به نام الله الرحمن الرحيم
الكتاب: “القيادات الحقيقية للإسلام”
نهج تحليلي في تاريخ الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، مع التركيز على حوادث السقيفة وثورة عاشوراء
المؤلِّف:
آية الله السيد ، قدِّس سرّه – مولود 1327 هـ ش.
بيانات النشر:
طهران: دار النشر «»، الطبعة الثانية 1393 هـ ش. (الطبعة الأولى بعنوان «ظهور شفق»، طُبعت عام 1385 هـ ش.)
عدد الصفحات: 152 ص.
السعر: 250,000 ريال
الرقم الدولي: 978-600-7732-79-3
تقسيم الكتب: فيپا، 297/95، BP36/N8P9 1393
الرقم الوطني للكُتب: 3703727
المقدمة (موجز بأدب أكاديمي فصيح)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن على أعدائهم أجمعين.
إن حركة البشرية نحو تحقيق عالي الغايات الإلهية والحياة الإنسانية الكاملة تتطلب، إلى جنب الفكر والعقل والمبادئ الداخلية، وجود مربي روحاني هادٍ. وقد اختار الله، على مدى القرون، أنبياءً لهم أوصياء من البشر. غير أن النفوس المريضة والدهاء الباغي، رغم عدم أهليتهم، تمادوا في التزاحم على زمام القيادة عبر الخداع واستغلال بساطة الناس، مما أدى إلى تشويش مسيرة الحق وتعطيل أئمة الهداية الحقيقية.
وهؤلاء المدعَّون زيفاً، وقعوَ في الخسة والفجور سعياً وراء مطامعهم، لا يرحمون نفوساً ولا شرفاً. في المقابل، فإن القادة الفطريون للهداية لم يرضخوا للطغيان ولو من باب الريبة، بل احتملوا ضعف الناس وسعوا إلى رفعه، متحلّين بفضائل سامية خالصة، لم تزل من نضالهم. وقد وجدت البشرية، منذ نشأتها، خليطاً من القادة الصادقين والمزيفين في كل المجتمعات.
وقد فسر الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الواقع حين قال: «مَنْ دعا الناس إلى نفسه، وفيهم من هو أعلم منه، فهو مبتدع ضال». وذلك يعني أن القيادة الحقيقية لا يجب أن تكون قياساً لمزاج أو حجم، بل لمعيار الأهلية والعلوّ.
وقد جعل الكاتب هذا الكتاب تحليلًا سياسياً وتاريخياً لاستجلاء الجذور الكامنة للمفاسد، ليثبت أن خلاص البشرية يكمن في القيادة المعصومة فقط، وألا يكون للإسلام أي تمثيل حقيقي خارج إطار القرآن والعترة. فالإسلام يجسده: كتاب الله، نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، الإمام علي (عليه السلام)، وباقي الأئمة المعصومين.
ويلغي النص أي ربط حقيقي بالإسلام ما لم يثبت وجوده عميقاً في هذين الأصلين: القرآن والعترة. ويؤكد أن الإمام علي هو فاصل الخطاب، المبين للطريق المستقيم، وهو الفرز بين الجنة والنار، وهو المعيار الثابت في دين الله. والانتماء له، حتى دون سائر المناصب والمنازل، هو الدليل على صدق السعي وصدق الدعوة.
من الفصل التمهيدي: مجتمع مكة ونشأة الإمام علي (عليه السلام)
مدينة مكة – قلب التجارة العربية القديم – كانت هي مركزاً لحضارات القبائل. وكان أبرز القبائل قبيلة قريش، وتنقسم إلى فرعين: بني هاشم (يُعرفون بأخلاقهم وتديّنهم) وبني أمية (مواطن مطعون في تدينه وأخلاقياته).
من بني هاشم ظهر عبدالمطلب، جد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام). وهو الرجل الذي تولى رعاية الكعبة وقيادة قريش. كان متديناً وذو كرامات ورُفع قدره بين قومه.
ابن عبدالمطلب، عبدالله، زوج آمنة بنت وهب، ولد محمد (صلى الله عليه وآله) عام الفيل، ثم توفي شاباً قبل ولادة النبي. فتولى جدُّه عبدالمطلب رعايته، ثم عمه أبو طالب.
ولد الإمام علي (عليه السلام) في بيت الكعبة يوم 13 رجب عام 30 هـ ش – وهو حدث فريد في التاريخ. وقد أُطلق عليه بعداً من الألقاب: «أسد الله»، «مرتضى»، «أمير المؤمنين»، و«ذا الفقار».
في بيت النبي وتأييده له
ربى أبو طالب الإمام علي حتى عمر السادسة، ثم انتقل إلى محيط بيت النبي. وهذه العلاقة كانت الأساس العميق في التكوين الروحي والفكري لعلي، الذي أصبح أول من أنشأ الإسلام حقاً، في أول دعوة سرية للنبي إلى آل بيته. وكان علي يردّد: «لبيك يا نبي الله» رغم عدم إعلان الدعوة، وشهد معه كافة الصعاب والهوان.
ليلة الهجرة وتضحية علي
عندما عرضت فتوحات قريش لقتل النبي، أُمر الأخير بالهجرة إلى المدينة. ولم يزل الإمام علي (عليه السلام) مبيتاً في فراش النبي ليزرع فخّكباً ويغطي سرّه. وقام علي (عليه السلام) بجرأته وذوع أعداء قريش، وردّ فعلهم يدلّ على هيبته حتى وهم ينوون اعتقاله وقتله، فاضطروا للانسحاب مرعوبين – وإن كانوا كانوا مستعدّين لقتله تخليداً للنبي.
البند: عقد الأخوة
في السنة الأولى من الهجرة، بعد نزول آية الأخوة، أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأن يعقد كل منهم أخوة مع الآخر. حينها كان الجميع يتساءل مع من سيعقد الرسول صلى الله عليه وسلم الأخوة، وعندما تبين أن ذلك مع علي بن أبي طالب عليه السلام، أصاب كثيرون من الحسد والضيق، وازداد الغضب في قلوبهم تجاه الإمام علي عليه السلام، لكنهم أخفوا ذلك، بينما كان الإمام عليه السلام مسروراً ومرتاحاً من هذا الأمر.
البند: الشجاعة
شارك الإمام علي عليه السلام في جميع الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، ما عدا غزوة تبوك التي كانت فضيلة خاصة له. كانت شجاعته باهرة إلى حد أنه لقب بـ “قتال العرب” و”ضيغم الغزوات”. حضر جميع معارك بدر، أحد، بني النضير، الخندق، خيبر، فتح مكة، حنين، وطيء، وكان في جميعها قائد جيش الإسلام. فضائله واستحقاقاته كثيرة جداً في تاريخ الإسلام حتى أن أعداءه لا يستطيعون إنكارها.
البند: ذرة من اللانهاية
من هو علي عليه السلام؟ يجب معرفته من خلال صفاته وامتيازاته ومن كلام الوحي والرسول صلى الله عليه وسلم: نسبه الشريف، وحدته النسبية مع النبي، طهارة مولده، ولادته في الكعبة، حديث الوفاء بالعهد، حديث المكانة، حديث الطير المشوي، حديث العلم، حديث ليلة المبيت، اتباعه الكامل للنبي، مشاركته في جميع الغزوات، تفوقه في الإسلام، قراءة سورة البراءة، حديث من كنت مولاه، آية التطهير، الولاية والمحبة، مباهلة المسيحيين، حديث الكساء، نزول سورة هل أتى، عود سيفه، وجهه المشرق في خيبر، قتاله في الخندق وقتله عمرو بن عبدود، أخوته مع الرسول، أبوة الحسنين، زواجه من فاطمة الزهراء عليها السلام، مشاركته في كسر الأصنام، إغلاق أبواب المسجد إلا بيته، مشاركته في غسل النبي، خلافته وإمامه، عصمته، كونه قرآن ناطقاً، نجاته لجميع الأنبياء والصالحين، فصله بين الجنة والنار، صاحبه لواء الآخرة، ساقي حوض الكوثر، فصل الخطاب، والصراط المستقيم، وغير ذلك من الفضائل العظيمة.
البند: العصيان تجاه أسامة
قبل رحيله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، وهو شاب شجاع ومؤهل، بالتحرك مع جيش كبير من الأنصار والمهاجرين، بينهم عمر وأبو بكر، للقتال والدفاع ضد الروم. كان النبي يكرر: “انفذوا جيش أسامة، لعنة الله على من تأخر عنه”. وبعد مرض النبي ووفاته، تفرق جيش أسامة وعاد إلى المدينة. في هذه الأثناء، تآمر عمر وأبو بكر وأبوعبيدة الجرّاح ودخلوا المدينة لتحقيق هدفهم، معرضين أنفسهم للعن النبي. هذه الحادثة تظهر أن النبي كان على علم برحيله وبالأحداث التي ستقع، ولذلك أخرجهم بحجة الحرب، ولعنهم ليثبت إدانتهم في آخر حياته.
البند: خطبة أبو بكر
بعد شهادة النبي، صعد أبو بكر على جمل أمام المسجد وقال: “أيها الناس، لما الهبتكم؟ إن محمدًا قد مات، والله حي”. ثم قرأ آية “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”. اجتمع الأنصار في بيت سعد بن عبادة وانتقلوا إلى سقيفة بني ساعدة للبيعة. حضر أبو بكر وعمر وأبوعبيدة، واستولوا على المجلس لصالحهم، وأقنعوا الناس بالبيعة، حتى بايعهم الناس بحكم الجهل، فيما رفض كبار الصحابة من بني هاشم، مثل سلمان ومقداد وعمّار، والإمام علي عليه السلام هذا الظلم.
بعد دفن النبي، بايع الناس أبو بكر في المسجد، لكن علي وبني هاشم وأهل الخير رفضوا ذلك في البداية. ثم، رغم بيان الحقائق، لم يفسدوا الوحدة، ولكن عمر لاحق المعارضين بالقوة وأجبرهم على البيعة. الإمام علي بعد إثبات حقه، بايع مضطراً حفاظاً على وحدة الأمة.
البند: فساد البيعة
عندما أخذ عمر الإمام علي إلى المسجد بالقوة، سأله: “إن لم تبايع، ماذا تفعل؟”، فقال عمر: “نقتلك بالذل”. فكان نوع البيعة مرفوضاً ومرهقاً. قال الإمام لسلمان إن أول من بايع على المنبر كان شيطاناً، لا مؤمناً. وبعد البيعة، عامل أبو بكر الإمام بمودة، لكن الإمام كان غير مبالٍ. وذات مرة، قال أبو بكر: “يا أبا الحسن، لم يكن هذا برغبتي”، فأجابه الإمام: “فلماذا قبلت هذا الظلم؟” فقال أبو بكر: “خفت من فرقة الأمة”، فأجابه الإمام: “وكيف يكون إجماع الأمة إذا رفض كثير من أهل الحق؟”.
البند: محاكمة أبو بكر
طرح الإمام أسئلة على أبو بكر حول من له الأفضلية في الصفات، مثل: من سبق في الإسلام؟ من قرأ سورة البراءة؟ من بات في فراش النبي؟ وغيرها من الفضائل التي كانت كلها للإمام علي عليه السلام، وأقر أبو بكر بذلك وهو يبكي. وسأله الإمام: “ما الذي أضلك عن حقي؟”، فرد أبو بكر أنه بحاجة إلى التفكير. ثم رأى النبي في المنام وهو يبتعد عنه بسبب ظلمه لعلي.
البند: بيعة أبو بكر
في الصباح، جاء أبو بكر للإمام علي وبيّنه ما رأى في المنام وطلب البيعة، فبايعه الإمام، لكنه لم يعقد العزم على إعلان ذلك علناً بعد أن أقنعه عمر بترك الأمر.
الخاتمة: نقد وتحليل حادثة سقيفة بني ساعدة
هذه الحادثة التاريخية تبيّن انحراف المسلمين عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وفقدانهم للحق، واتباعهم للباطل، مما تسبب في تراجعهم. فقط الشيعة وأهل الحق أدركوا هذه الحقيقة. الكثير من المسلمين في ذلك الوقت كان تفكيرهم غير ناضج، وخسروا مكانتهم وعقائدهم. الحكام الذين استلموا الخلافة بعد النبي لم يكن لهم مكانة علمية أو عملية، ورغم ذلك قبلهم الناس بسهولة.
لو كان هناك منافسون جديرون وعادلون كالإمام علي، لكان الناس قد عرفوا الحق. لكن المنافسين كان لهم سمعة سيئة، وظلموا الأمة وفرضوا نظاماً ظالماً. الإسلام الحقيقي تحوّل إلى دولة ظلم وقهر بعد النبي، مما أدى إلى اضطهاد الإمام علي وأهل بيته وشيعتهم.
الإمام علي واجه هذه الفتن بسلوك حكيم وراشد، فلم يرضخ للظلم، بل اتبع سياسة مستقلة واضحة ومميزة، وهو قدوة في الصبر والثبات.
يجب أن تدرك الأمة الإسلامية أن النموذج الحقيقي للإسلام هو القرآن الكريم، وسيرة النبي، والعدل الحقيقي الذي يجسده الإمام علي عليه السلام فقط، وأن تعود إلى هذا النموذج لتنقذ نفسها من التدهور.
على الرغم من أن حضرته كان يحفظ الإسلام الظاهري بالكامل، كان يُبيّن الصورة الحقيقية للإسلام النبوي، ويحدد مواقفه الأساسية بوضوح تام. وبفضل هذا المنهج، أصبح اليوم الإسلام الحقيقي والظاهر مفصولين ومتميزين بوضوح، وهذا التمييز يجذب انتباه كل مفكر. ولبيان موقع حضرته الحكيم في تلك الظروف الحساسة والأزمة، لا بد من استعراض أجزاء من تاريخ صدر الإسلام، حتى يتبين من بين طياته مستوى فهم وإدراك الناس، وسياسة الخلفاء، وظلم حضرته مع تفكيره العميق، ويتعرف القارئ على أجواء المجتمع الإسلامي بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
في ذلك الزمان، لم يكن لدى الناس فكر سليم وواضح، حتى أنهم كانوا يدعمون الباطل ويصبحون قوة الضلالة وظلام جيش الانحراف.
من الأمثلة البارزة على ذلك، حينما حضر أمير المؤمنين (عليه السلام) المسجد مسرعًا بعد مراسم دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحاجج الناس أمامهم، مبينًا صفاته وفضائله، وناخذًا إقرارهم على حقانيته وأهليته، متسائلًا: «لماذا يجب أن تبايعوا أبا بكر وتغضوا عن الحق؟» فأجاب الجهلاء منهم: «يا علي، كلامك صحيح ونحن نعلمه، لكنك تأخرت، لو حضرت في وقت مبكر لبايعناك واخترناك للخلافة.» هذه هي درجة وعي الناس في ذلك الوقت، يتركون الحق لمجرد تأخر البعض ويعطون الحق للآخرين بحجة التواجد المبكر فقط!
الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عاملوا عليًا (عليه السلام) وبنت النبي وأقاربه وأصحابه الصديقين بطريقة لم يعامل بها أي كافر أو مشرك حتى من المغول أو التتار.
علي (عليه السلام) لا يزال منتصرًا
علي (عليه السلام)، ذلك المظهر للقوة والشجاعة، مُظلم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ورغم قوته وقدرته، قيد بالحبل وأُجبر على البيعة بعد تعذيب بنت رسول الله وإحراق بيوتها، حتى جُلب إلى المسجد.
هذا هو معنى البيعة والخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بين المسلمين! حين وقف أمير المؤمنين (عليه السلام) في المسجد أمام الضالين، سأل بسكينة وجلال: «إن لم أبايع، ماذا ستفعلون بي؟» فرد أحد زعمائهم: «إن لم تبايع، سنقتلك بمهانة وذل!»
في ذلك اليوم، لم يتجرأ أحد أن يواجه أمير المؤمنين، الذي قيل له أمس: “بَخٍّ بَخٍّ يا علي، أصبحت مولىً ومولى كل مؤمن ومؤمنة”، بأن ينطق بتلك الأقوال البشعة أو يهدده، وهو الذي له تاريخ مشرف كمقاتل في معارك العرب، فاتح خيبر، وقاتل الأعداء، والذي سُمي بـ “حيدر”.
فكيف يُلقى عليه الحبل ويصبر؟ أليست تحمل هذا الحبل أثقل من كل تلك المعارك؟ نعم، فقط علي (عليه السلام) هو الذي في هذه الميادين، كما في غيرها، ينجح ويقهر الكفر والشرك والنفاق والنفس، ويصبح مظهر القوة الحقة ويتجاوز كل المحن ويهزم أهواء النفس.
فعلاً، من هو علي (عليه السلام)؟ هل هو بشر أم ملك؟ لا هو كذلك ولا كذلك، بل حقيقة عظيمة لا توصف، تظهر في كل زمان بشكل ووجه عجيب؟
غدير خم
منهج النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) تجاه أمير المؤمنين وأعدائه يظهر جليًا في واقعة غدير خم.
في البداية، كان منهجه متحفظًا ومتحرزًا، يخشى على الأمة من الفتنة، لكنه بعد وعد الله بالحفظ والأمان، أعلن حق علي (عليه السلام) بكل وضوح. ففي السنة العاشرة للهجرة، نادى منادي الوحي النبي قائلاً: “يا رسول الله، لم يرحل نبي إلا وأكمل دينه وأتم حجته على الناس. هناك أمران أساسان يجب أن تبليغهما للناس: الحج، والخلافة والولاية لعلي أمير المؤمنين.”
فأدى النبي (صلى الله عليه وآله) الحج مع حوالي سبعين ألف مسلم، وأتم مناسك الحج. وبعدها، في طريق العودة، وفي منطقة غدير خم، أوحى جبريل للنبي (صلى الله عليه وآله) بأن عليه أن يعلن ولاية علي (عليه السلام) ويأخذ بيعة الناس له، وأن ينقل ذلك للحاضرين ليبلغوه غيرهم.
فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) الناس بالتوقف، وجمع الجميع، وخطبهم بخطبة طويلة وأكد فيها على حق علي (عليه السلام)، ورفع يده المباركة بيد علي وقال: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه، هذا وليكم من بعدي.”
ثم دعا الله أن ينصر من نصره ويخذل من خذله، وختم كلامه بأن من خالفه ملعون ومن تبعه في رحمة الله.
هذا بيان موجز لموقع حضرة أمير المؤمنين في الإسلام، وحقه في الإمامة والخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) بأسلوب علمي وأكاديمي رسمي.
البيعةُ في غَديرِ خمٍّ وقصّةُ عُمَرَ رضي الله عنه
أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، لتفادي أيِّ لبسٍ أو تَوهُّمٍ، بإقامةِ خيمةٍ مقابِلَ خيمته، ثمَّ أمرَ جميعَ الناسِ بالبيعةِ والمصافحةِ معَ الإمام عليٍّ رضي الله عنه، وتهنئتهم، فكان هذا سببًا لإقرارِ الجميعِ بخلافته.
بدأ أبو بكر وعمر ومن كان في مقامهما بالمصافحةِ والبيعة، ثمَّ تتابعَ سائرُ الناسِ وهم في سرورٍ وفرحٍ ظاهرٍ وباطن، كما لو أن معجزةَ رسول الله تحققت وأطاعت كلُّ عدوٍّ مفسدٍ، حتى أن عمرَ رضي الله عنه كان يهللُ ويقولُ: «بخٍ بخٍ لك يا مولى!» وكأنه حازَ ذلك بنفسه، وكان يحتفي فرحًا حتى فاقَ سلمانَ وأبو ذرٍّ ومقدادًا في سروره. وكان كلما واجه مشقاتِهِ يرددُ: «لولا عليٌّ لهلك عمر».
وفي وسط هذا الجمعِ الذي تجاوزَ السبعين ألفًا من مختلفِ الفئات والأعمار، بالرغم من فرحِهم الظاهر، كان هناك من لا يؤمن، ومن متردد، ومن منافق، ومن يحملُ بغضًا شديدًا لعلي رضي الله عنه، مع وجود كثيرٍ من المعتقدين بالحقّ. لكن في يومِ الحاجةِ لم يكن لذلك تأثيرٌ، فقد خذلَ كثيرون الإمام عليًّا ولم يحموه كما ينبغي، حتى شكاه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، قائلاً: «نبي الله إنهم قد خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتى ألقاك». كما ورد في الحديث: «لعن الله أقوامًا بايعوني ثمّ خذلوني».
عندما غُصِبَ حقُّ الإمام علي رضي الله عنه، قطع الحجة على الجميع، حتى الصادقين منهم الضعفاء. فذاتَ ليلةٍ أخذَت فاطمةُ الزهراء رضي الله عنها أبنائها وذهبت إلى منازل المهاجرين والأنصار، تبينَ لهم حقّ زوجها، فكان الدفاعُ عنه مقتصرًا على أربع وأربعين شخصًا فقط، الذين وعدوا بالاستعداد للقتال، غير أن في صباح اليوم التالي حضرَ منهم أربعة فقط. وهكذا تكرر الأمر ثلاث مرات، ولم يأتِ سوى الأربعة في كل مرة.
قال الإمام عليه السلام: «لعن الله من ضايعني، لعنت الله أقوامًا بايعوني ثم خذلوني». ولو كان لديه أربعون نصيرًا صادقًا لانتزع حقه، لكن مع الأسف لم يكن معه سوى سلمان وأبو ذر ومقداد. وأضاف: «الناس بعد رسول الله كقوم بني إسرائيل، تركوني كَهاتِرون، وهاجروا عن طريق الخير والصلاح».
وحين أخبره سلمان بخبر البيعة لأبي بكر، سأله: «هل عرفت أول من بايع؟» فقال سلمان: «لا، لكن رأيت رجلاً مسنًا ذا لحيةٍ طويلةٍ، يبكي ويصعد المنبر قائلاً: الحمد لله الذي لم يميتني حتى رأيتك في هذا المكان، ابسط يدك، فبايع أبا بكر وقال: اليوم كيوم آدم». فقال الإمام: «ذلك كان الشيطان الذي فرح بغفلة الأمة».
وهكذا ضلّت الأمة، وتشتّت الخصوصيات الضعيفة، وتمكنوا من الوقوف ضد الإمام علي رضي الله عنه، حتى قال له عمر: «بِعْ ودع عنك هذه الأباطيل».
رغم ذلك، كان هناك مؤمنون صادقون قلّة، ولكنهم بنوعيةٍ عاليةٍ، صمدوا في وجه الباطل وناصروا الحق، وكانوا نُموذجًا لنجاة الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «علي وشيعته في الجنة».
بينما وجدت جهةٌ أخرى من المنافقين والمعادين لا تطيق الحق ولا أهل الحق، وتتربّص بكل مكرٍ وخيانة.
وبعد خطبة النبي صلى الله عليه وسلم البليغة في غدير خم التي نصّ فيها على الإمام علي رضي الله عنه، سعى المنافقون والمشركون إلى قتله، لكن الله حفظ نبيه وكشف أمرهم بواسط جبرائيل.
وانتشر خبر الغدير في كل البلاد الإسلامية، فتباينت مواقف الناس، من مؤمن صادق إلى منافق جاهل، ومنهم من عبّر عن فرحه، ومنهم من أدّعى الفرح كعمر، ومنهم من أظهر العداء كحرث بن نعمان، الذي رد على النبي صلى الله عليه وسلم بعنادٍ صارخٍ قائلاً: هل هذا من عند الله أم من عندك؟ فجاءه عذابُ السماء في الحال.
وهكذا جرت أحداث مؤلمة جداً، من ظلم فاطمة الزهراء رضي الله عنها، إلى حرمانها من ميراثها، والاعتداء عليها وعلى أبنائها، حتى قتل محسن رضي الله عنه.
أما من حيث التحليل القرآني، فتتجلّى عظمةُ غدير خمّ وولاية الإمام عليّ عليه السلام في قوله تعالى: «يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا…» والذي يحث النبي على إعلان هذا الأمر فورًا، مع وعدٍ إلهي بحفظه من أذى الناس.
وأخيرًا، ظل النبي صلى الله عليه وسلم يُذكّر الأمة بخلافة علي رضي الله عنه، وحثّهم عليها حتى أيام مرضه، وأظهر بوضوح أن مخالفي الإمام هم الظالمون الضالون، وأن الحق سيظل ثابتًا حتى نهاية الزمان.
إنّ غدير خمّ لم يكن حدثًا عاديًا أو عابرًا في مسيرة الدعوة الإسلامية، بل هو محطة محورية، وأحد أركان تثبيت مبدأ الإمامة والولاية التي لا تُبدل، والتي أعلنها النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم بأمرٍ من الله تعالى، حيث قال: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم أثرًا لا يمحى في وجدان الأمة من خلال هذا البيان الجليّ، إذ أمر الناس بالبيعة لعلي رضي الله عنه، وأوجب طاعته، وبيّن أن ولايته جزءٌ لا يتجزأ من الدين الإسلامي.
ورغم ذلك، كانت هناك مقاومة شديدة من قِبل بعض القوى السياسية والاجتماعية التي رأت في ذلك تهديدًا لمصالحها وسلطتها، فظهرت الفتن والنزاعات، التي أدت إلى الانقسام المؤلم في صفوف المسلمين، ومآسي جسيمة لعائلة النبي الأطهار، خاصة لفاطمة الزهراء رضي الله عنها.
كما أنّ موقف عمر رضي الله عنه يعكس حالة من التوتر والارتباك التي أصابت البعض، إذ كان يعبر عن فرحه المبالغ فيه، وكأنه لم يفهم تمامًا عمق هذا الحدث، أو ربما كان يسعى للتغطية على ما يشعر به من تضارب في الولاء والولاه.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن هذا الحدث الجليل أُدرج في كثير من المصادر الإسلامية، من كتب الحديث والسير والتاريخ، حيث تتنوع الروايات بين المؤيد والمعارض، لكن يبقى موقف الإمام علي رضي الله عنه مركز الصدارة، وأساس الحق والعدل في الإسلام.
إنّ دراسة غدير خمّ وما تبعها من أحداث ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي مفتاح لفهم طبيعة القيادة في الإسلام، والولاية التي هي من صلب العقيدة، والتي لا بد أن تتوحد حولها الأمة في وحدة الصف ونبذ الخلافات، حفاظًا على الدين ونشرًا للسلام والعدل.
ومن خلال استقراء النصوص الشرعية والروائية، يتضح أن موقف الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان موقف الثبات والوضوح، حيث استقبل البيان الإلهي الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بكل إيمان وإخلاص، وأظهر الولاء التام للطاعة والاتباع.
كما أن هذا الموقف يمثل نموذجًا فريدًا في القيادة الإسلامية، إذ جمع الإمام بين الحكمة والشجاعة والعدل، وكانت بيعة الناس له في ذلك اليوم دلالة واضحة على قبول الأمة لولاية الإمام، واعترافهم بحقّه في القيادة بعد النبي صلى الله عليه وسلم.
إنّ حادثة الغدير تشكل نقطة فاصلة في التاريخ الإسلامي، إذ تحددت من خلالها معالم السلطة الشرعية، وأصبحت المرجعية الدينية والسياسية محكومة بمبدأ الإمامة الإلهية التي لا يجوز مخالفتها، وهو ما أثار جدلًا واسعًا، لكنه في الوقت ذاته عزز فكرة الاستمرارية في القيادة وعدم انقطاعها.
وقد أدرك العلماء والفقهاء أهمية هذا الحدث في بناء النظام الإسلامي، ولذلك أجمعوا على ضرورة دراسة أبعاده وتأثيراته على واقع المسلمين، مع التركيز على أهمية الوحدة والتمسك بالقيم الإسلامية التي تؤمن بالعدل والمساواة والرحمة.
وختامًا، فإنّ تأمل حادثة الغدير يدعونا إلى مراجعة تاريخنا بموضوعية، وتقديم نماذج القيادة الصالحة التي تستند إلى الوحي والنصوص الشرعية، والتي تحقق مصالح الأمة في الحاضر والمستقبل، وتحفظ الوحدة الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن الفرقة والاختلاف الذي لا يؤدي إلا إلى التشتت والضعف.
النقد والتحليل للحوادث المذكورة
في هذا الجزء من التاريخ يمكننا بوضوح استنباط المواقف الأصلية للنبي محمد ﷺ، والإمام علي عليه السلام، وأبي بكر وعمر، وللناس من أفعالهم وأقوالهم، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي:
- اعتقاد النبي ﷺ بفساد ونفاق الضالين وأمره عليهم بالخروج من المدينة.
- كشف النبي ﷺ عن أسباب مخالفتهم وانحرافهم.
- لعن النبي ﷺ للمخالفين.
- توجيه النبي ﷺ للناس ونصحه لهم وبيان مستقبَل الضالين وتركّز الحق في مواجهتهم ببيان واضح وصريح في القول والفعل.
- إبعاد النبي ﷺ لأبي بكر عن محراب الجماعة مع أنه كان مريضًا بشدة.
- استدعاء الإمام علي عليه السلام إلى جانبه، في حين كان في بيت عائشة.
- اصطحاب النبي ﷺ للإمام علي عليه السلام إلى البقيع والمسجد وطرد أبي بكر وعمر من بين الناس، وامتناعهما عن المشاركة في جيش أسامة، وشتيمتهما.
- طلب النبي ﷺ للدفتر والقلم، ثم تنازله بعد تعرضه لجرأة عمر. وكأن محراب أبي بكر وعمر مقابل الدواة وكتف الغنم. هل نقول: إن عمر جاهل ولا يعرف سوى الرسالة، مع أن النبي ﷺ لا يقول هذيانًا وأن كلامه وحي منزل؟ أم نقول: إن عمر يعلم ولكنه قبل هذا التصرف لمنع تحقق حق النبي ﷺ؟ على أي حال، مهما اختلفت الاحتمالات، النتيجة واحدة؛ إذ لا تتوافق جرأة عمر مع تعبيره “بخٍّ بخٍّ لك يا مولاي”.
- النبي ﷺ وهو في حالة مرض شديد يدير وجهه عن أبي بكر وعمر ويضع رأسه على صدر علي عليه السلام. فما دلالة ذلك؟ وهل الذين يناقشون معنى الولاية ويقولون أن لفظ “مولى” له معان متعددة لا معنى لها سوى التعصب والجهل؟
- أبو بكر وعمر لا يفكران في مراسم دفن النبي ﷺ بل في الخلافة واستيلاء الحكم، وعلي عليه السلام منشغل بأداء وصية النبي ﷺ، ولو شارك أبو بكر وعمر في الدفن، لوقعت خلافات وربما حرب.
وبعد هذا الجزء من التاريخ، يجب أن ندرك الوضع السياسي، ونتعرف على وجوه الحق والباطل، ونفهم نفاق الكفار وأعداء الدين، وصمود علي عليه السلام، وكيف أن أعداء الدين بعد تثبيت كل شريعة أو رسالة يخططون لهجوم على جوهر الدين ويوقفون ازدهاره، وهو السر الذي أوكله النبي ﷺ لعلي عليه السلام ليستفيد منه الأجيال القادمة.
تاريخ حياة الإمام علي عليه السلام
لا يمكن فصل حياة الإمام علي عليه السلام عن حياة النبي محمد ﷺ، فهو تجسيد للحقيقة النبوية. ولذا يُعرض هنا ملخص لحياته ليظهر دوره بعد النبي ﷺ بوضوح.
وُلد علي عليه السلام عندما كان النبي ﷺ في الثلاثين من عمره، وكانت مدة عمره الشريف 63 سنة، كما هو عمر النبي ﷺ. كان عمره 10 سنوات عند بعثة النبي ﷺ، وبقي مع النبي 13 سنة في مكة، ثم 10 سنوات في المدينة، حتى بلغ 33 سنة عند وفاة النبي ﷺ وأصبح وحيدًا في أداء واجباته، مع قلة من المؤيدين.
أمضى علي عليه السلام حياته مع النبي ﷺ ولم يتركه لحظة إلا بأمره. وبعد وفاة النبي ﷺ عاش 23 سنة أخرى، منها سنتان وأربعة أشهر في خلافة أبي بكر، وأحد عشر سنة في خلافة عمر، واثنتا عشرة سنة في خلافة عثمان. خلال هذه المدة، عانى مظلومته ووحدته في مواجهة الجهل والضلال.
بعد الخلفاء الثلاثة، حكم علي عليه السلام ظاهريًا خمس سنوات، قضى معظمها في قتال المنافقين والناكثين والقاسطين والمارقين.
أعداء الإمام علي عليه السلام
يمكن تقسيم أعداء علي عليه السلام في مراحل حياته إلى:
- أولاً: من كانوا معادين للدين والرسول ﷺ، وهم الذين وقفوا بصلابة في وجههم بلا تقيّة أو مساومة، هدفهم رضا الله والرسول ﷺ.
- ثانياً: المنافقون والحاسدون في الداخل، الذين رغم كفرهم وبغضهم، كانوا مضطرين لإظهار الطاعة ظاهريًا.
- ثالثاً: أثناء حكمه الظاهري، ظهر أعداء جدد وهم الناكثون (الذين خانوا البيعة)، القاسطون (بني أميّة وأتباع معاوية)، والمارقون (الخوارج).
الناكثون كانوا ممن بايعوه لكنه لم يحقق لهم مصالحهم، فخانوه وانحازوا إلى العدو، وأبرزهم طلحة وزبير.
القاسطون هم أهل الشام من بني أميّة، يتزعّمهم معاوية، وكانوا أشرارًا وخبيثين.
المارقون هم الخوارج الذين خرجوا عليه في معركة النهروان، متعصّبون جاهلون، وهم من قتلوه على يد عبد الرحمن بن ملجم.
أنصار الإمام علي عليه السلام
رغم قلة عدد أنصاره، كان كفوئهم كبيرًا، منهم الصحابة والتابعون الذين وقفوا معه في كل الظروف، مثل سلمان، وأبو ذر، ومالك الأشتر، وعدي بن حاتم، وعقيل بن أبي طالب، وغيرهم، الذين اشتهروا بالعلم والتقوى والشجاعة.
مقاطع حسّاسة من حياة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام
إنّ ما هو مؤكد في تاريخ حياة الإمام علي عليه السلام هو أنّه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقدَّ الحامي الأساسي والملجأ القوي الوحيد في حياته الاجتماعية.
كانت وفاة النبي صلى الله عليه وآله نقطة بداية لمعاناته وظلماته التي امتدت طوال ثلاثين عامًا؛ إذ أن الأهواء الدنيوية المتلوّثة، والعناد الشديد، وقلة الأصحاب الصالحين والمناسبين، جعلت الأمور عسيرة عليه. هو الذي قال عنه السُّلوني: “إنّه أدرى بالطرق السماوية من الأرضية، وهو بطبيعته أدرى بأمور الأرض من السماء”، وهذا التعبير يختصّ به فقط، إذ لا فرق عنده بين السماء والأرض. فكيف يُحتجز هذا الإنسان بين شياطين الجهل وقادة الضلال والضلالات! إنه يبحث في الظلمات، يشكو، وينشد، وهذا ليس بعجيب في ظل ظروف الزمان وآلام الأيام.
يفعل ذلك ليكون كل إنذارٍ لكل تاريخ الإسلام والإنسانية، وأوقاته لا تقتصر على زمانه فقط. حين قال النبي صلى الله عليه وآله: «أنا أُنزّل، وعلي يؤول»، كان يعني بذلك أنّ النبي يوضّح الظاهر من الدين ويُقام البناء الإسلامي والاجتماعي للمسلمين، بينما علي عليه السلام يُصقل النفوس ويختبر الفكر والعمل، ويكشف الحقيقة والصدق للجميع، ليُبطل خداع المغرورين والمرائين، والذين يتسللون إلى الدين بوجهٍ مزيف.
ورغم ما تحمله من أوجاع، وآلام نفسية عميقة، حتى أنه في لحظة استشهاده قال: «فزت ورب الكعبة» منادياً بالحرية والسعادة، إلا أنه كان رأس النهج في حياة الدين الإسلامي، والبرنامج الكامل لحقيقة الإسلام، وحدود الإسلام السليم، وطريق النصر للبشرية. وبهذا الصبر والثبات على الحق، حرّر نفسه من كل ضياع وارتباك، وأثبت إمكانية تحقيق الأفكار السامية للإسلام.
وهو الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله بأعلى المراتب، فكيف سمح الأعداء الماكرون بأن يُقابل بحوادث محزنة ومؤلمة، بل وأعلنوا عن شهادته مبشرين، معتبرين أنفسهم خلفاء المسلمين؟
برغم مكانته العلمية والدينية والعملية الفريدة، كان يتحمل الصعاب والمحن من أجل الإسلام ومصالح المسلمين، ولم يبخل بمساعدتهم في حل مشاكلهم وإصلاح الفساد السياسي والاجتماعي. فمن هو ذاك الذي يمتلك هذه القيمة الإنسانية والكرامة الإلهية، ثم يُترك وحيداً في مواجهة جهّال ومضللين بلا أصل ولا نسب، الذين كان أجدادهم في شرك وكفر، وقاتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله، وغطّوا أيامهم بالفجور والقذارة، وهم اليوم يسيطرون على أموال المسلمين وأرواحهم ويتولون قيادتهم!
إن أتباع الحق في بعض الأحيان يكونون ضعفاء جداً، حتى إن ابن امرأة كانت تعذب عمو النبي وتُسيء له، أصبح اليوم يقف في وجه علي عليه السلام، ويخالف الحقيقة ويجرّدها من قدسيتها، وصمت الأمة أو دعمها للباطل، يهدف فقط لتحقيق مصالح دنيوية زائلة. علي عليه السلام، الذي حمل أعباء المسلمين وأهداف الدين، كان سنداً للضعفاء والمظلومين، وعلى استعداد أن يضع نفسه في النار ابتغاء رضا الخالق والعباد، فكيف أُحبط ووُضع في مأزق، وأُهين حتى صار القرآن يُعلق على الرماح ويُظهر كأداة تعذيب؟
هؤلاء الجهلاء الضالون لا يعلمون أن علي عليه السلام في مواجهة تهديداتهم كان يكشف المنهج الحق ويعلّم الناس كيف يتعاملون مع أحداث التاريخ ويواجهون التزوير والفساد، ويضع اللباس العملي والعلمي على مفاهيم السياسة والمجتمع، ويُزيل المظاهر الكاذبة والوجوه المموّهة.
وبعد ذلك، يمكننا تلخيص مجتمع المسلمين وأحداثهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في خمسة عناوين رئيسية:
- انحراف المسلمين عن المنهج الإسلامي النبوي.
- ضعف الفكر الإسلامي في التعامل مع الأحداث.
- ظهور قادة ضالين وأتباعهم.
- تأسيس ظلم وتجاوز واضطهاد في المجتمع.
- القيادة الصحيحة والدليل الحقيقي للإمامة والولاية، التي تتمثل في الإمام علي عليه السلام، والتي تستمر دون انقطاع.
وفي العنوان الأخير يجب توضيح أمرين أساسيين: أولاً، كيف عرّف النبي صلى الله عليه وآله قيادة الإمام علي عليه السلام والأئمة المعصومين من بداية الإسلام إلى غدير خم، ومن غدير خم إلى نهاية حياة النبي؛ وثانياً، سياسة الإمام علي عليه السلام وسلوك الأئمة المعصومين في التعامل مع الناس والضالين والأحداث الاجتماعية والفردية بمختلف أبعادها.
بهذا التوضيح، يمكن الإجابة عن أسئلة المجتمع الكبرى حول النبي وصيّته للإمام علي عليه السلام، وطريقة النبي في التعبير، وطريقة المجتمع، وعدم إعلان النبي بصراحة عن وصاياه لصاحب الأمر عليه السلام.
هل كان من الممكن أن يعلن النبي صلى الله عليه وآله عن وصاياه دون تحفظ أو تأخير، ليمنع كل التوهّم والإجمال؟ وهل كان تقصير النبي في إدارة المعركة السياسية سبباً في الأحداث المؤسفة لاحقاً، خصوصاً بعد وفاته؟
هل كان سيؤدي التعريف المبكر بالمعاندين إلى كشف زيفهم وعدم انخداع الناس؟ هل كان يمكن حصر دور المعاندين فيهم حتى لا يعودوا إلى المدينة ويثيروا الفتنة؟
هل كان من الممكن إعداد جيش أسامة قبل هذا الوقت لمنع عودة المعاندين؟ عدم دخول الإمام علي عليه السلام إلى الساحة السياسية في الوقت المناسب، وتأخيره، يُعد مسألة مهمة أخرى؛ إذ أجابه الناس قائلاً: «يا علي، أنت على حق، لو جئت باكراً، كنّا بايعناك».
هذه الأسئلة وغيرها كثير تحتاج إلى إجابات بعصمة الإمام أو إلى دراسة واسعة في المجال السياسي والاجتماعي لتوضيح أن النبي صلى الله عليه وآله اختار الأنسب، وقدم الخطط التي حفظت الإسلام وأمّنت استمراريته.
من جانب آخر، هناك اختلاف واضح في منهج النبي صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام في بيان الحقيقة؛ فكل منهما اتبع طريقة تميّزته: النبي اعتمد الحذر والكتمان، والإمام كشف الحقائق والوقائع، مُبيّناً التفاصيل والمواقف الحادة، ليبقى الخط النبوي والإمامي متيناً وخالدًا.
إن هذا الأمر قد حدث فقط لذلك الإمام المكرّم، وهو من فضائلِه المميزة؛ إذ لمّا كان هو ابن رسول الله المُفضّل، وسيد شباب أهل الجنة، استُشهد مسمومًا، وقُتل جثمانه بالسهام، وذلك بأمرٍ من ابنة خليفة المسلمين وسادة الحكام الكذّابين على الإسلام. فقد أخرجوا من جثمانه الشريف سبعين سهمًا بأمرها!
كان الإمام المجتبى عليه السلام، بجماله ووقاره، زاهدًا كاملاً في الأخلاق، ومنزهًا عن الرذائل، وكانت آثار الكمال ظاهرة في حياته وأفعاله. كان كرمه وعطاؤه معهودًا عند الجميع، وزهده وعبادته وصبره في مواجهة المصاعب، ومحبة الله تعالى في قلبه، معروفةً لدى الملائكة.
وأكثر ما يجذب الانتباه في حياة الإمام المجتبى عليه السلام، ويثير إما التقدير أو النقد، هو صلحُه مع الماكر معاوية، الذي يُطرح في مقامين لبيان التحليل الموجز لأصله، ولفهم أسبابه التاريخية.
فبعد استشهاد الإمام علي عليه السلام، صعد الإمام المجتبى المنبر، وخطب في الناس بيّن خلالها موقفه وموقف الأمة، ثم جلس. وفي تلك اللحظة قام عبد الله بن عباس يدعو الناس إلى البيعة، فاستجاب الجميع وبيّعوه. بدأ الإمام بعد البيعة مهامه فورًا وأرسل حكّامه ووعّاظه إلى الأقاليم.
وكان الماكر معاوية، المنافقون الدنيويون، والخوارج الجاهلون، من المعوّقين له الذين أفسدوا عليه الأمور بالحيل والخداع والإغراء، وبدأوا المؤامرات والخيانة.
أعلن معاوية الحرب على الإمام المجتبى، وتحرك بجيش كبير نحو العراق، ولكنه في السر كان يروّج للمؤامرات بين جيش الإمام المتزعزع.
لم يكن معاوية يخشى العصيان أو الخطيئة، فهو مكر محنك، وعبد للشيطان، ومتظاهر خبیر، وكان يجذب كلّ من حوله بوعد المال أو السلطة أو الجاه أو النعيم، ولم يكن يتردد في أي وعدٍ أو تهديد.
ووعد بعض الأمراء مثل عمرو بن ريث وأشعث بن قيس وشيث بن ربيع، بزواج ابنته في حال قتل الإمام الحسن عليه السلام. فجهز الإمام جيشًا قويًا في منزل أنبار للدفاع، ولكن معاوية خدع قادة الجيش بوعدٍ ووعيد حتى قرر الإمام مغادرة الكوفة.
عندما نوى الإمام الخروج من الكوفة، عين مغيرة بن نوفل نائبًا له، وتوجه إلى نخيلة لينضم إليه الناس.
تجمع حوله أكثر من أربعين ألفًا من الجنود. قسم الإمام الأعمال وأرسى قواعد مواقعه، لكن المنافقين بقيادة معاوية قاموا بإثارة الفتن في الجيش، فضعفت سلطته.
بعد طرح شروط صلح من قبل معاوية، قبل الإمام المجتبى الصلح مع العديد من الشروط، ولكن ذلك تسبب في انتقادات شديدة من الناس الذين لم يكن لديهم عزيمة على الحرب، إذ شنّوا عليه هجومًا لفظيًا وجسديًا، ووصل الأمر إلى مهاجمة خيمته ونهب أمتعته.
رغم قلة عدد أنصاره، نجى الإمام من ذلك الصراع، لكن الخوارج المجرمون طاردوه حتى جرحه جراح بن ستان بسيفه، فأصيب في فخذه، ولكن أعداء الإمام تمت إزاحتهم بيد أنصاره.
نُقل الإمام إلى مداين إلى منزل سعد بن مسعود الثقفي، والٍ على الإمام علي عليه السلام، ثم أراد عمه مختار تسليمه لمعاوية، الذي كان قد جمع حوله الناس بأموال ووعود.
بعد أن أغلقت كل الطرق، وافق الإمام على الصلح بشروط شديدة وصارمة، رغم أن معاوية لم يكن ملتزمًا بها، وكان قد أعلن أنه لا يعارض الصلاة والصوم والزكاة، وإنما فقط يريد الحكم، ولن يلتزم بأي شرط.
ثم خطب الإمام في الكوفة بعد الصلح، موضحًا فساد الأمة، وفضح خداع معاوية، واعتبر صلحه عملاً شبيهًا بعمل الخضر عليه السلام.
عندما ذهب معاوية إلى الكوفة، انتقد الإمام علي عليه السلام علانيةً، فلم يسكت الإمام المجتبى، بل ردّ عليه بحكمة، مقارنًا نفسه وأبيه بالإمام علي عليه السلام، وأمه بالسيدة فاطمة، وأجداده، مقابل معاوية ووالده وأمه، قائلاً: “لعن الله من هو أقل نسبًا وأشهر بالكفر والنفاق”. فسكت الناس وأكدوا كلامه، وفضحوا معاوية.
كان معاوية بعد ذلك يتصرف مع أتباع الإمام مجتبى برقة قبل استشهاده، لكنه بعد استشهاده شَنّ حملات قاسية عليهم، مما تسبب في معاناة شديدة لأنصار الإمام.
حين دخل معاوية مكة مع ابنه يزيد، لم يحترمه الناس، فتجرأ على الأنصار، فردّ قيس بن سعد العبادي على معاوية بشجاعة وأوضح فضائل الإمام علي عليه السلام، مما أغضب معاوية فأصدر أمرًا يمنع ذكر فضائل الإمام علي في كل الأماكن، ويفرض لعنهم وسبّهم، وهدّد بالقتل أو السجن أو تدمير المنازل لكل من يعارض.
وحاول معاوية بذلك إبادة الشيعة، لكنه جذب المنافقين الذين استغلوا الدين لمآربهم، وبدأوا في تأليف قصص مدح معاوية وذم الإمام علي عليه السلام.
وفي الكوفة، كان يزيد بن أبيه يظلم شيعة الإمام، يقبض عليهم ويقتلهم ويعذبهم حتى لم يبقَ منهم إلا القليل مختبئًا أو مسجونًا.
وكان هذا الوضع مستمرًا حتى سبع سنوات بعد استشهاد الإمام المجتبى، حتى تلاشى الحق وحلت محله الأكاذيب، وانحرفت شؤون الدين، وصارت الخلافة ملكًا مطلقًا مثل ملوك الفرس، ورُئي معاوية كحاكم جبار يلبس رداء الدين ظاهريًا.
وهذا الانحطاط السياسي والاجتماعي هو ما مهد لقيام الإمام الحسين عليه السلام، الذي بادر إلى الحركة والتمرد ضد هذا النظام الفاسد، وأعلن موقفه بحضور جماعة من الأنصار وقريش وبني هاشم، مؤكداً ضرورة النهوض لإقامة الحق، والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله.
أرسلوا إليه رسائل ودعوات عديدة، وجميعهم دعوه إلى الكوفة، وأعلنوا مبايعتهم له، وفي النهاية وصلته ما يقارب اثني عشر ألف رسالة من الكوفة. بعد تمهيد الأجواء، والتبليغ، وشرح الأمور، والدعوات المتكررة من أهل الكوفة، اتخذ الإمام الحسين (عليه السلام) قرارات مهمة.
أرسل جناب مسلم (رضي الله عنه) مع عدد من الرجال إلى الكوفة، وأرسل رسالة إلى كبار البصرة مثل الأخنف بن قيس، منذر بن جارود، يزيد بن مسعود النهشري، وقيس بن هيثم. هؤلاء جميعهم هيأوا أهل البصرة، وأبلغوا الإمام جاهزية الناس له.
دخل جناب مسلم (رضي الله عنه) الكوفة بعد مجهودات كثيرة. بايعه الناس، واتبعوه، وصلوا وراءه صلاة الإمامة، وبلغ عدد المبعدين حوالي ثمانية عشر ألفاً. كان يرفع للحسين تقارير عن مجريات الأمور دون انقطاع، وكانت الأمور تبدو في ظاهرها تسير على خير ما يرام، وكانت مقدمات إقامة الحق واندحار العدو تتيسر بسهولة.
بعد استقرار جناب مسلم ومبايعة الناس له، وازدراءهم لوالي الكوفة، أبلغ نعمان بن بشير وعبد الله بن مسلم بن ربيعة يزيد بجميع أحداث الكوفة، وأحوال جناب مسلم ومبايعة الناس، فأدرك يزيد الخبيث أنه محاصر سياسياً في البلاد، فكلّف عبيد الله بن زياد، والي البصرة، للتدخل في شؤون الكوفة، وأرسله إليها مخولاً بسلطة مطلقة لتثبيت حكمه، واستبدل عبيد الله أخاه عثمان في البصرة، ودخل الكوفة ليلاً مع عدد من الرجال بطريقة سرية.
ذلك اللعين، بخبثه ودهائه، أعاد الأمور إلى حالها في وقت قصير، وأوقع جناب مسلم في الأسر وقتله بطريقة مؤلمة، وقمع حركة الناس وكبتها، وأجهض كل الظروف المهيأة، فلم يعد أحد يجرؤ على مواجهة عبيد الله، ففرض سيطرته الكاملة على الكوفة، وأدى مهمته بالكامل بنجاح.
ظلمُ الحُسَين (ع) وَ امتحانُ الأَصحابِ
أَعلَمَ الإمامُ في هذا المَقامِ أَصحابَهُ بِشهادةِ الأَصدقاءِ وَ مَوْقِعِه نَفْسِه وَ مَواقِفِهِم، وَ أَتاحَ لِكُلٍّ الحُرِّيّةَ بَينَ البَقاءِ وَ الرَّحيلِ. فَكَثُرَ مَن كانَ طَموحُهُ الدُّنْيا أَو لَم يَكُن مَتَيَقِّنًا بِالإيمانِ وَ المَعرفةِ التَّامَّةِ، فَتَرَكُوا الحَسَينَ بِصَمْتٍ وَ خُفْيَةٍ وَ خَلُّوا المَيدانَ، وَ هكذا نَجَوْا مِنْ اِمْتِحانِهِ. وَ بَقِيَ المُخلَصُونَ وَ أُصُولُ اليَقينِ وَ لَم يَدَعُوا لِلْهَمِّ وَ الحَزَنِ وَ الخَوْفِ مَكانًا فِي نُفوسِهِم، وَ خَرَجُوا مِنَ الامْتِحانِ العَظِيمِ مُنْتَصِرينَ وَ صَارُوا مِنْ أَفْرَادِ التَّاريخِ المُشْرِقِينَ فِي القِيامِ وَ الشَّهَادَةِ.
في سَحَرِ ذلِكَ اليَومِ أَمَرَ الإمامُ أَصحابَهُ بِحَملِ الماءِ وَ المُضيِ في الطَّرِيقِ. وَ واصَلَ القافِلَةَ سَيرَهَا حَتّى وَصَلُوا إِلى “بَطْنِ العَقَبَةِ”، ثُمَّ أَتْبَعُوا الطَّرِيقَ حَتّى أَقَامُوا فِي مَنزِلَةِ “الشَّرافِ”. ثُمَّ استَمرُّوا في سَيرِهِم حَتّى وَجَدُوا رُكبانَ “حُرٍّ” مُواجِهِينَ لَهُم. فَأَمَرَ بالتَّوقُّفِ وَ أَقَامَ خَيْمَةً عِندَ جَانِبِ جَبَلِ “ذو حَسَمٍ” وَ انتَظَرُوا حُرًّا.
حِينَ وَصَلَ حُرٌّ وَ جُنودُهُ وَهُم عَطْشانٌ وَ تَعِبونَ، أَمَرَ الإمامُ بِسَقْيِ جُنودِ حُرٍّ. ثُمَّ أَلقَى خُطْبَةً بليغَةً وَ ذَكَرَ دَعْوَةَ أَهْلِ الكُوفَةِ، فَقَالَ حُرٌّ: “وَاللَّهِ ما كُنْتُ عَلَى عِلْمٍ بِدَعْوَتِهِمْ، إِنَّمَا أُكَلفُ بِأَن أَأْخُذَكُمْ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ”.
فَقَالَ لَهُ الإمامُ: “لَنْ أَتَّبِعَكَ أَبَدًا”. فَقَالَ حُرٌّ: “وَلَكِنْ أَنَا أَيْضًا لَنْ أَفْرُّ مِنْكَ، وَلكِنْ لا أُريدُ القِتالَ مَعَكَ. لا تَذْهَبْ إِلَى الكُوفَةِ وَلا تَرْجِعْ إِلَى المَدِينَةِ. أَيْنَما ذَهَبْتَ، ذَهَبْتُ، حَتّى أَكْتَسِبَ التَّكليفَ. فَإِنِّي لا أُريدُ القِتالَ مَعَكَ”.
فَتَوَجَّهَ الإمامُ (ع) عَبْرَ “قادِسِيَةَ” وَ “عَذِيبٍ” وَ تَوَجَّهَ إِلَى اليَسارِ، وَ كانَ حُرٌّ وَ جُنودُهُ يَتْبَعُونَهُم حَتّى وَصَلُوا إِلَى “عَذِيبِ هَيَجَانَاتٍ”، ثُمَّ إِلَى “قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ” وَ استَمرُّوا في السَّيرِ، وَكانَ حُرٌّ مُلْزَمًا بِأَمْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ ابنِ زِيادٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَيِّدَ الحُسَيْنَ وَ أَصْحابَهُ فِي بِيئَةٍ جافَةٍ وَخَالِيَةٍ مِنَ المَاءِ وَالغِطاءِ.
لَمْ يَرْغَبْ الإمامُ فِي المُحارَبَةِ مَعَ حُرٍّ، فَلَمْ يُبَدِّ نِيَّةَ القِتالِ وَ توقَّفَ.
من مكّة إلى كربلاء
وَصَلَ الإمامُ الحُسَيْن (ع) وَ رِفاقُهُ النُّورَانِيُّونَ في ثانيِ يومٍ مِنْ مُحَرَّمَ سنة 61هـ إِلَى أَرْضِ كَرْبَلاء، وَ أَقَامُوا خَيْمَةَ الحُسَيْنِيِّينَ.
وَفِي المَجْمُوعِ، اِستَغَرَقَتْ حَرَكَتُهُ مِنْ خُرُوجِهِ مِنَ المَكّةِ حَوالَي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَخِلالَ هذِهِ الأَيّامِ، تَجاوَزُوا مَصاعِبَ عَدِيدَةً وَواصلوا الطَّرِيقَ بِعِزَّةٍ وَ جَلالٍ وَ قُوَّةٍ دُونَ خَوْفٍ أَوْ رِهبةٍ، وَ أَقَامُوا في أَرْضِ كَرْبَلاء وَانتَظَرُوا المُسْتَقْبَل.
ابن سعد وعبيد الله ابن زياد
كانَ عُمَرُ سَعْدٍ وَلِيًّا على رِيّ وَ كانَ مُتَجِهًا إِلَى رِيّ حِينَ وَقَفَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ابن زِيادٍ وَ قالَ له: “يا ابن سعد، وِلايَةُ رِيّ مُرْتَبِطَةٌ بِقَتْلِ الحُسَيْنِ وَ أَصْحابِهِ، فَسِرْ إِلَيْهِ بِأَسْرَعِ مَا تَسْتَطِيعُ”.
أَبَى ابن سعدُ أَوَّلًا وَكانَ يَرَى نَفْسَهُ بَيْنَ الحَقِّ وَ البَاطِلِ، وَكَرِهَ أَنْ يُخْلِفَ عُبَيْدَ اللَّهَ، وَلَكِنَّ نَفْسَهُ الطَّمِعَةَ أَغْرَقَتْهُ فَاختارَ طَريقَ البَاطِلِ وَانْطَلَقَ إِلَى كَرْبَلاءَ.
وَفِي الجَانِبِ الآخَرِ، كَانَ حُرٌّ وَ جُنودُهُ، وَفِي الوَجهِ المُقابِلِ، كانَ سَيِّدُ الشُّهدَاء الحُسَيْن (ع) وَ أَصْحابُهُ القَلِيلُونَ وَمَملُوءُونَ مِنَ الرُّوحِ وَ الإِيمَانِ.
وصولُ شَمْرٍ إِلَى كَرْبَلاء
وَصَلَ شَمْرُ اللَّعِينُ إِلَى كَرْبَلاءَ يَوْمَ التاسِعِ مِن مُحَرَّمَ، وَقدَّمَ رِسالَةَ ابن زِيادٍ إِلَى ابن سعدٍ وَ اطلعَ على الأَوامرِ القَسْوَى بِشَأْنِ الحُسَيْنِ (ع).
وَقَالَ ابن سعدٍ لَهُ: “واللَّهِ، الحُسَيْنُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ البَيْعَةِ لِيَزِيدَ. إِنَّهُ ابْنُ عَلِيٍّ! لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا شَمْرُ”.
ليلَةُ عاشوراء
تَكَلَّمَ الإمامُ الحُسَيْنُ (ع) مَعَ أَصحابِهِ بِهُدوءٍ، وَقالَ: “أَنا أَعْرِفُ أَنَّ قَتْلِي وَ قَتْلَ أَصْحابي حَدَثٌ قَدْ قَدَرَ اللَّهُ تَقْدِيرَهُ. وَلكِنَّ الدِّينَ وَ العِزَّةَ وَ الحَقَّ يَسْتَدِعُونَنِي لِهذَا القَدَرِ”.
الاستعداد للمعركة
في ليلة عاشوراء، استعد الإمام الحسين (ع) وأصحابه للمعركة المحتومة، حيث لم يكن خيار الهروب أو الاستسلام مطروحًا في ذهنية الإمام، بل كان عزمهم راسخًا على مواجهة الظلم والقتل دفاعًا عن الحق والعدل.
وقد خطب الإمام الحسين (ع) أصحابه قائلاً: “إن الموت في سبيل الله شهادة، وإن البقاء في سبيل الباطل خيانة للحق”.
وقد أظهر الأصحاب إخلاصًا لا مثيل له، وقدموا أنفسهم فداءً للحقيقة، وكانت ليلة مليئة بالتأمل والدعاء والصلوات التي تعكس صدق الإيمان وقوة العزيمة.
معركة الطف
عندما بزغ فجر عاشوراء، اشتدت المعركة بين جيش الإمام الحسين (ع) وجيوش عبيد الله ابن زياد التي كانت تتفوق عددًا وعتادًا.
رغم قلة العدد وقلة الإمكانيات، قاوم الإمام الحسين (ع) وأصحابه ببسالة وشجاعة، وظلوا صامدين حتى نفدت قواهم.
وقد استشهد في هذه المعركة المباركة الإمام الحسين (ع) مع أغلب أصحابه، مسطرين أروع صور التضحية والوفاء في التاريخ الإسلامي.
دروس وعبر
إن واقعة كربلاء ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي مدرسة عظيمة تعلمنا معنى الإباء، الثبات على المبادئ، والتضحية من أجل الحق.
لقد أظهرت هذه الواقعة أن الظلم مهما طال أو اشتد لن يدوم، وأن الحق مهما قُتل من أجله فهو حي خالد.
وهي تذكرة دائمة لنا جميعًا بضرورة التمسك بالقيم الإنسانية والإسلامية في مواجهة الطغيان والاستبداد.
تأثير كربلاء في الفكر والثقافة الإسلامية
لقد تركت واقعة كربلاء أثراً بالغاً في الثقافة الإسلامية والعربية، فهي ليست مجرد ذكرى حزينة، بل رمز خالد للثبات على المبادئ والقيم السامية، وأيقونة للمعركة بين الحق والباطل.
ففي الفقه الإسلامي، مثّلت كربلاء نموذجًا للرفض الحازم للظلم والفساد، ودعت إلى الالتزام بالعدل والحق مهما كلف الأمر. كما أثرت في الأدب العربي، حيث خلد الشعراء هذه المناسبة بقصائد تمجد البطولة والشجاعة، وتنقل معاناة الإمام الحسين وأصحابه بأبلغ العبارات وأرقى الصور البلاغية.
الرمزية الدينية والاجتماعية لكربلاء
تُعتبر كربلاء رمزًا روحيًا يربط بين الأجيال، فالحسين (عليه السلام) يمثل في قلوب المسلمين نموذج الإمام العادل والمصلح، الذي يقف في وجه الطغيان مهما كان الثمن. وهذا ما يجعل ذكرى عاشوراء مناسبة سنوية يتجدد فيها العهد على الصمود والتمسك بالقيم الإنسانية.
كما تحولت كربلاء إلى مركز روحي هام يقصده الملايين من المسلمين سنويًا لأداء الزيارة، تعبيرًا عن الولاء والحب، وللاستمداد من روح التضحية والإيمان.
الدروس المستفادة من كربلاء في بناء المجتمعات
تُعلّمنا واقعة كربلاء دروسًا جوهرية في مجال بناء المجتمعات الصالحة، حيث تبرز أهمية الالتزام بالقيم الأخلاقية، والرفض الحازم لكل أشكال الظلم والاستبداد. فقد أثبتت التجربة أن الوقوف في وجه الطغيان لا يقتصر على القوة المادية فقط، بل يشمل قوة الإيمان والروح والتمسك بالمبادئ.
وعلى صعيد القيادة، تبرز شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) كقدوة في الحكمة والشجاعة والمسؤولية الاجتماعية، حيث جمع بين الحكمة في التخطيط والشجاعة في المواجهة، بالإضافة إلى التضحية من أجل حماية الحق والمصلحة العامة.
تأثير كربلاء على الفنون والتعبير الثقافي
لقد ألهمت واقعة كربلاء العديد من أشكال التعبير الفني، حيث نجد في المسرح، والسينما، والرواية، والفنون التشكيلية، محاولة دائمة لإحياء هذه الحادثة وتقديمها بصورة تلامس وجدان الأجيال الحديثة. فالأدب الرثائي والمأساوي الذي تناول هذه الواقعة يشكل جزءًا هامًا من التراث الثقافي الإسلامي، كما أن الموسيقى والشعر الملحمي يسعيان إلى تعزيز الروح الوطنية والإنسانية من خلال إبراز قيم التضحية والفداء.
الأبعاد الفلسفية والروحية لواقعة كربلاء
تمثل كربلاء نموذجًا متكاملًا للصراع بين الحق والباطل، حيث تتجلى في هذا الحدث معانٍ عميقة تتجاوز الظواهر المادية لتصل إلى جوهر الوجود الإنساني وقيمه الروحية. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يقف فقط كرمز للمقاومة السياسية، بل كرمز للالتزام الأخلاقي والروحي، ما يعكس مفهوم التضحية والفداء الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان.
ومن خلال قراءة فلسفية، نرى في كربلاء تجسيدًا لمبدأ الحرية والكرامة الإنسانية، حيث يتجلى الرفض القاطع لكل أشكال الظلم والاستبداد، وهو ما يمثل منطلقًا لفهم أعمق للعلاقة بين الإنسان والسلطة، وللأدوار التي يجب أن تلعبها الضمائر الحية في المجتمع.
دور كربلاء في الفكر السياسي المعاصر
لقد تركت واقعة كربلاء أثرًا بارزًا على الفكر السياسي في العالم الإسلامي، حيث استُلهمت من مبادئها أطر فكرية تدعو إلى مقاومة الظلم والاستبداد، وترسيخ قيم العدالة الاجتماعية. فقد استُخدمت كرمز للتعبير عن الثورة والاحتجاج ضد الأنظمة الاستبدادية، واعتُبرت مصدر إلهام لحركات التحرر الوطنية والديمقراطية.
ويشير التحليل السياسي إلى أن مفاهيم كربلاء تشكل نموذجًا للدفاع عن الحقوق والكرامة في مواجهة الهيمنة، وهو ما يبرر استمرارها كمرجعية فكرية للأفراد والجماعات الساعية إلى التغيير السياسي والاجتماعي.
أبعاد الاجتماعية والإنسانية لواقعة كربلاء
لقد شكّلت واقعة كربلاء نقطة تحوّل حاسمة في الوعي الجمعي للمجتمعات الإسلامية، إذ لم تقتصر على البعد السياسي فقط، بل امتدت لتشمل البعد الاجتماعي والإنساني. فقد أثّرت هذه الواقعة في تشكيل قيم التضامن والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، وأرسَت قواعد الأخلاق والرحمة في التعامل بين الناس، خاصة في مواجهة الظلم والاضطهاد.
كما أظهرت كربلاء أهمية الوحدة الوطنية والالتزام بالقيم الإنسانية المشتركة التي تفوق الانتماءات القبلية أو الطائفية، فكان درسها نابضًا بالحياة في كل زمن ومكان، وحافزًا للمجتمعات على بناء جسور التفاهم والاحترام المتبادل.
الرمزية والتأثير الثقافي لكربلاء
تُعد كربلاء محورًا غنيًا بالرموز والمعاني التي تغذّي التراث الثقافي والفكري، حيث تمثل رمزية الإمام الحسين (عليه السلام) وأحداث المأساة نمطًا فريدًا من التفاعل مع مفهوم العدل والتضحية. فقد استُخدمت هذه الرموز في الأدب والشعر والفنون التعبيرية لتعميق فهم الإنسان لقيم المقاومة والثبات أمام التحديات.
ولا تزال هذه الرمزية تلعب دورًا محوريًا في تحفيز الشعوب على الاستمرار في نضالها من أجل حقوقها، وتجديد الروح المعنوية في مواجهة الصعوبات والتحديات، مما يثبت أن كربلاء ليست مجرد حدث تاريخي، بل تجربة روحية وثقافية مستمرة تتجاوز حدود الزمان والمكان.
من كربلاء إلى المدينة
يَجِبُ الآنَ الإشارةُ بإيجازٍ شديدٍ إلى مسيرة القافلة الصغيرة والمظلومة من كربلاء إلى المدينة، ليكون عبرةً للقلوب الطاهرة والأحرار والمفكرين وجميع الناس. كانت أول محطة توقُّف لهذه القافلة الجريحة هي الكوفة، التي كانت يوماً مركز حكم الولاية. وبعد استشهاد الأبطال ونهب الخيام، وهتك الأعراض، لم يهدأ قلب عمر بن سعد، ولم يرَ أن الأمر قد انتهى، فشرع في أعمال تبليغية وإيضاحية كثيرة. في يوم عاشوراء، أرسل سر الحسين ٧ المبارك إلى عبيد الله بن زياد بواسطة «خولي بن يزيد» و«حميد بن مسلم»، مهنئاً ومواسيًا له، معلناً بذلك تقرير عمله واستباقه على شمر في أحداث كربلاء. أمّا بقية الرؤوس المباركة للشهداء والرفقاء الصادقين، والبالغ عددهم اثنين وسبعين رأساً، فأُرسلت إلى ابن زياد بواسطة «شمر بن ذي الجوشن» و«قيس الأشعث» و«عمر بن حجاج»، نقلوا له كل الأحداث وأعلنوا انتهاء مهمتهم. وفي اليوم الحادي عشر من المحرم، وهو اليوم التالي لعاشوراء، صلى ابن سعد على قتلاه القذرين ولم يُلقِ بالاً لشهداء كربلاء، وإنما اكتفى بالصلاة على قتلى الشيطان ودفنهم.
بعد خروج ابن سعد وأعوانه الشياطين من كربلاء، جاء أهل قبيلة «بني أسد» وصلى بهم الإمام السجاد ٧ على جثامين الحسين ٧ ورفاقه الطاهرين، ودفنوهم في موضع المجزرة. وفي ذات اليوم، أمر ابن سعد اللعين بإحراق خيام أولاد الحسين ٧، وخرجت أهل البيت بلا احترام أو تعزية، مكشوفو الوجوه، أسرى وكفرة، رُكبوا على جمالٍ بلا سرج. عبر الإمام السجاد ٧ مربوطاً بالأغلال من جوار مقتل الشهداء، ومع أن القلوب أُحرقت بنيران الظلم، أحيوا شعلة العدل وتركوا ألماً خالدًا في قلوب الأصدقاء. حقاً، فإنّ هذه اليتمة والغرب والبعاد استثنائية لا يُطيقها أحد.
حُركت القافلة من كربلاء، ومن الجدير بالذكر أن هذه المسيرة مع هذه العصابات الظالمة، بكل تلك القذارة والفساد، لم تكن سهلة في كل مدينة وقرية، ولا يمكننا إدراك ما جرى، خصوصاً بالنسبة للإمام السجاد ٧ الذي كان في الثانية والعشرين من عمره وحالته الصحية سيئة. ما لدينا من تلك الوقائع أخبار فقط، ولا يمكننا الوصول إلى كنهها. عند وصولهم إلى كل مكان، بقدر استطاعتهم كانوا يزيدون من الأذى والمهانة، ويعدّون الساحة مسبقاً لإيذاء القافلة، ويُكرّسون أعوانهم لذلك.
في بعض المدن، كان الناس يضيئون الشوارع ويحتفلون بشمائل الانتصار. وفي مدن أخرى، كان الناس يتجاهلون المأساة أو يثيرون ضجة خفيفة، وبعض المناطق رفضتهم تماماً ولم يسمحوا لهم بالدخول. كانت نواياهم الإيذاء والتبليغ. وفي المقابل، لم تكن السيدة زينب ٣، قائدة قافلة كربلاء، ولا الإمام السجاد ٧، ولا النساء والأطفال ساكنين صامتين، بل بلغوا الناس بالحقيقة، حتى لم يبق لسعيد بن يزيد وابن زياد والشياطين الآخرين ماء الوجه، وصار الناس يلعنونهم وينتقمون منهم. قد أبطلت دعوة الحق كل دعاية الباطل وكشفت زيفها. استمرت القافلة في مسيرها من كربلاء إلى الكوفة، ومن ثم إلى الشام، حيث يزيد بن معاوية.
من الكوفة إلى دمشق
عبرت القافلة مسافات طويلة من الكوفة إلى دمشق، متحملة صعوبات كثيرة، وشاهدة على قبح وجمال عدة أماكن حتى وصلت دمشق.
نقلت القافلة المظلومة من «حصاصة» إلى «تكريت»، ثم «الأعمى»، «دير العور»، حتى «نخلة»، ومنها إلى «بلبا»، «عين الوردة»، «قنسرين»، «معرة النعمان»، ثم «سيبور»، «حماة»، «حمص»، «بعلبك»، «يرولهب»، وفي النهاية دخلوا الشام بصعوبات بالغة. في هذه المناطق، كثير من الناس، عندما عرفوا أنهم جنود ابن سعد القذر، لم يسمحوا لهم بالدخول، وابتعدوا عنهم بحجة أو قسر، وأثاروا خلافات بين الناس، ففرح البعض وحزن آخرون. في بعض المناطق، كان الناس يبكون ويندبون، ويواجهون جيوش عمر بن سعد. بعضهم استقبلوا أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ٩ بالفرح، وبعضهم أظهر العداء. كانت السيدة أم كلثوم ٣ تدعو لهم بالبَرَكة، وتلعن آخرين، لأن قلبها الطاهر يتألم لأحوال الناس. هذه القافلة الحزينة والمكلومة، وبعد تحمل الأهوال، وصلت دمشق ثم إلى مجلس يزيد. أدخل القتلة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ٩ في وضع بشع إلى مجلس يزيد الظالم، مبرزين انتصارهم الظاهري.
الظلم والمصيبة التي حلّت بهذه العائلة لم يمكن وصفها أو تحملها، حتى أن يزيد لم يعد يستطيع الاستمرار في إهانتهم، فاضطر لإظهار احترام شكلي لهم.
وقد طبّق أهل البيت سياسة دعوية حكيمة سدّت كل الطرق أمام الكفر والعداء، وأجبرتهم على الخضوع والاحترام الظاهري.
لن تُنسى أحداث مجلس يزيد أبداً، ويجب أن تسجلها كتب التاريخ لتروي كيف واجهت الكمالات والكرامات ذلك البشاع. وبعد الهزيمة السياسية وفقدان الهيبة الاجتماعية، اضطر يزيد لاحترام تلك القافلة الإلهية.
أرسل القافلة إلى المدينة باثنين وثلاثين حارساً تحت قيادة «نعمان بن بشير» من صحابة النبي صلى الله عليه وآله ٩، وبعد طلبات الإمام السجاد ٧ العادلة، التي كانت بمثابة ختم إنساني لكل جرائم يزيد وأعوانه، وأخيراً كسرت هذه القافلة المظلومة كل المخططات السياسية وانتصر الحق على الباطل.
دخول القافلة إلى المدينة
كانت لحظة دخول القافلة إلى المدينة حزينة جداً، حيث استقبلها الناس ببكاء ونحيب لم يسبق له مثيل. صارت المدينة مأوى الحزن والأسى، وأضحت عائلة الحسين شمعة مآتم أهل المدينة. وعندما أدرك أهل المدينة عمق الجرائم، بدأوا بقطع كل علاقة مع حكم يزيد الظالم وأظهروا معارضتهم له.
ثورة المختار؛ زوال بنو يزيد
تدهورت الأحوال السياسية لبني يزيد إلى درجة أن قلة قليلة فقط كانوا يدعمونهم. ولم يمض وقت طويل حتى قضى المختار على الجناة واحداً تلو الآخر، ونال المذنبون في كربلاء جزاءهم الدنيوي، وذهب حلم الحكم والسلطة معهم إلى القبر والنار.
التلاميذ مثل زرارة، وأبان، ومحمد بن مسلم الذين رووا آلاف الأحاديث بفهمٍ عميق وتأويلٍ صحيح. وأناسٌ مثل جابر بن حيّان الذي كان من علماء العلوم الغريبة والرياضيات والجفر وغير ذلك من المجالات التي يُشار إليها في العالم العلمي حتى اليوم.
وكذلك علماء أهل السنة مثل سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والقاضي السكوني، وأبو البختري، الذين افتخروا بتلمذة الإمام. وعندما استتب حكم بني العباس، أي عندما انقرض بنو أمية، وقُضي عليهم جميعًا، ضاق العباسيون على الإمام كثيرًا، فتعرّض للظلم والاضطهاد من عدة خلفاء في تلك الدولة، وفي النهاية استشهد مسمومًا بيد “منصور العباسي”.
كان منصور يهدف إلى القضاء على الشيعة وإمامة الأئمة المعصومين، فأمر والي المدينة أن يحصل على وصية الإمام، وأن يقتل الوصي، وهو الإمام الطبيعي بعده، فورًا، لكن الإمام الصادق كان على علم تام بذلك، فوكل وصيته إلى عدد من الأشخاص بينهم الخليفة والوالي، وجعلهم أمناء عليه، فبذلك باءت مؤامرة الخليفة بالفشل.
ومن فضائل الإمام الروحية والكمالية الظاهرة: يُقال إنه كان دائمًا إمّا يصلي ويصوم، أو يذكر الله ويتفكر في الحق، أو يربي النفوس المؤهلة، ولم يكن للدنيا ولا للشهوات المادية مكان في ذهنه.
مدخل إلى معرفة الأئمة المعصومين:
للتعرف على أصحاب العصمة يجب الانتباه إلى أن الطرق العادية والوصفيات السطحية لا تعبّر حقًا عن حقيقتهم الوجودية، رغم أن هذه الطرق قد تكون مفهومة لنا وأقرب للآخرين.
حينما تظهر مناسبة أو ظرف خاص لأي من الأئمة المعصومين، يتجلى فيه سمة مميزة كأنها الصفة الفريدة لهم، مع أن المعصومين يتمتعون بكل الصفات في آن واحد.
مثلًا، شجاعة أمير المؤمنين والإمام الحسين، وصبر الإمام الحسن المجتبى، وزهد الإمام السجاد، وعلم الإمامين الباقر والصادق، كلها علامات بليغة على ذلك.
وعلم الإمام الصادق نمت وتوسعت حتى بدا كأن كل العلوم متجسدة فيه، من خلالها انتقلت إلى الآخرين، وكذلك الحال في مجالات أخرى لكل من الأئمة المعصومين.
الإمام موسى الكاظم:
هو موسى بن جعفر، الابن الوحيد المعصوم للإمام الصادق، الإمام السابع عند الشيعة وباب الحوائج بين الأئمة المعصومين، وأيضًا من أسباطهم وأوليائهم الروحيين والمعنويين.
ولد في السابع من صفر سنة 127 هـ في “أبوا” وأضاء العالم بجماله.
اسمه موسى، وكنيته أبو الحسن وأبو إبراهيم، وله ألقاب كثيرة منها الصابر، الكاظم، الصالح، والأمين، وأشهرها الكاظم.
أمه الكريمة “حميدة” كانت زاهدة وطاهرة، ووصفتها الإمام الصادق بأنها طاهرة ونقية، وكانت ذات مكانة كبيرة في قلوب النساء.
كان زاهدًا ومجاهدًا، وهو الإمام الوحيد الذي قضى جهاده في السجون، إذ عانى سنوات طويلة من الظلم والاعتقال.
معجزاته كثيرة، وكان دائمًا معينًا للناس في الأوقات الصعبة، وهذا من عجائب حياته.
استشهد في حوالي سن الرابعة والخمسين في سجن سندي بن شاهك بتاريخ 25 رجب 183 هـ، إذ ضاق العباسيون ذرعًا ببقائه وكيدوا له حتى استشهد.
امتدت إمامته خمسة وثلاثون سنة، وقد تقلد الإمامة في سن العشرين.
شهد عهد عدة خلفاء عباسيين، منهم المهدي والهادي ومنصور، وتحمّل ظلمهم.
فضائله وكمالاته لا تقارن، ولا يصل إلى مثلها إلا الأ الإلهية والأئمة المعصومين.
يمكن فهم تلك المقامات من خلال أقواله، أفعاله، أدعيته، والزيارات المنسوبة إليه، مما يعكس عمق روحه.
أولاد الإمام موسى الكاظم:
كان له عدد كبير من الأبناء والبنات، وبرز بينهم السيدة فاطمة المعصومة، والملك الشيراز، والحسن بن موسى، والذين لهم خصائص خاصة، إضافة إلى الإمام الثامن الذي هو بحر من الكمالات.
الرفاق والتلاميذ:
إلى جانب أولاده، رَبّى الإمام موسى الكاظم رفقاء وتلاميذ مخلصين، منهم حماد بن عيسى ويونس بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن، وعبد الله بن جندب، وعبد الله بن يحيى الكاهلي، وهشام بن حكم، وأبو محمد، وعلي بن يقطين، وهم رواة حديث زاهدون أمناء، تحملوا في ظل عباسية الظلم أمانة الإمامة والعصمة.
الإمام الرضا:
بعد الإمام موسى الكاظم، جاء الإمام علي بن موسى الرضا، المولود في الحادي عشر من ذي القعدة سنة 148 هـ في المدينة.
كان الإمام الصادق يتوق لرؤيته وأوصى به كثيرًا، اسمه علي وكنيته أبو الحسن، وله ألقاب عديدة أشهرها الرضا.
كان رمز الإمامة والعصمة في مواجهة الكفر والزندقة والنفاق والظلم، ولا توصف فضائله وحده سوى هو.
كان كريمًا معطاءً محبًا، يستفيد منه الجميع من أصدقاء وأعداء ومحتاجين.
كان يتمثل في حلمه وصبره الصبر المطلق، وله معجزات مشهورة بين الناس.
كان له دور سياسي وعلمي واجتماعي عظيم، أبرز به نفاق الخليفة المأمون وزيف العلماء المدّعين.
توفّي مسمومًا في غربته عام 203 هـ، وظل في إمامته عشرين عامًا، وكان عمره عند استشهاده 53 عامًا.
أرسى خلال فترة إمامته ثقافة الشيعة وأسس لشعبيتهم ونموهم، وأجاد المناظرات العلمية وجعل مختلف الفرق الدينية تخضع له.
الإمام الجواد:
خلف الإمام الرضا الإمام محمد الجواد، المولود في رمضان سنة 195 هـ بالمدينة من أم فاضلة.
كنيته أبو جعفر ولقبه الجواد، تولى الإمامة وهو لم يتجاوز تسع سنوات، وواجه كثيرًا من الشكوك لكنه أثبت عصمته وحقه.
واجه المؤامرات من الخليفة المعتصم الذي كان يخطط لقتله، وتم اغتياله بواسطة زوجته “أم فضل” ابنة المأمون عام 220 هـ.
الإمام الهادي:
تلو الإمام الجواد الإمام علي الهادي، المولود في نصف ذي الحجة 212 هـ، وكان يُعرف أيضًا بأبو الحسن ثالث.
كانت أمه السيدة “سمانة المغربية”، ذات تقوى عالية.
كان معروفًا بالزهد والتقوى، وأقام في المدينة حتى استدعاه الخليفة المتوكل إلى سامراء خوفًا منه.
عانى من ظلم العباسيين وكان يعاني من مضايقات مستمرة، ورُسمت له نهايته بالموت مسمومًا على يد المعتمد، في سنة 254 هـ.
أولاد الإمام الهادي ورفاقه:
كان له خمسة أبناء بارزين، منهم الإمام الحسن العسكري، وكان له تلاميذ ورفقاء مخلصون مثل الحسين بن سعيد، وأبو هاشم جعفري، وابن سكيت، وعبد العظيم الحسني.
ويعد عبد العظيم من كبار رواة الحديث وأصحاب الفضائل، ومكانته عظيمة في مدينة ري التي تحولت نسبة إليه.
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
بعد استشهاد الإمام الهادي (عليه السلام)، تولى الإمام العسكري (عليه السلام) الإمامة، وتولى رعاية أيتام آل محمد (عليهم السلام). وُلد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في سنة ٢٢٢ هـ في المدينة المنورة الطيبة. اسمه الشريف هو الحسن، وكنيته أبو محمد، ولقبه المكرم هو “العسكري”.
نشأ الإمام في كنف أم فاضلة وعظيمة الخصال تدعى “سليل”، التي كانت من أفضل نساء عصرها. كانت معجزات وكرامات الإمام العسكري (عليه السلام) وأفضاليته ومقامه الرفيع معروفة للجميع، حتى أضحت محل إشادة أصدقاءه وأعدائه على حد سواء. كان وجوده سببًا في اضطراب الخليفة العباسي وأعوانه، إذ سلب منهم راحة البال والأمان.
وقد أوجدت حساسية العصر وفساد الخلافة العباسية، إلى جانب كرامة الإمام ورفعة مقامه، أجواءً جعلت الناس لا تغفل عن ذكره ولو للحظة، وكانوا متوجهين إليه بأنظارهم ومتابعين لكل تحركاته، سواء كانوا أصدقاءً أو أعداءً.
رغم ذلك، لم يَتَورّع الأعداء عن إيذائه ومضايقته، ولم يجدوا أمامهم سوى طريق القسر والغدر والاضطهاد.
يد المعتمد الملطخة بالدم
كان الخليفة المعتمد يتعامل مع الإمام بقسوة بالغة، فألقاه في السجون، وابتدع له أشد أنواع الأذى. وبدون رحمة، سمّم المعتمد الإمام العسكري (عليه السلام) بواسطة أذنابه الخبيثين، وادعى أمام الناس أن الإمام قد توفي موتًا طبيعيًا.
بعد تسميمه، حشد الخليفة أذياله في محيط الإمام، وحاول تمويه الحقيقة على الناس، لئلا يشاهدوا آثار السم في جسد الإمام الطاهر.
حدث استشهاد الإمام في سنة ٢٦٠ هـ، ودفن جثمانه الطاهر في سامراء إلى جانب أبيه الهادي (عليه السلام). كان عمره الشريف آنذاك تسعًا وعشرين سنة.
عقب استشهاده، عمّ الحزن والأسى بين الناس، وكانت الصرخات تملأ الأجواء، وكان الجميع في حالة حداد شديد.
أما الخليفة وأذنابه، فقد تظاهروا بالخوف والجزع الكاذب، وأقاموا العزاء، معلنين وفاة الإمام موتًا طبيعيًا. في هذه الأثناء، حاصر المعتمد بيت الإمام، وبذل كل جهد ممكن للبحث عن الإمام المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ونوى قتله والقضاء عليه، لكنه لم يجد سوى الهزيمة والخذلان، وحمل معه هذا الوهم الزائف إلى جهنم.
الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
حسب الرواية الأشهر، وُلد الإمام المهدي في منتصف شهر شعبان سنة ٢٥٥ هـ في سامراء، من أمٍّ طاهرة اسمها نرجس الخاتون، التي وُصفت بأنها تشبه أم موسى عليه السلام. وقد أضاء العالم بحضوره البهي وجماله المشرق.
اسم الإمام المهدي وكنيته هما نفس اسم وكنية جده النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
للإمام المهدي أسماء وألقاب كثيرة منها: المهدي، المنتظر، الحجة، صاحب الأمر، خاتم الأوصياء، وبقية الله.
بعد ولادته، بقي الإمام في محيط العائلة وبين الناس لفترة محدودة وبحرص شديد حتى استشهاد والده، وكان يظهر أحيانًا في المواقف الحساسة.
عقب استشهاد الإمام العسكري، صلى الإمام المهدي على والده وأوضح لأهل العلم والأصدقاء مسؤولية الإمامة وواجب الأمة، وأبلغها مباشرة في أوقات الضرورة.
منذ ذلك الحين بدأت فترة الغيبة.
غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
للإمام الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى.
بدأت الغيبة الصغرى سنة ٢٦٠ هـ واستمرت حتى سنة ٣٤٩ هـ، أي لمدة تسعة وستين عامًا، وكان للإمام خلال هذه الفترة أربعة نواب خاصين يعبرون عن وصاياه ويوصلون رسائله إلى الناس.
أول النواب كان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (٢٦٠-٣٠٥ هـ)، ثم أبو جعفر بن عثمان بن سعيد العمري (٣٠٥-٣٢٦ هـ)، ثم أبو القاسم حسين بن روح النوبختي (٣٢٦-٣٢٩ هـ)، وأخيرًا أبو الحسن علي بن محمد السمري (٣٢٩-٣٤٩ هـ).
الغيبة الكبرى
بدأت الغيبة الكبرى منذ سنة ٣٤٩ هـ وتمتد إلى اليوم، حيث لم يعين الإمام نائبا خاصا.
قال الإمام قبل وفاة آخر نائب خاص له علي بن محمد السمري: “سوف تموت بعد أيام معدودات، فلا تعين أحدًا بعدي، فتبدأ الغيبة الكبرى”.
مدة الغيبة الكبرى مجهولة، ولا يمكن لأحد أن يحدد زمنها، لذا ينبغي للمؤمنين الإكثار من الدعاء لتعجيل ظهور الإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
لظهور الإمام صفات وخصائص كما للغيبة. هناك العديد من الروايات التي تتحدث عن ظروف الغيبة وكيفية ظهور الإمام وحكمه، وهي ذات أهمية بالغة.
عند ظهوره، سيكون له أنصار مخصوصون، ويكون حكمه مطاعًا بحيث لا يستطيع أحد معارضته. سينفذ أحكام الله كاملة ويعاقب الظالمين، ويوفر الأمن والراحة للصالحين، ويخرج آباءه الطاهرين من الغربة.
هذا ملخص تحليلي ومقارن لسير النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) والأئمة المعصومين (عليهم السلام). نأمل أن يحظى هذا النص برعاية وتأييد حضراتهم، ويكون منارة حق تهتدي بها الأجيال القادمة.
[1] ـ شعراء / 214.
[2] ـ بقره / 207.
[3] ـ بحارالا، ج27، ص324، باب1، ح4.
[4] ـ آلعمران / 144.
[5] ـ الارشاد، ج1، ص176.
[6] ـ مائده / 67.
[7] ـ بحارالا، ج44، ص327، باب87، ح2.
[8] ـ بحارالا، ج28، ص270.
[9] ـ مائده / 3.
[10] ـ مائده / 67.
[11] ـ بحارالا، ج18، باب6، ص18.
[12] ـ بحارالا، ج35، باب3، ص118.
[13] ـ زهّاد ثمانيه عبارتند از: عامر بن عبدالقيس، اويس قرنى، هرم بن حيّان، ربيع بن خثيم، مسروقبن الاجدع، اسود بن يزيد، ابومسلم خولانى، حسن بصرى. فيه ما فيه، حواشى و تعليقات،ص272.
[14] ـ منتهى الآمال، ص248.
[15] ـ اشاره به سخن بلند حضرت امير 7 دارد كه با اشاره به سينهى مباركش به جناب كميلفرمود: «ألا هيهنا لعلمآ جمّآ لو أصبت بها حملة»؛ آگاه باش در اينجا دانش انباشتهاى است؛چنانچه براى آن حملكنندگانى بيابم.
[16] ـ بحارالا، ج22، ص48.
[17] ـ بحارالا، ج22، ص398.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.