علم اجتماع العلماء الدينيين
علم اجتماع رجال الدين بمنهجية حُرّة
فلسفة وتحليل نفسي جماعي لرجال الدين
وماهية العلم الديني وكيفية إنتاجه
()
الحجة آية الله
معلومات المؤلف:
، ، 1327 هـ ش.
عنوان الكتاب: علم اجتماع العلماء الدينيين: علم اجتماع رجال الدين بمنهجية حُرّة… / تأليف .
مكان النشر: إسلام شهر، ، 1393 هـ ش.
عدد الصفحات: 294 ص.
موضوعات الكتاب: علم الاجتماع – الدين وعلم الاجتماع – الإسلام والجوانب الاجتماعية – رجال الدين في إيران والنشاطات السياسية – علم الاجتماع الإسلامي.
المقدمة
يُعدّ الثورة الإسلامية تجربة جديدة بين الثورات الإنسانية. وتتميّز هذه الثورة بوجهين: من جهة، قيادتها التي تنتمي إلى مدرسة وثقافة الأنبياء الإلهيين، مما يجعل من قيادة الثورة تجربة تاريخية فريدة ذات قداسة وعظمة وسمو روحي. ومن جهة أخرى، تتمثل هذه الثورة في شخصية الإمام الخميني ()، المفكر والمبدع والرائد في أيديولوجية الثورة.
الثورة الإسلامية في إيران حديثة النشأة، لم تتجاوز ثلاثة عقود، وتمثل تجربة فريدة في عصرنا الحديث، حيث تُعنى أساسًا بتحكيم الشريعة الإسلامية كأساس للحكم.
أحد العلوم الضرورية لإدارة المجتمع الذي نشأت فيه الثورة الإسلامية هو “علم الاجتماع”، خصوصًا إذا كان موجهًا نحو المجتمع الإيراني القديم، وبالأخص من خلال تحليل المجتمع الروحي لرجال الدين.
يكتسب هذا العلم أهميته حين لا يقتصر على المجتمع الغربي وحده، بل يُكيّف وفقًا لبيئة المجتمع الإيراني، وبمنهج فلسفي عميق يبحث عن الجذور.
علم الاجتماع ليس حاجة للحوزات العلمية والنظام فحسب، بل هو علم عظيم قائم بذاته، علم منظّم وحديث إذا اتخذ منهجية فلسفية مبنية على منطق قوي، ويجتنب التشتت الموجود في علم الاجتماع الغربي.
علم الاجتماع الغربي يعاني من التشتت نتيجة اعتماده على الخبرات المكتسبة من مهن أخرى، ويعاني من نقص في التكوين الأكاديمي المنهجي الصحيح، كما أن عدداً من المختصين فيه غير متفرغين أو غير متخصصين، مما أدى إلى السطحية في التحليل.
يستطيع النجاح في علم الاجتماع من بدأ تعلمه في مرحلة المراهقة تحت إشراف أستاذ متخصص، يتابع الفرضيات والتدريبات بشكل مستمر، وهذا يتطلب إصلاح المنظومة التعليمية والتربوية واكتشاف المواهب منذ الصغر.
إن وجود منهج فلسفي في علم الاجتماع يخلصه من الجمود والتقليدية المنتشرة في بعض علماء الاجتماع الشرقيين، ويعيد إليه مساره الصحيح.
الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني – رحمه الله – جمعت العواطف المجتمعية ووجهتها نحو النظام الولائي المبني على الواقع الاجتماعي، لكن هذا النظام يحتاج إلى هندسة دقيقة وتأسيس ثقافي مستند على الأدلة الدينية، لا إلى ثورة جديدة تخلّ بأسس الثورة الحالية.
يُعدّ المجتمع الروحي للشيعة من أهم المجتمعات العلمية والروحية والمؤثرة في الحركات السياسية الإيرانية، والكتاب يعرض تحليلاً تجريبيًا لخصائص هذا المجتمع.
من أبرز موضوعات الدراسة:
- أصول العلماء الدينيين التي تعود إلى سلالة الأنبياء الإلهيين.
- علم معرفة الدين، والذي يميز بين الاجتهاد العلمي والعلوم المشتقة من رجال الدين والعلوم المرتبطة بهم.
- دراسة قبول الناس للعلماء الدينيين واعتبارهم أمناء على الوحي وشخصيات مقدسة.
- تحليل شخصيات العلماء الذين يحملون ألقاباً اجتماعية معينة (مثل “الأخوند”).
- دراسة العلاقات الواسعة التي يربطها رجال الدين مع المجتمع، بدءًا من أذان المواليد وحتى إقامة الصلوات والخطابات والفتاوى وغيرها من الأدوار الاجتماعية.
الروحانية هي الطبقة الأكثر اجتماعية بين الإيرانيين، وإن كان ذلك قد ضعف في بعض الفترات، والصفات الأساسية التي تميزهم هي الاجتهاد، والثقة، والعدل، والدعوة، والقضاء.
نقد المجتمع الروحي يحتاج إلى معرفة عميقة في كل من علم الاجتماع وعلم النفس، فالعلماء الذين يبتعدون عن المجتمع ويجهلون هذه العلوم يعانون من السطحية وعدم الدقة.
علم الاجتماع الغربي يحاول الهيمنة عبر ثقافة غربية التصميم، مما يغير تقاليد الشعوب الشرقية والإسلامية، وهذا الأثر يزداد في البلدان ذات الأغلبية السنية، أما الشيعة فحتى الآن لم يكونوا دائمًا أصحاب دولة قوية وثقافة مسيطرة.
في الختام، علم الاجتماع كغيره من العلوم يحتاج إلى “قوة” ليتمكن من فرض وجوده، وتحويله إلى قوة ثقافية لتصحيح الأفكار وبناء البنى التحتية، وليس فقط إلى سلطة أو مال.
هوية المجتمع
علم مصطلحات المجتمع
في مفهوم كلمة «المجتمع» يجب التنبه إلى أن كل كلمة تُوضع لمعنى حقيقي واحد فقط. كما أن الاستعمال لا يدل بالضرورة على الحقيقة. أصل كلمة «جمع» يعني الاتصال والتعلق. و«المجتمع» يعني «المرتبط». هذا الارتباط إما طبيعي – مثل نظام الغابة الذي ينظم كل مجموعة حيوانية – أو غير طبيعي نابع من إرادة جماعية خاصة. الشخص القادر على الارتباط مع جميع الظواهر يمتلك منزلة الجمع والجماعة. مثل هذا الشخص يتحلى بكمالات جميعها، وبما أنه يحمل كمال كل ظاهرة، يستطيع التواصل معها. بناءً على ذلك، لا يمكن أن يُفصل وجود الجماعة أو الجمع عن الكمال. الذي يستطيع أن يكون مع الجماعة يمتلك القدرة على تحسين ذاته أو الآخرين.
مصطلح المجتمع
في تعريف المجتمع يجب وضع شروط إضافية بحيث لا يقتصر على جمع الأفراد واحتواء جميع المجتمعات الصغيرة والكبيرة، الإقليمية والعابرة للمناطق، بل يجب أن يمنع دخول ما ليس بمجتمع في هذا التعريف.
«المجتمع واقع حي ناتج عن حياة مشتركة بين الأفراد الذين يتشابهون في النوع، ويحملون حاجات ومصالح ومنافع مشتركة (وخاصة الطمع). هدفهم تحقيق القوة لتأمين حقوق بعضهم، خصوصاً حق الحياة، وتلبية الحاجات من أجل بقاء أفضل، ويتم هذا عبر الالتزام بالقوانين المقبولة التي تُطبق بوعي. وتشمل القوانين احترام الحقوق والحاجات والدفاع عنها وتطويرها وتنويعها.»
يمكن اختصار هذا التعريف بالقول:
المجتمع هو ناتج السلطة المشتركة والمنظمة الناتجة عن التواصل الواعي والمقبول إقليمياً أو فكرياً بين أفراد متشابهين ويحتاجون لبعضهم، خصوصاً في تلبية الطمع، من أجل تحقيق مطالبهم المشتركة.
الحاجة؛ أصل طلب المجتمع
تعود جذور تكوين المجتمع إلى الحاجات العاطفية والمادية للإنسان. الإنسان الذي يشعر بحاجات في نفسه، سواء حاجته للانسجام مع الآخرين أو حاجاته المادية، وبناءً على نطاق حاجاته، يشكل الاجتماع. وبناءً على ذلك، كلما زادت حاجات الإنسان تعقد المجتمع وثبتت أركانه، وكلما قلت هذه الحاجات كان المجتمع بدائيًا وسهل الانفصال عنه. إذا أزال الإنسان كل حاجة للآخرين، يمكنه العيش منفردًا، مما يعني أن طبيعة الإنسان لم تخلقه مخلوقاً اجتماعياً، وأن الشعور بالحاجة للمجتمع والمدنية أمر غير طبيعي وثانوي وناشئ عن اضطرار.
هذه الحاجة المشتركة والمماثلة قد تكون في الدين أو الفكر أو العلم أو العمل أو السلوك أو الجنس أو الاهتمامات أو العواطف أو الزمان أو المكان. هذا أمر واقعي خارجي مشترك ضمن الأفراد والشعوب. بناءً عليه، الأحزاب، الجمعيات، الحلقات، المجالات والدوائر الأدبية والعلمية والسياسية والدينية والاقتصادية، وكذلك المجتمع للعب جماعي، الشركات التجارية، العائلة، القرية، المدينة أو مجموعات أهل مدينة معينة – مثل مجتمع المسلمين أو اليهود أو الأرمن أو العمال أو المعلمين أو التجار وغيرهم من الطوائف التي تتعاون لتحقيق حاجاتها واهتماماتها وتعيش تحت قانون ونظام مشترك – كلها أمثلة على المجتمع بشرط أن يكون وحدتهم الروحية وتجمعهم المشترك ثابتًا، وإلا فهي مجرد مجموعات تشبه الأسرة التي تتعايش فيها الزوجة والزوج منفصلين عاطفيًا والأبناء منفصلون عن الوالدين.
وفق هذا التعريف، يجب أن يتحلى المجتمع بصفات منها: أن يكون حيًا وثابتًا، أن يكون لأفراده هدف مشترك، وأن يحافظوا عليه ويكرسوا مهامًا حسب تخصصاتهم لتحقيق هذا الهدف. بناءً على ذلك، وجودهم في منطقة وجغرافيا معينة ليس شرطًا لتحقيق المجتمع، لأن ارتباط الناس بالمجتمع هو ارتباط معنوي يمكن أن يكون عبر الحدود. السعي للدفاع عن الحقوق وتلبية الحاجات يدفع المجتمع نحو التطور. لذلك خاصية المجتمع هي النمو والتطور، وعندما يتوقف هذا التطور ويتوقف المجتمع عند نقطة معينة، يبدأ بالاندثار والدمار.
المعنى الوضعى لكلمة «المجتمع»
يشير إلى نوع من الاتصال والرغبة، لكن المعنى الاصطلاحي يخص الاتصالات الواعية والاختيارية الخاصة بالبشر فقط، مستبعدًا الاتصالات الطبيعية.
حياة المجتمع
أول صفة تذكر للمجتمع أو الناس – وهما اعتباران لظاهرة خارجية واحدة – هي «الحياة». حياة المجتمع لها آثار وعلامات مثل النمو والإثمار. المجتمع هو بيئة حية ونشطة، وله تحولات ونمو وحتى تراجع. المجتمع ليس مفهوماً مجرداً أو اعتباريًا، بل هو كيان حقيقي ومعقول فلسفيًا. وبناءً عليه كل الصفات التي تنسب له تتصف بوجود خارجي وظهور ذهني، مثل صفة الانفتاح أو الانغلاق التي تتصف بها المجتمعات.
المجتمع كائن حي يتحمل صفات الكائنات الحية، وله نمو وإذا لم يُدار بشكل صحيح يصاب بالأمراض ويفقد صحته ويصبح فاسدًا. معرفة أمراض المجتمع وعيوبه أو مؤشرات صحته من اختصاص علماء الاجتماع. صحة المجتمع وأمراضه أهم من صحة الإنسان، لأن تشخيص أمراض المجتمع أصعب وأقل وضوحًا، وعلاجه يستغرق وقتًا أطول ويتطلب مهارات تخصصية متعددة. بعض أمراض المجتمع خفية ولا تظهر تأثيرات ملموسة إلا بعد وقت طويل، لذلك لا يوجد حساسية كافية لمؤشرات المرض، والمرض الفتاك يظهر آثاره التخريبية بعد سنوات.
حياة المجتمع مرتبطة بحياة الناس. كل صفة موجودة في الناس الحيّة موجودة أيضًا في المجتمع. فالمجتمع الديني الإسلامي هو الذي يكون فيه الدين الإسلامي حيًا ومتدفقًا في الناس. وإذا كان محتوى القوى البشرية في المجتمع إسلامياً، فهو مجتمع إسلامي. أما بناء المآذن وتشغيل الشعارات الدينية وإقامة الشعائر بناءً على طلب الحكومة وليس رغبة الناس فليس صفة مجتمعية. إذًا، كل صفة ثابتة وحية في الناس هي الواقع الحقيقي في الخارج، ورفع الشعارات لا يمنح المجتمع تلك الصفة.
حياة المجتمع مرتبطة بحياة الناس وحياة الناس مرتبطة بالمجتمع، ولا يمكن اعتبار أحدهما أطول عمرًا من الآخر إلا إذا تفكك المجتمع إلى أفراد يعيشون بجانب بعضهم بدون تواصل، وإلا فإن الوحدة بين المجتمع والأفراد تشبه اتحاد النفس والجسد، فلا يمكن اعتبار أحدهما بدون الآخر إلا في حالات التعارض حيث يعطى الأصل لمن فيه مصلحة أكثر. وفي المجتمع لا تعتبر مصالح جماعة خاصة مصلحة المجتمع والشعب كله، بل مصلحة المجتمع والنظام يجب أن تعود على الجميع، وإلا فإن ذلك يشبه العمى في سبيل تحسين شكل الحاجب.
المجتمع هو وحدة مشتركة بين جميع الأفراد، ولا يعطي فردًا أولوية أو تفوقًا على الآخرين. الفرد جزء من النظام الاجتماعي للمجتمع، والمجتمع لا يساوي الفرد. بمعنى أن البيت لا يساوي المدينة والمدينة لا تساوي البيت، فهما شعار أناني لمجتمع بدائي، أما الشعار الصحيح فهو الجمع بين الاثنين بحيث يكون بيتنا هو مدينتنا ومدينتنا بيتنا. عندما يتواصل المجتمع مع أفراده فإن الأصل يكون للمجتمع الذي يوفر للفرد، مثل علاقة العضو بالجسد، فكل فعل على العضو يؤثر على الجسد والعكس. العلاقة بين الفرد والمجتمع مثل علاقة عشر أفراد في حزمة واحدة.
القول إن المجتمع حي وأيضًا الناس أحياء يعني أنه يشمل جميع الأفراد الأحياء وجميع الأشخاص الذين يمكن للعقل أن يتابع حياتهم وتأثيرهم في مجالات مثل الثقافة والاقتصاد والسياسة، كما حياة العلم تعتمد على عالمه طالما لم يُرفض علمه أو يُنقد.
كما أن حياة المجتمع لا تعني نشاطه الحالي فقط، بل تعني ظاهرة حية مقابل الجمادات التي تعتبر ميتة، والمقصود بالحياة هنا هو الظاهرة الإنسانية التي تحمل المدنية الاجتماعية.
المجتمع الإقليمي والفكري
موضوع المجتمع هو الاتصال الاختياري بين البشر، وهذا الاتصال إما نابع من المشتركات الأرضية أو من التشابه الفكري. الناس الذين يعيشون في مجتمع على أساس الأرض والوطن يُسمون «أمة» مثل الأمة الإيرانية، والناس الذين يشتركون في الفكر والإيمان يُسمون «أمة» مثل الأمة الإسلامية. بناءً على ذلك، يُقسم المجتمع إلى قسمين: وطني وفكري (مذهبي).
الاتصالان (الأرضي والفكري) نسبيان، فقد يكون لأفراد المجتمع ارتباط قوي بأرضهم أو دينهم ويكون المجتمع قويًا، أو يكون المجتمع ضعيفًا في الدفاع عن أرضه ويتفكك بسهولة.
الاتصال في المجتمع، الذي يعتمد على خلق الناس والاختيار البشري والتزامهم الجماعي، أقوى بكثير من الاتصال بين الظواهر غير البشرية. هذا الالتزام ينبع من الحاجة والطمع المشترك مثل ضرورة الدفاع عن المال والعرض من المخاطر. وجود جمع وحماية جماعية والاتصالات الاجتماعية يقلل من الضعف ويزيد القوة والدفاع.
اليوم في السياسة، القوة لمن يستطيع الحصول على دعم أكبر عدد من الدول، وأي دولة تعزل بسبب سياسات خاطئة تصبح ضعيفة ما لم تخفِ قدراتها لتجنب الطمع. أفضل طريقة لحماية الذات أمام أي قوة، خاصة الدولة التي هي مركز السلطة، هي إخفاء القدرات. التاريخ والمجتمع يؤكدان أن «سر البقاء» هو «القدرة على الإخفاء».
الدول الاستعمارية تحلل الشعوب لتقليل قوتها الاجتماعية والسيطرة على قواعد الدعم الشعبي للدولة المركزية التي تعارض نفوذها، وتتبع في المقابل اتحادًا مركزيًا أو حكومة مركزية لزيادة قوتها. المدن الكبرى التي تتركز فيها السكان تستطيع حماية مصالح الناس بشكل أفضل بفضل قوتها، وتحصل على امتيازات لا تحصل عليها المدن الصغيرة. بعض الدول تمنع نمو المدن المنافسة للعاصمة لتفريق السكان فيها، تمامًا كما تحاول تفكيك السلطة وتفريقها إذا كانت العاصمة تشكل خطرًا.
الوحدة الروحية للمجتمع والناس
استخدمنا كلمة «مشاع» لتوضيح الوحدة الروحية بين المجتمع والناس. قلنا إن المجتمع من خصائص المجموعات البشرية التي يُعبر عنها بدقة بـ«الناس». الناس في العلاقة مع الاجتماع مثل حزمة مكونة من عشرة، وليس أفراد المجتمع كعشرة أفراد منفصلين. لذلك لا يُطلق مصطلح «المجتمع» على محرك – وهو مجموعة متناسقة من أدوات لتحويل الطاقة إلى حركة – أو قطيع من الحيوانات التي لها غرائز طبيعية مشتركة – أو مجموعة من البشر الذين ذهبوا للراحة والاستجمام – لأنها لا تمتلك نفس الروح والوحدة المعنوية. كما أن كل كائن حي ليس مجرد اجتماع خلايا، بل يمتلك حسًا عامًا وحياة ونفسًا جماعية، فالمجتمع ليس مجرد تجمع أفراد، بل هو نفس جماعية ووحدة تسود عليه تعطي حياة وثقافة لكل الناس فيه، دون أن يذوب المجتمع في الأفراد أو يذوب الأفراد في المجتمع. هذه الوحدة الروحية للمجتمع والناس هي وجود خارجي حقيقي. بناءً عليه، المجتمع ليس وحدة علمية أو أمرًا اعتباريًا بلا وجود خارجي أو تركيب حقيقي.
إن تكوين المجتمع من الناس إما أن يكون تكوينًا حقيقيًا – بحيث لا يمكن اعتبار الأفراد بشكل منفصل، ويصبح المجتمع كيانًا ذا حقيقة مستقلة تدور فيها الأفراد في إطارها، ولا يبقى إلا العلاقات الاجتماعية التي هي الإنتاج الحقيقي الناتج عن التفاعل بين الأفراد – أو يكون دور الأفراد واضحًا. في هذه الحالة، إما أن تكون الأصولية للمجتمع والأفراد فرعيون، أو العكس، تكون الأصولية دائمًا للناس والمجتمع فرعيٌ لهم واعتباري، فلا ينتج شيئًا. أو أن يكون التكوين بين أفراد المجتمع تكوينًا حقيقيًا، لكن هذا التكوين الحقيقي لا يؤدي إلى اندماج الأجزاء، لأن اندماج الأفراد في التكوين الحقيقي مادي وفي التكوين الطبيعي، أما التكوين الحقيقي للأفراد في المجتمع فهو أمر معنوي وتجريدي، لا تختفي فيه هوية الأفراد، وكل شخص يحتفظ بذاته في هذا التكوين، ويمكن لكل فرد أن يضحي بنفسه من أجل المجتمع أو يحافظ على خصوصيته.
وهكذا نقول إن ارتباط الأفراد بالمجتمع هو ارتباط مشاع. بالطبع، الارتباط المعنوي المذكور أمر قابل للنقاش، ويمنح المجتمع قوة وضعف، ويكتسب نسبية عند مقارنة المجتمعات بعضها ببعض. لذلك، تكون المجتمعات التي تسود فيها الفردية أكثر، بينما تكون العلاقات الاجتماعية أقوى في المجتمعات الأخرى.
في المجتمعات المنهجية، تكون العلاقات الاجتماعية متشابكة، ولا يستطيع الفرد أن يتحلى بالاستقلالية والاكتفاء الذاتي بسهولة. أما في المجتمعات الرأسمالية، حيث تسود أصالة الربح، تُغفل هوية الأفراد بواسطة الكارتلات الاقتصادية والشركات، ويزداد اعتمادهم على الاحتياجات الاقتصادية سواء لتحقيق الدخل أو كقوة عمل. في مثل هذه المجتمعات، تُحترم القوانين وحرمات الآخرين أكثر من المجتمعات التي تبرز فيها الفردية ولا يكون هناك ارتباط اجتماعي قوي – خاصة في العلاقات بين الأمة والحكومة – ولا يشارك الناس في صنع القرارات الكبرى. وهذا يؤثر حتى في التقسيمات الإدارية للدول، من المحافظات والمناطق.
إن تحقيق السلطة من الركائز الأساسية لكل مجتمع لتأمين المصالح المشتركة.
ملاحظة:
المجتمع يتشكل من أفراد بشر، وموضوعه هو الأفراد، لا المجموعات أو التجمعات أو المؤسسات. كما أن المجتمع يمتلك حياة اجتماعية واعية لا يمكن وصفها بـ “الضمير” كمصطلح خاص.
أيضًا، المقصود بالتواصل الواعي هو الجانب النوعي والغالب للأفراد في المجتمع، ولا يشمل المرضى في حالة غيبوبة، والأطفال، والمجانين.
الفارق بين “المجتمع” و”الاجتماع”:
الاجتماع تركيب قابل للتفكك وهو نوع من التجمعات مثل المجالس والمناسبات، وهي تجمعات لبعض الناس، لكنها لا تندرج تحت تعريف المجتمع. لذلك، استخدام مصطلح الاجتماع بدلًا من المجتمع يعد خطأً في التفسير.
التعريفات التقريرِيّة:
غالبية التعريفات للمجتمع هي تعريفات تقريرية تذكر بعض خصائصه وعاداته، لكنها لا تستطيع تحديد حدوده أو معاييره. مع ذلك، إذا اعتبرناها تقريرية فهي صحيحة، مثل:
- المجتمع مركب من أفراد مرتبطين ببعضهم عبر التقاليد والعادات والثقافة المشتركة، ويشعر كل فرد بأنه ينتمي إليه.
- المجتمع هو مجموعة من الأفراد منظمة بطريقة منتظمة نسبيًا، لهم نمط حياة خاص، ويرون أنفسهم كوحدة متماسكة.
- المجتمع موجود في فضاء جغرافي مشترك.
التعريف الأخير يقتصر المجتمع على الأمة ويتجاهل الشعوب.
التعريفات التقريرِيّة تذكر الأسباب النهائية لتكوين المجتمع، مثل الحاجة إلى التعاون أو السلطة، أو خصائصه الفاعلة، مثل التماسك الاجتماعي، أو الأسباب المادية أو الشكلية لتحقيق المجتمع.
تعريف علم الاجتماع:
بناءً على تعريف المجتمع، يمكن تعريف علم الاجتماع بأنه:
“قدرة تصور وتحليل المؤسسة الاجتماعية المشتركة بين الناس المتجانسين، والتعرف على الصفات والنتائج المشتركة الناشئة عنها، بطريقة فلسفية وبأدوات علمية لتحديد مستوى الحاجة، القوة، والاستقرار.”
موضوع علم الاجتماع هو الظواهر الاجتماعية التي تدور حول الجماعة الإنسانية، التي تتجمع ضمن مؤسسة مشتركة للحفاظ على خصائص معينة أو تحقيق غرض محدد. بناءً عليه، لا تمتلك الحيوانات والمظاهر الأخرى مجتمعًا حقيقيًا، ولا يمكن تقسيم المجتمع إلى مجتمع حيواني وإنساني فقط بسبب وجود تنظيم أو تعاون.
رغم ذلك، هناك علماء يدرسون الجماعات الحيوانية محاولين تطبيق نماذج سلوكية من تلك الجماعات على المجتمعات الإنسانية، وذلك بناءً على الصفات المشتركة بين سلوك الحيوان والإنسان، لكن هذا لا ينطبق على الصفات الخاصة، ولا يجب حصر الإنسان في جوانبه الحيوانية.
علم الاجتماع كعلم:
علم الاجتماع يزود الباحث بفهم واقعي للظواهر الاجتماعية، خصوصًا الاحتياجات البشرية، وتفسيرها بشكل مناسب. يجب أن يكون الباحث اجتماعيًا مرتبطًا بالمجتمع الذي يدرسه، ويقوم بالتفلسف بين الناس وليس بعيدًا عنهم، وإلا فقد تكون نتائجه خاطئة. إذا كان الباحث منفصلًا عن المجتمع، فإنه يرسم صورة خيالية لا تعكس الواقع.
موضوع دراسة علم الاجتماع هو الحقائق الاجتماعية التي تتمحور حول الإنسان، وهي الظواهر والكيانات الاجتماعية المرئية، أو الصفات الظاهرة والغير ملموسة المرتبطة بالمجموعات البشرية، مثل الفن، الأخلاق، العادات، والتقاليد، والأديان.
ضرورة الفهم الفلسفي:
في تعريف علم الاجتماع، تدخل المنهجية الفلسفية، لأن علم الاجتماع هو فرع من الفلسفة. يمكن أن يتخذ علم الاجتماع مناهج تاريخية أو تجريبية أو نفسية أو دينية أو عرفية، لكنها كلها تقتصر على جانب من جوانب المجتمع، ويجب اعتباره أداة علمية تخدم الفهم الفلسفي. المنهج الفلسفي يدرس هوية المجتمع وجذوره، وليس خاصية محددة كما في المناهج العلمية الأخرى.
تجاهل المنهج الفلسفي يؤدي إلى السطحية والمغالطة.
أهمية الفلسفة في علم الاجتماع:
علم الاجتماع الفلسفي يهيئ أرضية لفهم الثوابت في المجتمع مقابل المتغيرات، ويمكن من خلال الدراسات والمسوح تقييم التغيرات المحتملة ودرجة حدوثها، وتحديد نقطة البداية والنهاية للتغيرات، لأن المنظور الفلسفي يعرف الصفات المشتركة بين البشر وخصوصياتهم.
العقلانية الأنثروبولوجية تدرك الجوهر الإنساني المشترك، وتحدد الحاجات والرغبات، فتستطيع من دراسة الفرد وتغيراته الوصول إلى دراسة المجتمع، والتنبؤ بتغيراته، واستخلاص قوانين عامة منه.
الخلاصة:
المنهج الفلسفي في علم الاجتماع لا يميز بين إسلامي أو غير إسلامي، لأن العلم علم، والصفة الدينية مجرد اعتبار خارجي.
المنهج الفلسفي في علم الاجتماع
المنهج الفلسفي في علم الاجتماع لا يقتصر على دراسة الأفعال والتفاعلات السلوكية بين الأفراد في المجتمع (والتي قد يُفضل تسميتها «علم الاجتماع السلوكي»)، بل يتناول مؤسسة المجتمع من خلال فهم نهاد الإنسان، وهي الجذور التي تنبثق منها تلك الأفعال والسلوكيات. هذه الجذور قد تكون دينية، فلسفية، عرفية، تقليدية أو عادية، ويُمكن بواسطتها التنبؤ بالقرارات المجتمعية بطريقة منهجية وقانونية.
العالم الاجتماعي الفلسفي يُنتج المقولات على أساس الجذور والمعايير والقواعد، في حين أن علماء الاجتماع التجريبيين أحاديي الجانب يدرسون المجتمع استنادًا إلى خصائص المؤثرات. الفارق بين العالم الاجتماعي الفلسفي وعلماء الاجتماع الأحاديين يُشبه الفرق بين المهندس المعماري الذي يصمم البرج والمبنى بمهارة عالية وبالدقة في جميع التفاصيل، والبنّاء التجريبي الذي يبني الجدران بشكل بدائي.
العقلانية التي يجب أن يتحلى بها العالم الاجتماعي الذي يتبع المنهج الفلسفي تُمكنه من تطوير نظرية علم الاجتماع وتحويلها إلى علم، وبعد التمكن من هذه الهندسة والوعي بعلم الاجتماع الفلسفي، يمكنه تطبيق مهاراته باستخدام أدوات خاصة في المجتمع لتحويلها إلى فن.
هندسة علم الاجتماع الفلسفي تُقدم المعايير العلمية لعلم الاجتماع وتمهد الطريق لفهم الواقع الاجتماعي. صحيح أن «المسار الفلسفي» متداخل في علم الاجتماع، ولكن لا ينبغي الخلط بين هذا وبين ما يُسمى في «فلسفة علم الاجتماع» كمعرفة من الدرجة الثانية. علم الاجتماع هو من المعارف من الدرجة الأولى وموضوعه هو المجتمع الموجود في الخارج بشكل مباشر، بينما موضوع المعرفة في فلسفة علم الاجتماع هو العلاقات بين المقولات الذهنية لعلم الاجتماع والمعرفة الأولى. منهج المعرفة من الدرجة الأولى يتبع نوع العلاقة مع العالم الخارجي، أما منهج المعرفة من الدرجة الثانية فهو التحليل المنطقي والدراسات التاريخية المتعلقة بنفس العلم.
الفلسفة بمعناها العقلاني هي محاولة لجعل ظواهر العالم مفهومة بشكل عام وتنظيم مراتبها، وفلسفة علم الاجتماع تسعى لجعل علم الاجتماع مفهوماً، وتحديد موضوعه، وبيان الخصائص العامة المشتركة بين قضاياه، واكتشاف العلاقات التي تربطها، وتنظيم بيانات علم الاجتماع بشكل عقلاني على أسس منهجية مناسبة. معرفة المنهج الصحيح لكل علم تؤدي إلى تقدمه وترقية أساليب الحكم عليه وتوفير معايير أدق للتحليل.
في هذا الكتاب، نتبنى منهجاً فلسفياً في دراسة المجتمع وبخاصة مجتمع رجال الدين، ونسعى لدراسة أصل ظهوره وصفاته المنبثقة عن هويته. نحن لا نتبع النظرة الغربية الأحادية والمقطعية للمجتمع، بل نبني هوية المجتمع مقولة مقولة. ومن هنا يكمن الفرق الأساسي بين هذا الكتاب وأعمال علماء الاجتماع الغربيين، الذين يعد علمهم نتاجًا لضغوط الثورة الصناعية، والتوسع الحضري، والفجوة بين الأجيال، وظاهرة الفراغ كخطر اجتماعي، ومتطلبات تلك المجتمعات الموضوعية.
نقد تعريف المجتمع المبني على الفكر
اعتبر بعضهم وحدة الفكر ركنًا أساسيًا في المجتمع، وعرّفوا المجتمع بأنه:
«مجموعة من الأشخاص يشتركون في فكر مشابه، وتقوم علاقاتهم على تفاهم متبادل.»
هذا التعريف يعاني من نوع من السلبية والجمود، ولا يشمل جميع المجتمعات، ولا يتمتع بالشمولية؛ لأن التجانس الفكري هو ظاهرة لاحقة على نشوء بعض المجتمعات. فالمجتمع يمكن أن يتكون بمجرد اشتراك الأفراد في منطقة جغرافية معينة، ويحدث التشابه أو التماثل الفكري مع تطور المجتمع وتقدم وسائل الاتصال، مما يعزز قدرة الأفراد على التسامح والتفاهم. بوجه عام، يظهر التجانس الثقافي تدريجيًا مع مرور الزمن، في حين أن بنية المجتمع تتأسس قبله، وإلا لما استطاعت الثقافة أن تستقر وتتجذر داخل المجتمع.
عالم الاجتماع
رغم أن كل فرد يمتلك معرفة بالمجتمع الذي يعيش فيه – بحيث يمكنه تقديم تقرير مفصل عنه – إلا أن هذه المعارف والبيانات لا تكفي لكي يُطلق عليه لقب «عالم اجتماع». فالتفرّد والتميّز يقتضيان توفر خبرة اجتماعية، وقدرة على الدخول والتأثير في طبقات المجتمع، وفهم بنيته الإرشادية من منظور فلسفي وباستخدام أدوات علمية، وهذه كلها شروط ضرورية لعالم الاجتماع.
تاريخ علم الاجتماع
يمتلك علم الاجتماع تاريخًا يتضمن قسمين: علم الاجتماع القديم والقديم جدًا، وعلم الاجتماع الحديث، ويفصل بينهما فترة طويلة من الانقطاع. لا يمكن اعتباره ذا جذور ذهنية عميقة، بل هو علم ناشئ لم يبلغ بعد مرحلة النضج الكامل. ورغم ذلك، فقد حقق نموًا نسبيًا بحيث يمكن تصنيف أكثر من خمسين عنوانًا مهمًا لمجالاته المختلفة، كان أحدثها موضوع المجتمع الافتراضي والإنترنت والفضاء السيبراني.
أول مجتمع ذُكر في القرآن الكريم هو مجتمع الأشرار، السفّاحين، الذين كانوا يرتكبون الفساد، ويُعرفون بـ«النسناس». وحتى الآن، لا توجد أدلة مادية مهمة عنهم. النبي آدم عليه السلام وُجد بدون أصل من مثل هذا المجتمع، ودعا إلى النبوة في ظل هذا الواقع.
اليوم، علم الاجتماع هو من العلوم المسيطرة في العالم الغربي، وهم الذين يُعرفون بآباء هذا العلم؛ نشأ في اليونان القديمة على يد فلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو، ومرّ بفترة من الركود، ثم استُعيد وتطوّر في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر على يد أوغست كونت. أقدم عمل نظري عن المجتمع وصلنا من أفلاطون (حوالي 437 قبل الميلاد) والذي تحدث فيه عن «الجمهورية» و«المدينة الفاضلة».
أما في العالم الإسلامي، فقد تراجع علم الاجتماع منذ القرن الخامس الهجري، ولم يظهر أي عالم اجتماع بارز في هذه الفترة، رغم أن المسلمين يشكلون أكثر من ملياري نسمة من سكان العالم، ويمتلكون أكثر الأراضي جغرافياً. ويرجع ذلك إلى أن المؤسسات العلمية والمجتمعات الإسلامية، سواء الشيعية أو السنية، لم تدخل بعمق في العلوم الاجتماعية، وانسحبت تمامًا منها. هذا الانسحاب لم يقتصر على كونّه مجرد نقص علمي، بل بات يشكل خطراً كبيراً وسببًا في معاناة تلك المجتمعات.
هوية المجتمع
في تعريف المجتمع قلنا: «المجتمع هو نتاج السلطة المشتركة والمنظّمة الناتجة عن الاتصال الواعي والمقبول في منطقة أو مذهب لأفراد متشابهين وذوي حاجات مشتركة من أجل تحقيق مطالبهم المشتركة.» هذا التعريف يحدد مكوّنات هوية كل مجتمع بعبارة «أفراد إنسانيون متشابهون».
هوية المجتمع هي المؤسسة المشتركة والمتجانسة والدائمة والتاريخية التي تنبع من طبيعة غير مكتسبة للأفراد في المجتمع، وتؤدي إلى سلوكيات وأفعال اجتماعية متداخلة.
يكتسب عالم الاجتماع، بحسب الأدوات التي توفّرها له العلوم والتقنية، القدرة على دراسة هوية المجتمع وتشخيصها. وإذا كانت هذه الأدوات متقدمة، فسيصل بسهولة أكبر إلى الهدف ـ كما يمكن له من دراسة خلية واحدة أن يتوصل إليها ـ وإذا كانت الأدوات تفتقر إلى القدرة على التشخيص الدقيق والقياسات الدقيقة، فعليه بذل المزيد من الجهد للعثور على هوية المجتمع، وقد يعاني أحيانًا بسبب بدائية أدوات الدراسة.
يجب أن نعلم أنه كلما تقدمت الصناعة والعلوم التجريبية، ازدادت إمكانية تطور العلوم الإنسانية ـ وخاصة الفلسفة والفقه ـ عبر استخدام تلك الأدوات، مما يسمح بتحديث نظم المعرفة وتنظيمها. على سبيل المثال، الأحكام التي تتعلق بالأعمال الخيرية والثواب تحتاج إلى أدوات قياس، والعلم هو الذي يمكنه إنتاج تلك الأدوات. للأسف، لا تزال العديد من العلوم الإنسانية تفتقر إلى النظامية، وتعاني من النزاع الداخلي بسبب اعتمادها على مناقشات منظمة ذاتية (ناظم-محور). هذا النوع من النقاشات يؤدي إلى النزاع، في حين أن العلوم المنهجية متوافقة وتزيل النزاعات.
فهم مكونات هوية كل مجتمع ضروري لفهم ذلك المجتمع والحكم على مرضه أو صحته.
يُلاحظ أن كلمة «الهوية» تحمل معنيين: الأول هو المعنى الفلسفي الذي يختلف عن الجوهر، والثاني هو المعنى المستخدم هنا وهو المشترك الباطني الناشئ من الضمير.
الجوهر، وفقًا لمن يؤمن به، هو تابع للوجود ومثار للتعدد، وهو العامل في وحدة الظواهر، إذ يتلقى «الوجود» درجات من القوة والضعف، ويؤدي اختلاف الجوهر إلى تعدد الأسباب، ويطرح فكرة الجوهر والعرض. أما نحن فننكر الجوهر كليةً ونؤمن بحقيقة الوجود وليس أصالته. لذلك، لا وجود لجوهر تابع للوجود، ويصبح طرح الجوهر والعرض والخمسيات بلا أساس. الاختلافات هي في تجلّي الوجود ومرتبته، دون مساواة في «الوجود» في الخلق. في الخلق، كل ظاهرة فريدة. الهوية تأتي من هذا؛ أي أن الهوية هي وجود ودرجة تجليها وتمييزها، وليست جوهرًا. الجوهر هو الأصل في الوجود الذي لا ينفصل عن الله تعالى، والتجلّي هو فعل الله. الفعل لا يخلق سوى الفعل ولا يعطي شيئًا جوهرًا أو وجودًا. بناءً عليه، الهوية قائمة على الوجود ولا تثبت إلا لله سبحانه وتعالى، والظواهر لا تملك هوية بل هي عرضة للتغيير والتبدل. عدم التغير على أساس وجود الجوهر يؤدي إلى انقلاب الجوهر، وليس في هذا التصور، حيث يمكن لأي ظاهرة أن تتحول إلى أخرى إذا توفرت الشروط.
الله سبحانه يتحرك وجوديًا وخلاقيًا، ولا يوجد شيء ساكن أو بلا تجلّي، بمعنى أن كل لحظة في شأن ما. بناءً عليه، لا وجود لما يسمى بالهوية بمعنى «الثبات والتشابه»؛ وإذا أصرّ أحد على استخدام مصطلح الجوهر، فيجب أن يرجع معناه إلى الهوية بمعنى الوجود والتمييز الخاص، لا بمعنى التشابه والثبات. بذلك، يكون الجوهر لكل الظواهر هو وجودها الخاص، و«الوجود» هو أساس الفلسفة الوجودية التي تتضمن ذاتًا مستقلة لا يمكن الظلم عليها، ومراتب التجلّي التي لا تملك ذاتًا مستقلة وخيارًا غير محدود.
بناءً على ذلك، تُخلق الظواهر حرة ولا يمكن منع الإنسان من أي جانب — سواء في الخير والكمال أو في الشر — فاختيار الإنسان واسع جدًا، يمكنه تسخير كل الظواهر ويجتاز كل العوالم. المجتمع أيضًا ليس ثابتًا أو متشابهًا، بل يتغير ويتحول لحظة بلحظة ولا يمكن اعتباره أمرًا ثابتًا أو دائمًا، وليس له هوية ثابتة، كما هو الحال مع جميع الظواهر، وهذا ما جعل الإنسان يصل إلى قوة التخمين، إذ لا يزال غير ناضج للوصول إلى قوة التحقيق.
الهوية؛ تشابه القلوب
يمكن تعريف الهوية بأنها: لكل ظاهرة درجة من الباطن تسمى «القلب»، والظواهر تتشابه في قلوبها. التشابه في ميول القلوب يجعل بعض الظواهر متناسقة ومتجانسة ومتحدة. المجتمع يتأسس على التشابه والانسجام في القلوب، وأفراده يتبادلون القلوب؛ في حين أن بعضهم يتنافرون حتى لو كانوا مؤمنين، فلا يمكنهم التعايش والتوافق بسبب تدخل الباطن، وقد ينشأ بينهم بغض، وهؤلاء لا يستطيعون تأسيس مجتمع. وكذلك إذا لم يبادل المجتمع أفراده أو حكامه حبًا في القلب، يكون المجتمع متفرقًا. هذه البنية الباطنية لدى الإنسان التي تشكل الأهواء والمصالح والمكروهات، هي التي تحدد طبيعة المجتمع.
في تعريف المجتمع ذكرنا «تشابه الأفراد الإنسانيين» في هذه الحقيقة. الجهل والفقر والاستبداد، في مقابل الوعي والقوة المالية المناسبة ـ بالكفاية والعفاف ـ والحرية والكرامة، تؤثر في نمو هذه الأهواء، ولكن الفروق بينها تعتمد على التخمين لا على التحقيق بسبب نقص المعايير اللازمة. لا تزال العلوم غير ناضجة لقياس الفروق والتشابهات بدقة، وإنما تعتمد على حدود تقريبية.
بناءً عليه، يمكن للحكومات وأصحاب السلطة التدخل في «الهوية» وليس في جوهرها، بل في الضروريات المرتبطة بها. مثلاً، الإيمان بالله والدين موجود في هوية كل البشر والمجتمعات، لكن الحكام والملوك، باستخدام هذه الصفة الفطرية، نسبوا لأنفسهم التمثيل الإلهي أو وصفوا أنفسهم كآلهة، مشروعين استبدادهم بصبغة دينية، معرفين الاستبداد كضرورة فطرية للدين. في المقابل، كان الأنبياء الإلهيون يعززون الأصل الفطري ويعيدون الإنسان إلى جوهره ويحافظون على الفطرة الإلهية من التحريف.
محورية الله موجودة في جميع البشر، لكنها في الإيرانيين من منبعها النقي، وإيمانهم بالله أقوى من باقي الشعوب. القرب من هذه الفطرة الإلهية، على الرغم من كونها ميزة للإيرانيين، إلا أنها معرضة للخطر بسبب الخرافات التي تزرعها مراكز القوة والثروة، بعكس الأشخاص عديمي الثبات الذين لا يلتزمون حتى بالأصالة الفطرية ولا يتجهون للخرافات. الميل الإيراني إلى الفطرة الأصلية للإيمان بالله معرض لأن يلوث بالخرافات.
إذا أراد المجتمع الديني حماية الشعب الإيراني العزيز، فلا بد له من التعرف على الخرافات وإزالتها، ويجب عليه أن يعترف بالترسبات التي فرضتها الملكية المستبدة وفترات التقية والغربة على الثقافة الشيعية، ويناضل ضدها بطريقة مستندة.
الاستبداد والنفاق
لسوء الحظ، أصبح الاستبداد الذي نشأ من سيطرة الملوك المستبدين والدكتاتوريين في بلدنا سلوكًا عاديًا، يستخدمه كل من في موقع السلطة ويصرخ بالاستكبار على الآخرين. انتشار هذا السلوك جعل بعض النجباء مرتبطين بالاستبداد، فما بالك بالعنيدين منهم. من جهة أخرى، كل بيئة تستشري فيها الاستبداد تولد حالة اختناق، وهي ولادة «النفاق»، إذ إن الاستبداد يولد نفاقًا بالضرورة، وهذا أمر لا شك فيه.
العملية التاريخية للمجتمع الإيراني سجلت خصائص وسمات مشتركة، أبرزها عبادة الله، وهي صفة أثرت على كل بنية هذا المجتمع وأخلاقه وعاداته وسلوكياته.
رافق عبادة الله دائمًا من يتولى الدين في البلاد. حين كان هؤلاء المتولون من أنبياء الله أو من نسلهم، كانوا يوجهون المجتمع الإيراني نحو الفطرة الأصيلة، ولكن عندما أصبح المتولون دجالين مخادعين، جرّوا المجتمع إلى عبادة الأصنام والنار، خاصة حين كان الحفاظ على النار مشقة كبيرة. وإذا كان المتولون دينًا مرتبطين بالعالمين الدنيوي والملكي، كانوا ينشرون الخرافات بين الناس الطيبين والبسطاء.
مع ذلك، ذكاء الإيرانيين وقبولهم للأحكام الصحيحة، وصحة فطرتهم، وكون إيران منطقة قليلة الماء وغير خصبة، حيث كان الناس يعملون دومًا لتأمين قوتهم واحتياجاتهم، جعل الأحكام الدينية الأساسية أقل عرضة للتحريف والخرافات. لذلك لا توجد تعددية دينية كبيرة بين الإيرانيين. لكن استبداد الملوك كان دومًا عائقًا أمام ازدهار الفطرة الأصيلة الإيرانية.
تقول علم النفس أن الاستبداد لا يخلو من ازدواجية الوجه والنفاق، وهي «تسليم المواقف» وهي جزء لا يتجزأ منه، إذ أن النفاق هو نتيجة الاستبداد.
رغم أن شعبنا متدين وليس متدينًا مزيفًا، لكنه بسبب سوء الإدارة والتاريخ الاستبدادي صار يعاني من ثقافة «نفاق المواقف»، ويُبرّر بها أفعاله أمام الله والمجتمع.
الخلاصة
في الحديث عن هوية المجتمع، لا نغفل أن هذه الهوية ليست ثابتة أو جوهرية، بل هي ظاهرة وجودية متغيرة تعتمد على الباطن والقلب والمواقف الداخلية، وتتأثر بالحرية والاستبداد، وبالتوازن بين الأفراد والمجتمع والحاكم.
هوية التدين لدى الإيرانيين
عندما يدرس عالم الاجتماع مجتمعًا مثل إيران، يجد أن التدين هو مؤسسة داخلية في هذا المجتمع، تجري في جميع السلوكيات الاجتماعية عبر التاريخ، سواء قبل الإسلام أو بعده، بصورة عامة وظاهرة. هذا التدين الأصيل الناشئ من الفطرة الإنسانية يتسم بشدة في الإيرانيين. إن أصالة تدين الإيرانيين جعلت دينهم هبةً ولاية، وطينتهم متشابكة بصورة عامة مع محبة أهل البيت عليهم السلام وولاءهم.
ومع ذلك، فإن دخول الإسلام إلى هذه الأرض تم على يد أهل السنة وبفضل قوة الخلفاء من هذا المذهب، لكن الناس منذ البداية اتجهوا إلى أهل العصمة والطهارة، وقاتلوا بقوة خلفاء ذلك المذهب حتى أصبح التشيع في عصر الصفويين الدين السائد بين الناس، واقتربوا بذلك من فطرتهم الأصيلة. أما الاستبداد الملكي فقد كان أمرًا مفروضًا على الهوية الإيرانية، حتى أُزيل النظام الملكي على يد الخميني الكبير، ولكن ثقافة الاستبداد، التي هي ذكرى سوداء للملوك، لم تزُل كليًا من نفس المجتمع الحي في إيران، والعلاج الحاسم لذلك يحتاج إلى سياسات طويلة الأمد.
تُظهر دراسة تاريخ الإيرانيين أنهم لم يقبلوا أبدًا الاستبداد الأجنبي، كما رفضوا استبداد العرب وخلفائهم الظالمين، بل قبلوا ثقافة الإسلام، وشرعوا منذ البداية في محاربة نظام الخلافة العربي. كان الإيرانيون دومًا يحبون أهل العصمة والطهارة، الذين هم أهل المحبة والمودة، وأقاموا العديد من الثورات باسمهم، إذ كانوا يرون في ثقافة أهل البيت عليه السلام ثقافة مفعمة بالعلم والمعرفة والمحبة والصفاء والصدق والكمال والحرية، لا بالاستبداد.
هوية العرب
حاول الاستبداد العربي للخلفاء أولًا محو الثقافة الإيرانية وخاصة لغتها، فكان يروج لكل كلمة فارسية مرادفًا عربيًا، ولكن الإيرانيين، رغم مقاومتهم لهذا الاستبداد، وقعوا تحت استبداد داخلي من قبل الملوك الإيرانيين الذين لم يكن لديهم سوى مهارات عسكرية ولم يقدروا الثقافة والهوية الإيرانية، بل استسلموا للموجات الثقافية المختلفة وقبلوها.
لقد رسخ الاستبداد الداخلي للملوك في الثقافة الإيرانية حتى أثر على العلماء، فقلما نجد عالمًا يحترم رأي عالم آخر ويقبل نظرياته العلمية. حيث سادت سياسة الفردية والاستبداد، ما أفرز حالة من العلمانية المُركزة على الشخص بدلاً من اتباع نظام منظم للفهم العلمي والمنطقي. إذا التزم جميع العلماء بقواعد فهم العلم، للوصول إلى نقطة إجماع، كانوا سيركزون على العلم نفسه وليس على أناس العلم.
بعض العلماء من أهل السنة، خاصة الذين كانوا يحظون بدعم البلاط، حاولوا فرض الإسلام العربي للخلفاء على هذا الشعب. ولهذا فإن بعض ما تبقى من شوائب في الثقافة الإيرانية هو نتيجة ترسيخ دعاية هؤلاء. مع ذلك، قاومت الهوية الإيرانية بعض هذه الشوائب، لكنها تأثرت ببعضها، خصوصًا في قبول اللغة العربية، التي هي لغة الدين، والتي قُبلت بمحبة عامة، إلا أن القوميين القدماء كانوا يعارضون ذلك.
مع قدوم الصفويين، أُزيل النظام الإسلامي القائم على أهل السنة تمامًا، وحل محله نظام الإسلام الشيعي مع ثقافة الدراويش الصفويين. شجّع حكام الصفويين على إقامة مجالس العزاء والمنابر الخطابية، وابتعد أهل السنة من وسط إيران إلى الحدود، حيث لم يتوافقوا مع ثقافة الصفويين واعتبروها استعمارية واستبدادية. وتجدر الإشارة إلى أن الهوية العربية، الناشئة من وسط شبه الجزيرة العربية، تفتقر إلى النبل الديني، حيث انطلقت منهم حركات التكفير والوهابية التي تمثل جوهر الهوية العربية، بخلاف الهوية الإيرانية التي تتسم بالنبل الديني والمواكبة لأهل الولاية، خاصة إذا لم يكن الاستبداد والظلم حاكمان عليها.
الهوية الولاية الإيرانية
الهوية الإيرانية، تبعًا لفطرتها الإلهية، هي تدين، لكن قبول شكل الدين في أطر الأديان الإلهية أو غيرها كالنارانية، يرتبط بتنشئة البيئة وليس بالهوية الداخلية للأيرانيين التي تتمثل في التدين والولاء في كل عصر، رغم أن هذه المؤسسة واجهت دومًا عقبات كبيرة كاستبداد الملوك والحكام المدعين.
إذا أردنا الحديث عن الهوية الإيرانية، أي الصفات اللاصقة بالإيرانيين، فالأولى فيها التدين واحترام ميولهم الفطرية التي تحمل لون الولاء. الأرض تختلف في قبولها للولاية، والأرض الإيرانية تمتلك هذه الصفة، فقد كانت وما زالت مهدًا للولاية والولاء، وستظل كذلك حتى في المستقبل.
هذه الأرض هي مهد الولاية، وستخرج العديد من العلماء، وفضل هذه الأرض يعود إلى ولايتها، وإن كانت تعاني من جفاف بعض الأفكار التي تحجب أصحاب الولاية الحقيقيين وتعرضهم للظلم، لكنها تحمل ضد الظالمين خسارة عظيمة.
حتى الزرادشتيون وأهل الكتاب الذين يعيشون فيها يحملون الولاء والمودة، وهذا يُثبت أن بعض الذين فسدوا من الإيرانيين وهاجروا أو فروا إلى بلدان أخرى، يُعدّون مستضعفين لأن ولاية القلوب لم تثمر فيهم.
الحكومة التي تشجع حرية الفكر قادرة على تربية هؤلاء الذين لديهم استعداد للولاية، وتنمي فيهم هذه الصفة، وبذلك تُحول أعداءً محتملين إلى أصدقاء.
الشعب الإيراني ولائي بطبيعته، كما أنه من أرض ولائية، ولن ينشأ فيهم قط انعدام التدين، بل إذا واجهت دينهم هجمات، فإنهم يكرهون المتحكمين بالدين لمصالح دنيوية، ويُبغضونهم، ولا ينال هؤلاء إلا الهزيمة.
آثار الاستبداد
أكبر ضرر في المجتمعات الاستبدادية التي اعتادت الاستبداد هو النفاق المتجذر. المجتمع ينمو صحيًا فقط إذا جفف جذور النفاق (= الاستبداد). صفة المجتمع الاستبدادي هي النفاق، وإذا عجز عن مقاومتهما، فإنه ينحدر إلى الانحطاط، حيث تتغير السلطة بسهولة، لأن الناس في مثل هذا المجتمع معتادون على الطاعة للقوة العظمى ولا يحترمون الضعفاء.
الانتقال بين حكومة فاسدة أو حكومة كريمة يتم بسهولة في مثل هذا المجتمع. أهم نقطة نمو لأي مجتمع هي إزالة الاستبداد والنفاق. المجتمع الديني يمكنه مساعدة الشيعة في تحقيق مجتمع حر وخالٍ من النفاق من خلال حركات التحرر، وبذلك يُفتح الطريق لتنمية المواهب والقضاء على الفقر.
المجتمع الذي يغرق في النفاق يفقد القدرة على النقد العلمي، ويُعتبر كل ما يفعله أصحاب السلطة الاستبدادية جيدًا ومستحقًا، ما يُغلق ميدان النمو والإبداع.
الخاتمة
إن جذور كل المشاكل الاجتماعية تعود إلى الاستبداد، والاستبداد يُولّد الكثير من المشاكل الصغيرة والكبيرة، وأخطرها النفاق والرياء. إذا أزيلت مصادر الاستبداد في المجتمع، فإن المجتمع يستعيد بركاته الروحية وصفاءه وكمالاته، ويعمّ الحب والود بين الناس، أما إذا استمر الاستبداد، فإن الأفكار تتعب والقلوب تنكسر، ويُصبح الناس باردين بلا روح ولا عطف.
الفرق بين المجتمع الحي والمجتمع الميت هو وجود الاستبداد الثقيل والبارد، والاستبداد يعني الهلاك والدمار، فالمستبدون يهددون أنفسهم والمجتمع الذي يحكمونه.
الهوية المشوشة
إذا لم يمتلك الفرد فهمًا واضحًا لهوية المجتمع وأخطأ في إدراكها، فإن فهمه العام وتمييزه لاحتياجات المجتمع وسبل تحقيقها، وكذلك القيم الإدارية وأساليبها، سيقع في الخطأ. ومن أمثلة ذلك المقالة المعنونة بـ«الهوية المشوشة» التي تتناول الالتباس في تحديد الهوية الإيرانية.
تعتبر هذه المقالة أن الهوية الوطنية لإيران تشكلت من خصائص «حكم الملك» التي لا تزال متجذرة في ثقافة المجتمع، وصفة «الهوية الغربية» التي ازدهرت خاصة بعد الثورة الدستورية في إيران.
تشير الدراسات الاجتماعية عن الإيرانيين إلى أن لا هيمنة استبدادية للملوك ولا هيمنة العلم والتقنية الغربية تدخل في جوهر الهوية الإيرانية. فكلا الصفتين المذكورتين يقعان خارج الهوية الإيرانية ويهيمنان عليها، كما حدث في مجتمعات أخرى. على سبيل المثال، ما زال المجتمع الإنجليزي في عصر الحضارة والتجديد وما بعد الحداثة يُبدي الاحترام للملكة، التي تمثل رمز اتحاد ثمانية دول تشكل بريطانيا العظمى، ومركز الفكر والثقافة الغربية، لكن هذه العناصر ليست جزءًا من الهوية الإنجليزية، رغم أن المجتمع الإنجليزي يقبل حكم هذه القوة وثقافتها ضمن أنظمة قانونية تمارس بها سلطتها.
إن السلطة والاستبداد الملكي لا يرتبطان بهوية المجتمع والشعب، ولا ينبغي أن تُنسب صفات الحالة الاجتماعية بشكل مباشر إلى المجتمع بسبب نقص المعرفة المتخصصة، فالصورة المشوهة للشعب الإيراني الشريف التي تحوي مقولات زائفة لا أساس علمي لها هي أمر غير عادل. القبول الذي أبداه الشعب تجاه الملوك كان أمرًا اضطراريًا ناتجًا عن الجهل والضعف والاستبداد، كما كان فرعون يذل شعبه ليخضع له. يقبل الناس فقط بالمديرين الأكفاء وأصحاب الشروط ويحبونهم، وهذه المحبة هي التي تبني المجتمع. أما الحاكم الذي يصل إلى السلطة بالقوة أو السياسة الاستبدادية فلا يحظى بالمحبة أو القبول، فالظالمون يحافظون على ضعف الناس ليخضعوا لهم، كما يفعل الفرسان المحترفون بعدم إطعام خيولهم بكثرة كي تظل سريعة وخفيفة الحركة.
كان الناس في هذا البلد يريدون العيش بسلام، ولكن لأن احتجاجاتهم لم تؤدِ إلا إلى الفوضى، اضطروا إلى الخضوع للملوك القساة. كذلك، سيطرة الغرب على بلدنا من خلال التكنولوجيا والنظم الصناعية هي سيطرة استيرادية لا ترتبط بالهوية الإيرانية أو الإسلامية. ورغم أن نمط الحياة الإيرانية تشكل بناء على التكنولوجيا المستوردة، إلا أن هذا النظام الاستعماري ليس جزءًا من الهوية الإيرانية، على عكس التدين الذي ترسخ في فطرة المجتمع. يمكن للتقنية أن تخضع للثقافة الدينية وتصبح صحية، لكن لا يجوز ربط حكم الملوك والغربوية بالدين أو إدراجهما ضمن الهوية الإيرانية، كما أن الدين لم يُلغَ في أي بلد، وإن ظهر بدائل له، إلا أن الناس سرعان ما يعودون إليه ويتطلعون إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بترقب واستقبال.
موضوع النص: ميراث الحوزويين في العلم والعدالة
1. هوية المجتمع الروحي ودور الحوزويين:
- الحوزويون (الروحانيون) يعتبرون أنفسهم ورثة الأنبياء في مجالات العلم والعدالة، وهما جانبان أساسياً يُعتبران خلفاً للوحي والعصمة.
- الاجتهاد هو التخصص العلمي في العلوم الدينية، والمجتهد هو الذي يملك القدرة على استنباط أحكام الشريعة.
- الفقيه هو المجتهد الذي يمتلك الشروط العلمية والعدلية، ويصدر فتاوى تُعبر عن الأحكام الشرعية.
2. الاجتهاد واستمراريته:
- حتى في وجود المعصوم (الإمام) هناك حاجة للاجتهاد والفقهاء، حيث يستمر الاجتهاد كمهمة علمية واجتماعية.
- الاجتهاد الحقيقي لا بد أن يكون مصحوبًا بالعدل والقدرة على حماية النفس من الشهوات (الملكة القدسية).
- الاجتهاد بدون ملكة قدسية لا يكتسب الشرعية ولا يُعتبر اجتهاداً كاملاً.
3. الفقهاء القديسون:
- من الممكن أن يكون الفقيه قديسًا من حيث الروحانيات والتعبد، لكنه قد لا يمتلك “الولاية الباطنية” التي تعني القرب الخاص من الله وقدرة خارقة.
- الملكة القدسية هي صفة من الله تمنح القوة للفقهاء للحفاظ على عدالتهم واجتهادهم.
4. التمييز بين أنواع السلطة:
- الفقهاء يطالبون بولاية ظاهرية (سلطة دينية واجتماعية) ضمن حدود الشريعة والعلم، ولا يدعون ولايات باطنية أو معجزات.
- هناك سلطة سياسية قائمة على القوة العسكرية والسيطرة، وهي مخالفة لمفهوم الولاية الحقيقية الدينية.
- هناك سلطة “خرق العادات” التي تتعلق بالمعجزات والقدرات الخارقة، وهي ليست شرطاً في الولاية الشرعية.
5. أهمية العدالة والاجتهاد في وراثة الأنبياء:
- لا يُعتبر الحوزويون ورثة الأنبياء حقًا إلا إذا كانوا يجمعون بين الاجتهاد العلمي والعدل في نفس الوقت.
- إذا افتقر الفقيه إلى أحد هذين الأمرين فقد يكون ظالمًا لنفسه وللآخرين، وتفتقد فتاواه القيمة الشرعية.
6. تحديات الحوزة العلمية:
- بعض من يدعون الاجتهاد هم في الواقع ظاهرگرا (مجرد ناقلين للعلوم دون إنتاج أو اجتهاد حقيقي).
- الحاجة إلى تمييز الفقهاء الحقيقيين عن المزيفين لكي لا يُغيب صوت العلم والدين الحقيقي.
- ضرورة تنظيم الحوزة بشكل منسجم وداعم لتعدد المراجع ومنع احتكار السلطة الدينية في يد شخص واحد.
نقاط بارزة:
- الاجتهاد والعدالة هما ميراث الأنبياء في غيبة المعصوم.
- الملكة القدسية شرط أساسي للاجتهاد الصحيح.
- لا يجوز الخلط بين السلطة الدينية الحقيقية والسلطة السياسية أو القدرات الخارقة.
- المجتهد الحقيقي يجب أن يجمع بين العلم والعدل والقدرة على الاستنباط.
- وجود تعدد مجتهدين يضمن توازن القوة وعدم تركيزها في يد شخص واحد.
- كثير من المدعين للاجتهاد يفتقرون إلى الاجتهاد الحقيقي مما يضر بالمجتمع الديني.
ChatGPT said:
البطلانُ بِسُلْطَةِ القُوَّةِ
لقد وقعَ هذانِ الفريقان في مغالطةٍ جوهرية، حيثُ استبدلا قدرةَ الخرقِ للعاداتِ وقوةَ الإمارةِ محلَّ الولاية، واعتبرا جميعَ شُؤونِ الوالي ثابتةً لهما، مع أنَّ أياً منهما لم يمتلك سلطةَ الولاية. ويُلاحظ أنَّ القوةَ هي إحدى شُؤونِ الولاية فقط، أما قوةُ الولاية فهي درجةٌ رفيعةٌ جداً تُسمى التمكين، وبها يكتسبُ الوالي الإلهي القدرةَ على حملِ التوحيدِ والاهتمامِ بالأمورِ الربوبيةِ والكرامات، ويرتقي بها بقوتهِ ويُقدَّس، لا أن يُحوِّل القوةَ إلى ما هو دونَ ذلك لخدمةِ الرغباتِ النفسيةِ، كالسعيِ وراء الشهرةِ والطمعِ. يدعي الخلفاءُ الظالمونُ، والأمويون، والعباسيون، والشيوخُ العربُ أنهم ورثةُ قوةِ الأنبياءِ والأولياء، بينما ادعى بعضُ الفرق الصوفيةِ والطرقِ الصوفيةِ القوةَ الباطنيةَ.
الحفاظُ على حدودِ التخصصِ لورثةِ الإرث
إذا لم يكن العارفُ قادرًا على الاجتهادِ، فهو يمتلكُ فقط القوةَ الروحيةَ، ولا يملكُ الولايةَ الظاهرةَ التي تُثبتُ للفقهاءِ، فعليه أن يقلدَ المجتهدَ صاحبَ الشروطِ في استخراجِ الأحكام الشرعيةِ، وليس له حقُّ التدخلِ في الأمورِ الظاهرةِ؛ كما قد يذهبُ الأستاذُ الجامعيُّ للعلاجِ عند الطبيبِ العادي. وإذا لم يكن الفقيهُ عالمًا، فلا قوةَ روحيةَ له، لكنه لا بد أن يمتلكَ ملكةً قدسيةً على الأقل، وإلا فلا يزيد ادعاؤه عن الاجتهاد.
أما الفقيهُ المتمكّنُ من الملكةِ القدسيةِ، فإنه إذا أراد متابعةَ المعارف، فهو يحتاجُ إلى العارفِ، ولا يستطيعُ التدخلَ في مجالِ تخصصِ العارف – كذكرٍ خاصٍ ووحدةِ الوجود – أو في الأمورِ المتعلقةِ بالولايةِ الباطنيةِ، لأنها خارجُ تخصصه، وهو يملكُ الولايةَ في مجالِ الأحكامِ الشرعيةِ والأمورِ الظاهرةِ فقط تبعًا لاجتهادهِ وملكتهِ القدسيةِ.
وفي مقابل هذين الفريقين، هناك مجتهدونَ جمعوا بين الولاية الظاهرة والباطنة، فهم مجتهدون و أولياء إلهيون، ولهُم ولايةٌ على الظاهرِ والباطنِ، وهم ورثةُ كاملِ شؤونِ أهلِ العصمةِ والطهارةِ، وإذا نالوا قبولاً شعبيًا ونفوذًا اجتماعيًا، يتوفر لهم المجالُ لممارسةِ السلطةِ الإدارية والسياسية.
المجتمعُ الروحيُّ يشملُ جميعَ هذه الفرق، ونتيجةُ الفصلِ في الإرثِ، كلُّ فريقٍ من المجتهدين له مجالُ تخصصٍ ضيقٌ أو واسع. ولهذا يجبُ أن يتحدثَ كلُّ مجتهدٍ بناءً على دائرةِ تخصصه، وأتباعُهُ لا يتوقعون منه ما هو فوق طاقته. فمثلاً، لا يُنتظر من مجتهدٍ مختصٍ بالفقهِ أن يتدخل في علومِ التصوفِ ويصدرَ فتاوىً فيها، بل ينبغي الحفاظُ على حدودِ تخصص كل فريق من المجتهدين. وإذا لم يحافظْ المجتهدُ على تخصصه، فلا يملكُ قوةَ حفظِ النفسِ، ويفقدُ صلاحيةَ المرجعية.
إذا أردنا تشبيه المجتمعِ الروحيِ، فهو كالأبناءِ الذين فقدوا والدهم، وكان قد ترك لهم ميراثًا منزليًا، كلُّ منهم يرثُ غرفةً تختلف عن الأخرى. الفقهاء ورثوا الفقهَ والولايةَ الظاهرة، والعارفون ورثوا الروحانية والولاية الباطنية. الفقهاء يرون أنَّ المجتهدَ العادلَ الذي يملكُ قوةَ حفظِ النفسِ وقبولَ الناس، ولايتهُ فعليةٌ وحكومته نافذةٌ.
أما بعضُ من يزعمون الوراثة، فقد استولوا على القوة الظاهرة بالقوة أو المرجعية في العلوم الظاهرة، أو ادعوا خرق العادات والقوة الباطنية، وهم لا ينتمونَ إلى أهل العصمةِ والطهارة، وقد اغتصبوا مقامَ الفريقين الأولين، ولا شرعية لتدخلاتهم، ومن يربط نفسه بهم فهو مرتبطٌ بلصوص الطريقِ الذين يفعلون كلَّ مخالفةٍ لحمايةِ سرقتهم. هؤلاء هم لصوصُ الدين، وإنّما لصوصٌ بأوجهٍ شريفةٍ أحيانًا، خصوصًا من يجمعون بين هذه الادعاءات الثلاثة ويطالبون بحقِّ التدخلِ المطلق في كل الأمور.
الفروق بين العلم الدينيِّ والفنِّ الدينيِّ ومغالطاته
المجتمعُ الروحيُّ يُعرفُ بلغةِ الدينِ، وشرعيتهُ مستمدةٌ من فهمِ مرادِ الشارعِ وترجمتهِ. كشفُ مرادِ الشارعِ وإصدارُ الأحكامِ العلميةِ يتطلبُ اعتمادًا صحيحًا، لكي يعلمَ الروحيُّ أنَّ ما يقولُه هو الدينُ لا غيره. الفرقُ بين العلماءِ الشيعة وغيرهم أنَّ العالمَ الشيعي لا يقول من عنده، بل ينقلُ ما هو ترجمةٌ لمرادِ الشارع، أما الآخرون فيعتبرون أنفسهم أصلًا ومعصومين، ويبتكرون نظرياتٍ خاصةً بهم ولا يلتزمون بالدين الإلهي.
إذا ظُنَّ أنَّ مهمةَ المجتمع الروحي الاقتصار على الأمور الظاهرة والتفوق في العلوم كما في الجامعات، فذلك خطأ، لأن المجتمع الروحي هو من نسل الأنبياء، والعلومُ المدرسيةُ المنتشرة في الدول الكافرة لا تربطهم بالأنبياء، بل يجب أن تتماشى علومهم مع الوحيِ وعصمةِ الأنبياء، ويتمكنوا من كشف مراد الشارع، وهذا التماهي يتحقق بالملكة القدسية وقوة حفظ النفس، ويُعرف ذلك بالاجتهاد والعدل، ما يجعل الروحي قادرًا على كشف المراد. وهذا ما يميز المجتمع الروحي عن عقلانيةِ الجمع وآراء الأغلبية.
الاجتهاد لا يكون شورى، والفتوى يجب أن يصدرها شخصٌ خاص، تحت عناية الله، وإلا لتحول المجتمعُ الروحيُّ إلى مؤسسة علميةٍ عاديةٍ كغيرها، فلا فرق بينه وبين الجامعات ومراكز البحوث.
الفهم الديني منبعُهُ طريقةُ الأنبياءِ ونظامُهم المعرفي، ويختلف جذريًا عن النظام التعليمي العلمي السائد في المراكز العلمية.
كما أن الأنبياء نظامهم اختياري وعنايتي، وهم المختارون الذين نالوا الخير والعناية الإلهية الخاصة، فالاجتهاد الذي هو تخصص المجتمع الروحي يمتلك قاعدةً تسمى “الملكة القدسية الباطنية”، وهي موهبةٌ وهبةٌ من الله، ولا تحصل بالتحصيل فقط، بل التحصيل يهيئ الأرضية، ولا يشترط وجودها دائمًا. من علامات الملكة القدسية القدرة على إنتاج علم جديد لا يعارضه علم صحيح آخر.
الذين يصلون إلى الاجتهاد بفضل الملكة القدسية هم مختارو الله في كل عصر، وليس كل من طلبها يحظى بها، قد تتراكم الصلوات والبركات لقرون، حتى يرزق الله أحد الأولاد هذه الملكة.
الملكة القدسية موهبةٌ باطنيةٌ وليست اكتسابية، ولا يمكن تعويضها، بل تتطلب ظروفًا روحية خاصة في النطفة والزمن والمكان وصفات الفرد، وبمساعدة مربٍ متمرسٍ تُكتسب. التقوى هي أساس التطور الروحي.
الجامعةُ، على رغم تشابهها مع العلوم الدينية الحوزوية في العناوين، إلا أنها ليست مؤسسةً أستاذية، ولا تُخرج أنبياء، وإذا ابتعدت الحوزة عن نظام الأستاذية تصير كحال الجامعات.
فلسفة الحوزة العلمية هي إعداد المجتهد الذي من نسل الأنبياء، وربط المجتهد بالأنبياء يتم عبر الملكة القدسية، التي تُعينه في إنتاج العلم والاجتهاد، وهذه الملكة لا تُنال إلا في نظام أستاذي.
العلوم الدينية المنتشرة في المدارس تشبه نظام الأنبياء لكنها تفتقر للملكة القدسية، وهذا سبب المغالطة في الظن بأن النظام الروحي تابع للنظام النبوي، بينما في الحقيقة الروح الحية وهو الملكة القدسية مفقود.
ثمّة علماء دين يحفظون القرآن كاملاً لكنهم مجرد محفوظات، ولا يملكون قدرة الإنتاج العلمي الديني.
نظام التعليم الجامعي الغربي يحول العلوم الإنسانية إلى مهارة وفنّ، ويجعلها آلية في الذاكرة، ويفقدها الروح. إذا كان العلم الديني فنّ حفظ المعلومات فقط، فهو بلا تأثير ذاتي، ويكون عمله من أجل الآخرين، عكس المجتهد الذي يغوص في باطنه لإنتاج العلم لذاته.
إنتاج العلم الديني ينبع من انفجار داخلي، أما المهارة الدينية فتنتج جفافًا ذهنيًا وشحوبًا روحيًا، بحيث يغيب التواصل مع الروح والمحبة.
استدعاء المعلومات الذهنية بلا قدرة على الإنشاء يعد مجرد إخبار، والذاكرة المكدسة تعيق نور الملكة القدسية التي تخلق العلم.
هذا النظام لا يناسب نظام تعليم الأنبياء، بل يتعارض معه، ويمنع الطالب من الاجتهاد، فيبقى علمه فنًا.
الجمع بين علمٍ فنّي بلا نور الله يغلّف صاحبه بالكبر والغرور، بينما العلم الحقيقي يُمنح بعناية خاصة ويولد اجتهادًا وابتكارًا.
ميزة الحوزة العلمية هي أنها توفر بيئة الملكة القدسية، لكن ينبغي على المعلم أن ينقل هذه الملكة في عملية تعليمية صوفية داخل إطار تفاعلي.
ملخصًا، ضرورة التفريق بين القوة الظاهرة والولاية الباطنية، وبين تخصصات الاجتهاد والروحانية، وبين الاجتهاد الشرعي والاجتهاد الصوفي، وبين العلم الحقيقي (الذي ينتجه المجتهدون المختارون) والفن الديني (الذي يكتفي بالحفظ ونقل المعلومات). وأيضًا، ضرورة الحفاظ على مرجعية واضحة ومصداقية شرعية في المجال الذي يختص به كل عالم أو ولي، وعدم استغلال القوة أو السلطة بطرق غير مشروعة.
الترجمة:
الذين يطلبون فن الدين يريدون أن يعرفوا كل شيء ويملِكوا كل معرفة. هؤلاء مثل الأطفال المدللين الذين يريدون كل ما يرونه. من يريد مهارة دينية يلحظ أثرها تدريجياً في نفسه، أما الاجتهاد وامتلاك الملَكة القدسية فيتطلبان صبراً وبعد سنوات طويلة من الجد والاجتهاد والتمرن تحت إشراف الأستاذ، فإذا بغير توقع تتجلى الملَكة ويظهر في باطنه القدرة على إنتاج العلم، وهو عمل يحتاج إلى وقت طويل وصبر كثير حتى تفتح باباً يغني عن عشرات السنين من المجهود.
المهارة الدينية من الأمور التدريجية، أما العلم الديني فهو فجائي، وإن كانت مقدماته تتشكل تدريجياً. في باب المهارة الدينية، مقدار العمل اليومي واضح، أما في باب العلم الديني فقد يحتاج الإنسان سنوات يطرق فيها نفسه حتى يظن أنه راكد، ثم فجأة يُفتح له باب.
قد يرسب بعد سنوات من السعي، فليس في المدرسة كما هو في الاجتهاد؛ فطالب العلم في المدرسة يكتسب كل يوم مقدار يومه، ولا يستطيع أحد أن يتعلم علم سنة في يوم واحد.
من ظن أن باب العلم الديني مثل باب المهارة الدينية، وأنه يستطيع أن يتعلم الاجتهاد الديني بنفس طريقة الدراسة العادية، فهو في خطأ كبير! بالتعلم يمكن تحويل العلم الديني إلى فن، وتعلم فن الدين، ولكن لا يمكن أن يصبح مجتهداً دينياً. كما أن الأديب قد يعرف قواعد الشعر بدقة، لكنه عاجز عن نظم بيت شعري.
العلم المكتسب من المقدمات شرط ضروري للاجتهاد، لكنه ليس كافياً، أما في فن الدين فالإتقان في العلمين الفقه والأصول هو الغاية.
أيضاً، الشك عند الماهر في الدين يسبب نمو علمه، أما الشك عند العالم في الدين فيسبب سقوطه؛ لأن الشأن البشري يغلب على ملكته القدسية فتدخل إليه الشكوك.
من يريد الوصول إلى الاجتهاد الديني لا ينبغي أن يظن نفسه كطالب جامعي ويتبع نظام التعليم الكتابي المدرسي. العلماء السابقون استثمروا جهداً ليحصلوا على بحر العلم الديني بصورة إلهامية ووراثة للأنبياء، أما العلماء اليوم فمعظمهم يبحثون عن مهارة الدين وفنونه فقط، كما يبحثون في البرك والبرك الصغيرة، إلا إذا ابتعدوا عن كبر النفس وألاعيبها.
العلم الديني لا يخضع أبداً للمال والرشوة، أما مهارة الدين فيمكن شراؤها وأخذ عالم في خدمتها. في مدرسة المهارة الدينية، يمكن تعلم فن الدين بمجرد الحضور في الدرس، حتى وإن لم يكن هناك علاقة جيدة مع الأستاذ. في تلك المدرسة يُقبل الجميع دون انتقاء، ويلزمون بتعلم القراءة والكتابة، وهذا أمر عام وشائع.
لكن العلم الديني أمر خاص وجزئي. مدرسة المهارة الدينية هي تحصيلية وضرورية للعموم، وغالبية الطلاب ينجحون فيها، ونادراً من لا يتعلم شيئاً. أما العلم الديني، المرتبط بالملَكة القدسية والاجتهاد، فيتعلق بالمقدمات المكتسبة من العلوم التحصيلية، لكنه ليس واجباً على الجميع، بل على المختارين الذين تُمنح لهم الملَكة القدسية.
طريق العلم الديني هو طريق الأنبياء، ووسيلته الملَكة القدسية الإلهامية.
أساس ومحور التحصيل في الحوزات العلمية يجب أن يكون قوة الإنشاء والإنتاج، إذ إن هذه القوة هي التي تجعل الحوزات علمية، وتبعدها عن الحوزات التي تقتصر على المعلومات والحفظ. يجب على أساتذة الحوزة والنظام العلمي والتعليمي فيها أن يركزوا على ترسيخ قوة الإنشاء في الطلاب، وأن يجعلوها أساس عملهم. المشاكل العلمية في المجتمع والحوزة لا تُحل أبدًا بالاهتمام بالشؤون الحفظية والمعلوماتية فحسب، بل تزداد هذه المشاكل يومًا بعد يوم؛ بحيث إنه في المستقبل القريب، مع تأسيس قواعد دائمة على شبكة الإنترنت، يصبح الوصول للجمهور إلى البيانات والوقائع العلمية الدينية أكثر سهولة، في حين أن الطالب لا يمتلك مثل هذه القدرة على الحفظ والاستحضار.
ما يجعل الطالب طالبًا حقًا هو قدرته على التبيين والتحليل للوقائع العلمية، وقوته العالية في النقد، وكذلك قدرته على الإبداع والإنشاء والإنتاج والابتكار. وهذا ما يتوقعه الناس منه، وليس مجرد نقل المحفوظات التي لا يستطيع عموم الطلاب منافستها مع انتشار استخدام الحواسيب والبرمجيات والإنترنت.
يجب أن توفر المدارس والحوزات العلمية للطلاب التمرين وطرح المشاريع العلمية لإنتاج العلم وبناء قوة الإنشاء، وأن يُبنى نظام الامتحانات على هذا الأساس، لا على معيار الحفظ وقوة المحفوظات.
هذا الأمر يستلزم أن يكون النظام الحوزوي نظامًا معتمدًا على الأستاذ، إذ إن الأستاذ هو القادر على اكتشاف قوة الإنشاء والإبداع في الطالب، وتمهيد الأرضية المناسبة له للقدرة على الاجتهاد والاستنباط. في هذه الحالة فقط يكتسب الطالب موهبته وتدفقه الروحي والفكري، ويتمسك به، ولا تموت فيه الدافعية.
الحالة الحالية من التركيز على الحفظ التي تسود الحوزات، والتي نشأت بشكل كبير من معمارين جامعيين، لا تؤدي إلا إلى الابتعاد عن العلم. فالطالب بفضل الإنشاء والإنتاج هو القادر على أن يكون معمارًا للإنسانية، يفهمهم، ويشكل أفكار المجتمع، ويتماشى مع مجتمعه.
الآن يُشترى العلم والمعرفة للمهندس والطبيب، ويُعطى لهما التقدير، ولكن المجتمع لا يشتري معلومات تحل محل العلم والمعرفة، لأن الفرق كبير بين المعرفة والمعلومات، والمجتمع يعلم أن الحفظ ليس معرفة، وأن القدرة في العلم لا تنبع من الحفظ.
يمكن لأي شخص الوصول إلى المحفوظات الدينية مباشرةً دون الحاجة إلى وسطاء، ما لم يكن الوسيط هو الأستاذ الذي يعلم فنًا ما، وهذا الدور أيضًا ليس فعالًا جدًا في علم الدين، إذ أن المصطلحات الفقهية وأصولها، والعلوم مثل الرجال والدرایه، أو التفسير، وغيرها إذا ما تعلمت على أنها مجرد فنون، لن تثمر في أي حياة روحية. وهذا ما يظهر بوضوح في الحوزات النسائية.
إن قوة النقد والتحليل والتبيين، وقوة الإنشاء والابتكار هي التي تجعل العلوم الإنسانية والعلوم الدينية علومًا حقيقية.
الآن موضوع بيع العلم ليس مطروحًا في الحوزات ولا له مكان، والحوزات يمكن أن تصل إلى هذا الموقع فقط إذا استطاعت أن تخلق قدرة إنتاج العلم الديني في داخلها.
الواقع الحالى للحوزة العلمية في قم
على الرغم من التحديات والمشكلات التي واجهت مسيرة نموها، فقد ورثت الحوزة العلمية في قم العلوم الفقهية وأصول الفقه وغيرها من العلوم الظاهرية عن أساطينها السابقين. إلا أن العلوم الباطنية، التي تعتمد على الإلهام الإلهي، ما زالت تعاني من ضعف وغربة، وعلى الرغم من وجود دعاة معترف بهم من حين إلى آخر في هذا المجال، إلا أن أصحاب هذه المعاني الحقيقية يواجهون عزلة وانزواءً بسبب ضيق الأفق والتقليد الجامد.
لقد اضطر علماء بارزون ونادرون في العصر الحديث، مثل المرحوم الشعراني، والمرحوم الإلهي القمشي، والمرحوم السيد أبو الحسن الرفيعي، وكذلك السيد الشيخ محمد تقي البروجردي والسيد الباسطي الكبير، إلى مغادرة الحوزة ومغادرة مدينة قم، لأن الحوزة آنذاك لم تكن قادرة على استيعاب واستقبال شخصياتهم الرفيعة.
ومما يؤسف له أن بعض علماء الحوزة الذين يركزون على المظاهر الشكلية والسطحية تعاملوا مع كبار العلماء مثل الإمام الخميني والمرحوم العلامة الطباطبائي بأبشع صورة، وما تزال قضايا بعض هؤلاء المطالبين بالعلم والفقه لم تُكشف بعد بشكل واضح.
وقد أدى هذا التصرف السلبي، إلى جانب أدوات التكفير والتهديد، إلى دفع هؤلاء العلماء إلى الانزواء والابتعاد عن الحوزة، في حين استُخدمت هذه الأساليب أحياناً لطرد المنافسين العلميين. وإذا لم تستطع الحوزة أن تحافظ على حرية الفكر ليتمكن كل من له قدرة وكفاءة في أي علم من عرض آرائه ومناقشاته العلمية بعيداً عن التقيّة والتغطية، فلن تتمكن من استعادة قوتها العلمية السابقة، وستظل محصورة في دائرة المنبر والخطابة والقواعد النظرية التي يفتقر بعضها إلى الدعم العلمي، مما يمنعها من التحول إلى حوزة علمية حقيقية.
إدارة الحوزة وواقعها بعد الثورة
قبل الثورة كان إدارة المجتمع الروحي بأيدي المراجع بشكل منفصل، وبعد الثورة تأسس هيكل رسمي يحمل اسم “مركز إدارة الحوزات العلمية” تحت إشراف بعض المراجع والعلماء، إلا أن هذا المركز قلل من نفوذ بعض المراجع وأصبح أكثر تبعية للنظام الإسلامي، ويتم تعيين مديره بواسطة قائد الثورة.
الاعتماد المالي للمركز على ميزانيات النظام جعل تأثيره توجيهياً. ويتضمن المركز معاونات للخدمات التعليمية، البحثية، التهذيبية، الدعوية، الدولية، الإدارية والمالية، والتخطيط والبرامج. ويوجد أيضاً في الخارج “جامعة المصطفى العالمية” التي تعمل بشكل مستقل تقريباً وتخضع لإشراف مباشر من قائد الثورة، وتهتم بتدريب الطلاب خارج البلاد وإنشاء مدارس علمية في البلدان الأخرى.
بالإضافة إلى هذه المؤسسات، هناك جهات حوزوية أخرى مثل “مكتب الدعوة” و”مركز الخدمات” وبعض المؤسسات والبحوث الحوزوية التي تتبع مكتب قائد الثورة، وتعتمد كثير منها على التمويل الحكومي، وهو ما يشكل نقطة ضعف كبيرة. كما توجد مؤسسات حوزوية أخرى ذات طابع سياسي مثل “جمعية المدرسين” و”مجمع روحانيون”، اللذان يلعبان دوراً في القضايا السياسية، لا سيما في التعريف بالمراجع.
ولا بد من وجود مؤسسات رقابية قوية وفعالة في الحوزات العلمية، لأن ضعف الهيكل والآداء يؤدي إلى تراجع ثقة الناس بالمراقبين، في حين أن أفضل حكم يكون من جانب الناس أنفسهم، فالجمهور الإيراني ذكي ويحلل أدق التصرفات بدقة.
تحديات جديدة ودور الحوزة في المجتمع
بما أن الحوزة اليوم تمتلك الحاكمية، فإنها تواجه تيارات فكرية جديدة، وجمهورها لم يعد فقط الطبقة المتدينة والتقليدية. فخطابات العلماء تصل اليوم عبر الإنترنت والقنوات الفضائية وتخضع للتحليل والنقد، ودورهم توسع إلى بعد دولي، حيث تتعرض مواقفهم لهجوم من أصدقاء وأعداء على حد سواء.
وعليهم مجابهة الأديان المنافسة مثل المسيحية وأهل السنة، وكذلك الأفكار الحديثة كالطرق الصوفية المنحرفة والشيطانية، والأفكار السياسية والثقافية مثل العلمانية والليبرالية والديمقراطية، بينما لا تزال طاقة الحوزة الداخلية ترهقها إدارة شؤون الدولة.
بالإضافة إلى ذلك، من مهام الحوزة الأساسية إنتاج العلم والرد على الاستفسارات الدينية، حيث يستقبل المركز الوطني للفتوى آلاف الاتصالات يومياً، مما يدل على حجم الأسئلة الواسع تجاه رجال الدين، وإذا لم تقدم إجابات مناسبة، فقد يؤدي ذلك إلى اعتبارهم غير كفوئين.
فئات رجال الدين داخل المجتمع الحوزوي
هناك فئات متعددة من العلماء؛ بعضهم تابع للنظام ويحظى بدعم المؤسسات الرسمية، وهم الأكثر قدرة على إيصال صوتهم إلى المؤتمرات العالمية بسبب امتلاكهم للمعرفة الحديثة واللغة العلمية. لكن اعتمادهم الكامل على الدعم الحكومي يجعلهم هشين إذا انقطع الدعم.
فئة أخرى معارضة للنظام، هدفها إثارة الفتنة والاختلاف، مستندة إلى مبررات علمية ظاهرة لكنها تخدم مصالح معادية.
وهناك فئة مستقلة لا تؤيد النظام ولا تعارضه، تقدم دعماً غير منحاز للمجتمع، وتحظى بثقة الناس ولا تعتمد على أحد.
ضرورة الإصلاح في الحوزة العلمية
أولئك الذين يتوجهون إلى الحوزة هم من أصل طاهر ومؤمن، وليسوا من طبقة النبلاء أو الأثرياء، ولكنهم بحاجة إلى إعادة تأهيل وتربية صحيحة، تتطلب تغييراً في نظام التعليم لتعود الحوزة إلى الاجتهاد التقليدي وفقه الجواهر والقرون الأولى لعصر الغيبة، بحيث لا تقتصر على التعليم النظري بل تشمل أيضاً منح الكمالات الإلهية.
هذا الإصلاح يحتاج إلى ثقافة علمية منظمة، يقودها مجتهد عادل، يمتلك قدرة عقلية جماعية ومقبول في الحوزة، ليقيم حركة ثقافية وعلمية بنحو مئة عالم كفوء، يحبون مذهب الشيعة ولا ينشغلون بالمآرب الدنيوية، مرتبطين بالولاية ومتحدين قلبياً.
يجب أن يتركز هؤلاء على العمل العلمي فقط، بعيداً عن السياسة والطموحات الشخصية، ولا يكونوا أداة للدولة أو أفراد، بل يخدمون الحاكمية الدينية دون أن يحولوا الدين إلى أداة للحكم.
مغالطة اتخاذ الدين الحكومي بدلاً من الحكم الديني
واحدةٌ من المغالطات التي قد تصيب جزءاً من المجتمع الروحي هي اتخاذ الدين الحكومي مكان الحكم الديني. وصف الدين الحكومي هو أنه، مع امتلاكه السلطة، يفتقر إلى القدرة على التوسع، وكل قوة تنجذب إليه ـ حتى لو كانت على مستوى المرجعية ـ تتعرض للركود والجمود، ولا يشعر المندمجون فيه بأي نمو ذاتي. كما أن بسبب المصلحة الشخصية والجشع لنفوذ الدين الحكومي، يقتصر قبول المجتمع له، وتكون خسائره أكبر من مكاسبه، ويقتصر قبول ذلك على المستوى الجسدي فقط.
أما خصائص الحكم الديني فهي: استمراريته وتطوره قائمان على أساس الاختصاص (الاجتهاد الحقيقي) والعدالة، وهو يحظى بالقبول والمحبة، وحكمه قائم على القلوب.
الحكم الديني يتمتع بقاعدة شعبية، وحركته هادئة وناعمة ودون ضجيج، على خلاف الدين والمبادئ الحكومية التي تترافق معها القوة والضجيج كأمر لا يتجزأ. في أواخر حكم الطغاة، كان بضعة مئات فقط يتجمعون بشكل شكلي في الساحات، ويُقدم لهم السندويش والمشروبات ليهتفوا بشعارات مثل “خالد الملك”، وعلى الرغم من قلة عددهم، كانوا يقتلون كل معارض بالعصى والهراوة والسلاح. لكن الثورة الإسلامية التي تمتعت بقاعدة شعبية تحولت إلى موجة قضت على كل الأشرار وجهاز سافاك القمعي للنظام الطاغي.
على رجال الدين للحفاظ على موقعهم الاجتماعي ألا يحولوا مذهبهم ودينهم إلى دين حكومي، بل يجب أن يكونوا مدافعين عن الدين الحكومي، وأن يبقوا إلى جانب الشريعة بحكمة وإنتاج علمي، لا مرافقة للسلطات كسياسة، بل برؤية علمية.
التناغم العملي بين مجتمع رجال الدين والدولة وعدم الاحتجاج العملي لا يعني الالتزام العقائدي والولاء القلبي للمسؤولين، وإن كان في النظام الديني هذا الالتزام القلبي هو ما يحقق السلطة وليس الالتزام العملي فقط. وبدونه تكون السلطة مجرد قوة بلا قداسة، وهذه القوة الخارجية لا تنبع من داخل الفرد، في حين أن السلطة الحقيقية هي التي تنبع من داخل الفرد، وهذه السلطة الداخلية هي التي تجلب السلطة الاجتماعية. على أي حال، السلطة تحتاج إلى قاعدة شعبية، وبدونها ستبقى عقيمة في بلد مثل إيران التي لا تقبل السيطرة.
هذه العيوب لا يمكن علاجها إلا بنظام هندسي منظم نشط يكون غير أعمى، غير متعصب، غير جاف، وغير غير علمي، وإلا فكما كان المرجعية والمجتهدون يوماً صوت الإسلام، إذا فقدت الاختصاص داخل رجال الدين، سنسمع صوت رجال دين بلا إسلام، أي رجال دين لا يعرفون الإسلام ولا لديهم ممارسة إسلامية أو روحية، ولا قدرة على التحليل والنقد وإنتاج الفكر ليتمكنوا من الرد على المثقفين الباحثين.
في العصر الحاضر، حيث يحكم النظام الإسلامي، ترتبط هوية رجال الدين بإيران العزيزة ودماء الشهداء وباسم مذهب الشيعة. يجب على رجال الدين أن يتعاملوا مع النظام بودية ورعاية، على عكس فئة اتخذت منهجاً منافقاً في التبعية له فقط للحصول على ميزانيات لمؤسساتهم ومراكزهم، دون أن يكون لهم أي فائدة حقيقية للنظام الإسلامي. هؤلاء القلة يجب أن يُطلق عليهم رجال الدين بلا إسلام، فمع أنهم مندمجون في النظام ومن كبار المستخدمين فيه، فإن منهجهم المنافق لا ينتج سوى أعباء وتكاليف.
الدين له وجوه متعددة؛ والنظام الديني هو مرتبة واحدة منه، والمجتمع الديني ـ الذي يحتاج رجال الدين إلى التعامل معه وله انتشار شعبي ـ وجهة أخرى. يجب على مجتمع رجال الدين الحفاظ على استقلاله من خلال التفاعل مع الناس والدفاع عنهم، لا بالاقتراض من أفراد وجماعات معينة. الشعبية هي منهج الأنبياء، لكنها لا تعني النزاع مع النظام الديني، بل يجب أن يكون تعامل رجال الدين مع النظام من خلال تخصصهم واجتهادهم، الذي يساعد المذهب الشيعي ويوفر مصالح الناس ويمنح النظام وجهاً دينياً ويحميه من الإدارة العشوائية أو غير الدينية.
اليوم، النظام الإسلامي هو وجه من وجوه الشيعة، يُدار على أساس آراء دينية لإمام خميني رحمه الله، والدول الأخرى تعرف الشيعة من خلال هذا النظام. الطمع المنافق في هذا النظام، كما الازدراء الغاضب منه، كلاهما يضر بالدين والناس. يجب أن نرعى النظام الإسلامي كراعٍ حنون وننميه بدراسات نظرية ودعمه ورعايته.
وينبغي للنظام الإسلامي أن يسمح لمجتمع رجال الدين بأن يبقى رجال دين، وأن يكونوا حصناً للمذهب في كل المجالات الدينية، وأن يكونوا منفتحين على مواجهات علمية ودعوية، ولا يغلقوا أبواب النقد من منتقدين علميين هدفهم دعم النظام ومنعه من الانحراف، ويجب أن يتعاملوا مع هؤلاء القائمين على دعم الدين والناس والنظام بعدل وكرم.
العالم مثل “السمكة” والناس مثل “البحر” له، ويجب على العلماء أن يكونوا في قلوب الناس وليسوا تابعين لأي نظام سياسي، وأن يتحركوا مع الناس. الشعبية ليست بالضرورة صراعاً مع النظام الديني الحق ولا تعني التبعية للدول، بل هي من أُسس حركة رجال الدين، وهذه الحركة يجب أن تكون بمحبة وعلى أساس الولاية العامة، بحيث يعتبر الناس مجتمع رجال الدين من أنفسهم ويحبونهم بقلوبهم.
دور الحوزات العلمية في الدفاع عن الإسلام الشيعي والنظام الإسلامي
إنّ الثورة الإسلامية تُعدّ ثورةً دينيةً تحمل اسم الإسلام، وتمتلك السلطة والحكم، ولا يستطيع الحكّام في هذا النظام بمفردهم حفظ النظام وصيانته، بل لا يتمكن ذلك إلا من خلال القيادة والدعم العلمي للحوزات العلمية. وإذا كان تركيب الكيان الحوزوي والنظام الإسلامي قائمًا على أن يدير فئةٌ محدودة من العلماء، وخاصة المتكلمين والفقهاء الظاهرين، الثقافة الاجتماعية دون التوجّه إلى إنتاج العلم الديني والهندسة الشرعية القائمة على معطيات الحكم والسياسة والإدارة، فلن يتمكنوا من أداء دورهم كداعم دفاعي للنظام بشكلٍ جيد، وسيصبح النظام عرضةً لتغلغل الثقافة الغربية والتشكيك في أُسس المذهب.
إن لم تستعد الحوزات العلمية قوتها العلمية، فسوف تسمع صوت تكسير الهيكل الداخلي للنظام؛ لأنّ الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تكون “المخّ المفكر” للنظام هي جماعة العلماء، وهم الوحيدون القادرون على تولّي القيادة والإرشاد للسلطات الثلاث للنظام، التي لا تتجاوز كونها منفذة فقط. إنّ البنية التحتية والأساس لأي نظام يعود إلى فكر المذهب الخاص به، ولا يمكن هندسة الفكر النظامي إلا بواسطة المتخصصين في علوم الدين الذين يتمتعون بالتمكّن من مقتضيات الزمان والمكان والنفسية الاجتماعية، ويكونون على دراية بالموضوعات المعاصرة.
وفي حال عدم تحقيق هذا الأمر، فإن الحوزات ستفشل في الامتحان الذي منحها الناس الفرصة لدور علمي، وستكون هذه الفشل بمثابة صفعة للإسلام وعزلته، تلك العزلة التي ستحلّ محلها ثقافات منافسة مثل العلمنة.
مغالطة استبدال الإدارة الفنية بالإدارة الدينية
إنّ رجال الدين يشغلون مناصب متعددة مثل: مجلس خبراء القيادة، مجمع تشخيص مصلحة النظام، مجلس صيانة الدستور، أئمة الجمع والجماعات، القضاء، مكاتب الزواج والطلاق، وزارة الاستخبارات، منظمة الأوقاف والشؤون الخيرية، مكاتب التبليغ والمؤسسات العلمية التابعة للحوزات مثل جامعة المصطفى والجامعة الزهراء، وكذلك في مناصب التدريس في الجامعات، وإدارة المدارس، والأحزاب السياسية. وقد يظهر دور رجال الدين في هذه المواقع أحيانًا قويًا وأحيانًا ضعيفًا، وذلك يعتمد على ما إذا كانوا يقومون بأدوارهم بناءً على الاجتهاد والتخصص الديني أو على معارف غير دينية.
ومن المهم إعلام الناس بهذا الفرق ليعرفوا هل تُدار مجتمعاتهم وفقًا لأسس دينية أم بأسس علم الغرب، حتى لا يُنسب فشل الإدارة إلى الدين ظلماً، ولتُعرف حقيقة ما إذا كانت الإدارة قائمة على الاجتهاد الفقهي الشيعي أم لا.
شروط الاجتهاد والتخصص
إنّ الاجتهاد هو الركيزة الأساسية لرجال الدين في الإسلام الشيعي، ويعني المحافظة على التخصصية في العلوم الدينية، فلا يحق لأحد أن يتحدث في مجال ديني دون تخصص كافٍ، ولا يجوز أن يُروّج للفكر الديني بشكل غير متخصص. كما أن قيادة السيارة بدون رخصة تُعد جريمة لما فيها من خطر على أمن المجتمع، يجب أن تتحقق الثقافة نفسها في المجتمع المتطور بحيث لا يُسمح لأحد بإصدار أحكام دينية دون تأهيل متخصص.
إنّ إنتاج النظريات الدينية دون تخصص يؤدي إلى تحقير الشريعة والمجتمع ويسيء إلى العلم الديني ويُدمّر الثقافة، وهو جريمة في حق المجتمع.
وعلى المراكز العلمية أن توفر أجواءً حرة للنقد والنظرية، ولكن على كل من يطرح نظرية أن يبرهنها بالأدلة، ويحدد ما إذا كان مجتهدًا يعبر عن رأي ديني أم أنه يتكلم من باب الفن الديني فقط.
مغالطة رخصة الإدارة بدلًا من التخصص
لا يتم الحصول على تخصص رجال الدين بشكل كامل من نظام الامتحانات الحالي أو الإجازات الفقهية، لكن يمكن اعتبارها وسيلة جزئية ومثبتة. منذ عهد رضا شاه فقد نظام الإجازات مصداقيته العلمية وتحول إلى أداة سياسية، واستمرّ بعض العلماء بمنح هذه الإجازات كحماية للطلاب من مضايقات النظام الاستبدادي.
لكن هذا النظام خلف آثارًا سلبية حيث أصبح البعض بدون تخصص يدّعي المعرفة بحجة وجود إجازة، خاصة إذا غُيّبت العدالة ورافق ذلك استغلال للمال والسلطة والنفاق.
خاتمة: ضرورة إنتاج العلم الديني الحقيقي
إنّ الدور الرئيسي للحوزات هو إنتاج العلم الديني، لكن إنتاجها في العلوم الإنسانية تراجع بشدة بعد ظهور الجامعات وتغريب العلوم الإنسانية. وكان بعض فقهاء الحوزات المتظاهرين بالعلم سببًا في توقف التأثير الحقيقي للحوزات على البنى الاجتماعية، وتحولت العلوم الدينية إلى معلومات قديمة ومبتذلة لا تخدم الواقع.
وعلى الرغم من أن بعض العلماء الشباب الذين يتبعون منهجًا بحثيًا مستقلاً قد حققوا نجاحات في المراكز العلمية العالمية، إلا أنّ الهوية العلمية للدين لم تُعترف بشكل كامل، وهناك خلط بين العلم الديني والفن الديني، مع تجاهل الهوية الفقهية المتميزة.
الفقه: منظومة معرفية متكاملة
يُعتبر الفقه التخصص الأهم للعالم الديني، إلا أنه ليس الفقه بالمفهوم الاصطلاحي السائد حالياً الذي يقتصر على معرفة الحكم دون النظر إلى الموضوع والعلّة، بل هو الفقه الذي لا يُصدر الحكم إلا بعد معرفة الموضوع والعلّة. إنّ فهم الموضوع يقتضي أن تتضافر العلوم العقلية، وعلم الاجتماع، وعلم النفس في خدمة الفقه. كما يجب الاهتمام بالحقوق كعلم رائد في العصر الحالي، وإرساء نظام حقوقي مبني على المعتقدات الشيعية، وأن يظهر الحكم الإسلامي في صورة حكم فلسفي اجتماعي ـ اعتمادـ لا حكم انضباطي. يجب أن يخرج الفقه من حالة الإهمال المفروض عليه والمترتّب على النهج الجمودي، ليعود إلى بُعده الحر الذي يشمل فهم جميع القضايا الدينية والعلمية ورسم الحياة الاقتصادية والاعتدالية.
الفقه بمعناه الحقيقي هو فهم قصد المتكلم، وعلى هذا الأساس يحتاج إلى علم اللغة، لا سيما لغة القضايا الفقهية، بل لغة جميع القضايا الدينية، كي لا يقع الفقيه في ضيق النظر أو التحيّز في دراسة الدين، لأن فهم قصد المتكلم يتطلب الإلمام بمنظومته المعرفية وليس مجرد اطلاع سطحي على بعض أقواله وتحليلها أحادي الجانب أو تفسير الكلمات بمعناها الحرفي دون مراعاة قصد المتكلم. الفقه علم ملئ بالعبارات التي تتضمن أبعاداً وضمنيات ودلالات غير ظاهرة، والشارع يخفي مقاصده في هذه العبارات التي تحتاج إلى كشف واستنباط دقيق. التمسك بالمعنى الحرفي للكلمات يحول دون وصول الفقيه الحقيقي إلى المقاصد التي هي مقصد المولى. ولا يمكن تحقيق المقصد الإلهي دون فهم الموضوع والعلّة والوصول إلى منظومة معرفية للشارع المقدس.
إنّ عرض حكم يعتمد على فقه ظاهري يؤدي إلى تعمية الدين وإضعاف الشريعة، بينما الفقه هو الوجه الأهم للدين الذي تبنى عليه الحقوق ويحدد إطار حياة الناس. إن التناول السطحي والشكلي للفقه، خصوصاً في مجتمع تُدار شؤونه على أساس محتوى الفقه وقيمه، يؤدي إلى ظهور تيارات اجتماعية مناوئة للفقه، كما حدث مع الصفويين الذين أسسوا حركتهم الاجتماعية على كليشيهات دراويشية، وانتهى بهم الأمر إلى الفشل بعد فقدان الدعم الشعبي.
أما الفقه المبني على معرفة الموضوع والعلّة، فيقضي على التقليد الأعمى المتوافق مع روح الطمأنينة والكسل، ويحلّ مكانه الاجتهاد المبني على البحث والجهد المتواصل، مما يمكنه من تبرير كثير من الأحكام الدينية وبيان الحكمة منها. الحقوق المبنية على هذا الفقه قادرة على الحوار والمناقشة مع حقوق الديمقراطية الليبرالية والفلسفات العلمانية، كما تدير الأمم المتحدة والدول شؤونها عبر الفقه والحقوق، لا الفلسفة أو التصوف، مما يدل على أهمية الفقه في نظام حياة الإنسان. إنّ الهجوم على الفقه هو في الحقيقة هجوم على منهجية الفقهاء في التعامل مع النصوص الدينية، الذي يُسوَّق أحياناً على أنه هجوم على العلم، مع أن العلم في حد ذاته لا يعارضه، خصوصاً الفقه الشيعي الذي يدّعي توفير الصحة الدنيوية والنجاة الآخرة.
إنّ العالم العلمي اليوم يقبل أي علم قادر على إثبات مكانته العلمية والتواصل بلغة علمية مع العصر، ولا يرفض العلم إلا إذا كانت هناك مشاكل في منهجيته وتقديمه. ومن العلوم التي تخدم الفقه: علم الاجتماع وعلم النفس. فالأول يؤثر بشكل كبير في فهم الموضوع الشرعي، لأن معرفة موضوع الحكم تعتمد على معرفة طبيعة المجتمع المكلف، وإلا صدرت الأحكام على موضوعات أخرى. حيث إن الفقهاء الذين ينظرون إلى الأحكام كمسلمات متعبدة لا يهتمون بمعرفة الموضوع، فقد غطت حدود معرفتهم على العديد من العلوم، خصوصاً علم الاجتماع وعلم النفس، مع أن الفقه بحاجة إليهما لإثراء المعرفة بموضوع الحكم.
وفيما يتعلق بعلم النفس، فإن الإنسان ينقسم إلى ثلاث مجموعات: الكماليون المتصلبون، المؤمنون المتوسطون، والناس العاديون، وكل فئة لها أعمال مناسبة لها. يجب أن يأخذ المجتهد ذلك في الاعتبار عند إصدار الفتوى. فمثلاً، البقاء وحده والنوم وحده في المنزل مكروه بالنسبة للناس العاديين خوفاً من الوسوسة والضعف النفسي، لكن بالنسبة للأولياء والعاقلين هو مستحب بشدة لأنه يفتح باب الفيض الإلهي.
لذا يحتاج الفقيه إلى معرفة عميقة بالإنسان وعلم النفس، ولا بد له أن يكون ممارساً للسلوك الروحي ليفهم أهمية الخلوة. كذلك، يجب أن يكون كل موضوع له حكم خاص يتغير بتغير الموضوع، وعلم النفس من العلوم المهمة لفهم هذا.
يظل الفقه الحالي في مراحله الأولى، وغير متخصص بما يكفي لتحديد واجبات الأفراد طبقاً لآية (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) ومراتب النفس الإنسانية.
الدين الإسلامي المقدس له وجهان: الأول عام وموجه للجميع، ويكفي لمنفعة عامة من حماية النفس والمال والعرض؛ والوجه الثاني خاص بالباحثين عن الكمال، وهو موجه للنقاء الداخلي والطهارة النفسية، ولا يستفيد منه إلا القليل من الناس.
الكثير من الناس يستخدمون الدين كزينة ومظاهر فقط، وهذا ما يؤدي إلى عدم تطبيق تعاليم الإسلام فعلياً، ويظهر الدين عندهم مجرد صرخات ودموع.
الدين منظومة معرفية متكاملة، وكل مجالات العلم فيه مترابطة. الفقيه لا بد أن يكون مطلعاً على هذه المنظومة التي تنبثق من الوحي، ويستنبط القضايا الخاصة بناءً على المعرفة العامة ومنظومة الوحي الكلية.
إن الاستنباط يحتاج إلى فرضيات أولية، ولا يمكن إنتاج علم صحيح بالعقل البسيط. تقسيم العلوم الحوزوية على السطح ليس صحيحاً، لكنه يحتاج إلى تخصصات واضحة تعتمد على الأستاذ كمركز.
النظام التعليمي في الحوزة يجب أن يكون قائماً على الأستاذ وليس على الكتب، فالأستاذ هو المحور الرئيسي في العملية التعليمية والتربوية، وإصلاح الكتب دون تعزيز دور الأستاذ لن يؤدي إلى نتائج.
النظام الحالي أصبح معتمداً على الكتب، والطلبة يمرون على عشرات الأساتذة خلال سنوات الدراسة، مما يقلل من علاقة التلميذ العاطفية مع الأستاذ، بينما في النظام الأستاذي هناك علاقة تربوية عميقة تمتد إلى كل جوانب حياة الطالب.
الطلبة يجب أن يكونوا ملتزمين بمربٍّ واحد، ولا يمكنهم الاعتماد على التعليم الذاتي، لأن طلب العلم أمر ثقيل ومحفوف بالمخاطر. الطالب الملتزم بمربي يكون طريقه مضمونة.
هذه هي أهم مزايا النظام الأستاذي في الحوزات، الذي يربط العلم بالتربية والعدالة والقداسة، كما كان عند علماء كبار كالإمام الخميني .
في بداية التعلم، لا يجب أن يقول الطالب “انظر إلى ما قال، لا إلى من قال”، لأن هذا موجه للمتخصصين فقط، فالطالب المبتدئ عليه أن يعطي اهتماماً كبيراً للأستاذ كشخص ومصدر للعلم، وإلا قد يضل الطريق.
جلسة مع العالم ساعة أحب إلى الله من عبادة ألف سنة، والنظر إلى وجه العالم عبادة، كلمات ينبغي أن يتأملها الطالب.
بدون مربٍّ وأستاذ، لا يستطيع الطالب الاستفادة من الكتاب والسنة، ولا يمكنه أن يرى طريق النجاة. الطالب الذي لا يهتم بالمربي، هو خاسر في الدنيا والآخرة.
الدور الأساسي للمربي في تكوين الإنسان
أول نقش يترك أثره على الإنسان هو دور المربي؛ إلا أن الحوزات العلمية لدينا للأسف قد انحرفت نحو التقليد الجامعي وأصبحت تركز على الكتب فقط، فلا يلعب المربي والأستاذ دورًا محوريًا في تربية الطلاب. فالطالب إذا وجد مربيًا صالحًا، فإنه حتى لو قرأ عنده جريدة فقط، يكون أفضل من أن يقرأ كتب المكاسب والكفاية عند معلمين لا يؤدون دور المربي الحقيقي. قراءة الجريدة عند المربي قد تجعل الطالب عالمًا، بينما قراءة كتب المكاسب والكفاية عند معلمين لا يمتلكون دور المربي لا تؤدي هذا الأثر، بل تطيل طريق العلم والعالمية. تأثير المربي كتنفس له دور بالغ الأهمية، أما التسجيلات الصوتية أو الأقراص فلا يمكن أن تولد العلم، بل تزيد فقط المعلومات، وهذا مثل الصلاة بلا وضوء، لا تحقق الطهارة والكمال.
يجب أن يكون الطالب قادرًا على الاستماع إلى كلام الآخرين وأن يمتلك قدرة الاستماع من المربي. وكان أهل العلم في الماضي يمتازون بهذا، حيث كانوا يستمعون إلى كبار العلماء ومربيهم. يجب أن يسير الطالب على هذا الطريق كما فعل السابقون. من يمتلك القدرة على الاستماع يصبح ذكيًا. ومع ذلك، ليست القدرة على الاستماع أن يسمع الإنسان كل صوت ويتبع أي طريق، بل يجب أن يكون استماعه موجهًا إلى العلماء والمجتهدين الذين يحملون رسالة الوحي ويمثلون لسان صدق مذهب الشيعة، وهم الخبراء القادرون على تحليل الكتاب والسنة.
أخطر الأضرار في النظام التعليمي الحالي: ابتعاد الحوزة عن منهج الأستاذية
من أخطر أضرار المرحلة التعليمية الحالية للطلاب هو ابتعاد نظام الحوزة عن طريقة الأستاذية. اليوم، علاقة الأستاذ بالتلميذ تفتقد إلى الصفاء والثقة المتبادلة. الأستاذ يخشى من رفض التلميذ لكلامه، والتلميذ يشكك في أستاذه لأن كل ما رآه سابقًا كان بديلًا، ولا يعرف إن كان أستاذه الحالي حقيقيًا أم لا. في الماضي، خصوصًا في الحوزات الخاصة، لم يكن هناك خوف من الأستاذ أو شك من التلميذ، وكانت معظم الحوزات خاصة، بخلاف الوضع الحالي الذي أصبح عامًا وفُقدت الأستاذية. كما كان الأستاذ الرباني كثيرًا في السابق، أما اليوم فهو نادر.
يجب أن يكون هناك تقارب بين الأستاذ والتلميذ، لأن قربهما يؤثر تأثيرًا عميقًا في بناء أو هدم هوية التلميذ. وإن كان التلميذ يخفي الكثير، فالتردد واللقاءات المتكررة تسمح بالوصول إلى أعماقه. كل الناس تخفي شيئًا، ولكن المزيد من التواصل يكشف القدرات والضعف ويتيح إصلاحها. في الماضي، بسبب قلة عدد التلاميذ، كان هذا التقارب أكبر.
مكانة العلماء العظام الذين بقيوا غائبين
رحم الله العلامة الشعراني الذي يقارن أحيانًا بأرسطو بمكانة أعلى، وإن كانت مخطوطاته لا تعبر عن ذلك. كان أعلى أحيانًا من العلامة الطباطبائي، ولكن سبب غيابه هو عدم علاقته بالعلماء، فمات وحيدًا وغريبًا دون أن ينتفع أحد بعلمه. كان شخصية عظيمة لكنها رحلت في الغربة والوحدة.
التقارب بين الأستاذ والتلميذ في نظام الأستاذية
قد يعمل بعض التلاميذ لدى أستاذهم، لكن التقارب العملي مختلف عن التقارب الدراسي، وكلاهما مختلف عن تقارب العلاقة الشخصية التي قد تكون أعمق وأهم. المقصود من تقارب الأستاذ والتلميذ في النظام الأستاذي هو علاقة تنمو حتى يشعر كل منهما بأن الآخر كأقاربه، يشترك مع الآخر في الأفراح والأحزان ويسعى لتخفيف أحزانه.
مشاكل التقارب وعدد الطلاب
المشكلة في هذا التقارب أن الأستاذ لا يستطيع إقامة علاقة حميمة مع عدد كبير من الطلاب، إلا إذا كان الأستاذ قويًا جدًا، ولكن حتى في هذه الحالة، يبقى العدد قليلًا بسبب كثرة المسؤوليات الحياتية للطلاب. عادة ما يستطيع الأستاذ متابعة حوالي عشرين طالبًا فقط. لذا يجب على الأستاذ التخلي عن تعدد الطلبة في سبيل الجودة.
أهمية العلاقة الأستاذية في التعليم
الدرس بدون هذه العلاقة لا يكون له تأثير. يجب أن يؤدي التعليم الأستاذي إلى صداقة وتقارب بين الأستاذ والتلميذ. رغم أن هذا النظام يستفيد منه عدد قليل من الطلاب، إلا أن جودة هؤلاء تعوض قلة العدد. هؤلاء الطلاب في المستقبل يمكن أن يرعوا عدداً آخر من الطلاب، وتنتقل هذه السلسلة علمًا وحبًا.
في نظام الأستاذية، يُعرف مستوى التلميذ العلمي من خلال سند أستاذه، ويزداد شأن التلميذ بمكانة أستاذه.
العيش في عصر الغيبة ومكانة الأولياء
نحن نعيش في عصر الغيبة الكبرى، والأيدي البشرية مقيدة عن الإمام الحجة (عجل الله فرجه). ولكن هذا لا يعني خلو المجتمع من أولياء قادرين على هداية الناس ومساعدتهم. الله تعالى يرسل أولياءه في كل عصر. في عصرنا، كان القاضي الكبير ثم الإمام الخميني من أولياء الله البارزين الذين حازوا ولاية الهداية والقيادة، وهي ولاية أعلى من أصحاب الملكة القدسية. النمو المعرفي في زمن الغيبة لم يتوقف، لكنه تغير نوعيًا، فجميع الناس يتغذون روحيًا من النبي محمد (ص) والقرآن.
ضرورة التعرف على أولياء الله في العصر الحالي
للعصر الغيبي أولياء محبوبون يجب على الحوزة والسواد العام التعرف إليهم، وإن لم ينل الإنسان هذا التوفيق الإلهي، فلا يمكنه معرفتهم. الأساتذة الحقيقيون محبوبون وليسوا أشخاصًا عاديين يعتمدون على الحفظ فقط. من يريد أن يسير في طريق العلم السليم، لا بد أن يجد هؤلاء العارفين، وهم قلة ولا يظهرون للعلن.
الدور الروحي للعلاقة بين الطالب والأستاذ
العلم يُكتسب أسرع وأثبت إذا كان الطالب محبًا لأستاذه وعاشقه، فكلما زاد تعلقه، تمكّن العلم من أن يستقر في نفسه. بالحب والولاء، يصبح الطالب ذا إرادة ويخضع لتربية الأستاذ ليحصل على الملكة القدسية التي هي شرط ضروري للاجتهاد وإنتاج العلم.
التراجع في احترام الأستاذ اليوم
مع الأسف، تراجع احترام الأستاذ إلى حد أصبح فيه خدمته وصحبته عارًا، بينما في الماضي كان الطلاب والروحانيون يعتبرون الاقتراب من الأستاذ وعبادة خدمته شرفًا عظيمًا. قد يوبّخ الأستاذ تلميذه أحيانًا، ومع ذلك يبقى التلميذ ممتنًا ومحترمًا له. من يكون قريبًا من أستاذه، يجب أن يكون متواضعًا وخادمًا، لا متكبرًا.
أهمية الخدمة والتواضع في إزالة الغرور
خدمة الأستاذ تزيل الغرور والتكبر، لأن المتكبر لا يستطيع أن يخدم. لباس الروحانية هو التواضع. من لا يتواضع لا يستحق أن يمنح العلم والنور والملكة القدسية.
الحواجز أمام الولاء والتواضع
الشك بالأستاذ والانشغال بالكتب والمفاهيم المجردة تمنع الإنسان من الخدمة وتزرع فيه الكبرياء. الغرور يجعل الإنسان جافًا لا يستطيع استقبال الحقائق العلمية والروحية. ولكن الروحاني الأستاذي يمكنه أن ينهل العلم الصحيح بإرشاد مربّيه ويجد في العلم نورًا لا ظلامًا.
العلم يحتاج إلى سند وأستاذ
الطالب لا يستطيع أن يصل إلى الملكة القدسية أو تنقية الروح إلا إذا كان لديه سند علمي من أستاذ. التعليم الحقيقي دائمًا يعتمد على الأستاذ. الأنظمة التي تعتمد على الكتب والدرجات فقط لا تربي طلابًا حقيقيين بل تخلق أشخاصًا كالأطفال في دور الأيتام لا يعرفون آباءهم الروحيين ولا يشعرون بصحة معلوماتهم.
مساوئ النظام المعتمد على الكتب فقط
النظام المعتمد على الكتب لا يخلق الولاء بين الطلاب والأساتذة ولا بين الزملاء، وقد يتسبب في خلافات وشقاق في المستقبل بين الذين درسوا معًا. هذا الضرر يعود إلى عدم قبول البعض للتربية والمربية.
هيمنة النظام الكتابي على حساب النظام الأستاذي
هذا هو سبب سيطرة النظام الكتابي اليوم على حساب النظام الأستاذي. الكتب أصبحت أكثر انتشارًا، في حين أن الأستاذ الحقيقي قليل الوجود ونادر.
دور الممارسة العملية تحت إشراف الأستاذ
قراءة كتب النحو والفقه والأصول والمنطق ومصباح الأنيس وفصوص الحكم هي مجرد معرفة سطحية، أما التمرين العملي تحت إشراف أستاذ ماهر فهو الذي يعطي هذه المعرفة البعد العملي والباطني، ويحولها إلى قدرة على إنتاج العلم.
الثقة في تصحيح الصلاة والمواظبة على طلب العلم
في الماضي، كان الطلاب يذهبون إلى مربٍّ لتصحيح قراءة الصلاة، ولم يثقوا بأنفسهم، وكانت هذه من أسئلة الأساتذة الهامة منذ خمسين عامًا. أما اليوم، فقلة من الناس تعترف بخطأها. السابقون كانوا يطلبون العلم بالجلوس عند الأستاذ والاستمرار معه حتى نهاية حياتهم، دون تردد أو تقلب.
الثقة المتبادلة ضرورة لا غنى عنها
لا ينبغي أن يثق الطالب بأي شخص بسرعة، ولكن إذا وثق في أستاذ فلا يشك فيه، ويظل ملازمًا له.
غياب الأستاذ والولاء يبعدان العلم عن النقاء
غياب الأستاذ والولاء يؤديان إلى ابتعاد العلم عن الصفاء وافتعال النزاعات. مثلًا، كان هناك عالم شكاك في مجتهد سيد لأنه لم يستطع إنكار اجتهاده، فأشاع أنه ليس سيدًا. هذا سوء خلق نابع من قلة الولاء.
الترابط بين العلم والولاية
الولاية هي أساس العلم. مع الولاية يكون العلم أكمل. أما بدونها، فإن الطالب يبقى مجرد ناقل للعلوم أو رافع لكتاب واحد فقط، ولا يتعمق في المعاني. ولا يمكن لأي أحد أن يُقال عنه إنه عالم من دون الولاية.
يجب على الروحاني أن يلتزم بهذا المبدأ ويكون له سلسلةٌ من الوثائق. لا ينبغي للطالب أن يفتخر بقراءة مئات الكتب وكتابة عشرات المقالات أو بالتلمذة عند عشرات العلماء. من يكتفي بالقراءة فقط ولا يملك تعلقاً قلبياً أو عشقاً للعلم، ولا تشم أنفاس الحب والوفاء، بل يريد التعلم فقط، فلن يصل أبداً إلى مقام طلب العلم والاجتهاد.
كانت الحوزات العلمية في الماضي مراكزَ الولاء والمحبة. عندما جاء المرحوم السيد الحائري، مؤسس الحوزة العلمية، إلى قم، طلب الاطلاع على السيد أحمد خوانساري. قيل له إنه لا يزال في أراك وأن أهل أراك يحتفظون به لأنفسهم. قال المرحوم الحائري: “عجباً! كنت أريد أن يصبح آخونداً شيعياً، لكنه أصبح آخوند أراك!” ولم يقل أكثر من ذلك. وصلت هذه الكلمة إلى السيد أحمد، فغادر منزله فوراً وتوجه إلى قم قائلاً: “البقاء في هذه المدينة حرام عليّ.” وأُرسل إليه أهله وأثاث منزله بعدها. أصبح بعدها المرجع الشيعي الذي قاد أهل طهران، وخصوصاً التجار، في دعم نهضة الإمام الخميني (رض). وكان محل إجماع العلماء، وهذا يعكس تعلقه العميق بالمرحوم الحائري وبالإمام (رض).
يروى أنه عندما جاء المرحوم نائيني إلى قم لإعطاء الدروس، قال المرحوم السيد الشيخ لتلامذته: “احضروا جميعاً دروسه.” فأجاب السيد أحمد: “لا يجوز لي أن أحضر دروسه لأني أعتبر السيد الشيخ أعلم.”
العلاقة بين الطالب وأستاذه ليست مجرد علاقة تعلمٍ فقط، حتى لا يتعاظم ويكبر قلبه مع كل درسٍ جديد. فالطالب ليس كالعلقة التي تملأ نفسها حتى تموت، بل هو كالصبي الذي يزداد قوة ونمواً مع كل رضعة، ويُسرُّ برؤيته.
من يريد أن يطلب العلم بشهوة تشبه العلقة، فهو فقط يفكر في مصلحته الشخصية. وجود مثل هذا الإنسان مثل مستنقعٍ متعفن، وما يتعلمه لا يكون نافعا بل يزيده فساداً.
التعرف على العباقرة
على الحوزات العلمية أن تعيد بناء مكانتها العلمية، ليس بعدد القبولات الضخمة بل بتحديد العباقرة في كل المدن، وإرسال الدعوات لهم، وتوفير تسهيلات مادية مناسبة لتلبية حاجاتهم الأساسية – كالسكن، الزواج، والدخل الشهري المعقول – إلى جانب ترسيخ روح القناعة التي تتحقق بالتربية الروحية، وجعلهم تحت إشراف علمي مركزي للأستاذ.
بعد المحبوبين، العباقرة هم الذين يمكنهم فهم العوالم الغيبية أو المعارف المادية بلا تعب أو تكلفة. المحبوبون يملكون حقائق كل العوالم، أما العباقرة فيستطيعون إدراكها سريعاً ومرونة، ورؤية ما لا يراه غيرهم.
العبقري يدرك ما يعيه الإنسان العادي بعد سنوات طويلة، في الوقت الحاضر، وله رؤية مستقبلية تتجاوز العاديين بعشرين عاماً. لا يتعب نفسه في الفهم، بل الحقائق تطرأ على ذهنه مع قليل من التأمل، على عكس العاديين الذين يحتاجون لسنوات طويلة ليصلوا لما يصل إليه العبقري خلال وقت قصير، وربما لا يفهمونه جيداً.
الفرق بين مواهب العباقرة والناس العاديين في الفهم مثل الفرق في حاسة الشم: أحدهم شمّ رائحتها من داخل الزقاق، والآخر لا يشمها حتى لو كانت أمامه.
العقلانية الجماعية بقيادة الأستاذ
لا تتحقق النهضة العلمية في الحوزات بدون وحدة جماعية وتعاون فئة العلماء والمثقفين المتجدّدين وعقلانيتهم الجماعية، تحت قيادة عبقري فعال. هذه النهضة ليست ثورة ثقافية جديدة، بل إصلاح وتصحيح للوضع القائم والعودة إلى أسلوب تربية العلماء القدامى الذين كانوا تحت إشراف الأستاذ، مع اختلاف أن عملهم ليس فردياً، بل عقلانية جماعية تعتمد على البحث الميداني، وتقديم فكر موحّد.
الفكر المنتَج هو نتاج العمل الجماعي وتلاقي الأفكار، وليس تقليداً لشخص واحد. العقلانية هنا تختلف عن مجرد الظنون المقبولة في الأصول، بل يجب أن تكون مدعومة بالمنطق والبراهين.
التجديد لا يعني التوقف عند الحاضر بل إنتاج فكر مستقبلي، لرؤية طريق المئة عام القادمة من اليوم، كي لا يصيب الجمود المجتمع الروحاني. ومع ذلك، المسؤولية الأكبر تقع على الأجيال القادمة.
اليوم لا يستطيع المجتمع الروحاني الحفاظ على روحه الجماعية بالاعتماد على جهود فردية فقط. الاعتماد على الأبحاث الفردية يبقي محتوى وقيم الروحانية والأساليب المقدمة في حالة تقادم. العقلانية الجماعية فقط هي التي تحافظ على القيم وترتقي بها، وتضمن استمراريتها.
العقلانية الجماعية تمنع النفوذ السلبي، والجمود، والضعف في المجتمع الروحاني، وتمنح الأمل والحيوية للطلبة، وإلا يصبحوا ثقافةً قابلةً للهيمنة. وإذا لم يحدث ذلك، يدخل المجتمع الروحاني في سبات موت بارد تحت سلطانٍ قاسٍ، ولن يجد الناس طبيباً يعالجها، لأنها لا تعالج إلا بنفسها.
الدخل والتوفير يجب أن يكونا طيبين، فالطالب بحاجة إلى تغذية طيبة تمكنه من الدفاع عن الدين بحرية، والرزق الطيب هو الذي يكون حلالاً ونال بحسن نية، دون تعب أو شدة مفرطة.
الطلبة يجب أن يُختاروا ممن يملكون الطباع المناسبة، ويجب أن تُوفر لهم كرامة وعزة النفس كي تنمو فيهم الصفات الداخلية بحرية.
ومن الصفات المهمة للروحاني الإخلاص والعدل، ويجب أن تُختبر هذه الصفات عبر تجارب عملية، لا عبر تجسس أو فقدان الحرية، ويجب أن يكون تخصصه في العلم والاجتهاد خدمةً للناس لا طمعاً في النفوس.
التوافق بين شخصية الطالب ومنهج الدين ضروري، فالاجتهاد هو جراحة للنفس وكشف للأسرار، ويتطلب شخصية متناغمة مع روح الدين، وإلا قد يؤدي ذلك إلى صراع مع الدين.
على الطالب أن يكون عزيز النفس، كريماً، وبعيداً عن ذل التسول، لأن ذلك ضعف ولا يؤهله لحمل مسؤولية العلم والدين.
من الجدير بالذكر أن بعض الناس يظنون أن تمويل الطلبة من الخمس هو من باب الفقر، فيعطى الطلبة الخمس بهذا الاعتبار، مع أنَّه في دروس الخارج وفي موضوع الخمس بيَّنَّا أنَّ رجل الدين ليس متسولًا، وما يُعطى من حصة الإمام للطلاب هو من باب “في سبيل الله”. إنَّ الصفاء والمحبة التي تنبعث في مسيرة الطلبة هي من هذا العنوان “في سبيل الله”. فالطالب هو لله ومنسوبٌ إليه، والله لا يفيض إلا بالحب والصفاء، ولا يمكن فصل طلب العلم عن هذه الصفاء والمحبة.
على الحوزة أن تبقى حيوية ورائدة مثل علماء الماضي من خلال الاختراع والاكتشاف، وأن تستمر في الإنتاج العلمي حتى لا تُجبر على تحصيل قوتها من أموال بخسة، وتُجبر أسرتها على العيش من رزقٍ ملوثٍ وغير طيب. إن إعطاء رواتب ضئيلة للطلاب، بالإضافة إلى عيوب هذا الأسلوب، يُهينهم، ولا يُقدّس فقط بنسبتها إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، إذ إن الإمام الكريم لن يرضى بأن تُعطى هذه الأموال الهزيلة لمن هم في منزلة علمائه.
صحيح أن الخمس ونصيب الإمام منسوب إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، لكن مجرد هذه النسبة لا تُطهّر الأموال التي تُعطى من الخمس. يجب أن يُعلَّم الشيعة أن الخمس الذي يعطونه لعلمائهم هو من مال حلال وأفضل أن يكون من مال طيب، وألا يُعتبر كل دخلٍ معينًا للخمس. لا ينبغي أن يكون المال المختلط بالحرام أو شبهه أو المال الذي لا يعلم دافعه إذا كان له حق في الخمس هو المعتمد. كذلك، المال المخلوط بالحرام مع تحقق شروط معينة يُؤخذ فيه الخمس، لكن لا ينبغي أن يدخل المال المأخوذ منه الخمس إلى حياة أهل العلم، إذ أن التهاون في هذا يؤدي إلى تلوث روحي للمستفيدين من الخمس، ولا يكفي مجرد نسبة الخمس إلى الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) لإزالة هذه الأضرار.
تلك المشاكل المتعلقة بمحتوى دفع الرواتب واستهلاك الأموال، هي مشاكل ثانوية تغطيها الظلال الكثيفة لمشاكل عدم وجود نظامٍ فعّال في توجيه دفع الأموال، ولا يُتاح لها مجالها المناسب للنقاش. على أهل العلم، فضلاً عن تأمين نفقات معيشتهم من أطيب الأموال، أن يراعوا طهارة هذه الأموال أيضاً، وهو المجتهد الذي يستطيع بيان أحكام هذه المسائل وفق الإطار الفقهي لحوزته العلمية، ويوجه الناس ويُعزل الأموال المستخدمة في حياة أهل العلم، ليهيئهم روحياً وعلمياً للنمو والارتقاء، ويُرفع بذلك مستوى الروحانية في المجتمع ويُضاعف خيراته.
هذا الأفق يجب أن يكون نصب أعين القائمين على إدارة أموال الحوزة؛ لكن أين هذا الارتفاع والهدف الأوّل الطبيعي لنظام التعليم في الحوزات العلمية، وأين طلبة اليوم الذين يتوقفون عن الدراسة بسبب ثقل أعباء الحياة ويتجهون للعمل في البناء أو الصناعة؟ كيف يستطيع الطالب الذي يعيش في مثل هذا الظرف أن يؤدي واجبه العلمي الصحيح؟ هل الناس على دراية قريبة بمعاناة الطلاب ليضبطوا توقعاتهم وفق ظروفهم؟ كيف يمكن لطالب يواجه آلاف المصاعب أن يُتوقع منه مستوى علمي مرتفع؟ كيف له أن يركز على واجبه الأساسي، وهو الدراسة، ليتمكن من القيام بدور دعوي علمي جاد دون إضاعة وقت الناس في تكرار المواضيع والقصص التي بلغت حد الإطناب؟
إن عدم مراعاة الظروف الاجتماعية والاقتصادية للطلاب وغياب الدعم الكافي لهم، يؤدي إلى تضاؤل عدد المتعلمين وتأخر تطور الحوزة العلمية. وهذا التراجع لا ينعكس فقط على المستوى العلمي، بل يمتد ليطال الدور الثقافي والاجتماعي للحوزات، التي هي منارة العلم والدعوة في المجتمع الإسلامي.
يجب على المؤسسات العلمية والدينية أن تضع نصب أعينها ضمان حياة كريمة للطلاب، بحيث لا يُجبر الطالب على الانشغال بالأعمال المعيشية التي تحول دون التركيز في الدراسة والبحث العلمي. فالأولوية هي توفير بيئة تعليمية مناسبة تحفز على الاجتهاد والابتكار، كما فعل أسلافنا من العلماء العظام الذين تركوا إرثاً علمياً غنياً.
علاوة على ذلك، ينبغي مراجعة آليات توزيع الأموال، وضمان أن تكون مصدرًا للبركة والقدرة على الإنتاج العلمي، لا سببًا في النزاعات والشكوك حول مشروعية مصدرها. من الواجب أن تُستخدم الأموال المخصصة للحوزات والطلاب من مصادر نقية وشفافة، مع توفير الرقابة والضوابط الشرعية الدقيقة.
إن دور العلماء والفقهاء في هذا المجال محوري، إذ يجب عليهم إصدار الفتاوى الدقيقة والمستنيرة التي توجه الناس وتضبط توزيع الموارد المالية، بحيث يُمكن الحفاظ على كرامة أهل العلم وتحفيزهم على المضي قدمًا في مسيرة التعليم والتطوير.
ولا يمكن إغفال الجانب النفسي والاجتماعي للطلاب، فالأموال الطيبة والنظيفة التي تُقدم للطلاب لا تعزز فقط من الجانب المادي بل تساهم في رفع معنوياتهم وتعزيز ارتباطهم بواجباتهم الدينية والاجتماعية، ما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم ومستوى الفهم الديني لدى الأجيال القادمة.
لذلك، فإن الحلول العملية تحتاج إلى تعاون جميع الأطراف: الهيئات العلمية، الجهات الدينية، والجهات المسؤولة عن الموارد المالية، لتبني نظامًا متكاملاً يدعم الطلاب مادياً ومعنوياً، ويراعي قواعد الشريعة الإسلامية في مصادر الأموال واستخدامها.
في النهاية، يبقى الهدف الأسمى هو رفع مستوى الحوزة العلمية إلى مصاف العالمية، والحفاظ على نقاء هذه المؤسسة المقدسة، وتخريج علماء قادرين على مواجهة تحديات العصر، والقيام بدورهم الريادي في إرشاد المجتمع وتطويره في شتى المجالات.
ولتحقيق هذه الأهداف السامية، يتعين على الجهات المعنية تبني استراتيجيات واضحة ومتينة تُعنى بتحسين البنية التحتية للحوزات العلمية، وتوفير الدعم المالي المستدام للطلاب من خلال صناديق مالية مُخصصة، تدار بشفافية ومساءلة تامة.
كما يجب تفعيل دور المؤسسات الخيرية والمجتمعية لتوفير منح دراسية وقروض حسنة، تدعم الطلاب في مسيرتهم العلمية دون أن تشكل عليهم عبئًا مادياً. ومن المهم كذلك تنظيم حملات توعية تُبرز أهمية دعم الحوزات العلمية وأهلها، لتشجيع الميسورين على المساهمة بفاعلية في هذا المجال المبارك.
إضافة إلى ذلك، ينبغي تطوير برامج تأهيل وتدريب للطلاب تساعدهم على تنمية مهاراتهم العلمية والبحثية، وتزويدهم بأحدث الأساليب التعليمية والتقنية، مما يعزز قدرتهم على المنافسة في الساحة العلمية المحلية والعالمية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن إغفال دور الأساتذة والمشرفين في تقديم النصح والإرشاد للطلاب، ودعمهم نفسيًا واجتماعيًا، مما يسهم في بناء شخصية علمية متكاملة قادرة على العطاء والابتكار.
إن حماية الطلاب من الظروف الاقتصادية الصعبة تُمكنهم من التركيز على طلب العلم، وهو ما ينعكس إيجابًا على جودة التعليم ومستوى الإنتاج العلمي، ويُسهم في رفع مكانة الحوزة العلمية كمنارة للعلم والمعرفة.
وفي الختام، لا بد من التأكيد على أن الاستثمار في دعم الطلاب وتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية ليس من قبيل الإنفاق، بل هو استثمار في مستقبل الأمة وبناء قواعد راسخة للتقدم العلمي والاجتماعي. فبهذا الدعم تتحقق العدالة الاجتماعية وتُصان كرامة العلماء، ويُفتح باب الخير واسعًا للجميع بإذن الله تعالى.
النص المترجم (جزء منه):
إن هذه السياسة ذات طبيعة شرعية ودينية، ولا تتعارض مع الأحكام الإسلامية، كما يقول القرآن الكريم:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا)[١٣]، حيث إن الأنبياء عليهم السلام لم يأتوا إلا لنقل الدين الإلهي، لا للسلطة الحاكمة.
(وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)[١٤].
إن المجتمع يتألف من أفراد متنوعين، والعالم اليوم مواطنون متعددون. هذان العاملان يدفعان إلى عزلة الأفكار السلطوية.
لابد من تصنيف الأحكام الإسلامية وتنفيذها تدريجيًا وفق الأولويات، بحيث تتوافق مع علم الاجتماع وعلم النفس الخاص بأفراد كل مجتمع، بما ينقل لهم شعورًا بالاندماج والانسجام ويجعلهم يشعرون بأن الحكم يعود بالنفع عليهم ويحمي حقوقهم.
وقد أشرنا في كتاب «الحقوق الحديثة» إلى نقد المصلحة غير المرتبطة بموضوع الحكم، والتي تفتقر إلى معيار معرفي لفهم موضوع الحكم. كما عرضنا في ذات الكتاب مشروع «الجماهير المتحدة الإسلامية»، قائلاً إن الحكم الإسلامي في البلدان الإسلامية يجب أن يصمم بطرق متنوعة تتناسب مع الاختلافات البيئية في تلك المجتمعات. مثلاً، في المجتمعات السنية، يقوم النظام الجمهوري الإسلامي على أساس التوحيد وعبادة الله، أما في المجتمعات الشيعية، فيضاف إلى ذلك ولاية أهل البيت عليهم السلام، ويتم تأسيس جمهوريات إسلامية مركزية تتطلب سياسة طويلة الأمد لتحقيقها.
ويجب أن تستند كل جمهورية إلى أخلاق وأمزجة وغالبية أهلها، ليتم تحقيق جمهوريات إسلامية شاملة، وتكون قاعدة قبولها وشعبيتها أساسًا راسخًا في جميع هذه الأنظمة، خاصة في الجمهورية المركزية. كما يجب تصنيف وتحديد أولويات الأحكام الإسلامية بناءً على روح أهل كل منطقة، وإجراء بحوث لقياس مدى قبولها. فمثلاً، قد لا يلتزم أغلب المسلمين في دولة مثل ألبانيا باللباس الإسلامي الكامل، لكنهم يغطيون معظم أجسادهم.
على أي حال، ينبغي تأجيل تنفيذ الأحكام التي تُسبب انزعاجًا للمجتمع إلى المستقبل، حتى يتم إعداد الأرضية الثقافية اللازمة بتنفيذ تدريجي وثقافي طويل الأمد. تلك الأحكام لا تُلغى، بل يتم تهيئة بيئة تنفيذها من خلال السياسات الثقافية، وهذا هو أساس العمل لتطبيقها.
إن هذه السياسة التي نطرحها تقوم على فهم دقيق لطبيعة المجتمعات الإسلامية، وتدرك أن أي محاولة لفرض الأحكام الشرعية بطريقة قسرية دون مراعاة الظروف الاجتماعية والثقافية قد تؤدي إلى ردود فعل معاكسة وتراجع في الالتزام الديني.
لذلك، من الضروري أن تُبنى برامج التوعية والتثقيف الديني على أسس علمية وعملية، بحيث تُشعر الأفراد بأهمية الأحكام ودورها في تحسين حياتهم، وليس مجرد الالتزام بالطقوس الشكلية.
كذلك، يجب أن يُعزز الحوار بين العلماء والمجتمعات المختلفة، لتبادل الخبرات والأفكار، وتحقيق تكامل بين الدين والواقع الاجتماعي، بما يُسهم في نشر روح الاعتدال والتسامح.
علاوة على ذلك، يلزم التنسيق بين المؤسسات الدينية والحكومية لضمان تنفيذ الأحكام بشكل متدرج، مع متابعة دورية لتقييم أثر هذه السياسات على الأفراد والمجتمع، وتعديلها حسب النتائج المحققة.
في النهاية، إن تحقيق العدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي ضمن إطار الشريعة الإسلامية هو الهدف الأسمى، وهذا يتطلب منا حكمة وصبرًا وجهودًا متواصلة لإيجاد نموذج إسلامي حديث يواكب تطورات العصر، ويحفظ المبادئ الدينية في آن واحد.
حول أموال الزكاة والصدقات في الفقه الإسلامي وإدارة الثقة المجتمعية بين العلماء والشعب
يفقد المجتهد شرعيته في الطاعة إذا تفتقر إلى الوعي الاجتماعي أو أُسئ استعمال أموال الزكاة والصدقات، أو انعدم لديه القدرة على تنفيذ الأمور اللازمة وإدارتها بشكل سليم، وهذا ما يفسر كثيراً من المشكلات المعاصرة المتعلقة بهذه الأموال.
ومن هنا، يُقتَرَح تأسيس مؤسسة مالية مشتركة خاصّة بإدارة أموال الزكاة، تُودَع فيها جميع هذه الأموال، لتُعَدّ داعماً للمجتهد في صرفها، ويتم تنظيم كافة الشؤون المالية للهيئات الدينية وفق جداول دخل محددة.
وتحدد هذه المؤسسة مداخلها المالية بناءً على أموال الزكاة التي يدفعها مقلدو كل مرجع، وتُصرف وفقاً لأحكامه الفقهية. كما يُمكن تتبع مصادر ومصارف الأموال عبر رموز تعريفية خاصة وكودات مميّزة.
ورغم أن للمجتهد ولاية ظاهرة، إلا أن ذلك لا يعني عدم وجوب الشفافية وعدم الخضوع لأي جهة رقابية. لا بد من تنظيم أموال الزكاة بنظام واضح ومنضبط، بعيداً عن أي فوضى أو انحراف عن النظام الشرعي الخاص. ويُتاح للمقلدين الاطلاع على تقرير مفصل عن إيرادات ونفقات هذه الأموال، عبر منصة إلكترونية محدثة على الدوام.
يُعتبر قبول المجتمع لولاية المجتهد ونفوذه مرتبطاً بهذه الشفافية، فغيابها يضرّ بمكانة رجال الدين بين الناس، ويُلزم المجتهد أن يكون مسؤولاً ومُجيِباً لكل من الجماهير والمجتمع الديني.
يجب أن يكون المتعاملون مع أموال الزكاة، من مجتهدين أو ممثلين لهم، ذوي كفاءة علمية وعدالة، ملتزمين بكل الإجراءات الشرعية في كل المستويات.
ويجب إنفاق الأموال في الأغراض الشرعية المخصصة لها، مع تجنب الإنفاق في غيرها، وضمان التوزيع العادل في نطاق المناطق التي جُمعت منها الأموال، فلا يجوز حصر الإنفاق في مركز واحد أو مناطق محددة.
وللممثلين الذين يستلمون الأموال جزء من ذلك تحت إشراف المجتهد، لكن لا ينبغي أن يتحول ذلك إلى مهنة يحرم منها كثيرون ويحتكرها قلة.
وينبغي أن يُراعى في صرف الأموال رأي المجتهد بشكل واضح، لكن إذا تعارض رأي المجتهد مع الأحكام الشرعية أو مع فتاواه الخاصة، فلا قيمة عملية له، وقد يفضي ذلك إلى فقدان عدالته وشرعية تقليده.
يجب أن يتم الإنفاق بعدل وإنصاف، بعيداً عن الإسراف أو البخل، مع التركيز على ذوي الحاجة، وتوزيع الأموال على الأكثر استحقاقاً في حال نقص الموارد، مع وجوب مسؤولية المستلم تجاه المستحقين.
لا يجوز صرف الأموال في الأمور الشخصية أو الشهوية، ولا تُعدّ ملكاً خاصاً للمجتهد ولا تُورّث لأحد، ولا تُستخدم في الأمور غير الدينية الضرورية.
يُسمح للأصدقاء والمقربين من المجتهد بالمشاركة وفق الفتاوى والعدل، مع منع التدخلات الشخصية غير المبررة.
وفي كل الأحوال، تقع مسؤولية أي انحراف في صرف الأموال على المستلم، ولا يُنقص ذلك من مسؤولية المجتهد، الذي يجب أن يُحاسب.
يملك المجتهد الأموال إذا توفرت الشروط، ويُحمى في حالة الصرف الصحيح، لكنها ليست أموالاً شخصية، ولا تُستخدم إلا في الأغراض الشرعية.
بناءً على ما سبق، تقتضي أموال الزكاة وجود نظام إداري ومالي مستقل، تُشرف عليه الفتاوى المرجعية، لضمان التوزيع العادل بين الطلاب وفق معايير علمية واحتياجات مالية، بعيداً عن الاحتكار.
الثقة الاجتماعية في المجتمع الديني
من أهم أدوار رجال الدين في المجتمع هي الثقة المتبادلة بينهم وبين الناس. يلتجئ الناس إلى رجال الدين في أوقات الحزن والألم، ويطلبون منهم الإرشاد في قضاياهم الخاصة، بما في ذلك الاستفتاء والتفسير.
كانت التربية والتعليم تحت إدارة رجال الدين بشكل كامل، من كبار الأساتذة إلى معلمي المدارس التقليدية، لكن هذه الأدوار انتقلت اليوم إلى مؤسسات الدولة.
وكان رجال الدين أيضاً قضاة وحكّاماً في المنازعات، وأصبح هذا الدور الآن من اختصاص السلطة القضائية.
كما كانوا مستشارين للأفراد والسلطات، وكانوا قدوة تربوية واجتماعية، يمثلون قدوة في القيم الدينية والعملية.
يرتكز النظام الإسلامي اليوم على القيادة الدينية، التي استندت على ثقة الناس، ولعب رجال الدين دوراً محورياً في الثورة الإسلامية.
هذه الثقة لم تُكتسب بسهولة، بل رافقها تضحيات من رجال الدين، دفاعاً عن الدين والمجتمع.
رغم وجود تحديات، لا يزال المجتمع الديني يحظى بالاحترام ويملك القدرة على تحديث الخطاب الديني وإيصاله بصورة تناسب الزمن.
الدعم الغيبي للمجتمع الديني
المجتمع الديني يحظى بدعم روحاني غيبي خاص، يُوجهه علماء ورجال باطن غير مرئيين، ما يضمن بقاء هذا المجتمع واستمراريته، رغم التقلبات والظروف المختلفة.
الجامعة الروحية: جذورٌ تمتد لألف سنة بين الناس المتدينين
تتمتع الجامعة الروحية بجذور عميقة تمتد لأكثر من ألف عام بين الناس المتدينين، ولا يستطيع أحدٌ اقتلاع هذه الجذور القديمة المرتبطة بأرض الحق تعالى. فهي ليست كالحكم أو السلطنة التي يمكن أن تتغير بانقلاب أو كودتا.
ثورة اليوم بحاجة إلى جهاد ثقافي من أجل هندسة الدين والروحانية
إن ثورتنا المعاصرة تحتاج إلى جهاد ثقافي كبير وأعظم من كل الجهادات التي سبق أن قمنا بها. العطش الروحي لدى المجتمع اليوم ليس نابعا من مجرد الولاء والطاعة، بل هو نابع من حس استكشافي وبحثٍ عن المعرفة التي تروي الروح وتمنح العقل المتسائل جوابا عن حقيقة الموجودات.
الروحانية اليوم بحاجة إلى اجتهاد ديني خالص
إن الروحانية اليوم أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى مجاهدة من أجل إنتاج علم ديني واجتهاد فقهي، بعيدًا عن السياسة والارتباط بالدين الحكومي، وبعيدًا عن الجمود، مع الحفاظ على العقلانية والروحانية الدينية.
علم الاجتماع الروحي: معرفة الناس مدخل أساسي
من ضروريات دخول الروحانية إلى ساحة المجتمع هو معرفة الناس، إذ أن فهم علم النفس الاجتماعي لجميع الأعراق والقبائل في إيران ومناطق العالم المختلفة يمكن أن يمكّن الروحانيين من إيجاد أرضية جذب ومحبة قصوى تجاه المبادئ الدينية. فالناس حين يجدون روحانيًا متخصصًا وملتزمًا، يرتبطون به بعلاقة حب واحترام أكبر من أي فئة أخرى.
الروحانية شعبية وحية مع الناس
الروحانية هي شعبية، وحية مع الناس، ولكي تبقى شعبية ولتحافظ على حياتها، يجب أن تعرف الناس الذين يحبون الدين ويؤمنون به. نموذج المجتمع الإيراني مركب من الأعراق والأديان والطوائف الاجتماعية والمستويات المهنية.
التنوع اللغوي والثقافي في إيران
في إيران، توجد نحو عشرين لغة ومئة وعشرة لهجة مختلفة. ولكي يتواصل الروحانيون بشكل فعال مع الشعوب، يجب أن يأخذوا في الاعتبار الاختلافات في الطباع، والذكاء، ومستوى النشاط، والجمال، والشجاعة، والتحدث، والتعليم، والذوق، ونوع البناء، ومستوى الصحة، وغيرها من العوامل التي تؤثر على علاقة الناس بالروحانية.
التهديدات الانفصالية ومحاولات التقسيم
الانفصال هو مؤامرة دائمة من القوى الاستعمارية ضد أعراق إيران، ولا يأتي هذا التهديد من الدول المجاورة، لأن أعراق إيران تعتبر أرضها إيران فقط ولا تعترف بأي دولة أخرى.
التنوع العرقي والوفاء الوطني
الأكراد والبلوش والأذريون كلهم يعتبرون أنفسهم إيرانيين بالدرجة الأولى ويحبون وطنهم، رغم وجود بعض المشكلات المؤقتة التي يجب عدم تعميمها على القوميات بأكملها.
دور الثقافة والاقتصاد في الولاء
الثقافة والثراء تجعل بعض الأعراق مثل الأذريين محافظين ومتعايشين مع الحكم، وإذا سمح لهم بالاستثمار في مناطقهم، فإنهم يظلون موالين لإيران. يجب السماح للأقوام بالحفاظ على ثقافاتهم ولغاتهم في الإعلام وتسمية الشوارع وغيرها.
التفاعل مع الأديان الأخرى
يجب دراسة علاقات الأقليات الدينية في إيران والعالم مع الروحانية، حيث يختلف تقبل الجماعات الدينية للروحانيين ويجب أن تستند السياسات على بيانات دقيقة.
الشيعة اليوم: أقلية عالمية تحت المراقبة
الإسلام الشيعي هو مذهب معروف عالميا، لكنه لا يزال يُعتبر أقلية، ونظرته غالبًا ما تكون سلبية من جانب الحكومات رغم احترام بعض الشعوب له.
التفاعل مع الناس حسب العمر والتعليم
تتفاوت توجهات الناس نحو الروحانيين حسب العمر والجنس والتعليم والميل السياسي أكثر من الانتماء العرقي أو الديني. كبار السن والنساء يميلون أكثر للروحانية، بينما الشباب تحت تأثير ثقافات أخرى.
الروحانبة بحاجة إلى اجتهاد وعدالة
كلما ارتفع المستوى التعليمي، ازداد الطلب على الاجتهاد والعدالة في صفوف الروحانيين. إذا غاب هذان العنصران، يزداد التراجع في الممارسات الدينية.
التحذير من سكولارية تحيد الدين إلى هامش المجتمع
إذا لم يبذل الروحانيون جهودًا حثيثة ومنظمة اليوم، فإن إيران ستتعرض لهجوم الفكر العلماني واللاأدري، مما سيقود الدين إلى العزلة والهامشية.
واجب الروحانيين
على الروحانيين أن يدركوا حساسية العصر ويتحملوا مسؤولية عظيمة تجاه الدين، أن يضحوا من أجل العلم الديني، وأن يروّجوا الخير والرحمة بين الناس، لا أن يصبحوا رجالًا للعقاب والقسوة.
الحرية الدينية وحفظ كرامة الإنسان
يُظهر التاريخ، منذ بدايته المعروفة لنا، أن السلطة الفردية أو الجماعية في أي شكل أو هيئة نشأت، كانت دائمًا مصحوبة بسيادة الحاكم وضعف الشعب. هذا التفاوت في القوة والضعف كان يجعل الحاكم يرى نفسه مالكًا مطلقًا، بينما كان الناس يرون أنفسهم رعايا. لم تكن هناك فترة آمن فيها الناس بقوتهم وأصبح الحاكم والشعب وجهين للسلطة معًا. كان ضعف الناس كبيرًا لدرجة أنهم قبلوا كونهم رعایا لفئة الحاكم والأمراء والخانوات. والرعایا تعني التبعية والخضوع والافتقار إلى حق التصويت والاختيار، وكان هذا إما مفروضًا في أنظمة الحكم الاستبدادية التي كانت تولد قسرًا بأمر الملوك والسلاطين، أو كان نابعًا من اختيار الشعوب نفسها منح الحاكم سلطة مؤقتة عبر الانتخابات، وكانت لهم فقط دور رمزي في الانتخاب والاختيار. وكان الحكام يروجون لهذه الثقافة لمصلحتهم ولا يرغبون في تغيير هذه النظرة.
في الماضي، كان بعض الخانات يعتبرون جميع سكان قراهم، حتى بناتهم، رعایا لهم، ولا تتم الزيجات والطلاقات إلا بموافقة الخان. كانوا يأخذون أفضل الفتيات لأنفسهم ولعائلاتهم ويمنعون الزيجات الحرة. بعضهم يضحون بالآخرين بسهولة، وكانت ثقافة التبعية تجعل هذا الأمر يبدو حقًا مشروعًا لهم.
رغم أن الدين يقاتل كل مظاهر الظلم، إلا أنه، بسبب غياب قاعدة اجتماعية قوية واقتصادية، قد أقر بعض التقاليد مثل جواز العبودية، التي كانت ذات أثر كبير في اقتصاد ذلك الزمن، واعتبر العبيد رعایا لأصحابهم. كما أعطى الأولوية لأصحاب الولاية واعتبرهم أولياء وأوصياء، وعرّف الله بأنه المالك والمولى المطلق لكل الموجودات، وهو بالطبع كذلك، لكن قبول وتوقيع بعض القوانين، نظراً لعدم وجود قاعدة اجتماعية قوية لإلغائها فورًا، تم باعتبارها تمهيدًا لسياسات تقيدها تدريجياً حتى القضاء عليها في المدى البعيد، كما حدث في قضية العبودية. كذلك يرى الإسلام أصحاب الولاية كمسؤولين عن أموال الناس، وملكية هذه الأموال كانت شكليّة، حيث أن الأرض والسماء كلها خُلّفت للإنسان كملكية سيادية، فالملاك الحقيقي هو من يمكنه استهلاكها، ولا أحد يملك استهلاك كل الموجودات الأرضية والسمائية.
الحرية الدينية وحفظ كرامة الإنسان
يُظهر التاريخ، منذ بدايته المعروفة لنا، أن السلطة الفردية أو الجماعية في أي شكل أو هيئة نشأت، كانت دائمًا مصحوبة بسيادة الحاكم وضعف الشعب. هذا التفاوت في القوة والضعف كان يجعل الحاكم يرى نفسه مالكًا مطلقًا، بينما كان الناس يرون أنفسهم رعايا. لم تكن هناك فترة آمن فيها الناس بقوتهم وأصبح الحاكم والشعب وجهين للسلطة معًا. كان ضعف الناس كبيرًا لدرجة أنهم قبلوا كونهم رعایا لفئة الحاكم والأمراء والخانوات. والرعایا تعني التبعية والخضوع والافتقار إلى حق التصويت والاختيار، وكان هذا إما مفروضًا في أنظمة الحكم الاستبدادية التي كانت تولد قسرًا بأمر الملوك والسلاطين، أو كان نابعًا من اختيار الشعوب نفسها منح الحاكم سلطة مؤقتة عبر الانتخابات، وكانت لهم فقط دور رمزي في الانتخاب والاختيار. وكان الحكام يروجون لهذه الثقافة لمصلحتهم ولا يرغبون في تغيير هذه النظرة.
في الماضي، كان بعض الخانات يعتبرون جميع سكان قراهم، حتى بناتهم، رعایا لهم، ولا تتم الزيجات والطلاقات إلا بموافقة الخان. كانوا يأخذون أفضل الفتيات لأنفسهم ولعائلاتهم ويمنعون الزيجات الحرة. بعضهم يضحون بالآخرين بسهولة، وكانت ثقافة التبعية تجعل هذا الأمر يبدو حقًا مشروعًا لهم.
رغم أن الدين يقاتل كل مظاهر الظلم، إلا أنه، بسبب غياب قاعدة اجتماعية قوية واقتصادية، قد أقر بعض التقاليد مثل جواز العبودية، التي كانت ذات أثر كبير في اقتصاد ذلك الزمن، واعتبر العبيد رعایا لأصحابهم. كما أعطى الأولوية لأصحاب الولاية واعتبرهم أولياء وأوصياء، وعرّف الله بأنه المالك والمولى المطلق لكل الموجودات، وهو بالطبع كذلك، لكن قبول وتوقيع بعض القوانين، نظراً لعدم وجود قاعدة اجتماعية قوية لإلغائها فورًا، تم باعتبارها تمهيدًا لسياسات تقيدها تدريجياً حتى القضاء عليها في المدى البعيد، كما حدث في قضية العبودية. كذلك يرى الإسلام أصحاب الولاية كمسؤولين عن أموال الناس، وملكية هذه الأموال كانت شكليّة، حيث أن الأرض والسماء كلها خُلّفت للإنسان كملكية سيادية، فالملاك الحقيقي هو من يمكنه استهلاكها، ولا أحد يملك استهلاك كل الموجودات الأرضية والسمائية.
وإذا كان هناك من يمارس استبدادًا أو يطغى على حقوق الآخرين باسم الولاية أو الحاكمية، فهذا انتهاك لمبادئ العدل والإنسانية التي يحث عليها الدين والعقل على حد سواء. لذا فإن حرية الإنسان وكرامته لا تتحقق إلا بالعدل والمساواة والحقوق التي تحمي الإنسان من الاستبداد والاستغلال. وحرية الاعتقاد والتعبير جزء لا يتجزأ من هذه الكرامة الإنسانية التي يجب أن تُصان في كل زمان ومكان.
إن إرساء دعائم الحرية الدينية يتطلب بناء مؤسسات قوية تدعم حقوق الإنسان، وتحترم التنوع والاختلاف، وتكفل الحماية القانونية لكل فرد في مجتمعه. فالدين لا ينبغي أن يكون أداة للاضطهاد أو التمييز، بل يجب أن يكون منبعًا للسلام والرحمة والاحترام المتبادل بين الناس. وعليه، فإن أي محاولة لفرض اعتقادات معينة أو فرض سيطرة دينية على الآخرين تتعارض مع روح الدين الحقيقية وتعطل مسيرة التقدم والازدهار.
في الختام، يتوجب علينا كمجتمعات أن نعمل على نشر ثقافة الحرية والكرامة، وأن نحمي حقوق الإنسان بكل الوسائل، بما في ذلك حرية المعتقد والتعبير. فذلك هو السبيل لبناء عالم أفضل يسوده السلام والعدل، ويحفظ لكل إنسان حقه الطبيعي في أن يعيش حياة كريمة حرة من الظلم والاستبداد.
الجو الملتهب للثورة وضرورة تحويلها إلى ثقافة
إن النظر في تاريخ الإسلام والتيارات الثورية الناشئة من هذا المنهج الحي، أو التي جرت باسم هذا المنهج، يُظهر أن الدين الإسلامي يمتلك قدرة عالية وفعالية كبيرة في إثارة مشاعر الجماهير وتوحيدهم وخلق الأحداث والثورات، وكان دائماً ناجحاً في إطلاق الحركات الثورية؛ ولكن من حيث استمرار الثورات وتحقيق نتائجها المرجوة، لم يكن الأمر كذلك، إذ فشلت أغلب تلك الثورات والتيارات.
لا نرغب في تفسير أسباب فشل الثورات من خلال دراسة حالات جزئية في تطور التاريخ، لأن النظر الفلسفي لهوية «الثورة» يوضح أن الفشل هو صفة لا تنفصل عن طبيعة الثورة، سواء كانت إسلامية أو غير إسلامية، فالثورة ذات طبيعة مضطربة ومتقلبة، حيث تولد دائماً حالة من السخط وعدم الرضا المتواصل. هيكل الثورة الطبيعي لا يسمح بتحقيق النجاح الكامل. الثورة هي نبض وحركة المجتمع، والطبيعة التي تمتلك نبضاً واضطراباً لا يمكن أن تستقر في مكان واحد، بل هي في حالة انتقال مستمر، ولا يمكن انتظار مرحلة من الاستقرار والهدوء.
تكتسب هذه المسألة أهمية أكبر حين ندرك أن التاريخ لا يعرف أنبياء الله كقادة ثوريين حقيقيين يحركون الناس باسم الثورة ضد الوضع القائم، بل كانت حركاتهم تهدف إلى تصحيح الواقع الراهن ورسم مستقبل قائم على مجتمع مصحح. جميع الأنبياء كانوا على دين الله؛ دين وحدانية وتسليم لله الواحد الأحد، والاختلافات كانت في جوهرها من حيث العمق في هذا المعنى، ومن حيث الظاهر في بعض الأحكام الشرعية التي أُلزمت بها الظروف والزمان والمكان. يقول القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [سورة آل عمران: 19].
ويقول يوسف عليه السلام: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101].
وقبل ذلك عن إبراهيم عليه السلام: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
جميع الأنبياء كان لهم نفس المنهج، والثورة لم تكن لديهم مفهوماً دينياً.
ولكن الثورة الإسلامية تختلف اختلافاً جذرياً عن باقي الثورات، فهي لا تقتصر على الإطاحة بالنظام الجائر فقط، بل تسعى إلى إدارة النظام بناءً على المنهج الإسلامي، وتحويل هذه الثورة السياسية إلى حركة ثقافية شاملة، كما جاء في دستور الجمهورية الإسلامية في إيران. هذه الثقافة الغنية لا ينبغي أن تُختزل في الدستور فقط، بل يجب أن يُنشأ ركن رابع للنظام يكون بمثابة العقل المفكر الذي يضع خريطة شاملة لمسيرة النظام الإسلامي لمئة عام مقبلة. إذا غُفل هذا الأمر، فإن المشكلات الناتجة عن تطبيق القوانين وتنفيذ السياسات الخاطئة ستتوالى على الثورة الإسلامية، مما يؤدي أولاً إلى خذلان الثورة ثم إلى الابتعاد عن الدين. هذه الخريطة يجب أن تُختبر في نموذج مصغر في بيئة محدودة، ليُزال العيوب ويُضاف إليها الميزات، ثم تُعتمد وتُنفذ.
وقد بدأت تجربة الفقر النظري وقلة الفتاوى أولاً في مجلس الثورة، الذي وضع بعض القوانين، وبعدها لم يُنجز عمل مناسب. الهندسة الشاملة للثقافة في النظام هي التي تجعل طعم النظام الديني الصحيح حلواً وتحفظ قدسيته، وقد كانت جرائم النظام الجائر سبباً في مرارة الشعب التي دفعته إلى الثورة لكسر ذلك النظام. الشعب كان يعاني من الخيانات، والظلم، والانتهاكات التي تحولت إلى جراح عميقة لم تلتئم إلا بالثورة، وهذه الجراح لا تلتئم إلا بتصحيح ثقافة المجتمع والعودة إلى الشريعة النقية.
الثورة بذاتها هي نتيجة الجراح والجرائم المؤلمة، ولهذا تبقى مستمرة فقط إذا تحولت إلى ثقافة، وإلا ستتكرر الجراح والعقد من قبل الأفراد المتألمين. «الثورة السياسية» كالعملية الجراحية، و«صناعة الثقافة» كالمرحلة العلاجية والشفائية.
لقد تحدثنا في كتاب «الحقوق الحديثة» عن هيكل الثورة الإسلامية، التي تجسدت في صورة «الجمهورية الإسلامية» على الساحة الدولية، وذكرنا أن الدين الإسلامي له برنامج واضح في المحتوى والقيم وفي الهيكل وطريقة الحكم، ويجب استخلاص هوية الحكم من هذا المنبع الغني للقوانين، لكن الأهم هو تطبيق هذه القوانين من قبل الحكام والمنتسبين. فإذا لم ينفذوا القانون الإسلامي بشكل صحيح، تتحول الحكومة الإسلامية إلى حكومة نجباء وفقهاء ليس بحسب الفقه وإنما بحسب سلطة الحكم، أو إلى حكومة للمسلمين، وهذا الخطر يزداد عندما تواجه الثورة الإسلامية نقصاً في النظريات الحديثة وندرة في الكوادر التنفيذية الواعية والكفؤة والمخلصة.
المذهب الشيعي يمتلك أدق القوانين في مجال الحُكم، والقرآن الكريم هو أفضل كتاب في السياسة وإدارة المجتمع، لكنه تعرض على مر التاريخ لتشويه بعض قواعده بسبب تدخل بعض الطغاة الذين فرضوا أهواءهم بدلاً من القواعد، وهذه التلوثات بحاجة إلى مراجعة وتنقية. بعض تلك التشويهات تعود إلى فترة الغربة والتقية عند علماء الشيعة، حيث استبدل الحكم العادي بحكم التقية دون إدراك ذلك.
كما يجب التذكير بأن خلفاء بني أمية وبني العباس الذين حكموا لقرون طويلة، لم يكونوا مهتمين بالدين كما نزل، بل سعوا إلى السلطة والملك، ولم يوفروا الفرصة لنشر العلم والدين الحقيقي.
لو أن محتوى الدين وقيمه وصلت إلى الناس عبر أولياء المعصومين بطرق مباشرة، لما كانت هندسة النظام الديني معقدة بهذا الشكل، لكن رغم الأذى الذي لحق بثقافة التشيع خلال فترات الغربة والتقية، حافظ العلماء على هذه الثقافة كحراس لها رغم الجراح العميقة، وسلموا هذه الأمانة إلى الأجيال الحالية.
المذهب الشيعي هو المحدث الحقيقي لحركة الثورة الإسلامية في العصر الحالي، لكن في تحليل صحة القرارات ونقد الكفاءة، لا ينبغي الخلط بين سبب الإحداث وسبب البقاء؛ لأن الأئمة المعصومين لم يحكموا سوى فترة قصيرة، ونحن في عصر الغيبة الذي لا نستطيع الوصول فيه إلى العصمة.
الثورة الإسلامية بحاجة إلى أن تقدر شبابها الحالي، وأن تتيح لهم المجال للبحث والنقاش المستند على أسس علمية لكي يواجهوا التحديات بثورة ثقافية وعلمية.
تحليل المجتمعات العالمية
على روحانيي الشيعة ألا يكتفوا برؤية المجتمع الإيراني فقط، بل يجب أن ينظروا إلى المجتمع العالمي أيضاً، ومع تعاملهم مع المجتمعات المختلفة يجب التمييز بين المجتمعات الحاكمة التي اعتادت على السلطة، وتلك التي تعتنق حكم الفرد أو الحاكم. الدول التي تحكمها أنظمة سلطوية لائيكية تكون مجتمعات متخلفة، أما التي تميل إلى العلمانية فتكون أكثر تحضراً. هذه الدول ستشهد في المستقبل نوعاً من النهضة التي تغير بنيتها العامة بعد قرن ونصف، رغم صعوبة مسارها الاجتماعي. وحتى إن اتخذت شكلاً ديمقراطياً، فإن الحكام لا يتخلون عن السلطة، ويضحون بالشعب من أجل مصالحهم. الديمقراطية في هذه الدول غالباً ما تكون مستترة وراء الاستبداد.
الرابط بين العقلانية الفردية والروحانية
ضمير الإنسان اللاواعي والواعي يميل إلى العالم الميتافيزيقي، وهو مرتبط بمجموعة من القداسات والروحانيات. دراسة نفسية الفرد تكشف تاريخه الروحي، كما يستطيع الرسام الماهر رسم الوجه بالكامل من خلال رسم العين فقط. يمكن الوصول إلى اللاوعي من خلال الوعي، فاللاوعي يتكون من طبقات متأصلة ومرتكزة في الماضي، والوعي هو الطبقة الظاهرة الفاعلة في الحاضر.
الدين يشير إلى اللاوعي بالفطرة، وهي حالة باطنية تتتبع الله والعوالم الخارقة، وتحرك الفكر نحو التأمل في ذلك. لكن الفطرة الروحية للإنسان واللاوعي تعرضا لاستغلال حكام طامعين ومزوّرين، الذين استولوا على الدين والفلسفة وأضلوا البشر ليخضعوا لهم. البشر، رغم قدسيتهم، قاموا بغسل أدمغتهم بشكل متكرر من تعاليم الفطرة. كانت هناك محاولات مكررة من السلطة لتحريف المعتقدات والأفكار، مما أدى إلى قطيعة بين الدين والفكر الثوري، وخلق فجوة عميقة بين الدين والواقع.
لذلك فالثورة الإسلامية بحاجة إلى ثقافة ثورية جديدة تأخذ بعين الاعتبار تطورات العصر الحديث، وتضع خطة عقلانية، وتوفر أدوات عملية لتنمية الروحانيات والفكر. الثورة الإسلامية ليست مجرد ثورة سياسية، بل هي ثورة فكرية وثقافية وروحية، ومتى ما تحولت إلى ثقافة منظمة وعقلانية، ستصبح حركة ثورية لا تتوقف.
روحانية الشيعة يجب أن تكون مهندسًا للنفس الجمعي للناس في هذا المجال، ومن خلال إحياء هذا الضمير الجمعي، يتجه الإنسان تلقائيًا إلى إحياء ذاته وبيئته من خلال السلوك الصحيح. يجب على الروحانية أن تركز على بناء الإنسان، لا على بناء المدن. بناء الإنسان يحمل في طياته التطور والتقدم والحضارة؛ وإلا فإن بناء البنى التحتية وإسكان البشر الذين استُغلّت مشاعرهم لا طائل منه سوى أن هؤلاء الناس سيؤدون إلى دمار المدن ذاتها.
ضرورة التعرف على صيادي الإنسان
لقد ذكرنا أن الإنسان المعاصر يخضع للقانون والعلم ويعتبر نفسه بحاجة إليهما، دون أن يمنحهما قداسة خاصة. لكن يجب أن نضيف أن نمو التكنولوجيا والعلم لدى الإنسان وقانونيته لم يمنعا الظلم والاعتداءات والهجمات على البشر، الذين ما زالوا ضحايا الحوادث. حاول الإنسان كشف المذابح والصيادين والتخلص منهم نهائيًا، لكنه بسبب سذاجته وقبوله السريع وعناده وعدوانيته، ما زال يقع في المذابح ذاتها. صيادوه هم السياسيون الذين يبتسمون ويحملون شعارات الديمقراطية. لا يزال على الإنسان أن يقطع مسيرة ليصل إلى الوعي الكافي ليعرف هؤلاء الصيادين الماكرين، الذين يمتلكون المال والقوة والشكوى والخداع معًا.**
الإنسان اليوم ما زال ساذجًا إلى حد يجعله متطوعًا لأن يُضحى من أجل مصالح سفّاحي هذا العصر القذر. يحتاج الإنسان إلى التمييز بين هؤلاء الصيادين السفّاحين ذوي الوجوه المتعددة والمذابح التي ينصبونها، كما تملك الحيوانات حاسة إنذار طبيعية تجاه المخاطر، لكن الإنسان لم يصل بعد إلى هذه الحاسة ليتمكن من رؤية المذابح والخطر المخفي خلف وجوه السياسة والتزييف. حتى يصل إلى هذا الوعي، فإن نمو العلم والتقدم التكنولوجي لن يكون سوى وسيلة خفية لسوقه إلى مذابح السياسيين الماكرين، وستتكرر مأسي الماضي ولكن بشكل أسوأ، ويجب على الحوزات العلمية أن تفكر في كيفية تقديم القيم الدينية والعلوم الإنسانية، لا سيما الفلسفة، في صياغة معارف تلبي توقعات الإنسان المعاصر من العلم.
المقصلة الإدارية العلمية
لن تنجح جماعة الروحانية في تقديم الحقائق بعلمية إلا إذا استطاعت تعريف الإنسان على المذابح والوجوه القبيحة للسياسيين والنظم الظاهرة والخفية، وأن تصور الإسلام كدين الحق ومجموعة الحقائق. يجب على الروحانية أن تُظهر صورة العصمة الدينية من خلال العلم، وتوضح أن سلسلة الأنبياء لم تكن مذبحة للإنسان ولا مكانًا لصياد. من واجبات الروحانية أن تميز بين أتباع التحريف والدين النقي المعصوم لأهل البيت عليهم السلام.**
الإنسان اليوم، رغم كبريائه العلمي وزعمه المعرفة، لا يشعر حتى بالحيوانات بالخطر المحدق به ولا يستطيع التمييز بين القتلة والصيادين وأصحاب الحق والصدق. فقط بعد هذا التقدم يمكن تقديم القيم الدينية بحكمة وعلمية، وإلا فإن النمو العلمي في يد السياسيين الماكرين هو مجرد زيادة لعدد الضحايا تحت المقصلة العلمية لسفّاحين متعددين الوجوه.
إذا تمكّن الإنسان من إدراك هذين المعنيين (معرفة المذابح ومعرفة الصيادين)، فلن يهرب من الدين ولن يفر من المسيحية إلى الليبرالية، بل سيلجأ إلى مدرسة يراها مركز الحق والفضيلة. في هذه الحالة، لن يجرحه ويفسد حتى يتحول إلى راديكالي أو ثائر غير منضبط.
اليوم، السياسيون يعرفون كيف يثيرون مشاعر الجماهير التي كانت في الماضي تعبد عجل سامري بدلاً من إله موسى، واليوم يُضحّون أنفسهم طواعيةً لمذبحة الآلهة المزوّرين بفخر. الفرق الوحيد بين مذبح اليوم والماضي هو سرعة الاتصالات وكثرة الاستهلاك، التي جعلت الاعتداءات تحدث بأحدث وأسرع وسائل الاتصال. هناك مذابح تحت البحار وفي أعماق المحيطات لا مهرب فيها من الموت، وجرائم المزوّرين اليوم في يوم واحد تفوق عمر السفّاحين في الماضي.
الإنسان قبل أن يحتاج إلى الدين يحتاج إلى النضج العقلي ليعرف صيادي العصر الحديث الذين يرتدون زينة الكماليات الإنسانية، واكتشاف وجوههم الخفية تحت هذه الزينة أمر صعب، فهم ينصبون فخاخًا باسم حقوق الإنسان ويخفون بها أساليب استدراج مخيفة باسم الشعب ومطالبه.
الحيوانات تمتلك حاسة طبيعية لاستشعار الخطر، لذلك لا تموت الطيور أثناء الطيران في مناطق مرور البشر لأنها تكتشف لحظة موتها وتهرب إلى ملجأ، بينما الإنسان العادي لا يمتلك هذه الحاسة إلا في أولياء الله، والله لم يمنح الإنسان العادي هذه الحاسة الطبيعية، بل عليه أن يكتسبها بنمو علمي.
إذا وصل الإنسان إلى هذا النمو، يمكنه صنع حساسات أذكى من حواس الحيوان. فاليوم المختبرات العلمية تملك أدوات تشخص بعض مشاكل الإنسان منذ الولادة، وتقيّم معدلات الدهون، واليوريا، والسكري، وضغط الدم.
يحتاج الإنسان إلى ذكاء وحساسات تنذر بالخطر بمجرد أن يظهر شخص أو مجموعة مزيفة تسعى لدخول السياسة على أساس عواطف الجمهور. يجب أن يدرك أن العلم والدين ليسا من أجل بناء مذابح أو تنمية صيادين، بل من أجل صحة وحياة الإنسان وسعادته، ومن أجل أن يعيش الإنسان حياة صحيحة وسليمة.
في الماضي، كان الإنسان يضحّي أحيانًا بطفله الصغير لرضا الآلهة، أما اليوم فتضحّي الأنظمة السياسية بالجماهير لمصلحة السياسيين والاحتكارات الاقتصادية.
الإنسان الغربي يسعى الآن إلى إصلاح المجتمع والسيطرة على السياسة عبر التشريعات، لكنّه يبعد الإنسان عن صُلب العملية، بينما يجب توعية الإنسان بالخطر ثم اللجوء إلى الحاكم العادل، الذي نسميه “الولي الفقيه”. النظام الذي وصفناه في كتاب “الحقوق الجديدة” يحتاج في البداية إلى كشف صيادي الجمهور وتفعيل حساساته، وإلا فحتى لو بُنيت المدينة الفاضلة ستتحول إلى مذبح.
هذه المساعي هي مساعي نفسية واجتماعية وقانونية، فالجمهور يجب أن يصل إلى فهم لا يقوده إلى مذبح بقدمه ولا يشرب السم بيده.
الإنسان الذكي يستطيع التعرف على أتباع وأصل الشر في الأرض، أولئك الذين يظهرون بأشكال محبوبة ليستدرجوا عواطفه في لعبة خطيرة للغاية.
بسبب جهل الإنسان، يحوّل نفسه دائمًا إلى مذبح. وبدون حساسيات ذكية، يلقي بنفسه في ميدان ألغام.
الفارق الجوهري بين هذا الفكر والنظريات الغربية هو أن الغربيين يرون أن القانون والنظم الاجتماعية تخلص من الاستبداد، بينما نؤكد نحن على الإنسان وجهوده النفسية.
العالم اليوم يحاول تنظيم الحياة الاجتماعية عبر القانون، لكن النظم الاجتماعية تُسيطر خفية على الناس عبر مذابح وتُستغل لخدمة القلة الحاكمة، التي تسعى لتحويل العلم إلى أداة سلطة، بينما يجب أن تكون السلطة في خدمة العلم والعلم في خدمة الناس.
العلوم اليوم لا تصدق الناس. علماء الاجتماع والنفس وخبراء الحروب النفسية يضعون أعقد الخطط لتخفيض وعي المجتمع أو غسل أدمغته بحيث يغفل الجمهور عن مذبحه ويدخل بفخر إلى مصيده.
يجب أن تركز روحانية المجتمع على رجوع الإنسان إلى ذاته وإنسانيته، وإلا فكل التكنولوجيا في يديه ستكون مثل العشب الذي يُقدم للغنم ليؤدى بها إلى المسلخ.
نأمل أن يوفق الإنسان ليصبح ذكيًا في معرفة مذابحه. نحن مستعدون للتضحية بحياتنا من أجل أن ينال الإنسان هذه الحكمة ويعرف أفخاخ الموت التي ينصبها بنفسه عبر صناديق الاقتراع. هذا عمل علماء النفس، لا سيما علماء نفس المجتمع.
من الأسباب المهمة في تجاهل معرفة مستنقعات الموت التي صنعها صيادو الإنسان، هو الفقر الاقتصادي. الإنسان الفقير غارق في معاناته، لا يجد فراغًا للتفكير في الأنظمة والمذابح.
المجتمعات اليوم تحكمها صيادون مخفيون، لهم حماة وحراس منفعتهم، الذين لا يعرفون أن الأموال التي يتلقونها هي مثل بذور مسممة في أفخاخ الموت، وأن منفعتهم الظاهرة تخفي خناجر ستنغرس في قلوبهم ذات يوم، وإلا كانوا سيكونون أول صيادي هؤلاء الصيادين.
هؤلاء الحلفاء ما زالوا لم يبلغوا النضج العقلي المناسب، والجمهور أسير عواطفه، فيلعب دور هؤلاء الحلفاء، ويسلّم رأسه وعائلته إلى المقصلة.
الفيض النفسي لبيانات القتلة يُخمد حسّ مخاطرة الإنسان، وحملات الدعاية والحروب النفسية تغرقه في حلم سكر، حلم يبدو جميلاً لكنه ينتهي بالموت.
فقط التربية الروحية يمكنها إحياء حس التعرف على قتلة البشرية، لأن العلم، رغم أنه أزاح العلماء وأدار زمام التوجيه، إلا أنه بدلًا من خدمة البشرية، استُغل لصالح صيادي الإنسان.
اليوم، الجامعات والمراكز العلمية، إذا وقعت تحت سيطرة صيادي الإنسان، تصبح مصانع للمستنقعات المميتة، وجيشًا واقيًا للجلادين المخفيين، وتخترع نظم صيد البشر، وتبرر استخدامها، وتكبر الاستعمار والاستغلال باسم العلم.
العلم، رغم أنه يبدو في خدمة حقوق الإنسان وكتابة القوانين، فإن الأمر الأهم ليس القانون نفسه، بل أن لا يختبئ صيادو الإنسان خلف شخصية القانون ليستخدموه لمآربهم الشيطانية.
المهم هو معرفة هذا المذبح، والقانون يكتسب قيمته وقوته التنفيذية فقط بعد إزالة هذه المذابح.
نوصي المجتمع الروحاني بتقدير دور الاجتهاد والسعي لإنتاج العلم، لكن لا تكون هذه العلوم مفيدة إلا إذا انطلقت أولًا في كشف المذابح والهجوم على مخابئها، وسعت بكل طاقتها لترشد الإنسان إلى نضج يمكنه من كشف كل القتلة، مهما تبدّلوا وارتدوا أزياء مختلفة.
وإلا فإن حتى لو قبلت البشرية القرآن قانونًا، ما دام المنفذ غير واعٍ وغير مصاحب لمنصب العصمة أو الاجتهاد العادل (الذي هو بديله)، فلن يُضمن سلامة الإنسان وسعادته، وسيقع في مذبح صيادي العصر الحديث.
خلق موجة صحيّة
يجب على رجال الدين الشيعة في كافة أرجاء العالم أن يكتشفوا الأفراد الأحرار والصالحين، وأن يكشفوا صائدي النفوس في كل منطقة بإدارة مركزية موحّدة، وأن يستولوا على وسائل الإعلام خاصة الاستثمار في شبكات العروض المرئية، ليُحدثوا حركة واسعة وصحية تقف في مواجهة الحركات السياسية والاستعمارية. ومن خلال القوى المحلية والشعبية الحرة، بغض النظر عن معتقداتهم الدينية والطائفية، يتجهون إلى خلق “موجة صحيّة” عالمية تُعرّف الجمهور على مذابح إنسانية محتملة. يجب أن تكون هذه الموجة مدعومة بأسس علمية وأن تكون حركة توعية لا تهدف إلى مآرب شخصية أو جماعية، وإلا ستتحول إلى مذبحة للبشرية تجرح الفطرة الإنسانية الساعية إلى الحقيقة وتخسر ثقة الشعوب العالمية، مما يدفعهم إلى الاعتقاد بإله روحي غربي، ونكران الإله الذي أُعلن في مذهب الشيعة وأهل البيت عليهم السلام، الذي هو متجذر في فطرتهم، بسبب تقصير رجال الدين، مما يجعلهم ينأون عنه ويبتعدون عنه.
يجب أن يسعى المجتمع الديني إلى خلق موجة في المجتمع العالمي. فالآن، الدول الاستكبارية تتبع هذه السياسة لتغيير توجه المجتمع والحكومات. الموجات التي تُخلق في المجتمعات اليوم تصممها وتنفذها قوى السلطة والثروة والسياسة، وهم من يغيرون ثقافة الشعوب ومعتقداتهم حتى في فترة زمنية قصيرة عبر خلق الموجة. ثقافة أي مجتمع ليست ثابتة ولا عصية على التغيير، فهناك تحول وتحول مستمر في البنية الأرضية والبشرية. يمكن للمجتمع أن يتعرض لقوى جذب طولية وعرضية وعمودية ويشهد تغيراً. وأصحاب السلطة، لما يمتلكونه من إمكانات ودعم متخصصين، يدخلون فضاء المجتمع ونطاق تأثير الشعوب ـ الذي نسميه مشاعر الجمهور ـ تحت سيطرتهم ونفوذهم. عبر خلق موجات وحروب ناعمة، يجعلون شعباً ما في فترة زمنية مضطرباً وعنيفاً، وفي فترة أخرى هادئاً وليناً، ويؤثرون في أخلاقهم وعواطفهم تبعاً لسياستهم، ويتدخلون حتى في طبيعتهم ويغيرونها لصالحهم. فطبيعة المجتمع وثقافته تتلون حسب أهواء الحكام المتسلطين، كما فعل حكام أهل السنة الذين وجهوا الثقافة الإيرانية إلى المذهب السني وصفويون إلى الشيعة.
إنّ أصحاب السلطة إذا ما أرادوا أن يسيطروا على الشعوب، يبدأون بإدارة موجات نفسية، ويعملون على تشكيل توجهات الناس بالتدريج عبر السيطرة على وسائل الإعلام، التعليم، والثقافة العامة. لذلك، ينبغي على رجال الدين الشيعة، الذين يمتلكون قوة معرفية وروحية، أن يستغلوا هذه الأدوات بشكل فعّال لمواجهة هذه السيطرة، وأن يبذلوا جهوداً متواصلة لخلق موجة صحية ثقافية تدافع عن قيمهم الدينية والإنسانية.
هذه الموجة الصحية لا ينبغي أن تكون مجرد رد فعل عاطفي أو مؤقت، بل يجب أن تبنى على أسس علمية ومنهجية، وأن تستهدف تثقيف الجماهير، وتعزيز الوعي بمبادئ العدالة، والحرية، وحقوق الإنسان، مستندة إلى التعاليم الإسلامية السمحة لأهل البيت عليهم السلام. كما ينبغي أن تكون هذه الحركة عالمية، تتجاوز الحدود الطائفية والقومية، لتجمع بين الجميع على أساس المبادئ الإنسانية المشتركة.
في هذا السياق، يعتبر دور الإعلام الحديث، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي، حاسماً في بناء هذه الموجة، لأنه يتيح الوصول إلى أوسع قاعدة جماهيرية، ويوفر فرصاً لنشر الفكر الصحيح والتصدي للأفكار المغلوطة التي تروجها قوى الاستكبار.
ختاماً، يجب أن يكون الهدف من هذه الموجة هو إعادة بناء الثقة بين الشعوب والدين، وتحصين المجتمعات من الاستعمار الثقافي والسياسي، عبر توعية الأفراد بتراثهم وقيمهم، وتنمية حس نقدي يسمح لهم بتمييز الحق من الباطل، وبالتالي المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل أفضل.
ومن الضروري التأكيد على أنَّ عملية بناء المجتمعات الصحية والواعية لا تتحقق إلاّ من خلال محاربة ثلاث آفات رئيسية تُعيق النمو والتقدم، وهي: الفقر، الجهل، والاستبداد. فالفقر يحد من قدرة الأفراد على تحقيق كرامتهم والعيش بحرية، والجهل يحول دون فهمهم لحقوقهم وواجباتهم، والاستبداد يقتل روح المبادرة ويمنع الحريات الأساسية.
لذلك، يجب أن تتكامل الجهود لمعالجة هذه العناصر الثلاثة بشكل متوازٍ، فلا يكفي التركيز على القضاء على الفقر دون رفع مستوى الوعي والتعليم، ولا يكفي التثقيف في بيئة قمعية تمنع التعبير الحر. إن المسيرة نحو مجتمع صحي تتطلب رؤية شاملة تراعي الأبعاد الاقتصادية، الثقافية، والاجتماعية، مع ضمان أن تكون السياسات متسقة ومتزامنة، بعيداً عن الإجراءات الانفرادية التي تركز على بُعد واحد على حساب الآخرين.
وعليه، لا بد من تبني نهج تدريجي ومرن في الإصلاح، يراعي خصوصيات المجتمع وسرعة تقبله للتغييرات، مع تجنب التسرع والقرارات القسرية التي قد تؤدي إلى ردود فعل عكسية وتأزيم الأوضاع.
هذا النهج التدريجي يجب أن ينبني على مشاركة فعالة من مختلف فئات المجتمع، مع تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم، كي يتمكن الجميع من الإسهام في صنع القرار وتنفيذ البرامج الإصلاحية، ما يعزز الشعور بالمسؤولية الجماعية ويدعم استدامة التغيير.
في النهاية، تحقيق مجتمع صحي ومستقر ومستدام، هو الهدف المنشود الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عبر تعاون متكامل بين رجال الدين، المثقفين، الحكومات، والشعوب، مع ضرورة تحصين المجتمع من موجات الاستعمار الثقافي والسياسي التي تحاول العبث بمعتقدات الناس وهويتهم.
الختام الحار: ضرورة تدوين نظام لروحانيي الشيعة
ما يفتقده مجتمع روحانيي الشيعة هو ميثاق أو قانون مدوّن يحدد خطوات هذا المجتمع بدقة وبشكل تفصيلي، بحيث يحصل جميع أفراده على رؤية واضحة للحاضر والمستقبل، ويلتزمون به عمليًا طوال فترة انتمائهم إليه، ويُعد مخالفة هذا القانون جريمة تستوجب المساءلة والعقاب من قبل المركز المسؤول. كما يجب أن يلتزم الوافدون الجدد عليه قبل أي تعهد آخر، ويقسموا بالتمسك به.
النظام الروحي يحتاج، أكثر من أي شيء، إلى صياغة ميثاق للروحانيين يكون بمثابة دستور أساسي لروحانيي الشيعة على مستوى العالم، لا يقتصر على المجتمع الإيراني فقط. إن عالم الشيعة لا يقتصر على إيران، ويجب أن يُكتب هذا القانون للنظام العلمي والتشغيلي لروحانيي الشيعة عالمياً، بحيث يمكن تأسيس مراكز علمية في جميع البلدان، وتربية الطلاب المؤهلين بناءً على الخصوصيات المحلية ووفق أساليب علمية، لا بناءً على أذواق وإدارات فردية.
الحوزة العلمية بحاجة إلى تدوين نظام لإدارة ثقافة التشيع؛ نظام يتجاوز الدستور لأنه قانون يخص ثقافة دينية لها جذور تاريخية تمتد لأكثر من 1400 عام، ويجب أن يحمي روحانيي الشيعة وثقافة التشيع لآلاف السنين القادمة. لذا فإن صياغة النظام العلمي والثقافي للحوزات أصعب بكثير من صياغة دستور لدولة، ويجب دفع تكاليفه مهما بلغت لما في ذلك من أهمية بالغة.
صياغة النظام الأساسي للحوزة تختلف جذرياً عن إعداد نظام لمدرسة أو مؤسسة علمية عادية. يجب أن يشمل ذلك جميع المجالات ويُتاح للجميع التعبير عن آرائهم بحرية. ويجب أن تُجرى عملية صياغة هذا الدستور بطريقة نظرية شاملة ثم يُتفق عليه جماعياً. كل محاولة إصلاح أو تحديث في الحوزة بدون وجود هذا النظام ستكون عقيمة وأحيانًا خطيرة، ولن تتجاوز الشكل والهيكل فقط.
لا بد من جمع وتحليل آراء جميع العلماء والمفكرين الحوزويين في صياغة خريطة شاملة ودستور للحوزات، مع التركيز على الإجماع في المسائل المتفق عليها، ثم معالجة الخلافات ليبدأ منها صياغة دستور متفق عليه. ثم يُعرض هذا القانون على جميع العلماء المعروفين، لتقديم إضافاتهم وانتقاداتهم، ويتم حل الخلافات وفق قواعد علمية وخبرات متعددة. الهدف من هذا القانون الموحد هو إصلاح هيكل الحوزة وتنظيم كافة أنشطتها خصوصًا في إنتاج العلم الديني والاجتهاد.
في جمع الآراء يجب مراعاة شخصية العلماء وأفكارهم، ويجب استشارة جميع العلماء والمفكرين في الحوزات ذات الصلة، لا انتقاء آراء بعض العلماء فقط.
يجب أن يكون هذا القانون مستقلاً وغير مرتبط بأشخاص أو حكومات بعينها، ويجب أن يقوم على تبادل الآراء المنطقي والعلمي، وبموافقة جماعية ووفق معايير المراكز العلمية العالمية، بحيث يعكس للناظرين في المراكز العلمية العالمية وجود نظام تعليمي وعلمي وثقافي متكامل في الحوزات الشيعية.
يجب أن يكون القانون إجماعياً بحيث لا يتمكن أي فرد نافذ من تجاوزه أو رفض تنفيذه. إذا بُني النظام التعليمي على أساس هذا الدستور للحوزات، ستزول جذور مشاكل الحوزة وستتقلص النزاعات.
الخطوة الأولى لتنظيم الحوزات هي تدوين ميثاق شامل وخارطة طريق تبين أن هذا هو الدستور الأساسي للحوزات الشيعية. هذا القانون يحدد المبادئ العامة والمسائل التفصيلية في المعارف العقلية والنقليّة وجميع مجالات العلوم الحوزوية بدقة، ليعرف كل طالب حدود ومسؤوليات عمله.
كما أن صياغة دستور الحوزة يجب أن تبدأ من جوهر المجتمع الروحي، كما كان في دستور الجمهورية الإسلامية الذي بدأ بتحديد نوع الحكم الإسلامي، بناءً على رؤية فقهية خاصة. كذلك، كما بدأ دستور مشروطية إيران بمجلس وطني، أو دستور إيطاليا بالعمل، يجب أن يكون جوهر ميثاق الحوزات هو تتبع جذور مجتمع الروحانيين.
هدف هذا الدستور هو تربية قوى علمية وعملية تشبه الأنبياء، تنتج العلم الديني وتعمل وفق إرادة الله، وتجعل الطلبة يشبهون الأنبياء والأولياء، ويربون قوى جادة مخلصة تكون ملجأ للناس، يعمها الصدق والإخلاص والمحبة.
فهرس مؤلفات حضرة آية الله (مد ظله العالي)
- إنكار الله وأصول الإلحاد
- رسالة توضيح المسائل (مجلدان)
- مختارات من توضيح المسائل
- بلنداى فقه الشيعة (تسعة مجلدات)
- الأحكام الحديثة
- الأحكام الطبية
- مناسك الحج
- تفسير هدى (خمسون مجلداً)
- علم الاستخارة (خمسة مجلدات)
- مقدمة في علم الاستخارة بالقرآن الكريم
- آية آية نور
- فقه الغناء والموسيقى (سبعة مجلدات)
- منطق الموسيقى
- تاريخ تحليلي للموسيقى في الإسلام
- المرأة؛ مظلومة التاريخ الدائم (أربعة مجلدات)
- تحرير التحرير (ثلاثة مجلدات)
- حقيقة الشريعة في فقه العروة الوثقى (مجلدان)
- سِير سرخ (خمسة عشر مجلداً)
- المحبوبون والمحبون
- محبوب العشق
- وجه العشق
- ينابيع الحياة
- الممرات والهروب من المجتمع
- المسكة (مجلدان)
- كليات ديوان نكو (تسعة أجزاء)
- ديوان العشق والمعرفة (ثلاثة أجزاء)
- مقامات العارفين
- صحيفة العشق
- علم الحياة (مجلدان)
- علم الذكر
- الحقوق الجديدة (مجلدان)
- اقتصاد الحوزات العلمية ومخصصات طلبة الدين
- علم التفسير وعلم التأويل
- الحجرات المعنوية
- زلال العرفان
- دولة المنجي
- مَظهر الرسالة
- ثقافة الشريعة والطبيعة الدنيوية
- شمعة الحياة
- موعدان للعشق
- صناعة الشعر
- التوحيد
- سراب العرفان أو النسيم المبعثر
- المرأة والحياة
- تذكار الروحانية
- الظاهر الخفي
- مقدمة في معرفة القرآن الكريم
- الإمام الحق: فاطمة (3 أجزاء)، الإمام العشق: الحسين (7 أجزاء)
- سلسلة المساواة ودوامة الظلم
- الليل، الخلوة، وبرق الصمت
- عالم الجن ومكر البشر
- كيف نعيش وكيف نموت
- الاقتصاد السليم والاقتصاد المريض
- لغة الجسد
- ثقافة العرفان
- كتاب الصداقة
- خطاب فهم القرآن
- نشيد المحبين
- حكاية العشق
- الحرية في الأسر
- العلم والتعلم والعنف
- المرأة؛ جنة الجمال والتربية
- الثورة الإسلامية وجمهورية المسلمين
- القواعد السبعة للسلوك الإلهي
- الحياة: عشق أم قانون؟
- طلب العلم والالتزام العملي
- شوكران العصيان
- علي (7 أجزاء): الولاية الصعبة
- نغمة أهل القلب
- عنقاء المحبة
- فناؤ الوجه
- أمان العشق
- ألم الفراق
- الشعر المبعثر
- قصة الغصن
- قوس الحاجب
- أرض البركار
- بزوغ الصبح
- سيف القضاء
- دوامة الوهم
- خاتم الوجود
- تمثال الحق
- صاحب السلون
- غرباء المساء
- عبير الختام
- شمعة الجمع
- لعبة الخيال
- عين الأمل
- ينبوع النعمة
- قلب متقطع
- ازدهار الزهر
- رقصة السيف
- ثوب الدهر
- النور والسرور
- عين النظر
- لطف المقام
- الطبيعة المروضة
- أرض بلا معالم
- جزاء العشق
- ناز المحبوب
- شاهد الوحدة
- يا صديق
- نفس القلب
- شوق المجنون
- سكر وهُياج
- صفاء القلب
- كنز بلا مكان
- هوى الحبيب
- محضر الذات
- وجهًا لوجه
- العاشق النشيط
- دولة الوحدة
- تمرد الهوى
- خيمة البقاء
- صاحب البيت
- الظهور الطاهر
- طُعم الطمع
- غريق الغصن
- دفن الموت
- قد الاعتقاد
- كوخ في الطريق
- نرجس السكران
- وحدة المستان
- قرب الغربة
- حرب الماء
- نار الغضب
- تمنّي الوصال
- ضجيج
- رفيق الميدان
- دار الأمل
- مبتلى
- ميثاق
- حرق وحرقة
- سر ونَوع
- دم القلب
- قرب الحبيب
- نقد صافٍ
- ديوان الولاية
- نصائح سلوكية
- مقولات أنثروبولوجية
- تدبيرات سياسية
- رسالة الحكمة الفلسفية
- عجائب صحة الجسد وروح الإضافة
- الزوجات والمدراء الأكفاء
- التفاعل الناعم والرقمي
- كتاب الله
- صفا ونص حوزوي
- حرية الفكر الحوزوي واستبداد الطغاة
- الحج: إبراهيم أم تنظيمي؟
- العلم الكافي
- منهج العقلانية
- بشارة الأكرم (9 أجزاء)
- كوثر؛ نقطة الوجود
- نبي العشق؛ الحسين (7 أجزاء)
- الموت والحياة في الأبدية
- خيمة الظهور الأخضر
- رؤية العلماء الدينيين
- التبليغ الديني
- ملامح طلب العلم
- أصول وقواعد التبليغ الديني
- ماذا يقول الأصوليون؟
- ماذا يقول الأخباريون؟
- الغيب، الليل، واليقظة
- الإسلام؛ هوية حية دائمة
- العصمة؛ موهبة إلهية
- الفلسفة الحديثة
- مراتب الولاية
- عوالم المينا
- أنغام العرفان
- وصفة العرفان
- نماذج الفكر الديني
- سير الفكر
- أصول وقواعد تفسير الأحلام
- ماذا يقول الأخباريون والأصوليون؟
- المعاد الجسدي: حقيقة دينية وفلسفية
- المعاد الجسدي
- خلود النار والعذاب الأبدي
- الإنسان وعالم الحياة
- واجبات دراسة الدين وفهم معنى الدين
- المدينة الفاضلة أم الغابة الحديثة
- نظام السلطة
- لماذا وكيف الثورة الإسلامية
- الأضرار الاجتماعية
- الثورة الإسلامية: التحديات والخطط
- الثورة الثقافية
- الحوزة: التحديات والخطط
- وجهات نظر سياسية
- الروحانية والقيادة
- ورقة من دراسة أضرار الثورة الإسلامية
- الألم والمشكلات الاجتماعية
- العلماء الدينيون والحياة البسيطة
- العرفان والمقامات
- الحضور الغائب
- القواعد الفقهية
- الهداية الدينية
- دائرة الوجود
- بديهية معرفة الله
- عبادة الله والفطرة
- العارف والكمال
- إطار سير الكمالات
- النوم، الليل، واليقظة
- تعليم مقامات الموسيقى الإيرانية
- إطار جديد لفقه الشيعة
- نفير العشق
- طريقة تنفيذ الحدود
- المشروبات الكحولية
- هيمنة الرجال أم النساء؟
- بحث جديد في المعجزات والكرامات
- العلماء الحقيقيون؛ رفقاء الأنبياء
- آيات الأحكام وفقه القرآن
- التمهيد في شرح قواعد التوحيد
- القرآن الكريم والأسس الاقتصادية
- عدم التحريف وحجية القرآن الكريم
- فهرس الموارد المذكرة والمؤنثة: “يا مرد” و”زن” في القرآن الكريم
- مدخل إلى معرفة القرآن الكريم
- منهج التفسير من وجهة نظر القرآن الكريم
- الأئمة الحقيقيون في الإسلام
- منهج الأئمة المعصومين: والحركات الثورية
- ضرورة معرفة مقام النور لأهل البيت
- كوثر؛ شرف وكرامة ربانية
- حوارات صادقة
- حوارات اجتماعية
- خمس مقالات حكيمة
- مدخل إلى علم الأصول، علم الرجال وعلم الدراية
- التاريخ الحيّ الدائم
- قادة الشيعة في عصر الغيبة
- الذكرى: نقش على وجه الذاكرة
- خلق الإنسان والمادية
- التعليق على المكاسب المحرمة
- الفهرس الحديث للفقه الشيعي
- التعليقات الفقهية
- الرسائل التسع الفقهية
- الرسائل السبع الاعتقادية
- البحوث السنبوكية في الفنون الأصولية
- الفهرس الحديث لآيات الأحكام
- الولاية والحكومة
- الغناء والرقص
- علم الأصول وخمسة من علمائه
- الجسم البسيط وانقساماته
- هامش على القواعد والفوائد
- خمس رسائل سياسية
- أسباب التنزيل
- لطافة الباران
- … وغيرها.
- [1] . جاثيه / 13.
- [2] . در برخى روايات، تعابيرى كنايى از آنان شده است. ر. ك : بحار الا، ج 54، ص 323 ونيز: ج 64، ص 200.
- [3] . سروش، مجلهى كيان، ش 40.
- [4] . وقال أبو جعفر 7 لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد النبي وأفت النّاس، فانّي أحبّ أنيرى في شيعتي مثلک». وقال الصادق 7 للفيض بن المختار: «إذا أردت بحديثنا فعليک بهذاالجالس، وأومأ بيده إلى رجل من أصحابه، فسألت عنه، فقالوا: زرارة بن أعين». وقال 7لعبدالله بن أبي يعفور حيث قال له 7: «انّه ليس كلّ ساعة ألقاک ولا يمكن القدوم، ويجيئالرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه.» فقال: «فما يمنعک من محمّد بنمسلم الثقفي فإنّه قد سمع من أبي وكان عنده وجيهآ». وقال 7: «اعرفوا منازل شيعتنا بقدر مايحسنون من رواياتهم عنّا، فانّا لا نعد الفقيه منهم فقيهآ حتّى يكون محدثّآ، فقيل له: أو يكونالمؤمن محدّثآ؟ قال: يكون مفهمآ والمفهِم المحدّث.» وسائل الشيعه (آل البيت)، ج 27،ص 148.
- [5] . راوندى، قطب الدين، الدعوات، ص 63.
- [6] . بقره / 282.
- [7] . شيخ مفيد، اوائل المقالات، ص 178.
- [8] . بقره / 286.
- [9] ابن فهد حلى، عدة الداعى، ص 66.
- [10] . من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 25.
- [11] . نساء / 95.
- [12] . انفال / 69.
- [13] . اسراء / 105.
- [14] . نور / 54.
- [15] . آل عمران / 19.
- [16] . يوسف / 101.
- [17] . آل عمران / 67.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.