تمثل رسالة واضحة لكل من يعادي الحق، بأن المال والنسب لا يحمون من العقاب، وأن العداء للإسلام سيقابله جزاء عادل من الله تعالى. وهي تذكير مستمر بأن الله لا يغفل عن أفعال عباده، وأن الظلم مهما اشتد لا بد أن يزول ويناله الجزاء.
البَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة القَدْر
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أنزلنا هذا القرآن في ليلة القدر، فماذا تدري ما هي ليلة القدر؟ إنها ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر. ففي تلك الليلة تنزل الملائكة والروح بإذن ربهم لكل أمر، وهي ليلة سلام وسكينة حتى مطلع الفجر.
تحليل السورة
تُعد سورة القدر من السور العظيمة التي تحمل أثراً عميقاً في القرآن الكريم. إن المداومة على تلاوتها تطهر الذنوب، ويغفر الله بها ذنوب العبد السابق، إن استطاع التعلق بهذه السورة. كما أنها تؤثر إيجابياً في معالجة المشاكل العلمية والنفسية والعاطفية، كما يمكن أن تثير الرهبة في قلوب الأعداء. سورة القدر تجسد الجلالة الإلهية، ويتميّز كل من سورتي “الفاتحة” و”القدر” بخصائص فريدة في القرآن الكريم.
نزول الوحي
(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
الضمير المنصوب في “أَنْزَلْنَاهُ” لم يُذكر له مرجع صريح داخل السورة نفسها، حيث لا يوجد نص سابق يدل عليه بوضوح. لفظة “أَنْزَلْنَاهُ” تدل على نزول حدث في مرة واحدة، ولا دلالة قاطعة هنا على أن الضمير يعود إلى القرآن الكريم. ولكن، بناءً على الأدلة الخارجية، يرجع ذلك إلى القرآن، كما في الآيتين التاليتين:
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]
و
(وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [الدخان: 2-4]
وفي هذه الآية، يُرجع الضمير “أَنْزَلْنَاهُ” إلى “الكتاب المبين” أي القرآن.
معنى السورة ومكانة النزول
نحن لا نعتبر عظمتها مقتصرة على نزول القرآن فقط، بل تؤكد على عظمة “الليل” و”القدر” ذاته. الضمير في “أَنْزَلْنَاهُ” يشير إلى اسم الإله الواحد (الأحدية) وهو باطن “الله”، ولم يذكر هذا الاسم الجليل صراحة في السورة، لأن الضمير يشير إلى مقام الألوهية المخصوص.
في ليلة القدر، كما ينزل القرآن المبارك على أحد الأئمة المعصومين، فإن الله ذاته ينزل نزولاً خاصاً، كما جاء في قوله تعالى:
(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) [الفجر: 22]
وهذا يوضح أن رؤيته تعالى في تلك الليلة لا يمكن إلا في هذه المناسبة العظيمة، وأنّ هذه الليلة فرصة عظيمة للاتصال بالله سبحانه.
عظمة ليلة القدر
(وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ)
وجه الخطاب هنا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشيراً إلى عظمة تلك الليلة التي تفوق إدراكنا المحدود، فهي ليلة لا يمكن للعقل البشري أن يحصي كنهها وحقيقتها، حيث يعرض الملائكة كل ما يجب على الإمام المهدي عليه السلام.
الليل هو زمن مميز للتزود من الخيرات الروحية، حيث تكثر فيه النفحات الربانية والكمالات، قالوا: “من طلب العلى سهر الليالي”. وقد ورد في القرآن أن الليل مضاعف في الأهمية عن النهار، لذا فإن السهر والاستقامة في هذه الليالي يفتح أبواب الرقي الروحي.
أهمية الليل في الحياة الروحية
الليل فرصة عظيمة للعبادة وقراءة القرآن الكريم، كما أن الموت في الليل يختلف عن الموت في النهار لأن ملائكة الليل تختلف عن ملائكة النهار، كما جاء في قوله تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ …) [الأنعام: 60]
والنوم في الليل يشبه الموت المؤقت، في حين أن الموت الحقيقي هو الإمساك الدائم للروح.
وقد أمر الله بالتمسك بالعبادة في الليل كما في قوله تعالى:
(فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ…) [طه: 130-131]
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى. وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَصْنَافًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
(آَنَاءُ اللَّيْلِ) تَعْنِي لَحْظَةً مِنَ اللَّيْلِ، فَكُلُّ لَحْظَةٍ مِنَ اللَّيْلِ تَسْتَحِقُّ الْاهْتِمَامَ وَالْعِنَايَةَ. وَقَدْ أَولَى القُرْآنُ الكَرِيمُ حَتَّى لَحْظَةً وَاحِدَةً مِنَ اللَّيْلِ قَدْرًا وَفَاعِلِيَّةً فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، وَهذَا يُظْهِرُ عِلَا بَلَاغَةِ اللَّحْظَاتِ اللَّيْلِيَّةِ. وَإِذَا تَمَّ تَعَرُّفُ عِظَمَةِ اللَّيْلِ، فَسَيَتَسَنَّى لِلمَرْءِ التَّأَمُّلُ فِي عِظَمَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ.
لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.
فَلَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ لَيَالِي القَدْرِ تُفَضَّلُ عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ هِجْرِيٍّ، وَهذِهِ التَّفْضِيلَةُ وَاقِعِيَّةٌ لَكِنْ لَمْ يُحَدَّدْ قَدْرُهَا، فَتُرْكِزُ الآيَةُ عَلَى جَوْدَةِ هذِهِ اللَّيْلَةِ وَعِظَمَتِهَا الَّتِي لَا تُقَدَّرُ بِالحِسَابِ.
لَيْلَةُ القَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ تَثْبِيتِ الأَحْكَامِ وَتَقْدِيرِ الأُمُورِ وَتَقْسِيمِ الأَقْدَارِ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى:
وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ. إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ. فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.
فَهذِهِ اللَّيْلَةُ هِيَ لَيْلَةُ الحِكْمَةِ وَتَدْبِيرِ نِظَامِ الكَوْنِ، وَفِيهَا يُحْكَمُ وَيُحَدَّدُ مَصِيرُ الأَشْيَاءِ، وَيُرْتَّبُ كُلُّ شَيْءٍ لِلسَّنَةِ القَادِمَةِ.
وَلَكِنَّ هذَا التَّقْدِيرَ يَكُونُ بِمُبْنَى عَلَى الأَعْمَالِ السَّابِقَةِ، وَيُؤَثِّرُ فِيهِ المُنْجَزُ وَالقَضَاءُ، وَمَا لَيْسَ حَقًّا أَن يَكُونَ الحُصُولُ عَلَى الحَلِّ فَقَطْ بِالمُنَاجَاةِ وَالاقْتِرَابِ مِنَ اللَّيْلَةِ وَالإحْيَاءِ، وَلَا أَن تَكُونَ حِفْظُ هذِهِ اللَّيْلَةِ وَحْدَهَا دَافِعًا لِكُلِّ المَشَاكِلِ.
حَقَائِقُ لَيْلَةِ القَدْرِ تُدْرَكُ لِمَن يَسْتَطِيعُ التَّقَرُّبَ مِنَ اللَّيْلِ وَالتَّعَرُّفَ عَلَيْهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ فَحَقِيقَتُهَا تَظَلُّ مَخْفِيَّةً.
وَفِي الثَّقَافَةِ الشَّعْبِيَّةِ، تَذْكُرُ اللَّيَالِي التَّالِيَةَ مِن شَهْرِ رَمَضَانَ: التَّاسِعَ عَشَرَ، وَالْوَاحِدِ وَعِشْرِينَ، وَالثَّالِثِ وَعِشْرِينَ كَلَيَالٍ مُحْتَمَلَةٍ لَيْلَةِ القَدْرِ.
وَذَكَرَ الإمامُ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي لَيْلَةِ التَّاسِعَ عَشَرَ، وَالإِبْرَامَ فِي لَيْلَةِ الْوَاحِدِ وَعِشْرِينَ، وَالإِمْضَاءَ فِي لَيْلَةِ الثَّالِثِ وَعِشْرِينَ.
وَكَمَا ذُكِرَ، فَإِنَّ القُرْآنَ يَذْكُرُ نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فِي لَيْلَةِ وَاحِدَةٍ، وَهُمَا يَحْكُمَانِ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ فِيهَا.
وَيُعْتَقَدُ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ تَكُونُ فِي أَحَدِ اللَّيَالِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَبَعْضُهُمْ كَانُوا يُحيُونَ كُلَّ لَيَالِي السَّنَةِ لِيَحْصُلُوا عَلَى فَضْلِهَا.
وَرُوِيَ أَنَّ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَعِشْرِينَ هِيَ الأَشْهَرُ وَالأَشَدُّ اِحْتِمَالًا لِكَوْنِهَا لَيْلَةَ القَدْرِ.
وَيُفْسَّرُ ذَلِكَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ كَانَتْ مَوْجَّهَةً لِمَن لَمْ يُوَفَّقْ لِزِيَارَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ، وَهذِهِ اللَّيْلَةُ مَخْصُوصَةٌ لِإِقَامَةِ عَمَلٍ خَاصٍّ، لاَ لِتَحْدِيدِ لَيْلَةِ القَدْرِ بِذَاتِهَا.
وَيَعْلَمُ العُلَمَاءُ أَنَّ الجَوَابَ عَلَى هذَا السُّؤَالِ يَكْمُنُ فِي نَصِّ المَسْأَلَةِ نَفْسِهَا، وَمَن دَقَّقَ فِي كَلِمَةِ (لَيْل) وَرَبَطَهَا بِسِتَّةِ آيَاتٍ مِنَ السُّورَةِ الدُّخَانِيَّةِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبْصِرَ لَيْلَةَ القَدْرِ بِوُضُوحٍ.
وَنَحْنُ عَلَى هذَا الأَسَاسِ نَعْتَقِدُ أَنَّ لَيْلَةَ الْوَاحِدِ وَعِشْرِينَ هِيَ اللَّيْلَةُ المُبَارَكَةُ لِلإِمَامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَهَمِّيَّةٍ وَمَجْدٍ.
وَيَتَلَقَّى شَهْرُ رَمَضَانَ تَعْظِيمَهُ مِنْهُ، فَالإِمَامُ عَلِيٌّ هُوَ أَغْرَبُ وَأَظْلَمُ الأَئِمَّةِ وَعَانَى مِن جَمَاعَةٍ جَفِيَّةٍ وَقَسِيَّةٍ.
وَلَمْ يَرْحَمُوهُ لِأَنَّهُ قَدْ عُذِّبَ وَأُمِرَ بِالصَّمْتِ، وَفِي نَهَايَةِ الأمْرِ، تَكُونُ لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةَ خُرُوجِ الإِمَامِ عَلِيٍّ مِنْ سِجْنِ نَاسُوتِ هؤُلاءِ القَسَاةِ.
عظمة ليلة القدر
تكمن عظمة ليلة القدر في أنها تقرب الإنسان إلى الربوبية وتوصله إليها، كما أن الهدف من تشريع العبادات كالصلاة وصيام شهر رمضان المبارك هو ذات الغاية. فالإنسان لكي يصل إلى مركز الفيض وحقيقة العالم والقرب الإلهي، يحتاج إلى حجة ودليل وطريق ومرشد. والمرشد هو الإمام الظاهر والعقل الباطن. قال الإمام الكاظم عليه السلام:
«إنَّ لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول.»
فالحجة الباطنة هي العقل والإدراك الإنساني، فإذا انسجم مع الحجة الظاهرة والمرشد المعصوم، يحقق القرب والوصول. فلا يمكن تحقيق السعادة والنجاة بدون أمير المؤمنين عليه السلام. قال الإمام الباقر عليه السلام:
«بنا عبد الله وبنا عرف الله وبنا وحد الله تبارك وتعالى ومحمدٌ حجاب الله تبارك وتعالى.»
فبواسطتنا يُعبد الله، وبواسطتنا يُعرف الله، وبواسطتنا يوحد الله، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو حجاب الله تبارك وتعالى.
العقل السليم وصفاء القلب وولاية الله تعالى هي المواهب التي تمكّن الإنسان من إدراك الحجة الظاهرة والخضوع لها، وعدم رفض الحق. وإذا كان القلب والعقل مختلّين، يجعلون شخصاً مثل معاوية مقابل أمير المؤمنين عليه السلام.
عندما كان أمير المؤمنين عليه السلام على فراش الشهادة، كان يفتح ويغلق عينيه أحياناً، أي يكون في حالة شدة. حينها قال لإمام الحسن عليه السلام: “دع الناس يدخلون ويروني.” وعندما دخل الناس قال:
«سلوني قبل أن تفقدوني … سلوني فإن عندي علم الأولين والآخرين … فوالذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو سألتموني عن أي آية في ليلٍ أنزلت أو في نهار أنزلت، مكيّها ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وتأويلها وتنزيلها لأخبرتكم.»
ولكن للأسف لم يسألوه سؤالاً مناسباً، وهذه هي غربته مع ذلك الكم من العداء والجهل الذين لم يدركوا حقيقة ولايته، ولم يسمحوا له أن ينقل الحقيقة للمستحقين.
وأشار أمير المؤمنين عليه السلام إلى صدره الشريف قائلاً: «لعلمًا جمًا»، أي فيه علم كثير، لكنه تعجب من تلك الجماعة القلوبهم عمياء، التي تمنع إظهار العلوم والحقائق.
قال عليه السلام:
«ها إن هنا لعلمًا جمًا وأشار بيده إلى صدره لو أصبت له حملة.»
أي أتمنى أن أجد من يحمل هذا العلم ويتعلمه.
وكان أمير المؤمنين عليه السلام صاحب علوم أزلية وأبدية، قال:
«ولو لا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.»
ولكن أصابه من لم يرغبوا في علمه، وقال لهم: «يا أشباه الرجال ولا رجال»، لأنهم لم يطلبوا المعرفة.
كان الأئمة المعصومون عليهم السلام يعلمون كل شيء، لكنهم يظهرون ظاهراً فقط ويخفون علومهم في السر والباطن.
وقد تنبأوا بأن زمنًا سيأتي على أمتهم لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، ويسمّون به وهم أبعد الناس عنه، حيث تكون مساجدهم عامرة لكنها خاوية من الهداية، وفُقهاؤهم هم شرّ الفقهاء تحت ظل السماء، ومنهم تنشأ الفتن.
ولفهم ليلة القدر والتعرف على الإمام المعصوم، لا بد من معرفة النفس واستخدام الحجة الباطنة بنور عون الله تعالى.
الفرق بين الروح والملائكة
(تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر).
في ليلة القدر، تنزل جميع الملائكة، حتى كبارهم مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، كلٌ مسؤول عن مهمة في إدارة العالم. مثلاً، عزرائيل مسؤول عن الموت والحياة، وجبريل عن الخيرات الروحية. وينزل في هذه الليلة كل قوة الله إلى الأرض.
وقد ذكر “الروح” بشكل مميز، وهو أعظم من الملائكة المدبرين، الذين أمروا بالسجود لآدم، لكنه لم يُأمر بالسجود. وقد سمّاهم القرآن “عالين”:
(يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ أستكبرت أم كنت من العالين).
فالروح هو أمر من الله تعالى:
(قل الروح من أمر ربي).
وهذا الروح هو نفس الروح التي نفخها في الإنسان:
(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي).
وبهذه النفخة تحصل العظمة التي تجعل فرعون يقول: (أنا ربكم الأعلى) ويصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مقامات عالية.
وفي سورة القدر، هناك أهمية خاصة لـ: “الليل” و”القدر” و”الأمر”. الأمر متغير سنوياً وله ارتباط خاص بكل معصوم في زمانه، لذلك يُقال للمعصوم “صاحب الأمر”.
ليلة السلام
(سلام هي حتى مطلع الفجر).
في هذه الليلة يكون كل العباد في أمن وسلام حتى الصبح، ولا يصيبهم أذى إلا من كان مستحقاً للمكافأة على أعماله.
بعض الأعمال في ليلة القدر
من المستحب المواظبة على آية (أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) في هذه الليلة. ويمكن الاستعانة بالقرآن كوسيلة شفاعة وطلب السلامة من الله تعالى:
(سلام هي حتى مطلع الفجر).
ويُستحب التضرع بالدعاء إلى الله تعالى مع القرآن الكريم، والتوسل بالمعصومين عليهم السلام عشر مرات لكل منهم، طالبين من الله الرحمة والكرم.
وفي هذا السياق، يُشير تحليل سورة النصر إلى أن الذين دخلوا في الإسلام أفواجًا بعد فتح مكة، كثير منهم لم يثبتوا على الدين عند امتحان الولاء الحقيقي، بل عادوا إلى الكفر والشرك بمجرد أن ضعف نفوذ النبي صلى الله عليه وسلم، كما حدث بعد وفاته، حيث انكشف كثير من المنافقين وأظهروا حقيقتهم.
فقد أثبتت التجربة أن نصرة الله سبحانه وتعالى ليست مجرد تأييد مؤقت، بل هي نعمة مرتبطة بالإيمان الصادق والتقوى، وأي دخول جماعي وسطحي في الدين لا يعكس النصرة الحقيقية.
ويؤكد النص أن التسبيح بحمد الله والاستغفار هما من أعلى درجات التوبة، فالتسبيح ينزه الله عن كل نقص، أما الاستغفار فهو من أعمال العبد التي تدل على اعترافه بذنوبه واحتياجه إلى رحمة الله.
ومن هنا، فإن الله يأمر النبي بالتسبيح والحمد والاستغفار تعبيرًا عن العلاقة المستمرة بين العبد وربه، وهي علاقة تقوم على التواضع والاعتراف بفضل الله ونعمته.
ويشير النص إلى أن هذا الفهم يساعد على إدراك الفرق بين مجرد الانتصار الظاهر، وبين النصر الحقيقي الذي يستدعي الثبات والالتزام الصادق.
كما يُبرز النص أن أولياء الله لا يكتفون بالنجاح الظاهر بل يتطلعون إلى الثبات والدوام، وأنهم ينتبهون إلى أن موجات الدخول في الدين لا تعني بالضرورة ثبات الدين ودوامه.
وفي النهاية، يذكر النص موقف الإمام الحسين عليه السلام الذي وقف بوضوح تام على حقيقة الولاء الحقيقي، وأوضح أن التعرف على النبي وأهل بيته ومعرفتهم بالحق والحكمة هي شروط أساسية للثبات على الدين.
فخطاب الإمام الحسين يحث الناس على المعرفة الحقيقية والوفاء، وينبههم إلى أن مجرد الإدّعاء أو الانضمام الظاهري لا يكفي، بل يجب أن يكون الإيمان راسخًا في القلب والسلوك.
[1] . بقره / 23.
[2] . اسراء / 88.
[3] . اسراء / 89.
[4] . انعام / 59.
[5] ـ قمر / 17.
[6] ـ انسان / 23.
[7] ـ فصّلت / 41.
[8] ـ واقعه / 77.
[9] ـ شورى / 52.
[10] ـ بقره / 54.
[11] . همان.
[12] ـ يونس / 57.
[13] ـ انسان / 23.
[14] ـ قدر / 1.
[15] ـ انسان / 3.
[16] ـ روم / 30.
[17] ـ عصر / 1.
[18] ـ بقره / 245.
[19] ـ اعراف / 187.
[20] ـ هود / 17.
[21] ـ اسراء / 14.
[22] ـ توبه / 70.
[23] ـ هود / 95.
[24] ـ فصّلت / 17.
[25] ـ بقره / 132.
[26] ـ قدر / 1.
[27] ـ آلعمران / 36.
[28] ـ نساء / 145.
[29] ـ اسراء / 14.
[30] ـ زلزله / 7 ـ 8.
[31] ـ بقره / 185.
[32] ـ دخان / 2 ـ 4.
[33] ـ فجر / 22.
[34] ـ انعام / 60.
[35] ـ طه / 130 ـ 131.
[36] ـ دخان / 2 ـ 4.
[37] ـ ص / 75.
[38] ـ اسراء / 85.
[39] ـ حجر / 29.
[40] ـ نازعات / 24.
[41] ـ نجم / 8 ـ 10.
[42] ـ نمل / 62.
[43] ـ آلعمران / 144.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.