البداية:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
تاريخ دائم الحياة
المعلومات التعريفية:
- المؤلف: (ولد 1327 هـ ش)
- العنوان: التاريخ دائم الحياة / .
- مكان النشر: إسلام شهر: ، 1393 هـ ش.
- عدد الصفحات: 47 صفحة.
- رقم الكتاب الدولي: 50000 ريال
- ملاحظات: الطبعة الثانية. الطبعة السابقة: ظهور شفق، 1386 هـ ش.
- الموضوع: التاريخ – الفلسفة
- تصنيف الكونغرس: DS16/8/ن8ت2 1393
- تصنيف ديوي: 901
- رقم الفهرس الوطني: 3672744
المقدمة
إن معرفة ماهية التاريخ والتأملات الفلسفية فيه قد شغلت ذهن العديد من الفلاسفة.
الزمن والحركة المتدفقة هما وجهان ظاهران لظهور ووجود كائن ثابت ومستقر، حيث التجديد والحياة الجديدة هما ظهور هذه السيولة. التاريخ هو الأرض الثابتة التي تظهر عليها تجديدات الوجود؛ وجود في إطار المادة المتدفقة التي لها وجهان: الثابت الحقيقي والمتغير التدريجي.
أحد هذه الوجوه هو الزمن الذي يشكل الجوهر والروح للوجود، والوجه الآخر هو الاستقرار والبقاء المادي الذي يستدعي ربوبية دائمة. بهذه الصورة، يستطيع الإنسان أن يتأمل في حياته وحياة من صبغه، يبدأ بنفسه، يتبع ظهورات الماضي الثابتة، وينظر إلى السابقين كما لو كانوا شخصياته الخاصة، فيتفاعل معهم، ويرى نفسه ومجتمعه حيًّا، ويبعد اليأس، ويواصل البحث عن التجديدات دون تكرار، ويسعى دوماً إلى الجهد والشعور الواعي.
واحدة من القضايا التاريخية المهمة التي لم تحظ بالكثير من الاهتمام الفلسفي والعلمي هي حادثة السقيفة في المدينة وما تلاها من أحداث، وهذا الكتاب يتناولها بعد اجتياز التأملات الفلسفية في التاريخ بشكل موجز.
وفي الختام، الحمد لله رب العالمين.
وجه التاريخ المتغير والثابت
فهم التاريخ من أهم الموضوعات العلمية والاجتماعية التي تتطلب تحليلاً فلسفياً وعلمياً.
هذا الفهم يؤثر تأثيراً بالغاً على مصير الإنسان والمجتمع، فالدقة أو القصور في الوصول إليه ينعكس على حياة الأفراد والمجتمع.
بعض الأفكار الساذجة والغير مستقرة التي طرحت على أنها نظريات، لم تكن سوى خيال سلبي يهدف إلى هدم المعتقدات التوحيدية والقيم الإنسانية.
أوضح هذه النظريات تقول بأن التاريخ ينمو في ظل الزمن، والتطور يرتكز على الزمن، والزمن هو وجود متغير متصل بالحركة، التي هي بدورها تغير مستمر.
لذلك، يمكن القول إن التاريخ هو هوية الاضطراب التي لا تعرف ثباتاً أو استقلالاً حقيقياً، ويولد من ذلك فهم سطحي مؤقت للتاريخ يفرغ الإنسان من الروح ويبعده عن حقيقة الوجود.
هذا الفهم السطحي يقود الإنسان إلى اليأس والاستسلام، ويتعارض مع واجب السعي والعمل من أجل الحياة الدنيوية والآخرة.
نظرة فلسفية وعلمية
الزمن والحركة ليسا مجرد حقائق عابرة بل هما تعبير عن وجود ثابت ومستقر في ذاته، وحركتهما تجسد التجديد والحياة الجديدة.
التاريخ هو أرض ثابتة تظهر عليها تجديدات الوجود في عالم المادة، وله وجهان: أحدهما ثابت وحقيقي، والآخر متغير تدريجياً.
التاريخ هو حركة ثابتة ذات حياة ووعي في إطار الزمن المتدفق، وهو يعبر عن ربوبية واضحة، مليء بالتجديد والابتكار، وتحركه يدفع مسيرة الحياة البشرية بلا توقف.
يمكن رؤية الوجه الثابت والمتغير في التاريخ، حيث لا يعني التغير الفناء، بل تظهر أوجه من الوجود تبقى ثابتة وتدعى “التاريخ”، ويمكن قراءة الماضي من خلالها.
المجتمع المفتوح والصحي
يجب أن نرى الناس والمجتمع حيًّا ومتجددًا، يعيش في تحول وسعادة، مستفيدًا من نعم النصر دون أن يغمره الشر أو القهر.
أفراد هذا المجتمع يكتشفون جمال الخلق والتجديد، ويعيشون روح النضال والحرارة والإيمان.
ضعف هذه الحقيقة يؤدي إلى الإحباط واليأس، كما يظهر التاريخ مراراً.
التاريخ والقضاء والعبرة
التاريخ هو بيان الحركات الحية في الماضي وتجسيد تنوعات العالم.
هو لغة السابقين التي تتأمل وتُحكم عليها فيما بعد.
الحكم على التاريخ واستفادة الأجيال القادمة منه من أهم أمور ربط الماضي بالمستقبل.
التاريخ والعلم التاريخي
التاريخ هو سرد حركة الماضي، و”علم التاريخ” هو تحليله ونقده.
دقة النقل والتحليل والإنصاف أمر أساسي لجعل التاريخ ذا قيمة للمستقبل.
الحكم والعبرة
من الأمور الجوهرية في التاريخ التي تربط الماضي بالمستقبل، أمران رئيسيان:
الأول: الحكم والقضاء على الأحداث والتحولات الماضية، مع العلم أن هذه التحولات وقعت في زمن سابق، لكننا نحن من نحكم عليها في الحاضر، والمستقبل هو إطار تحقق نتائج هذا الحكم.
الثاني: العبرة والاستخلاص من هذه الوقائع، إذ يمكن أن يكون ذلك نتيجة أساسية للتاريخ للأجيال القادمة.
لذا، فإن الحكم على سيرورة تاريخية يختلف عن جوهر تلك السيرورة، وكذلك الاستفادة منها تختلف عن كليهما.
الأحداث التاريخية هي أوعية للماضي، بينما الحكم والاستفادة منهما يكونان في إطار المستقبل، فلا يمكن أن يكون إطار الحكم والتأمل والتعلم متزامناً مع وقوع الحدث نفسه.
خاتمة موجزة
التاريخ هو حكاية الماضي الحي، ومرآة لتنوعات الوجود، يتجلى فيه صراع الزمن والمستقبل، وتظهر فيه حقائق ثابتة ومتغيرة تتجاوز مجرد مرور الزمن.
فهم التاريخ والبحث العلمي فيه يحتاجان إلى موضوعية، ودقة في النقل والتحليل، وإنصاف في العرض بعيداً عن التزوير والتضليل.
بذلك يصبح التاريخ ذا قيمة ثمينة لا تُقدّر للمستقبلين، ويساعد في بناء مستقبل واعٍ على أسس متينة.
الأحكام العابرة والدائمة
هنا تثار شبهَةٌ مفادُها أن الأحداث التاريخية يمكن أن تُحكم عليها في وقت وقوعها، ولا تحتاج بالضرورة إلى أحكام لاحقة أو تفسيرات متعدّدة من الأجيال اللاحقة.
في الردِّ على ذلك، يجب القول: إن الأحكام والتفسيرات الموجودة في ظرف وقوع الحدث، رغم دقّتها العقلية المُتوقعة في المستقبل وعدم وحدانية وجودها، ليست هي الحكم النهائي والنهايّة المطلقة؛ لأن ظرف وقوع الحدث الحالي، من منظور عام عَرَضي، لا يتوافق مع الواقع الموضوعي للحدث، وقد يحمل أهمية كبيرة، لكنه بسبب استعجال إصدار الحكم، وتبعّي أصحاب القرار أو خصومه، والتأثيرات والضغوطات التي تمارسها مختلف الطبقات والفصائل على جوهر الحدث وترتيب الأحكام الناتجة عنه، لا يوفر أماناً كافياً للأجيال القادمة. وهذه الأجيال هي التي تستطيع أن تحلل وتعيد تقييم الأحداث الماضية بهدوء وبدون تأثيرات أو ضغوطات داخلية أو خارجية، والتي تمثّل الرغبات النفسية والأهواء الاجتماعية، فتقيّم الوقائع بموضوعية.
الكنز والدفين
التاريخ مثل كنز دفين ذو قيمة عالية مدفون في الأرض، وعلى الرغم من أنه في متناولنا، فإنه ليس سهلاً الوصول إليه. وعلى الرغم من كونه مجموعة هائلة من الحوادث الكبيرة والصغيرة، فإن الاستفادة منه ليست سهلة أو بسيطة. ومن المستحيل تجاوزه، لكنه لا يمكن أن يُنتفع به بسهولة. هذه الجوهرة العظيمة والتاريخ الغني، رغم كونه أفضل مربٍّ لكل الأجيال القادمة، فإن الاستفادة منه تتطلب مربياً نزيهاً، أستاذاً متفانياً، باحثاً عادلاً ومحقّقاً متمكناً، خالياً من الأغراض الشخصية والجماعية، بعيداً عن الشوائب، يُعبّر عن الحقائق بصبر وروح، ويقدّمها بشكل كامل وسليم، لكي يتمكن الأجيال من الاستفادة الكافية منه. ولكن للأسف، لم يحقق الإنسان نجاحاً كبيراً في هذا المجال، وقد أضاع الناس وأهواء الطغاة هذه الفوائد الإنسانية.
عند النظر إلى التاريخ والمؤرخين وتحليلهم وأحكامهم المتنوعة، نجد أن أسوأ الحالات تقع في هذا المجال، ويمكن اعتبار وجود التاريخ كأبشع مأساة له، سواء من ناحية تسجيل الأحداث وتوثيقها بأشكالها المختلفة، أو من ناحية تصويرها وتحليلها وأحكامها، حيث نرى الإهمالات والتزويرات المختلفة بمطامع وأغراض متعددة، وهذا واضح ويمكن عرضه، وإن لم نتطرّق هنا إلى أمثلة تفصيلية مفيدة. لم يظهر المؤرخون المسؤولون الالتزام الكافي في تسجيل الأحداث بدقة، ولا توجد المعرفة والالتزام الضروريان في نوعياتهم، ولا راعى المحللون والنقاد ومحددو الأحكام الانضباط أو الإنصاف أو الالتزام كما ينبغي. فالأغراض الشخصية، والمصالح الذاتية، والأنانية، وآلاف المسميات الأخرى لوثت التاريخ وجعلته غامضاً ومختصراً ومشوّهاً ومنحرفاً.
رغم أن التدوين التاريخي يواجه مشكلات خاصة به، وكان دائماً أصحاب السلطة والسياسة لهم تأثير كبير في تشكيله، وخاصة في العصور القديمة حين لم يكن المؤرخون يمتلكون المعرفة والمهارات الكافية، إلا أن الإهمال والتبسيط في تسجيل الأحداث كان شائعاً، ومع مشكلات مثل الأغراض المتعددة، لا يمكن توقع نجاحات كبيرة في هذا المجال.
الإهمال والأغراض الشيطانية أو النفسية الفاضحة جعلت من الصعب الوثوق بوجود التاريخ، لأن قادة المال والقوة والسياسة والمكر كان لهم سيطرة كاملة على هؤلاء الأفراد، ولم يغفلوا عن هذا الأمر الخطير، وتمكنوا من جعل الصغير كبيراً والكبير صغيراً، والصحيح خطأً والخطأ صحيحاً. ولم تكن التهديدات والرشاوى بلا تأثير في تحقيق هذا الهدف.
عندما تترافق التهديدات مع العمالة والتملق والرقص أمام أسياد الدنيا، لا تكون النتيجة إلا التزوير والتدمير والتلاعب وتحريف وعي الجمهور.
لكن لا يجب تجاهل دقة وصدق بعض الفئات، ولو كانت قليلة، وتقدير جهودهم في الدقة والالتزام.
في التاريخ يوجد مؤرخون فاسدون ومرتزقة كانوا أقوى الأدوات في يد الطغاة، رغم وجود أفراد قويين وشجعان وحقيقيين في هذا الميدان، حافظوا على التزامهم ونزاهتهم، وربما فقدوا أرواحهم من أجل هذه القضية العظيمة، ولن نتطرق هنا إلى تقديمهم بل يجب ذلك في وقت مناسب.
عندما يلجأ الإنسان إلى التاريخ، يجد أنه يحتوي على أحداث مختلفة ومتنوعة وكبيرة وصغيرة، وأن عليها قد طُبعت تحريفات وأغراض مشينة.
كم من رداء يلبسه الطغاة، وخياطوه المرتزقة، ليجعلوا من التاريخ عباءة، دون أن يظهروا أي التزام أو عدل، رغم وجود قلوب نقية وأذهان واعية بذلت جهدها لنقل الحقائق.
كل الطغاة والظالمين والسياسيين في كل زمان حاولوا الاستفادة من الأحداث الماضية لتبرير أعمالهم، دون فرق في أفكارهم أو أفعالهم. لصوص يُسمون أمناء، ومفسدون يُعرفون بالمصلحين، وظالمون يُطلق عليهم أصحاب الدموع والآهات، حتى كأن هؤلاء السراق لشرف وأعراض الآخرين يحترقون بدلاً عن المظلومين، ويصرخون ويندبون، ويرقصون ويبتهجون عند قبور الضحايا.
تكرار التاريخ
يمكن تصحيح مفهوم تكرار التاريخ بأنه في كل يوم يتعرّض الناس كأنهم قربان لطعنات سكاكين طغاة، وفي الوقت ذاته، هناك من يصبّح ويُصلّي لتلوين هذه الأحداث بالبشاشة. الناس هم السبب المادي والشكلاني، والطغاة هم السبب الفاعل والنهائي، والكتاب والمؤرخون لهم النصيب الأكبر في إتمام هذا المشهد.
هنا يجب القول: رغم أن التاريخ أفضل إرث من الأجداد، لا يمكن الاستناد إليه بسهولة، ويجب العمل بدقة أكبر لتصحيحه واسترجاعه والاستفادة منه بشكل صحيح.
التاريخ إرث من الماضي، ولا يمكن استخدامه بتهور أو دون دقة. يجب التدقيق والبحث في كل حالة حتى تصبح قابلة للاستخدام. لا يمكن تجاهل التاريخ ولا قبوله كاملاً، بل يجب الاقتراب منه بحذر وجزم لتجنب الأضرار الناتجة عن التزييف والتشكيلات الكاذبة.
كل التاريخ المكتوب له ثلاث صور من حيث التأثير: إما أن يكتب في زمن صاحب السلطة وتحت نفوذه، فيكون وفقاً لرغباته، أو في زمن نفوذ عدو ذلك الحاكم وانهياره، فيكون تحت تأثير طاغية آخر، أو يكتبه شخص مستقل بعيداً عن النفوذ، لكنه في النهاية يخضع لأفكاره ومنهجه في اختيار وتحليل الأحكام، ولا يمكن أن يكون دقيقاً تماماً، ويجب تحليله جيداً للاستفادة منه.
لذا، التاريخ إرث يجب التعامل معه بحذر ودقة، وبدون تحقيق هذه الأمور لا قيمة للاستناد إليه.
قيمة التاريخ
ما يضفي الغموض على كثير من الأحداث التاريخية ويبعدنا عن خصوصيات الجرائم هو التستر.
في عهد حكم أي دولة أو فرد أو جماعة، لا تُعلن جرائمهم ونهبهم وانتهاكاتهم للحقوق والممتلكات علانية، وقليل من الناس يعلم بها، وفي النهاية تُخفى أو تبقى محدودة النطاق، أو تُخضع للرقابة أو تُمحى، أو تُدوّن بشكل ناقص، دون وجود محكمة أو قاضي أو مدعٍ أو شاهد.
هذا الأمر هو حالة دائمة عبر كل العصور، وكل الطغاة سواء كانوا كباراً أو صغاراً عانوا من هذا الوضع. لا يمكن معرفة الوضع الحقيقي للحاكم أثناء حياته وسلطته، ولا معرفة إساءاته بسهولة، ولا يمكن إلا بمقارنة سلوك وأساليب كل الحقب والفئات التعرف عليهم. ومع ذلك، لا تكون هذه المعرفة دقيقة، ونادراً ما يتم الكشف عن التستر خلال فترة حكم الحاكم، ولا يمكن متابعة هذا إلا بعد زواله، حيث لا يبقى سوى الألم واللعنات التي تتركها المحكمة التاريخية، دون وجود متهم أو مجرم.
يمكن من خلال دراسة دقيقة أن نعرف الوضع الطبيعي والديني والأخلاقي ونمط عمل المؤرخ، ومن ثم تحليل وتقييم كتاباته وأحكامه ونقد أهدافه وأحكامه.
وبمقارنة كتاباته مع غيره من المؤرخين يمكن التحقق إلى حد ما من صحة أو خطأ وأمانة المؤرخ، والتأكد من صحة الحدث، وصلاح أو عدم صلاح المؤرخ، أو تحيزه لطرف معين.
لا يمكن الوثوق بكل الأحداث التاريخية وكل ما ورد في التاريخ، كما لا يمكن الشك الكامل به، لأن هناك الكثير من الصحة والحقائق. لذا فإن الاهتمام بالتاريخ كقاعدة أمر لا ينكر، رغم إمكانية التشكيك أو رفض بعض محتوياته.
الشيء الوحيد الذي يمكن الوثوق به تماماً، بعد القرآن الكريم — هذا الكتاب الإلهي الكامل والسليم — هو الروايات والمأثورات عن الأئمة المعصومين عليهم السلام والقادة الحقيقيين للإسلام.
في أصل القول، العصمة ضامنة لصحته، وفي سبيل الوصول إليه، يتحمل الرواة العالمون والصادقون مسؤولية حفظه وتقديمه للأجيال القادمة. وبالطبع، توجد روايات كثيرة في مجالات مختلفة لا يمكن الوثوق بها، وكثير منها بلا شكٍّ أساسها بعيد عن الحقيقة.
يُشار إلى أنَّ الروايات التي تحظى بالثقة هي فقط تلك التي تتوفر فيها الشروط اللازمة للصحة.
بخلاف القرآن الكريم والروايات الصحيحة، لا يمكن إيجاد أي مصدر يتمتع بهذا القدر من الصحة والأهمية، سواء بين الأديان والمذاهب الأخرى أو بين الأقوال والشعوب الأخرى؛ لأن الكتب السماوية الأخرى قد تعرضت للتحريف والخلط إلى درجة لا ينكرها أصحابها. أما مذاهب أهل السنة، فإلى جانب عدم اتباعهم لكلمات المعصومين من الأئمة الهدى عليهم السلام، لم يولوا كلمات وتعاليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم سندًا صحيحًا ورواة موثوقين أي اهتمام، ويُثبَت منطقياً كذب وخيانة وانحراف وكذب العديد من الرواة، ولا مجال للإنكار في ذلك، رغم وجود كثير من الحقائق في تاريخ الشعوب والأمم.
ثمار الأجيال السابقة
يمكن تصنيف ثمار الماضي البشري تحت ثلاثة عناوين رئيسية، وكلّ منها غير واضح تمامًا:
أولاً ـ القرآن الكريم، هذا الكتاب الإلهي الكامل، الذي يبيّن حقائق من الماضي في كل المجالات التاريخية وغير التاريخية.
ثانيًا ـ الروايات الموثوقة التي وردتنا من حضرات المعصومين وأولياء الحق في الإسلام والتشيع عليهم السلام، والمتوفرة لدينا في صورة محكمة.
ثالثًا ـ الوقائع والأحداث الموثوقة التي تُعتبر مهمة بعد البحث والتحقيق، وتُشهد بصحتها وسلامتها.
التنقية والتنقية التاريخية
يجدر بالعلماء الباحثين والمحللين الدقيقين، بعيدًا عن الاسترجاع التاريخي والحصول على الحقائق التاريخية، أن يسعوا بجد في تحقيق فرع «التنقية» الذي يختص بالكشف عن التحريفات والكذب التاريخي، وأن يستعيدوا كل ما هو موجود من تراث الماضي.
ومن الضروري إقامة تخصص خاص بهذا المجال يُسمى «علم التنقية» وتُعطى له الأهمية في كافة المستويات العلمية والاجتماعية؛ سواء في مجال الأديان والتحريفات الموجودة في الدين الإسلامي المقدس التي دخلها أعداء الدين أو أشخاص وجماعات جاهلة في زوايا الدين، أو في مجالات التاريخ وغير الديني بالنسبة للماضي من زمن آدم عليه السلام.
هناك حاجة ملحة لتأسيس هذا التخصص على يد العلماء الدينيين والأكاديميين في الحوزات العلمية والجامعات بمستويات مختلفة، ليتم حشدهم لاستعادة الأمور الصحيحة والتعرف على أخطاء الدين والمجتمع، ومتابعة هذا الأمر الهام جدًا، وذلك من أجل تصفية المسارات التاريخية والوقائع الماضية، وتنقية الدين والموروثات الشرعية الظاهرية؛ كما ينبغي أن تُعطى هذه الفكرة أهمية في كافة الفِرَق العلمية والفكرية والثقافية، وأن يُبعث هذا التخصص في جميع المجالات.
تاريخ الشيعة والخلفاء
(اقتباس من القرآن الكريم)
“فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون” (الأعراف: 44).
لقد تحدّث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيرًا عن حقانية الشيعة، ويُرى ذلك في الروايات الشيعية والسنية. وقد عرّف النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام في مناسبات عديدة كإمام ووليّ. قال جابر: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ ظهر علي عليه السلام من بعيد، فقال: “والله إنه هو وشيعته الفائزون يوم القيامة.”
كما نزلت الآية الكريمة:
“إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية” على الشيعة. ولم يُصرّح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب نزول الآية بسبب كثرة المعارضين والمنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام.
كان الشيعة، وهم أقلية مؤيدة للإمام علي عليه السلام، ضد إجماع وسلطة الحكام، حيث قدّموا الإسلام الحقيقي إلى جانب قلة من أتباعهم، ومن خلالهم نجا المسلمون والإسلام الحقيقي من الزوال. معتقدات الشيعة ترجع إلى الإمام علي عليه السلام. رفض الإمام علي عليه السلام أولًا كيان القصور والقيصر والكسري التي نشأت في ظل الخلافة، خاصة في عهد معاوية الذي أتى بالذنوب مثل شرب الخمر بسبب عدم العصمة.
وكانت الأقلية التي مع الإمام علي عليه السلام ترى الدين ثابتًا وأن التغيير فيه باطل، مستشهدين بآيات مثل:
“من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”،
“إنه الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه” (فصلت: 42)،
“إن الحكم إلا لله” (يوسف: 67).
على الجانب الآخر، جرت تصرفات ظالمة من قبل خلفاء المسلمين مثل خالد بن الوليد تجاه مالك بن نويرة، ومنع تدوين الأحاديث وحرقها، وتدخلهم في مناسك الحج والمتعة، وتغيير الآيات القرآنية كآية “حي على خير العمل” إلى “الجهاد خير من النوم”، وتفشي الفوارق الطبقية، وتوزيع أموال بيت المال بغير عدل، وانتشار ظاهرة الطلاق الثلاثي، وكلها كانت تصرفات خلفاء.
استمر حكم الخلفاء الثلاثة عشر عامًا، الأول بحكم أكثري كاذب، والثاني بالوصية، والثالث بالمجلس الاصطناعي، ثم جاء الإمام علي عليه السلام بالحكم الديموقراطي الذي استحقّه بناء على حاجة الناس.
شهد عهد الخلفاء الثلاثة زيادة في الفوارق الطبقية، حتى قام الناس بثورة ضد عثمان. الإمام علي عليه السلام عارض التصرفات والبدع التي قام بها الخلفاء، وسعى لغرس منهج النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وتربية تلاميذه. خاضت طلحة والزبير مع عائشة حرب الجمل، ومع معاوية حرب صفين. كان عمل الإمام علي عليه السلام رغم كل الصعوبات ترسيخ سنة النبي وتربية التلاميذ.
بعد الإمام علي عليه السلام، تولى الإمام الحسن عليه السلام الخلافة، لكن معاوية خدع جيشه بمكر، قائلاً: “لم أحاربكم على الصلاة والصيام، بل كنت أريد الحكم عليكم، وقد وصلت إلى هدفي، وعهدي مع الحسن ساقط.” ثم عيّن ابنه يزيد وليًا للعهد، وهدد كل من يتحدث في مناقب أهل البيت بالقتل، وحرض الناس على سب الإمام علي عليه السلام حتى عهد عمر بن عبد العزيز الذي حظر السب.
خلال تلك السنوات، ابتعد العالم الإسلامي عن العلم والفكر، ولولا حقانية الإسلام وسياسة أئمة الأطهار لما بقي للإسلام أثر.
يمكن تقسيم فترة جرائم الخلفاء إلى ثلاث:
- الخلفاء الثلاثة الراشدون؛
- الأمويون؛
- العباسيون، وكلٌّ كان أسوأ من السابق، وظل الشيعة تحت قبضتهم حتى القرن الثاني الهجري.
وقعت واقعة كربلاء عام 60 هـ، وانتهى حكم الأمويين عام 100 هـ.
كانت أحوال زمان الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام أفضل للشيعة، حيث شكّلوا حلقات دراسية وتخرج منهم العديد من الطلاب. ظهر الشيعة في قم في القرن الأول.
اتباعًا لسياسة الاعتدال، قام الخليفة العباسي المأمون (195-218 هـ) بتعيين الإمام الرضا عليه السلام وليًا للعهد. لكن المتوكل العباسي (232-247 هـ) كان يحمل كراهية خاصة للإمام علي عليه السلام، وقام بتدمير كربلاء، حتى انتهت فترة حكم العباسيين في القرن الرابع، وبدأ حكم آل بويه الشيعة، وما زال هذا الأمر مستمرًا.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.