صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

جلال المخلصين

نشر في آذر 13, 1404 في

جلال المخلصين

المُعرّف:

  • المُعرّف: ، ، ١٩٤٨ م –
  • العنوان والمؤلف: جلال المخلصين /
  • بيانات النشر: إسلام شهر: دار نشر ، ٢٠١٢ م
  • المواصفات الظاهرية: ١٧٢ صفحة؛ ٢٠.٥ × ١٤.٥ سم
  • السلسلة: مجموعة الأعمال؛ ١١٤
  • رقم الكتاب المعياري الدولي (ISBN): 978-600-6435-40-4
  • حالة الفهرسة: فاپا
  • ملاحظة: على ظهر الغلاف بالإنجليزية: “Phane of prophetic mission”
  • العنوان على الغلاف: جلال مخلصان: نظرة إلى حياة وزمان النبي موسى عليه السلام
  • الموضوع: موسى، نبي اليهود — سيرة ذاتية
  • الموضوع: القرآن — القصص
  • التصنيف في مكتبة الكونغرس: BP88/4/ن8ج8 2012
  • التصنيف الديوي: 297/156
  • رقم الفهرس الوطني: 2629661

المقدمة

في هذا الكتاب سعينا إلى دراسة محطات مهمة من حياة وزمان النبي موسى عليه السلام، الذي هو نبي مرسل وسلطان ظاهر، وكذلك خصائص قومه من وجهة نظر القرآن الكريم. ركز الكاتب اهتمامه على المعلومات التي يقدمها هذا النص السماوي وحده، متجنباً الاعتماد على البيانات التاريخية أو الروايات، لأن تلك المصادر لا تتمتع بالنقاء المطلوب وتعاني من تشويشات متعددة، حيث صعوبة الحصول على معرفة صحيحة لحياة النبي موسى من بين تلك الكتابات المحرفة التي عمد اليهود إلى تغييرها أمرٌ عقيم. فقد شاب هذه الروايات نسب باطلة وانحرافات متكررة ونوايا سيئة مع قصص لا أساس لها من الصحافة والإسرائيليات.

لقد اختلق اليهود بواسطة الإسرائيليات افتراءات كثيرة على هذا النبي العظيم، حتى إنهم نسبوا إليه معارك مع الله وابتكروا أسطورة مبارزة السفينة مع الله والتي انتهت بانتصاره عليه.

في هذا الكتاب نبيّن بعض خصائص النبي موسى عليه السلام من وجهة نظر آيات القرآن الكريم، لنستطيع الوصول إلى موقعه الكامل، ولتكون قصته عبرة ومرآة للتمكين من الرؤية والبصيرة، دون الوقوع في فخ التزييفات والافتراءات اليهودية والإسرائيليات، ودون أن ننقل الكرامات المزيفة التي قد تجد أحياناً آثارها في كتب بعض المسلمين والعلماء، مما أدى إلى انحراف التفسيرات والكتب العلمية في هذا المجال. ومثال على ذلك فصل “موسوي” في كتاب “الفصوص الحكم” الذي يعتبر من أكثر الفصول إشكالية في المحتوى.

النبي موسى عليه السلام كان مهتماً أكثر بالقضايا الدنيوية تناسباً مع أمته، ومذهبه يبدأ بـ “الخيار” و”العدس” وينتهي بـ “لن تراني” (سورة الأعراف، 143)، وأفعاله تبدأ بقتل قبطي وتنتهي بنسيان قصة السمك وعدم صبره على سيده الخضر.

في قصة موسى عليه السلام نقرأ الكثير عن الجهل، الحرمان، الطغيان، الاعتراض، العنف، المؤامرات، الحيل والنفاق. كان مع قوم منافقين يشبهون الله المجرد، فرفضوا توحيده، لكنه عرفوه عبر العجل الذي رأوه وسمعوا صوته. قوم تركوا هارون وعبدوا سامري والعجل. وهذا يدل على أن الدين والمعنوية ترتبطان بالعقلانية. الذين يقبلون الدين بعقلانية لا يفقدونه بسهولة، مثل سحرة فرعون الذين أقروا بدين موسى بعمق. أما عامة بني إسرائيل فلم يكونوا مؤمنين بالتحقيق، فعبدوا العجل في غيبة موسى القصيرة.

إذا دققنا في معجزات موسى، نجدها أكثر تجسيداً وشكلانية؛ العصا تصبح أفعى، واليد تضيء كالقمر، والبحر يُشق، والبصل والعدس يخرجون لقومه، على عكس المسيح الذي كان لديه ميول روحية أعلى وكان يحيي ويشفي. بني إسرائيل كانوا شكلانيين ولهذا عبدوا العجل.

كان السحر في زمن موسى مزدهراً، ومعجزاته متنوعة لتقابل كل سحر، حتى أن السحرة آمنوا به بعد رؤية جزء من معجزاته.

أرسل الله موسى أولاً إلى فرعون لمواجهته شخصياً، ثم إلى قومه (هود، 96-97)، مما يميز موسى عن الأنبياء الآخرين الذين بعثوا إلى شعوبهم دون مواجهة فردية مع الحاكم.

الآيات التي تروي حياة موسى كثيرة ومتكررة، لما في ذلك من ضرورة لترسيخ شرائعه في بني إسرائيل، كما أنها تروي قصة قوم مشوشين وغارقين في التشبيه والنفاق، والتكرار لا يخل بالفصاحة بل هو من الفصاحة نفسها.

قصة حياة موسى مهمة جداً للبصيرة (قصص، 43) وتحتوي على حكم كثيرة ضمنية تستحق البحث.

كل الأنبياء واجهوا مشاكل كبيرة، لكن قصة موسى تبدأ بخطر تهديده في المهد، ومواجهته للفرعون في البحر حتى يغرق أعداؤه، وتحمل الكثير من الشدائد كالقتل والفرار والصبر والمواجهة، التي يمكن أن تكسر أقوى النفوس، لكنه صبر بكل كرامة وجلال خاص بالأنبياء.

مثال ذلك قصة ذبح العجل حيث رغم المعجزات، استهزأ به قومه (البقرة، 167).

في رده على اليهود لم يقل لهم إنني أسخر، بل قال: “أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين”، وهو تعبير عن غيرته وكرامته النفسية.

كان موسى في كل أمر يرافقه رفيق، كأخيه هارون، أو من رافقه في طلب الخضر، خلافاً لأنبياء مثل إبراهيم ويونس الذين كانوا أكثر استقلالاً.

موسى نبي مرسل من حضارة مصر، صاحب شريعة ظاهرة يجب أن يلتزم بها، ولهذا لم يكن يتبع طريق الخضر في الباطن، ما يدل على غيرته على أداء الواجب.

تظهر هذه القصة أن موسى من المحبين والمقربين، لكنه يختلف في الصبر عن إبراهيم وعيسى، ويحتاج إلى رياضات وتأملات عميقة.

في قصة موسى عليه السلام، يتضح أن حياته كانت مليئة بالمحن والابتلاءات التي تشبه موج البحر الهائج، حيث تتابعت الأزمات بدءًا من تهديد حياته في الطفولة وحتى المواجهة الحاسمة مع فرعون وجنوده الذين غرقوا في مياه البحر المتلاطمة. تحمل النبي موسى عليه السلام هذه الابتلاءات بصبر وجلال يتسم به الأنبياء الحقيقيون، فلم يفرّ من ميدان الصراع، بل وقف بثبات وعزة، معتمداً على تدبيرٍ حكيم وتكتيكاتٍ خاصة في مواجهته لأزمات قومه.

على سبيل المثال، حين أمر الله موسى بذبح العجل، سخر منه قومه على الرغم من مشاهدتهم لمعجزاته المتعددة، وهو ما وثقه القرآن الكريم بقوله:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَخِذُنَا هُزُوًا ۚ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (البقرة: 67).
وهنا يظهر موقف موسى عليه السلام النبيل حين ينكر السخرية، مؤكداً على كرامته واعتزازه بنفسه، وهذا دلالة على غيرته وشرفه النفسي، إذ لا يليق بالمؤمن أن يسخر من الآخرين.

كما أن موسى عليه السلام كان يعتمد على رفقة ومؤازرة، فلا يقوم بالأمور منفردًا، إذ ترافقه أخوه هارون في الخطاب والتوجيه، وكذلك الرفيق الذي صاحبه في مسيرة طلبه للخضر عليه السلام. وهذا يميزه عن بعض الأنبياء الآخرين كإبراهيم ويونس الذين تحلوا باستقلالية أكثر في عملهم الدعوي والروحاني.

النبي موسى هو نبي مرسل من حضارة مصر القديمة، يحمل شريعة واسعة الظاهر، ويلتزم بقواعدها وأحكامها بصرامة وعزة نفس، وهذا ما يبرر عدم تمكنه من السير على طريق الخضر، الذي هو من أهل الغيب وأصحاب الباطن، ولكن ذلك لا ينتقص من مقام موسى بل يدل على غيرته الإلهية وحرصه الشديد على أداء واجبه الشرعي.

تكشف هذه القصة أن موسى عليه السلام من المحبين والمقربين عند الله، لكنه يختلف في نوع الصبر والتحمل عن بعض الأنبياء الكرام كالخليل إبراهيم أو عيسى عليهما السلام، فهو يحتاج إلى رياضات روحية عميقة تمتد لأربعين يوماً من الخلوة والتعبد، ويتقرب فيها إلى الله بجهود نفسية وجسدية.

هذا الفرق في الصفات والكرامات بين الأنبياء يعكس التنوع في مواهبهم الإلهية بحسب طبيعة مهماتهم والظروف التي أُرسلوا إليها، كما أن لكل نبي وأولياء الله خصائص مميزة تبرز معجزاتهم الخاصة، مثل معجزات موسى التي تظل خالدة في التاريخ برغم اختلافها عن معجزات غيره.

ينبغي التنبيه إلى أنه في قصة الخضر عليه السلام وجناب موسى عليه السلام وذو القرنين، وغيرها من الحقائق والوقائع التاريخية التي أوردت أصولها في القرآن الكريم، قد ظهرت الكثير من الشوائب والزوائف من جهات متعددة، وقد وقع المتكلمون من أهل السنة، والعديد من المفسرين، ومجموعات دينية مختلفة في انحرافات شديدة. فهم بدلًا من الاستفادة من هذه الحقائق القيمة، انشغلوا بمباحث هامشية لا قيمة لها.

فعلى سبيل المثال، في هاتين القصتين تحديدًا قيلت أقوال كثيرة غير مؤسسة، لا فائدة منها، أو بدون دليل، أو حتى مكذوبة، مما يوقع الباحث في حيرة من أمره عند تحليلها ودراستها، ومنها مثلاً: مكان وقوع اللقاء، موقع مجمع البحرين، هل كان سمك موسى عليه السلام حيًا أم ميتًا، وهل كان ذكراً أم أنثى، هل رأى الخضر على الماء أم على اليابسة، وغيرها من التفاصيل التي تكاد تكون عديمة الجدوى أو قليلة الفائدة، والتي لا حاجة لذكرها، كما أن الأجوبة التي قُدّمت لها ليست صحيحة ولا موثقة. في حين يمكن استخلاص حقائق قيمة من النصوص المتاحة واستغلالها علميًا وعمليًا، إلا أن هذه الفرق للأسف تركت المبادئ والحقائق القرآنية وثمراتها الوفيرة، وانشغلت بالمباحث اللفظية ودراسة الأحداث الجانبية.

على كل حال، من بين أنبياء الله عليهم السلام، تحتل مكانة موسى عليه السلام وقائع وقصص عصره منزلة خاصة وفريدة، حتى أنه يعد من بين خمسة أنبياء أولي العزم، وقد ذُكر اسمه في القرآن الكريم أكثر من مائة وخمسين مرة. وبذلك فإن البحث في حياته عبر نصوص مختلطة بالإسرائيليات يُعد ظلمًا له وللكتاب السماوي.

العبادة والحمد للخالق العالمين

الفصل الأول: الطفولة والشباب

رسول مخلص وجليل عليه السلام

«وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا»(طه: 45).

أي: واذكر في هذا الكتاب موسى عليه السلام، لأنه كان مخلصًا، أي صافياً من كل ما سواه، رسولاً ونبيًا.

موسى عليه السلام من الذين تحرروا من كل ما سوى الله تعالى، وليس له تعلق بشيء آخر، وهذا من أعلى المنازل التي تبلغها الأنبياء. ويُميز بين «المخلص» و«المخلص» في مقام الإخلاص، فالفرد الذي في مقام الإخلاص لم يزل متميزًا عن التوحيد الكامل، وأما المخلص فهو الذي بلغ التوحيد الخالص. تعبير «مخلص» ورد في القرآن الكريم لبعض الأنبياء الذين حازوا هذا المقام الرفيع، وليس كل الأنبياء حازوه، فمثلاً إسماعيل عليه السلام «صادق الوعد» لكنه ليس من المخلصين. كون الشخص مخلصًا يعني أن لا ينظر إلى غير الله، ولهذا كان موسى عليه السلام نبيًا جليلًا.

أم موسى عليه السلام

«وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنِ ارْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ»(القصص: 7).

أي: وأوحينا إلى أم موسى عليه السلام أن ترضعه، وإذا خشيت عليه أن تلقيه في النهر، فلا تخافي ولا تحزني، إننا نرده إليك، ونجعله من الرسل.

يُعتبر حليب اللبأ (الشير الأول للطفل) من أكثر أنواع الحليب تغذية، وقد أمر الله تعالى أم موسى عليه السلام بأن ترضعه أولًا، ثم تُلقيه في الماء. هذا اللبن الأول بعد الولادة يعزز رابطة قوية بين الأم والطفل، وفي يوم القيامة يُعرّف كل منهما الآخر به.

بيد أن حليب الأم يكون الأفضل فقط إذا كانت الأم سليمة صالحة، غير مريضة أو ضعيفة أو سيئة الأخلاق.

ثم أمر الله الأم، التي هي مصدر الحنان، بأن تضعه في صندوق وتلقيه في الماء. فطاعت أم موسى عليه السلام هذا الأمر إيمانًا بالله، وليس بسبب علم أو ظن. في ذلك الوقت الآصف، كانت تصبو فقط إلى سلامة طفلها، وكانت تثق بأن الله سيحفظه.

الآيات التالية تصف حالة الأم الحنونة التي يعتصر قلبها الألم على طفلها. حين رأته في يد فرعون، كادت تفقد صبرها: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»(القصص: 10).

أي: صار قلب أم موسى خاليًا من القوة، وإن لم نثبت قلبها بالإيمان، لكادت تبوح به.

لقد نسيت الأم كل شيء بسبب حزنها على طفلها، فالطفل في قبضة عدو لا يرحم، وأمها تعاني ألمًا شديدًا جعلها رمزًا للحنان الإلهي، وذُكرت بين أجمل معاني الحنان في العالم.

إيمان الأم هو الذي أعطاها صلابة، وقوة صبر على المأساة، فأضعف قلب فرعون لم يحتمل ذلك، والله وفى بوعده، فلم يشرب موسى من مرضعة، بل أراد الله إعادته إلى حضن أمه، ليجمع بين الحنان والمودة، ويزيل خوف الأم وقلقها، وهي التي آمنت بالله وليس بعلم أو ظن.

السياسيون المتصلبون

«وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ مِنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ. وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ لِتَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»(القصص: 11-13).

أي: وأخبرت أخته أن تتبع الطفل، فرأته من بعيد وهم لا يشعرون. وحرّمنا عليه المرضعات من قبل، فقالت هل أرشدكم على أهل بيت يتكفلون به وهم مخلصون له؟ فعدناه إلى أمه لتفرح ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق.

كانت أخت موسى، التي اسمها كلثوم، تراقب القصر من بعيد، ولم تفارق نظرها الطفل. أخبرت فرعون بوضوح أنها تعرف عائلة تستطيع التكفل به. لو كان السياسيون فرعونيون حكماء، لكان عليهم أن يشكوا في هذا الإصرار، ويسألوها: هل جربت رضاعة الطفل؟ لكنهم في الغالب رجال جامدون لا يفكرون كثيرًا، إذ إن ممارسة السلطة غالبًا ما تزيل قدرة الفهم والتحليل.

تُروى هذه الحادثة في آية أخرى: «إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي. إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ لِتَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ»(طه: 38-40).

أي: حين أوحينا إلى أمك أن تلقيه في التابوت وتقذفه في البحر، فسيُلقيه البحر على الشاطئ، فيأخذه عدو لي وخصمه، وألقيت عليك محبة مني، لتُربى تحت نظري، وعندما ذهبت أختك لتقترح عائلة تكتفله، عدناك إلى أمك لتفرح ولا تحزن.

تُظهر هذه الآية حرص الأخت على أخيها ومتابعتها له عن كثب، ومحاولتها أن تجد له رعاية مستقيمة.

حماية الله

جرى النيل بالطفل نحو قصر فرعون، ويخاطبه القرآن الكريم: «فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي»(طه: 39).

كان فرعون جالسًا على شاطئ النيل، فرأى التابوت يعوم عليه، فطلب رفعه، وأعطاه عدو مشترك بينه وبين الله. أراد فرعون قتله، لكن الله وضع في وجه موسى حبًا إلهيًا يسحر القلوب، فأحبّه فرعون، وأحبت آسية زوجة فرعون ذلك الطفل الجميل كالقمر في ليلة تمام بدر. جاء في القرآن: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ. وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكِ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ»(القصص: 8-9).

ثمّ التقطتهُ أسرة فرعون من الماء ليكون في نهاية المطاف عدواً لهم ومصدر حزنهِم، فقد كانوا فرعونُ وهامانُ وجنودُهم من الظالمين. وقالت زوجة فرعون: «هذا الطفلُ نورُ عيني وعينكَ، لا تقتلوه، لعله ينفعنا أو نتخذه ولداً»، ولكنهم لم يكونوا يعلمون.

إنّ الله إذا شاء حفظ الزجاجةَ بين الصخر كما شاء فرعون أن يتبنّى موسى عليه السلام، وأسلَمَ الطفلَ الرضيعَ إلى عدوهِ الذي كان يرغب في قتله، وجعله أباهُ بالتبنّي، وحفظه على هذا النحو. بقاء موسى عليه السلام في يد ظالمٍ كفرعون هو من سنن الله أن يحفظ من يريد حتى لو كان في قبضة أعدائه. إذ جعل الله أن لا يخطر في بال فرعون أن الذي يخافه وينتابه القلق يترعرع في بيته ويربى فيه، لكنه كان يعلم أن الطفل الذي في البيت قد يغيّر مملكته، غير أن محبة زوجته لموسى أغرته، وكان ذلك مكر الله حتى ينشأ موسى في فم التنين، ذلك التنين الذي كان يحتفظ بالطفل على أمل أن بإمكانه في أي لحظة القضاء عليه.

وقد ورد في هذه الآيات: «وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَینٍ لِی وَلَکَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَی أَنْ ینفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً»؛ فقالت زوجة فرعون هذا الطفل نور عيني وعينك فلا تقتلوه لعله ينفعنا أو نتخذه ولداً.

أراد فرعون قتل موسى في البداية، لكن زوجته أسية منعه، وكلامها المتلو من الوحي الإلهي أقنع فرعون أن يترك قتل موسى. قالت: هذا الطفل نورٌ لنا، وبهجة حياة، يقرب بيننا، ويؤكد مرة أخرى أن المرأة مصدر العواطف والمشاعر، وقادرة على المعرفة، ولكنها ليست صالحة للمسؤولية والقيادة.

ثم أعلن فرعون نفسه أباً بالتبني لهذا الطفل وأطلق عليه اسم «موسى»، لأن التابوت الذي وُضع فيه موسى وقف بجانب شجرة، فالتقطوه منها. و«موسى» كلمة مركبة من «مو» بمعنى ماء و«سي» بمعنى شجرة.

ترعرع موسى في بيت هذا الأب بالتبني، الذي كان يحبّه ويحنو عليه، رغم أنه كان يفرض أشد العقوبات على بني إسرائيل ويعاملهم بقسوة، وكان من أظلم فراعنة مصر، كما قال الله تعالى: «وَإِذْ نَجَّینَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ یسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ یذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَیَسْتَحْیُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِی ذَلِکَ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِیمٌ» (البقرة: 49).

وكان فرعون ذا جلالة وعظمة في الدنيا حتى أدهش موسى: «وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَیتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِینَةً وَأَمْوَالاً فِی الْحَیاةِ الدُّنْیَا»، فكان له الزينة والممتلكات الكثيرة، ويضلل بني إسرائيل بجبروته ويجعلهم عبيداً له.

الحكمة، والعلم، والهجرة، والزواج

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَینَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ. ودخل المدينةَ في وقت غفلة من أهلها، فوجد رجُلَينِ يقاتلان: هذا من شيعته، وهذا من عدوه، فاستغاثَهُ الذي من شيعته على الذي من عدوه، فوكزهُ موسى فقضى عليه. قال: هذا من عمل الشيطان، إنه عدو مضل مبين. قال: ربّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فغفر له، إنه هو الغفور الرحيم. قال: ربّ بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرًا للمجرمين. أصبح في المدينة خائفًا يترقب، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه، قال له موسى: إنك لغو مبين. فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدوهما، قال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسًا بالأمس؟ إن تريد إلا أن تكون جبارًا في الأرض، وما تريد أن تكون من المصلحين. فجاء رجل من أقصى المدينة يسعى، قال: يا موسى، إن الملاّء يأتامرون بك ليقتلوك، فاخرج، إني لك من الناصحين. فخرج منها خائفًا يترقب، قال: ربّ نجني من القوم الظالمين. ولما توجه تلاقى مدين، قال: عسَى ربي أن يهْديني سواء السبيل. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان. قال: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير. فسقى لهما ثم تولى إلى الظل، وقال: ربّ إني لما أنزلت إلي من خير فقير. فجاءته إحداهما تمشي على استحياء، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقیت لنا. فلما جاءه وقص عليه القصص، قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما: يا أبتِ استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرة فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين. قال: ذلك بيني وبينك، أما الأجلان قضيت، فلا عدوان علي، والله على ما نقول وكيل.

في هذه القصة، يُذكر بدايةً منح الحكمة والعلم لموسى عليه السلام، ثم تدخله لمساعدة مؤمن من قومه أدى إلى قتل شخصٍ قبطِي، واضطراره للفرار من مصر إلى مدين حيث عاش هناك عشر سنوات وتزوج إحدى ابنتي شعيب، استعدادًا للنبوة والوحي.

ولابد من التنويه أن موسى لم يكن ضعيفًا، بل كان قويًا حتى إنه قتل الرجل القبطي بضربة واحدة، كما أُعجبت ابنة شعيب بقوته البدنية.

هذا القتل كان قصورًا لا تقصيرًا، إذ طلب موسى من الله المغفرة فورًا، ولا يحمل نية إثم، بل كان بدافع الدفاع عن المظلومين وخدمة المؤمنين.

موسى عليه السلام ذهب إلى مدين التي تبعد عن مصر، وهناك التقى ابنتين يرعيان الغنم، وكانت تقفان في انتظار البُعد عن الرُعاة الرجال ليُسقيا غنمهما، فتدخل موسى لمساعدتهما، مع حفاظه على طهارته وأخلاقه.

ويُلاحظ أن النظر في الشريعة الإسلامية يكون بقَصر البصر وليس بغمضه، فالمطلوب غض البصر وهو تقصير النظر لا إغلاقه، فلا حرج في النظر الشريف والمعتدل.

على أيّ حال، نظرَ موسى عليه السلام إلى هاتين الفتاتين بنظرةٍ تقويّةٍ خالصة، فسألهما: «ما خطبكما؟»؛ لماذا وقفتما هنا؟ في هذا اللقاء، يترك موسى عليه السلام مجالاً لعدة أسئلة علمية، منها: لماذا يتكلّم مع هاتين الفتاتين من غير محارم؟ هل هو مفتشٌ أو حاكمٌ يطلب سبب وقوفهما؟ لماذا يتوجّه إليهما في أرضٍ غريبة وهو لم يصل بعدُ؟

طبعاً، هذه الأسئلة من باب الأذهان المشوّهة والأنظمة المريضة. فلماذا لم تردّ الفتاتان على موسى عليه السلام بسوء، ولماذا أجابته بأدبٍ ووقار؟ فإنهما قالتا له: نحن نقف هنا لننتظر الرّعاة حتى يسقوا أغنامهم، فنأخذ الماء للحيوانات في مكانٍ خاصٍّ. يظهر أن مثل هذه الحوارات كانت أمراً عادياً ومألوفاً.

بعد أن سألهما موسى، أجابته الفتاتان فوراً ولم تنطلقا في أحاديثٍ لا صلة لها بالموضوع. ومن اللافت أن موسى عليه السلام حين تحدث مع بنات شعيب، بسبب حضارة النبي وقومه، ولم يكن أحدٌ يشتبه في حديثه مع الفتاتين رغم أنه كان غريباً وشاباً في سنّ الزواج.

تقول الفتاتان في القرآن الكريم: إن أبانا شيخٌ كريمٌ ذا مكانةٍ اجتماعية، وليس شيخاً طاعناً في السنّ أو عاجزاً، لذا يجدر التساؤل: لماذا لا يرعى شعيب الأغنام بنفسه، ويكلّف بناته بذلك؟ لكن هذا ليس نقصاً في حقّه، بل دليل على حرّيته واستقلال بناته، حيث لا يعتبر عملهنّ عيباً، ولم يتوقع أن يقدّم له الناس المساعدة أو يقيموا له التكريمات المتعارف عليها.

بعد أن سقّى موسى الأغنام، لجأ إلى ظل شجرةٍ وتضرّع إلى الله قائلاً: «رَبِّ إِنِّی لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَیَّ مِنْ خَیْرٍ فَقِیرٌ» (القصص: 24). كانت دعاءه عاماً يشمل كل خير، ولم يذكر حاجةً خاصة، كالجوع أو المسكن أو الزواج، بل طلب الخير بأكمله، فاستجاب الله له.

في مدين، لم يكن لموسى مسكنٌ أو عملٌ أو زوجةٌ تؤنسه، وفي الواقع هذه الثلاثة (المسكن، العمل، الزواج) هي أساس حياة مستقرة وصحية، وغياب أي منها قد يؤدي إلى الفقر والفساد الاجتماعي. إذ بالحصول عليها يكتسب الإنسان احترام المجتمع ويتجنّب الفساد والجريمة.

بعد الدعاء، استجاب الله لموسى عبر دعوة شعيب، وكانت تلك دعوة غير مأجورة. ثم جاءت إحدى الفتاتين إلى موسى ودعته إلى بيت أبيها لتأخذ أجره. هنا لم يكن موسى متكبراً أو متعذّراً، بل تبعها بلا تكلّف، خلافاً لبعض العادات الاجتماعية التي تنتشر في بعض المجتمعات.

كانت الفتاتان تسيران بأدبٍ ووقارٍ، بعيداً عن التهاون واللامبالاة. وعندما وصل موسى إلى شعيب، قصّ عليه قصته فأجابه شعيب: «لا تخف، لقد نجوت من القوم الظالمين». ثم أثنت ابنة شعيب على موسى وقالت له: «يا أبت، استأجره، إنه خير من استأجرت، قويٌ أمين».

في زمننا هذا، قد نستغرب كيف تجرأت هذه الفتاة على الحديث مع والدها الذي هو رجلٌ محترم، وكيف قبل الأب كلامها دون غيظ أو اعتراض، بل أبرم عقد عمل مع موسى عليه السلام. هذه الحرية الاجتماعية والتعامل المتسامح يعبّران عن أخلاقٍ سامية ومجتمع متحضّر بعيد عن الرياء والنفاق.

ثم عرض شعيب على موسى الزواج من إحدى بناته، وجعل مهرها أجر عمله، وهو ما يدل على جواز أن يكون المهر أي شيء له قيمة مادية.

تبيّن هذه الحكاية أن قبول الزواج لم يكن معلقاً على قولٍ لفظي صريح، بل أُقر بالقبول الفعلي، وأن العقد يمكن أن يكون معلقاً على شروطٍ معينة دون تأخيرٍ في الإيجاب والقبول.

وبهذا تكون زواج موسى وبنت شعيب حدثت بسهولة ويسر، دون تعقيد أو مشاكل، بخلاف ما يحدث في مجتمعاتنا التي تُعقّد الأمور ويصعب فيها الزواج الشرعي حتى أصبح الفساد أيسر من الزواج.

وأمر آخر هامّ في القصة هو التوازن في شخصية موسى عليه السلام بين الجلال والقوة، حيث قضى عشر سنوات يرعى الغنم عند شعيب، وهو أمر جعل شخصيته تهدأ وتتوازن، فقد كان موسى قد بلغ الحكمة والعلم في صغره، لكنه كان بحاجة إلى صقل شخصيته عبر هذه التجربة.

وهكذا، أرسل الله موسى إلى شعيب، الذي كان رجلاً مسنّاً مهذباً، وله بنتان هادئتان، ليعيش موسى في بيئة متوازنة تُعلّمه الحكمة والتواضع.

فبعد قضاء موسى أَجَلَ خدمته، رحل مع أهله وعاد إلى مهمته الأصلية، وهو مواجهة فرعون.

وفي الآيات التي ذكرناها، نلحظ أن بنات شعيب تحدثن مع موسى عليه السلام بلباقة ومنطق، ولم يكن في المجتمع وقتها تحفّظ أو حرج تجاه النساء، بل تعامل الجميع باحترام، وهذا ما نفتقده في مجتمعاتنا المعاصرة.

وقد أشارت الروايات إلى أن البنت التي اقترحت على والدها استئجار موسى قال لها: كيف عرفت أنه أمين؟ فأجابت بأنها سارت أمامه، لكنه قال لها أن تمشي خلفه، وإذا ضلّت ترشدّه، لأنّ قومهم لا ينظرون إلى ظهور النساء.

وهذا يبيّن أن الأخلاق الحقيقية في النظر والتعامل هي الأساس، وليس مجرد المظاهر.

وأخيراً، أكد شعيب لموسى ألا يخاف، فقد نجى من قومٍ ظالمين، إذ إن مدين كانت خارج حكم فرعون.

وبعد أن استقر موسى عليه السلام في بيت شعيب وأخذ يعمل عنده، بدأت فترة جديدة من حياته اتسمت بالهدوء والاعتدال. فقد قضى موسى عشر سنوات يرعى الأغنام، وهو عملٌ يعلم الصبر والجلد والتواضع، ويُعد فرصة لاستيعاب تجارب الحياة العملية بعيداً عن الصخب والاضطراب. ومن خلال هذه التجربة، نما في نفسه نضجٌ وحكمةٌ قلّما يكتسبها المرء في بيئة خالية من التحديات الواقعية.

وفي هذا السياق، تتضح حكمة الله سبحانه وتعالى في إرسال موسى عليه السلام إلى مدين، وهي بيئة توفر له فرصة لاستعادة قواه الجسدية والنفسية، وتجهيز روحه لخوض المعركة الكبرى مع فرعون الظالم. فحين يواجه الإنسان التحديات العظيمة، لا بد له من فترة إعداد تتخللها تجارب بسيطة لكنها مؤثرة، كالعمل اليدوي والتفاعل الاجتماعي الإنساني.

كما أن زواج موسى من إحدى بنات شعيب لم يكن مجرد حدث اجتماعي، بل كان علامة على تمازج الشخصيات وانسجامها مع القيم المجتمعية التي تقدر العمل والأمانة والكرم. فشعيب عليه السلام كان رجل حكيم لا يرى في عمل بناته رخصة أو إهانة، بل هو تربية تقوم على الاعتماد على النفس وعدم الاتكال على الآخرين.

ومن الجدير بالذكر أن المجتمع في مدين كان يتمتع بنظام أخلاقي واجتماعي متين، حيث يتم التعامل مع النساء برقي واحترام، ويُعطى العمل قداسته، سواء أكان للرجل أم للمرأة. وهذا يختلف كثيراً عن ما نراه في بعض المجتمعات الحديثة التي قد تتسم بالجمود أو التشدد أو إهمال دور المرأة.

وفي هذه المرحلة، يكون موسى عليه السلام قد اكتسب مهارات قيادية جديدة، ليس فقط من خلال التعلم والنمو الذاتي، بل أيضاً عبر تجربته في إدارة شؤون العمل والمجتمع المحلي. فالمعرفة لا تكتمل إلا بالممارسة والتفاعل الإنساني.

وبذلك تكون قصة موسى في مدين مدرسة عملية لتعليم الصبر والتواضع، ودرساً في كيفية التكيف مع ظروف الحياة المختلفة دون أن يفقد الإنسان هويته أو رسالته. وهذه الدروس لا تنحصر في زمن أو مكان، بل هي عبرة لكل أجيال البشر.

وأخيراً، فإن هذه القصة تبيّن أن من أهم شروط النجاح في حياة الإنسان، التوازن بين الروح والجسد، وبين العلم والعمل، وبين القوة والرحمة. فموسى عليه السلام كان نموذجاً لهذا التوازن، حيث لم يغتر بقوته أو علمه، بل عاش حياة بسيطة متواضعة، واستعدّ للمرحلة التالية من مهمته الكبرى، وهي تحرير بني إسرائيل من عبودية فرعون.

الفصل الثاني: الرسالة والنبوة
موسى كليم الله عليه السلام

قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَن حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ. يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾(1).

التفسير:
اذكر حين قال موسى عليه السلام لأهله: «إني لمست نارًا، سأأتيكم منها بخبر أو بشهاب لهب لعلكم تستدفئون». فلما اقترب منها نودي عليه بالبركة لكل من في النار ومن حولها، وتقديس الله رب العالمين. وقال له: «يا موسى، إني أنا الله العزيز الحكيم. ألقي عصاك»، فلما رآها تهتز كأنها جان، ولّى مدبرًا ولم يعقب. قال له الله: «يا موسى، لا تخف، إني لا يخاف عندي المرسلون».

في هذه الآيات الكريمة حديث بين موسى عليه السلام والله سبحانه وتعالى، حيث يبدأ الله نداءه إليه من نارٍ رآها موسى. والنبوة، سواء تشريعية أو غيرها، لا تُنال بالكتابة أو بالأدوات الدنيوية، بل لا بد من أن يخوض الإنسان في المحن كدخول النار ليرى الحق.

رؤية الحقّ وأدواتها، وكذلك رؤية العبد بصفته للحق، ممكنة للولاة الكاملين والمؤمنين الحقيقيين، وإن كانت محصورة في نطاق العالم والإنسان. كما قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾(2)،

والواضح أن النطق صادر عن الحق، والشجرة كانت مجرد أداة لهذا النطق.

أضيف هنا ترجمة لأحد المقاطع المهمة:

في سورة طه:

﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُم مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنِّي أَنَا ٱللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾(3).

في هذه الآيات، يُبيّن الله تعالى كيفية سلوك موسى عليه السلام نحو وادي طوى، وهو مقام عظيم وشديد، حتى أن موسى عليه السلام يُأمر بأن يخلع نعليه تكريمًا لهذا المكان المقدس. هذا يدل على أن وصول الإنسان إلى مقام الوحي يتطلب استعدادًا روحانيًا عميقًا، ويُطلب من موسى أن يَصغى لما يوحى إليه.

ملاحظة على حالة موسى عليه السلام:

موسى عليه السلام بعد جهد عمره الطويل، واشتداد الرياضات، وبعد الهجرة إلى مدين، يصل إلى مقام الوحي. لكنه مع ذلك لا يزال يواجه صعوبات. الله تعالى يكرر تعريف نفسه له بصيغة واضحة وحازمة: «إني أنا ربك» ليرسخ الإيمان. ولفهم ذلك بعمق، يستخدم الله خطابًا متدرجًا يراعي حالة موسى النفسية، إذ يخاطبه بصيغة «نادِي» وهو فعل مبني للمجهول، حيث لا يرى موسى المتكلم معه.

العبادة في هذه المرحلة:

الله يأمر موسى بعبادته وإقامة الصلاة، مبينًا أن العبادة ليست مجرد طقس وإنما اتصال دائم بالحقيقة الإلهية، وهي قوام حفظ علاقة العبد بربه.

المعنى العقلي والروحي:

الرسالة الأساسية هي أن الله تعالى هو حقيقة شخصية يمكن اللقاء بها، والتحدث معها، وتلقي الوحي منها، وليس مجرد مفهوم فلسفي مجرد. وهذا يجعل العلاقة مع الله علاقة حب ولقاء مباشر، كما شهد عليه الحوار بين موسى والله تعالى.

الدعوة إلى فرعون بين موسى وهارون عليهما السلام

إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى وهارون معًا بصيغة المثنى قائلاً: «اذهبا إلى فرعون»، لكن في موضع آخر أمر موسى بمفرده بقوله: «اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تني في ذكري» (طه: 42). ويعود هذا الاختلاف في التعبير إلى تمييز طبيعة المعجزات التي كان يحملها كل من موسى وهارون عليهما السلام، إذ أن هارون كان نبيًا كذلك يوحى إليه، وله معجزاته الخاصة. لذلك ورد الفعل بصيغة المفرد مخاطبًا موسى وحده، أما في الموضع الأول فكانا الاثنان ذُكرا بصيغة المثنى لأن مهمتهما واحدة، وهما متعاونان في هذه الرسالة.

نبوة ومعجزة موسى عليه السلام

اختار الله موسى عليه السلام كنبي له، وأرشدَهُ إلى إثبات صدقه بمعجزة، فقال له: «ألقي عصاك» (طه: 17). وكانت هذه المعجزة مهيبة وشديدة، لكن الله تعالى لم يترك موسى وحيدًا بل ساعده برحمته، فتكلم معه قائلاً: «إني أنا الله» وأعطاه القدرة على إظهار المعجزات. غير أن موسى خاف من معجزته وابتعد، لأن الخوف رد فعل طبيعي على المفاجآت الشديدة. فأوصاه الله بأن يضع يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، وهو دليل واضح على نبوة موسى أمام فرعون وقومه، الذين كانوا قوماً فاسقين (القصص: 32).

وقد كان هذا الأمر بمثابة ترويح نفس لموسى، وإزالة للخوف والهلع من قلبه، وهو ما يعكس حكمة ربانية في تخفيف الحِمل النفسي على النبي. وهكذا قدّم الله عليه السلام دليلين قويين لبرهان النبوة: العصا التي تتحول إلى أفعى، واليد البيضاء النورانية.

دلالة العصا في شخصية موسى عليه السلام

العصا ترمز إلى العصيان والتمرد، وهي شيء جامد وصلب يمكن الاتكال عليه، ولها دلالة على الشدة والصلابة التي تتناسب مع شخصية موسى الجليلة. حين ألقى موسى العصا، تحولت إلى أفعى سريعة الحركة، تتميز بالسرعة والاندفاع المفاجئ، وهي رمز للحياة التي قد تميت. وهذه المعجزة تنسجم مع مقام موسى وجلاله.

دعوة موسى إلى فرعون

أمر الله موسى بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى التوحيد، لكن موسى خاف من قتل فرعون له بسبب ما حدث في شبابه من قتله رجلاً من بني قومه، فقال: «ربي إني قتلت منهم نفسًا فأخاف أن يقتلون» (القصص: 33). وطلب من الله أن يرسل معه أخاه هارون الذي هو أفقه منه لسانًا، حتى يسانده ويصدّقه، لأن موسى خشِيَ أن يُكذَّب. فأجابه الله: «سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانًا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون» (القصص: 34-35).

وهكذا أيد الله موسى وهارون بقوة وجعل لهما سُلطة على قوم فرعون، وأن كل من يتبعهما يكون غالبًا.

وصف فرعون وتكبره

كان فرعون حاكمًا ظالمًا جبارًا، يعتقد أنه إلهٌ يُعبد، ولذلك فقد رفض دعوة موسى وهارون عليهما السلام بكل عناد وتعنت. وبدلًا من أن يؤمن بدعوتهم، تحدى موسى وقال له: «من رب العالمين؟» (الأعراف: 108) دلالة على جهله وغطرسته، فلم يعترف بالله الواحد الأحد، بل رأى نفسه فوق الناس.

وقد وصف القرآن فرعون بأنه «جبار في الأرض» (القصص: 38)، وهذا اللقب يعكس استكباره وغطرسته التي جعلته يستعبد الناس ويقمعهم، متجاهلًا كل دعوة للهداية.

رد موسى وهارون على تحدي فرعون

عندما تحدى فرعون موسى وهارون، جاء ردهما قائلاً: «ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى» (الأعراف: 54). هذه العبارة تعكس إيمانهما بالله تعالى الذي خلق الكون وأبدع في تنظيمه، وهو الخالق الحكيم الذي يوجه الخلق إلى الصراط المستقيم.

كما أن موسى وهارون استندا إلى المعجزات التي أُعطيا إياها كأدلة قاطعة على صدق رسالتهما، مؤكدين أن الله هو القادر على كل شيء، وأن فرعون مجرد بشر لا يملك إلا القوة الظاهرية.

رد فعل فرعون وجنوده

رغم تلك الأدلة والمعجزات، رفض فرعون الاستسلام، بل استمر في تكذيبه ونفيه لدعوة التوحيد، وحاول أن يثني الناس عن اتباع موسى وهارون. وقرر أن يقتل موسى لما يمثله من تهديد لسلطته، فاتخذ من نفسه إلهًا يدعى الألوهية (النمل: 38).

وقد جاء القرآن الكريم ليبين أنه مهما تعاظمت قوة الطغاة، فإن مصيرهم الفناء والدمار أمام عظمة الله تعالى وعدله.

خاتمة الدعوة

تجسد قصة موسى وهارون مع فرعون نموذجًا واضحًا للصراع بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وبين العدالة والطغيان. وهي رسالة خالدة عبر العصور، تؤكد أن الهداية بيد الله، وأن الإيمان والصبر على البلاء طريق الانتصار.

ويبرز فيها دور الأنبياء كمبعوثين من الله لهداية الناس، وكيف أن العون الإلهي والنصر المؤزر لا يأتيان إلا بالصبر والثبات والإيمان الكامل بالله تعالى.

لا ينبغي أن يُحرف هذا الحق إلى القول بعدم وجود فرق بين موسى وفرعون، إذ إن موسى مؤمن مطيع، وفرعون كافر طاغٍ ومظهر لجلال الضلال، بل إن هذا الحق يشير إلى سريان هوية دائمة وتجلٍّ ولائي، بمعنى قوله تعالى: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ» (البقرة: 115).

في الحقيقة، بعثة الأنبياء كانت من أجل إزالة النزاعات، دون إغفال الجهات والهيئات المذكورة، مع التنبيه إلى أن كل مصيبة تصيبكم هي نتيجة لأعمال أيديكم: «وَمَا أَصَابَكُم مِن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» (الشورى: 30)، مع ضرورة التأمل في قوله تعالى: «قُلْ كُلٌّ عِندَ اللَّهِ» (النساء: 78). يجب أن نبحث عن معنى الوحدة، ولبلوغها لا بد من الوصول إلى المحبة. من وجد الوحدة أصبح صلحاً كاملاً، ورفع نزاعه مع كل شيء، فلا يرى في العالم نزاعاً.

إن معني الوحدة هي امتزاج وتلاقٍ روحاني عميق مع العالم والإنسان، بحيث لا يكون هناك انقسام داخلي بين الفرد والعالم المحيط به. فالوحدة ليست مجرد حالة عقلية بل هي تجربة روحية تعانق العالم بلا فاصلة.

وإذا كان الإنسان يسعى للوصول إلى الوحدة، فلا بد له أن يتحلى بالمحبة الصادقة التي تزيل الفروقات بينه وبين الآخر، حتى تصبح المحبة جسرًا يربط بين النفوس والعالم، فتذوب الحدود ويصبح الجميع في حالة سلام داخلي وخارجي.

إن النضال من أجل الوحدة يتطلب تجاوز الذات الفردية والعمل على بناء علاقات قائمة على الاحترام والتسامح والتفاهم العميق بين البشر، لأن النزاعات والصراعات تنشأ عادة من الغيرة، الخوف، والجهل.

ومن ثم، فإن الرسالة الأساسية التي جاء بها الأنبياء هي رسالة محبة وسلام، وتهدف إلى خلق عالم يعمّه العدل والرحمة، بحيث لا يكون هناك مكان للظلم والاستبداد.

ولذا، يجب أن نؤمن بأن كل فرد منا مسؤول عن بناء هذه الوحدة، عن طريق تنمية محبته للآخرين، والتفكير بنبل، والعمل على تحقيق العدل والسلام في كل مكان.

إن تحقيق الوحدة الحقيقية لا يتحقق إلا من خلال الحوار البنّاء بين الثقافات والشعوب، إذ إنَّ الاختلاف في الرؤى والأفكار لا ينبغي أن يكون سببًا للتنافر، بل فرصةً لتبادل الخبرات وتوسيع دائرة الفهم والتسامح.

وتلعب التربية دورًا محوريًا في غرس قيم الوحدة والمحبة والسلام داخل النفوس منذ الصغر، حيث إنَّ تعليم الأجيال القادمة على احترام الآخر، وقبول التنوع، والعمل الجماعي، هو الضمانة الأهم لمستقبل مشرق تخلو فيه المجتمعات من النزاعات.

كما أنَّ المؤسسات الدينية والاجتماعية والأكاديمية تتحمل مسؤولية عظيمة في تعزيز هذه القيم، من خلال التأكيد على أنَّ الوحدة لا تعني محو الهوية أو الثقافة، بل تعني احترامها وتقديرها ضمن إطار من الاحترام المتبادل والتكامل.

ولا يمكن إغفال دور الحكومات في سن القوانين التي تضمن العدالة والمساواة بين جميع المواطنين، بغض النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الدينية أو العرقية، لأن العدالة هي الأساس الذي تقوم عليه الوحدة المجتمعية الحقيقية.

وفي الختام، فإنَّ الوحدة ليست حالة سلبية أو سلماً مستساغاً فقط، بل هي عملية مستمرة من البناء والتطوير، تبدأ من الفرد وتمتد إلى الجماعة، ومن هناك إلى المجتمع العالمي بأسره، لنرسم معًا غدًا أفضل تسوده المحبة والتعاون والسلام.

ومن هنا، تتجلى أهمية تعزيز ثقافة الحوار بين الأديان والحضارات، إذ لا يكتفي الحوار بتبادل الكلمات فحسب، بل يمتد إلى تبني مواقف تُعزز من قيم التسامح والاحترام المتبادل، وتبني الحلول السلمية للنزاعات والخلافات.

ويعد الإعلام أيضًا أحد الأدوات الفاعلة في نشر ثقافة الوحدة والسلام، إذ يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في تصحيح المفاهيم الخاطئة، ومحاربة خطاب الكراهية والتعصب، وذلك من خلال تقديم محتوى يربط بين الشعوب على أساس القواسم المشتركة بدلاً من الاختلافات.

وبذلك، يصبح بناء السلام والوحدة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كل فرد ومؤسسة، وعلى الجميع أن يسعوا إلى تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، من خلال العمل الدؤوب والمثابرة، مع الإيمان العميق بأن مستقبل الأجيال القادمة يعتمد على مدى نجاحنا في تحقيق هذا الهدف.

ولا بد من الإشارة إلى أن التعليم يُعد الركيزة الأساسية في بناء هذا الوعي الثقافي والإنساني، حيث يجب أن يشتمل المنهاج التعليمي على مفاهيم التسامح، وقبول الآخر، واحترام التنوع الثقافي والديني، بهدف تكوين جيلٍ واعٍ يدرك قيمة التعايش السلمي.

كما أن دور المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية لا يقل أهمية في هذا السياق، إذ ينبغي أن تتكاتف الجهود لتوفير بيئة تشجع على الحوار البناء، وتدعم المبادرات التي تهدف إلى تعزيز السلام الاجتماعي، وتمكين الشباب والنساء من المساهمة الفعالة في بناء المجتمعات.

وفي الختام، يبقى السلام والوحدة في جوهرهما رسالة إنسانية سامية، لا تقتصر على دولة أو شعب معين، بل هي مسؤولية مشتركة لجميع البشرية، إذ بدون السلام، لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة ولا الاستقرار الاجتماعي، ولذا فإن تعزيز ثقافة السلام هو السبيل الأمثل نحو مستقبل أفضل لجميع الشعوب.

قالوا: «لن نفضل عليك المعجزات التي جاءت بها إلينا ولا من خلقنا، فاحكم ما تشاء، إنما أنت في هذه الحياة الدنيا من يصدر الحكم، وإنا قد آمنّا بربنا ليمحو عنا خطايانا وما كنت تدعونا إليه من السحر، والله خير وثابت».

ولم يؤمن فرعون بأي من معجزات موسى عليه السلام، واعتبرها سحرًا فقال:
«قال للملأ حوله: إن هذا لساحر عليم» (شعراء: 34).

هذه سياسة بعضهم، إذ إذا هاجمهم أحد، يلجأون إلى الناس ويتنصلون من المواجهة، يختبئون وراء الجماهير، وإذا نشب خلاف شخصي بينهم، يعممونه. كذلك كان فرعون، حين رأى معجزات موسى ولم يستطع مقاومتها، لجأ إلى أتباعه قائلاً:
«يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون؟» (شعراء: 35).

السياسيون حين يواجهون فتنة أعدائهم، يلجأون إلى تحريك الناس ضد بعضهم، ويتجنبون المواجهة المباشرة، ويلجأون إلى التنصل والاتهام في أوقات الأزمة. فرعون كذلك، يقول لأتباعه: إنه يريد أن يخرجكم بسحره، فما هو قراركم؟

الفرعون الذي كان يذل قومه ويعتبر الآخرين عبيدًا له، حين أُحاط بالمحنة، يتودد إلى أتباعه قائلاً: ما رأيكم تأمرون؟ كان فرعون سياسيًا محنكًا يعرف كيف يعطل رسالة موسى بتدبير الحيل. الذين لا يعرفون السياسة كالنسيج، مجرد حلم عابر، أما السياسيون فيتحركون ويبدلون أقوالهم دائمًا. السياسيون الدنيويون كالقطط، يسقطون على أقدامهم مهما أُلقوا، على عكس أولياء الله الذين لا يعرفون سوى اتجاه الله ولا يقبلون مصالح سوى مصلحة الله. الكذب في السياسة قاعدة، والتحايل عليها صعب، لا بد من أن يكون الشخص موهوبًا للكذب.

فرعون كسياسي بحاجة إلى أتباعه في أزمة موسى، يكذب عليهم مظهراً الاحترام ويسألهم: ما الأمر؟ رغم أن لا أحد يمكنه أن يأمره. أتباعه، إذ يعرفون أن موسى لا يُقهر، يقترحون مناظرة بين ساحرهم وموسى.

فرعون، أمام الناس، يظهر الاحترام قائلاً:
«وقيل للناس: هل أنتم مجتمعون؟» (شعراء: 39).

فرعون الذي كان ينظر إلى الناس كعبيد، عندما رأى قوة منافسه موسى، خاطبهم بالسؤال بدل الأمر. السياسيون عند ضعفهم يصبحون شعبيين.

فرعون جمع الساحرين من جميع المدن، والسحرة الذين رأوا ضعف فرعون واحتياجه لهم، طلبوا أجرًا إذا انتصروا:
«فلما جاء الساحر قالوا لفرعون: أئنا لنا أجر إن كنا نحن الغالبين؟» (شعراء: 41).

السحرة لم يكن لهم الجرأة على طلب الأجر سابقًا، لكن في هذه الحالة، يطالبون به. هذا يدل على أن موسى قد أوقع فرعون في مأزق وخوف شديد. فرعون وعدهم بالدرجة المرموقة:
«قال: نعم، وإنكم إذا لمن المقربين» (شعراء: 42).

لكن موسى لم يقل شيئًا، ولا مدح، بل توكل على الله. فالله يدعمه وهو في هدوء تام.

السحرة قالوا لموسى: هل ترمي أنت أولًا أم نرمي نحن؟
«قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقيين» (الأعراف: 115).

موسى أمرهم أن يروا ما يرغبون في إلقائه. كما هو دائمًا، الضعيف يبدأ النزاع، والقوي ينهيه. العدو القوي لا يظهر عداءه، والعداء الظاهر دليل ضعف. قال الرسول: «أضعف الأعداء كيدًا من أظهر عداوته».

في هذه الآيات، بعدما آمن الساحر بالله، ولم يرد فرعون أن يخسر أمام الناس، اتهمهم بالتحالف مع موسى وألصق بهم التهم السياسية. وقال لموسى:
«قال: أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يا موسى؟» (طه: 57).

فرعون عرض معجزات موسى على أنها سحر لتخويف الناس الذين يخافون السحر، ليجعلهم ينفرون منه. هذه السياسة يستخدمها من يريد إزالة منافسيه السياسيين.

استكبار فرعون يظهر بوضوح في هذه الكلمات، إذ لم يسمح لموسى بالكلام، واكتفى بالتشهير والاتهام أمام الناس.

قال فرعون:
«آمنتم به قبل أن آذن لكم، إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها، فسوف تعلمون» (الأعراف: 123).

في علم الاجتماع، اثنان من سمات الاستكبار هما الاتهام والتهديد. بعدما فشلت مؤامرة فرعون، حاول إكراه الساحرين بالتهديد.

السحرة كانوا يعلمون أن موسى سينتصر، وأن فرعون مهزوم لا محالة. وعرفوا الفرق بين المعجزة والسحر، فآمنوا بالله.

فرعون قال للناس إن موسى رئيس السحرة، وحاول التهرب من هزيمته بالكذب، وهو من جمع السحرة ووعدهم بجوائز، ولذا أراد أن يصور كل شيء كمؤامرة موسى عليه السلام.

بعد التهم والاتهامات، لجأ إلى الظلم وشدد العقوبات على الساحرين، فحكم بقطع أيديهم وأرجلهم، لكن الساحرين لم يتخلوا عن إيمانهم، لأنهم كانوا يعلمون بأن موسى لديه دلائل.

الإيمان العاقل لا يزول بالتهديد، لأن فرعون قوته كانت في الدنيا فقط، ولا قدرة له في الآخرة، ولا مكان له عند الله، والسحرة لم يتخلوا عن الحق.

فرعون بعد هزيمته لم يفقد نفسه، بل لجأ أولًا إلى الاتهام، ثم التهديد، ليزرع الخوف بين الناس، فلا يجرؤ أحد على المعارضة.

نقطة مهمة في هذا الصراع هي أن فرعون، بينما كان يواجه موسى في قصره، كان يتحدث إليه بلين ورحمة، لكنه حين أصبح الصراع علنيًا أمام الناس، صار يعامل موسى والسحرة بنفس الطريقة، وهذا دليل على أن أنظمة الطغاة لا ترحم ولا تبالي عندما يخشى على حكمها.

الآيات التي تصف مواجهة فرعون مع موسى في سورة الزخرف تقول:
«ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون. وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعله يرجعون. وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا له مطيعون. فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون. ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين. فلولا ألقى عليه أسويرة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقرنين. فاستخّف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين» (الزخرف: 46-55).

(38)
وَإِنَّا أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّی رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا فَجُّوا لَهَا ضِحْكًا. وَمَا نُرِیکَ إِلَّا آيَةً كُلَّمَا أَرَوْهَا تَزَادُهُمْ نُفُورًا. وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَقَالُوا يَا سَاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّا لَمُهْتَدُونَ. فَلَمَّا زَالَ عَنْهُمْ الْعَذَابُ إِذَا هُم يَنْكِثُونَ. وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِی أَفَلَا تُبْصِرُونَ. أَأَنَا خَيْرٌ مِنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مُهْلِکٌ لِقَوْمِهِ وَمَا یُرِیکُمْ إِلَّا مَا أَرَاهُ أَنَا وَإِنْ لَمْ تَتَّخِذُوا لِي سَنَادِیدَ فَأْذَنْ لِي فَأَقْتُلْهُمْ. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ.

قال الله تعالى في هذه الآيات إن فرعون والذين معه سخروا من موسى عليه السلام، وكان من سمات الحُكام دائماً وجود أشخاص يسخرون من المعارضين. السخرية والضحك غالباً ما تكون من نصيب الجهلاء وذوي النفوس الأمّارة، فهم يفضلون الضحك على المناظرة العقلانية، ويُقلّلون من قيمة الخصم بمجرد بسمة استهزاء، كما كان يفعل فرعون بنظرة استعلائية.

وذكر القرآن أن فرعون استهان بقومه وأوهمهم بطاعته، لأنهم كانوا أمة منحرفة، وقبول بني إسرائيل للإهانة كان بسبب فسقهم وضعفهم، وإلا فالكرامة لا تُقبل لمن له شخصية.

ثم يأمر فرعون قائلاً: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ»، وهو يدلّ على استكباره وفقدان الصدق في مواجهة دعوة موسى عليه السلام.

(39)
ثم يبيّن النص أن فرعون كان يبني برجاً من الطين المجفف بالحريق بغية التسلط على الناس وإرهابهم، وليس بغرض التعرف على إله موسى، بل هو يريد أن يكون فوق الناس ويجعلهم تحت قدمه.

(40)
أما هلاك فرعون، فقد أوحى الله لموسى وأخيه هارون بأن يهيئا بيوتاً لقومهما في مصر، وتوجيهها للقبلة، وإقامة الصلاة، وبشارة المؤمنين.
وتضرع موسى إلى الله قائلاً: «رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ»، فأجابه الله تعالى وطلب منه الصبر وعدم اتباع الجاهلين.

وقد تجاوز الله بني إسرائيل البحر، وتبعهم فرعون وجنوده بظلم وعدوان، فلما دنا الغرق قال فرعون: «آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، إلا أن هذا الإيمان جاء متأخراً وبعبارة مجملة تدل على عدم صدق الاعتقاد. فألقت يد الله بجسده على الشاطئ ليكون عبرة لمن يأتي بعده، وأن كثيراً من الناس يغفلون عن آيات الله.

(41)
وبعد ذلك، ورد في الآيات أن فرعون وقومه لم يتركوا موسى وقومه بل سعوا لإبادتهم، وأراد فرعون قتل أبنائهم وترك نساءهم أحياء ليكونوا غلبة له عليهم.

وكان هارون عليه السلام يدعو لهداية قومه، بينما موسى عليه السلام يدعو لهلاكهم، فاستجاب الله لكل منهما، وأمهلهم أربعين سنة ثم أغرقهم في النيل.

(42)
وقال تعالى: «وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ… فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ».
وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم آيات وعذاباً جزئياً ليرشدهم، إلا أنهم استكبروا ولم يردوا التوبة.

ومن صفات فرعون البارزة الكبر والاستكبار، إذ اعتقد أن أفعاله حسنة وأنه أفضل من الآخرين، وهو ما يجعل الله يطبع على قلبه ويمنعه من الهداية.

البَارُوزُ شخصيةٌ كانت تتكلَّمُ ببلاغةٍ فائقةٍ وجمالٍ في القول، إلا أنه لم يطرحْ يومًا هدفًا ساميًا أو غايةً سامقةً لقومه، على عكسِ موسى عليه السلام الذي كان دائمًا يوجّه فرعونَ وقومَه نحو الآخرة، ويُظهِرُ لهم أنَّ زينَةَ الدنيا وبريقَها ما هي إلا متاعٌ زائلٌ، كما جاء في قوله تعالى: «يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ»(غافر: 38).

وبناءً على هذا التفريق بين الحديث الذي يحوي هدفًا نبيلًا، والذي يفتقر إليه، يُمكن التمييز بين الحق والباطل حتى وإن كان المتحدث يملك بلاغةً وأسلوبًا جذابًا، خصوصًا إذا كان يحملُ قلبًا مؤمنًا. فرعون لم يُشرْ قطّ إلى الآخرة، ولم يضع أمام بني إسرائيل طريقًا سوى اتباعه في هذه الدنيا، ولم يعطهم غير الظلم والاستبداد. والظلم مهما كان مُلبسًا بزينة، مثل بناء القصور من الزبرجد والياقوت، فإنه لا يبقى إلا سرابًا زائلًا. فالظالم المتكبر المستبدّ، حتى ولو أسّس أعظم المظاهر، فإنه مصيره السقوط والاندحار.

وكان فرعون وأعوانه يعلمون علم اليقين بأن معجزات موسى عليه السلام من الله تعالى، لكنّهم جحدوا وأصروا على الكفر، وهذا يدل على أن العلم وحده لا يكفي للإيمان، إذ الإيمان يتجذر في النفوس النقية الصافية، كما قال الله تعالى: «وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيَقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ»(النمل: 14).

فاليقين المصحوب بالغرور والظلم أشد ضررًا وأعظم أذى من الجهل. وفي نهاية المطاف، أغرق الله فرعون وجنوده في البحر: «فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ»(القصص: 40).

ومع ذلك، يبقى البحر مهيئًا للتطهير والتحلل، فلا يترك فسادًا أو نجاسةً، كما أن الكائنات البحرية تنمو وتتغذى على مياهه المالحة، وهو أمر يستحقُّ التأمل، خصوصًا في تنقية الحيوانات البحرية التي تُعتبر طاهرة.

ومن الملاحظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم أتباع مع موسى عليه السلام إلا بعد ضعف فرعون وظهور المعجزات، إذ قال تعالى: «قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(الأعراف: 128).

وبعد هلاك فرعون، رغم نعمة الله على بني إسرائيل، وقعوا في الخلافات والفرقة، مع أنهم قد أوتيوا العلم، قال تعالى: «وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَبْوَأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»(يونس: 93).

وهذا يُظهر كيف أن النعم الكثيرة قد لا تحول دون وقوع الخلاف والنزاع، إذا لم تكن مصحوبة بالتقوى والالتزام.

وفي النهاية، دعا الله موسى عليه السلام إلى الميثاق، حيث أعطاه التوراة، ووهبه العلم والحكمة، ليكون هاديًا لقومه، قائلاً له: «قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِنَ الشَّاكِرِينَ»(الأعراف: 144).

وهنا أيضًا يطلب موسى من ربه رؤية وجهه، فكان الرد: «لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي»(الأعراف: 143).

فلما تجلّى ربُّه للجبل جعله دكًّا وخَرَّ موسى صعقًا، فلما أفاق قال: «سُبْحَانَكَ تَبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ»(الأعراف: 143).

وهذا المشهد العظيم يُعبّر عن عظمة اللقاء الإلهي وشدّة التجلّي الذي لا يُحتملُهُ الإنسانُ إلا برحمةٍ وعطاءٍ من الله تعالى، كما يُشير إلى تواضع موسى واعترافه بعظمة الله وإيمانه الكامل به.

لقد مكث موسى عليه السلام في ميقات الله مدة أربعين ليلة، كان فيها في حالة تهيئةٍ روحية وتزكيةٍ نفسية، يُعدّ نفسه لاستلام الوحي والتوراة، ذلك الكتاب العظيم الذي جاء به لتوجيه بني إسرائيل إلى الحقّ والطريق المستقيم.

وهذا الميثاق مع الله تعالى يُعدّ علامة فارقة في مسيرة موسى عليه السلام، إذ جعله خليفةً لله على الأرض، يحمل رسالة التوحيد والعدل، ويدعو قومه إلى طاعة الله واتباع أوامره، ويُبعدهم عن الضلال والفساد.

وفي هذا السياق، تبيّن النصّ أن العلم وحده لا يكفي للثبات على الطريق الصحيح، بل يجب أن يُصحبه إيمانٌ صادقٌ ونقاءُ قلبٍ وإخلاصٌ لله، وإلا فإن العلم قد يتحوّل إلى سببٍ في تعميق الجهل الروحي والضلال.

أما فرعون فكان مثالاً للجاهل المتكبّر المستبد، الذي استخدم العلم والقوة في الظلم والطغيان، فكانت نهايته الغرق والهلاك في بحر النيل، كعبرةٍ لمن يتبع طريقه.

أما بني إسرائيل، رغم نعمة الله عليهم وكرمه، فقد انقسموا وافتتنوا بالخلافات بعد وفاة فرعون، مما أدّى إلى ابتعادهم عن الطريق الصحيح، حتى أن الله تعالى وعد أن يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا يختلفون فيه.

وبذلك، يُبرز النص أهمية التقوى والتوحيد كطريقٍ للخلاص من الفتن والاختلافات، ويُشدد على ضرورة الالتزام بتعاليم الله ونبيه، واتباع ما جاء به الوحي، مع ضرورة الأخذ بأسباب الوحدة والتآلف بين الناس.

وقد دعا الله تعالى موسى عليه السلام إلى الصبر والاعتماد عليه، فقال له: «قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(الأعراف: 128).

وهذا الأمر يبيّن أن الاعتماد على الله والصبر هما من أساسيات النجاح، وأن الأرض وما فيها ملك لله وحده، وهو الذي يورثها من يشاء من عباده الصالحين، وأن نهاية المتقين هي الفوز والنجاة.

وبعد هلاك فرعون وغرق جيشه في مياه النيل، نال بنو إسرائيل كرماً إلهياً وعملاً صالحاً، إذ أعطاهم الله من الطيبات والرزق الحلال الكثير، ولكنهم مع الأسف انقسموا واختلفوا بعدما حصلوا على العلم، حيث يقول الله تعالى: «وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَبْوَءَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»(يونس: 93).

وهذا يوضح أن الاختلاف والفتن قد تنشأ حتى بين الذين أوتوا العلم، خصوصاً إذا غاب الإيمان والتقوى والنية الصافية.

وقد كان سبب فساد بني إسرائيل وابتعادهم عن الطريق المستقيم هو الفساد النفسي الذي تعلّق بهم من سنوات العبودية والذل تحت حكم فرعون، فلم يتمكنوا من التخلص من هذه العادات والطباع السيئة بسهولة بعد تحررهم، فاستمروا في خلق المبررات الواهية للخلاف، ولم يكن هناك من يخيفهم أو يردعهم، لا فرعون ولا غيره، مما أدى إلى سقوطهم في الهلاك الروحي والاجتماعي.

أما عن العناية الإلهية ببني إسرائيل، فقد قسّمهم الله إلى اثني عشر سبطاً، وأنزل عليهم الماء من الحجر، وسقى كل شعب من ينابيع مختلفة، كما ظلّلهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، وأمرهم بأكل الطيبات، مع أن الله لم يظلمهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم بأفعالهم، كما ورد في قوله تعالى: «وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَي عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَمْ نَظْلِمْهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»(الأعراف: 160).

وفي النهاية، يُذكر أن الله تعالى اصطفى موسى عليه السلام برسالاته وكلامه، ومنحه التوراة في ميقاته المبارك، وأمره أن يأخذها بقوة، وأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسن ما فيها، وأخبرهم بعاقبة الفاسقين.

وكان لقاء موسى مع الله تعالى على جبل طور، حيث تحدث الله معه كلامًا طويلاً تخلله مناقشة وشروح، مما يؤكد أن العلاقة بين العبد وربه يمكن أن تكون علاقة حوار وتفاعل.

وعندما طلب موسى رؤية الله، أخبره الله بأنه لا يستطيع رؤيته، إلا أن ينظر إلى الجبل، فإذا استقر مكانه، سيرى الله، وعندما تجلّى الله للجبل جعله دكًا، ووقع موسى صعقًا من شدّة التجلّي، ثم تاب وتوجه إلى الله بأول إيمانٍ صادقٍ.

أراد موسى عليه السلام أن يرى الله تعالى بعينه، كما قال الإمام الحسين عليه السلام: «عمیت عين لا تراك». فإن الفعل «عمیت» ليس لعنة بل هو خبر، ويدل على أن من لا يراك أعمى، وإلا لما كان من اللعنة أن يرى الإنسان بعين بصيرة. وهذا النبي الأولوالعزم يعلم ما يقول وما يريد. ولو لم يكن الله سبحانه مرئياً لما طلبه موسى رؤيته. وبعض العلماء قالوا بعدم إمكان رؤية الله تعالى، لكن الله تعالى في جواب موسى قال: «لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني». هذه الآية خاصة بموسى عليه السلام، ولا تعمم على غيره. وهذا يدل على أن موسى لم يستطع رؤية الله بسبب عدم تحمله، إذ قد سمع من أحد أولياء الله قوله: «إنك لن تستطيع معي صبراً وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً». فإذا لم يقبل في مدرسة ولي من أولياء الله كيف يدخل مدرسة الله؟

ثم امتحنه الله تعالى، فقال له أنظر إلى الجبل فإذا ثبت في مكانه ستراني، ولكن الجبل في تلك التجلي سقط وتحطم: «فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا»، وموسى عليه السلام لم يستطع الصبر فوقع مغشياً عليه: «وخر موسى صعقا». كان موسى يريد رؤية الله، فلم تهدأ نفسه بالكلام، فلما رأى سقوط الجبل انكسر، مع أن موسى من الأنبياء الجلَل، لكنه لم يكن شجاعاً بما فيه الكفاية. فالشجاع لا يضرب من قبله حتى يموت، ولا يريد أن يكون أخاه مساعداً له. والأنبياء معصومون جميعاً «لا نفرق بين أحد منهم»، ولكن «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» بمنزلة التكليم والدرجات.

فلما أدرك موسى ضعف نفسه وتكسيره تاب إلى الله وقال: «سبحانك تاب إليك وأنا أول المؤمنين». وفي هذه الحالة لم يعد يذكر «أنا» و«نحن»، بل فقد نفسه تماماً، وفي النهاية ذكر نفسه باعتباره أول المؤمنين. ولا يذكر رؤيا أو عرفان بعدها، ولا يوجد في الآيات صلة واضحة لـ «تبت إليك» بل بعض الترجمات أضافت معاني.

ثم إن هذه القصة تعلمنا درساً عظيماً في فهم العلاقة بين العبد وربه، وهي أن الله تعالى لا يُدرك بجوارح الإنسان العادية، بل لا بد من استعداد خاص وقوة نفسية عظيمة لتحمل هذه المشاهدة. إن محاولة موسى عليه السلام لرؤية الله مباشرةً كانت امتحاناً لقوة إيمانه وصبره، وعندما لم يتحمل وقع ذلك عليه مغشياً كما ورد.

والرسالة الأهم في هذا الحدث هي أن التواضع أمام عظمة الله والاعتراف بحدود قدرة الإنسان من أعظم صفات المؤمن الحق، وأن السعي إلى معرفة الله يجب أن يكون مقروناً بالحكمة والصبر والرضا بما يقدره الله للعبد.

هذا يظهر بوضوح في قول موسى عليه السلام بعد تجربته: «سبحانك تاب إليك وأنا أول المؤمنين»، حيث أعلن تنزيه الله عن كل نقص، وعبّر عن توبته واعترافه بأولوية الإيمان والاحتياج إلى رحمة الله.

وبناءً على ذلك، فإن هذا المشهد يشكل درساً في التوازن بين الطموح الإيماني والواقع البشري، ويبين أن معرفة الله لا تأتي بالقوة أو الإصرار فقط، بل تحتاج إلى رضا وتواضع، وهذا هو الطريق الصحيح للعبد نحو القرب من ربه.

وعلاوة على ذلك، فإن هذه القصة تعكس مدى حكمة الله في تنظيم العلاقة بين العبد وربه، بحيث لا يُمكن لأي إنسان أن يدرك كنه الله وصفاته المطلقة بشكل كامل، لأن ذلك من صفات الألوهية التي لا تُدرك بالعقل البشري المحدود ولا بالحواس.

إن هذا الحدث يؤكد على أن معرفة الله تكون عبر أوصافه التي وردت في النصوص الشرعية، وبالاجتهاد في فهمها من خلال العقل والنقل، وليس بالتجربة الحسية المباشرة. ومن هنا تنبع ضرورة الاعتماد على الوحي والرسالات السماوية كأساس لفهم الذات الإلهية، مع اليقين بأن الله يتعالى عن التشبيه والتقريب.

ومن الناحية العلمية، فإن هذا المشهد يدل على حدود الإدراك البشري، وحاجة الإنسان إلى التواضع أمام أسرار الكون والوجود، لأن الغلو في الطموح نحو معرفة الله دون استعداد روحي وأخلاقي قد يؤدي إلى الضرر أو الضلال، كما حدث مع موسى عليه السلام.

وفي نهاية المطاف، تعلمنا هذه القصة أن السعي في طلب الحق يتطلب الصبر والتواضع والاعتراف بالعجز البشري، مع الثقة الكاملة في حكم الله وعدله ورحمته، وأن الاتصال الحقيقي بالله يكون من خلال القلب والإيمان والعمل الصالح، لا من خلال المطالبة بما يفوق قدرة الإنسان.

وبهذا يكون هذا الحدث من أبرز الأمثلة التي توضح أن معرفة الله تعالى ليست مجرّد معرفة عقلية أو علمية، بل هي معرفة روحية تتطلب استنارة القلب وصفاء النفس. إن معرفة الذات الإلهية تتطلب امتثالًا لتعاليم الدين والاقتداء بالأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله هداية للبشرية، حيث أن التمادي في طلب ما يفوق حدود الإنسان قد يؤدي إلى الابتعاد عن الطريق القويم.

إن هذه القصة تُعلمنا أيضًا أن الحكمة الإلهية تحكم كل شيء، وأن كل ما يصدر من الله هو لصالح العبد، حتى وإن بدا في ظاهره خلاف ذلك. لذلك فإن الطاعة والرضا بقضاء الله من أعلى درجات الإيمان، التي تحمي الإنسان من الوقوع في المحظورات أو طلب المستحيل.

كما أن هذه القصة تمثل دعوة للإنسان أن يتخذ من تجربته وحكمته عبرة، وألا يغتر بقوته أو معرفته، بل يظل دائم التواضع والاعتراف بضعفه وحاجته إلى رحمة الله.

وأخيرًا، فإن العلاقة بين العبد وربه علاقة قائمة على التوازن بين العلم بالغيب الذي أتاحه الله للإنسان من خلال الوحي، وبين الاعتراف بحدود العقل البشري، وهو ما يجعل العبادة مبنية على الثقة والتسليم، لا على التجربة والمغامرة التي قد تعرض الإنسان للضرر.

  1. سورة الأعراف / 150
  2. سورة مريم / 53

(50)

قالوا في الآية: لأنك لي كهارون وكان أتباعه لموسى كالعجل والتابعين له. فقد أمر موسى هارون حين جعله خليفة عليه لبني إسرائيل: إذا ضلّوا ووجدت أنصارًا فقاتلهم وجاهد، وإن لم تجد أنصارًا فاصرف يدك عنهم واحفظ دمك ولا تهدره ولا تثير الفتنة بينهم.

كان بنو إسرائيل أمة تشبه، ولم يقدروا أن يقبلوا إلهًا بلا جسم يُرى بالعين أو بالحواس البدنية، فلذلك لما رأوا عجلاً يصدر صوتًا وتبعوا تحريض السامري، الرجل المتعطش للشهرة، وجدوا العجل مناسبًا ليكون إلهاً لهم. وليس غريبًا أن تكون في العالم أحجار وطين وعبادات للأصنام والعجول، بينما يبقى موسى وهارون في النبوة ينتظران العامة. فهم يقبلون كل عجل وإله من هذه الأصنام، ولا يقبلون نبوة موسى وهارون، وذلك بسبب تشابه الأذهان؛ لأن الأنبياء يقولون الحق ويصورونه، وهم يقولون عن أنفسهم، ولذلك كان الأنبياء يتبعون الناس بأشكال ملموسة، وإلا لما كان هناك دين ولا إيمان حتى بهذا القدر، لو لم يحقق الله هداية الناس بالدين والأنبياء، ولم يربط انتباههم بقبلة وكعبة وحجر أسود.

كيف كانت فتنة السامري وردها في أحد الروايات في بحار الأ:

“قال ابن عباس: أوقد هارون ناراً وأمرهم أن يقذفوا فيها، فألقى السامري تلك القبضة في النار وقال: كن عجلاً جسداً له خوار، فكان. ويقال إن الذي قال لبني إسرائيل إن الغنيمة لا تحل لكم هو السامري، فصدّقوه ودفعوا إليها الغنائم، فصاغ منها عجلاً في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيه القبضة فحي وخرج له خوار. وقال السدي: كان يخر ويرقص، فلما أخرج السامري العجل وكان من ذهب مرصع بالجواهر كما ينبغي، قال: “هذا إلهكم وإله موسى فنسي”، أي أخطأ الطريق وتركه هناك.

وفي بعض الروايات: إنه لما ألقى القبضة فيها أُحيى العجل، وخرج له لحم ودم. ويروى أن إبليس دخل في العجل فخرج خوارًا ومشى، وقيل: إن السامري جعل ذيل العجل إلى الحائط وحفر في الجانب الآخر في الأرض وأجلس فيه إنسانًا فوضع فمه على دبره فخرج خوار وتكلم فشبّه على الجهلاء حتى أضلهم. وقال: إن موسى أخطأ ربه، فجاء ربكم ليُريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه، وإنما أظهر لكم العجل ليكلمكم منه كما كلم موسى من الشجرة. فافتتنوا به إلا اثني عشر ألفًا، وكان مع هارون ستمائة ألف. فلما رجع موسى وسمع اللغط حول العجل ورأى الناس يزفون ويرقصون حوله، لم يخبر أصحابه السبعين بما أخبره الله من حديث العجل”.

(51)

يقول ابن عباس: أوقد هارون عليه السلام نارًا وأمر الناس بأن يلقوا العجل فيها، فألقى السامري “القبضة” في النار وقال له: كن عجلاً يصدر صوتًا، فكان كذلك. ويقال إن الذي أخبر بني إسرائيل أن الغنيمة غير حلال لهم كان السامري، فأصدقوه وأعطوه الغنائم. ثم صنع منها عجلاً خلال ثلاثة أيام، وألقى فيه قبضة من أثر رسول موسى، فحيا العجل وصدر صوتًا.

يروي السدي أن العجل كان يصدر صوتًا ويسير، فلما أخرجه السامري وكان مصنوعًا من ذهب مرصع بالجواهر، قال: “هذا إلهكم وإله موسى”، ثم نسي الطريق وترك العجل في مكانه.

وفي بعض الروايات ذكر أن إبليس دخل العجل فخرج صوت الخوار ومشى. وقيل إن السامري وضع ذيل العجل إلى حائط، وحفر في الجانب الآخر من الأرض، وأجلس إنسانًا في الحفرة فوضع فمه على دبر العجل، فخرج صوت الخوار وتحدث كما تكلم، فأضل الجهلاء وظلّهم بالفتنة. وقال: موسى أخطأ ربه، فربكم أتى ليُريكم أنه قادر على دعوتكم إلى نفسه بنفسه، وأن موسى لم يُبعث لحاجة من الله، وإنما أظهر لكم العجل لتكلمكم منه كما كلم موسى من الشجرة. فافتتنوا به إلا اثني عشر ألفًا، وكان مع هارون ستمائة ألف.

عند رجوع موسى ورؤيته الفتنة، غاضبًا ذهب إلى هارون وأمسك لحيته ورأسه، فرد عليه هارون: يا ابن أمي، لا تمسك بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقّت بين بني إسرائيل ولم تراع قولِي.

(52)

وهذا يدل على أن هارون لم يكن يحلق رأسه، بل كان يترك شعره طويلًا ووجهه محببًا. وأمر مثير في هذا الموقف هو أن موسى اتجه لهارون للتوبيخ، ولم يوجه لومه إلى الشعب أو يعتقلهم، وهذا يبين قاعدة في علم الاجتماع: أن النظام لا يدوم إلا إذا جرى محاسبة المسؤولين أولًا، لا التنكيل بالضعفاء. وللأسف، في مجتمعاتنا يحاكم الضعفاء فقط، ولا يُحاسب الأقوياء. العدل أن يُمسك بالمجرم حين يظهر جليًا، ويرعاه حين يكون ضعيفًا.

طلب موسى من السامري توضيح فعلته، فاعترف السامري بذنبه وقال إنه صدق في نفسه أنه يستطيع فعل ذلك. وبعد سماع التهمة وحجج السامري، حكم موسى بعدم السماح للسامري بالتواصل مع الناس، لكنه ترك الباب مفتوحًا للناس في التعامل معه مع توضيح حاله. وهذا حكم عادل جدًا.

موسي وهارون كانا من أب وأم واحدة، وموسى كان جلاليًا وعنيفًا أحيانًا، لذلك أطاعه الناس أكثر، وهارون كان جمالياً لطيفًا.

(53)

وفي بعض الآيات يتجلى توحيد موسى:

“واختار موسى قومه سبعين رجلاً لمیقاتنا فلما أخذتهم الرجة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّا أتُهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين. واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنّا هدنا إليك. قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمة وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون” (الأعراف / 155-156).

(54)

أي أن انحراف القوم من عند الله، وفتنة السامري من الله، وهذا يعكس رؤية موسى التوحيدية. موسى كان في ضيق الابتلاء يلجأ إلى الحجج والمنطق ويعترف بفتنة الله، وهذا دليل على صدق صفاء نيته.

ويكمل بالدعاء للخير في الدنيا والآخرة، والله يذكر عذابه الذي يختاره ويرحمته الواسعة التي تشمل كل شيء، لكنه يخصص رحمته لمن يتقون.

هذا هو الفصل الثالث: الشريعة الظاهرة والولاية الباطنة.

لقاء مع أحد رجالات الغيب

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنَهُمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَقَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾

واذكر إذ قال موسى لفتاه: لن أبرح حتى أبلغ ملتقى البحرين أو أمضي أحقابًا طويلة. فلما بلغا ملتقى البحرين نسيا حوتهما، فاتخذ سبيله في البحر عجبًا. فلما جاوزا قال لفتاه: آتنا غذاءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. قال له الفتى: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة، فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره، واتخذ سبيله في البحر عجبًا. قال: ذلك ما كنا نبتغي، فارتدّا على آثارهما قصصًا. فوجدا عبدًا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علمًا. قال له موسى: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا؟ قال: ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك أمرًا. قال: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا. فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها. قال موسى: أخرفت السفينة لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا أمرًا. قال له: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسرًا. فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله. قال موسى: أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئًا نكرًا. قال له: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا؟ قال: إن سألتك عن شيء بعده فلا تصاحبني، قد بلغت من لدني عذرًا. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما. فوجدَا فيها جدارًا يريد أن يَنْقضّ فأقامه. قال له: لو شئت لاتخذت عليه أجرًا. قال: هذا فراق بيني وبينك، سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا.

تفسير موجز:

إن هذه الآيات الكريمة تبيّن قصة لقاء النبي موسى عليه السلام بأحد رجالات الغيب وهو الخضر عليه السلام، الذي علمه أن في ظواهر الأمور ما لا يدركه العقل ولا يظهر على الحقيقة إلا لمن وهبه الله علم الغيب.

وقد كان موسى عليه السلام في بداية الرحلة يصر على هدفه بعزم وإرادة قوية، لكنه لم يكن مدركًا لكافة أسرار الأمور والحقائق الخفية، فتعرض خلال المسير لمواقف أظهرت له حكمة الله وعلمه بما لا يعلمه، ما دفعه إلى الصبر والتواضع.

ويُستفاد من هذا اللقاء أن للعلوم الباطنية والحقائق الإلهية مراتب لا يقدر على إدراكها إلا الذين وهبهم الله علمًا خاصًا، وأن التواضع والصبر والاتباع أمر ضروري في طلب المعرفة الحقيقية.

﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾

وإذا فرغت من مشقّتك وأعمالك فاجتهد في العبادة والإنابة إلى ربك وحده، مفضلاً قلبك إليه راغبًا متضرعًا، فإن في ذلك راحة للنفس وبلوغًا للقرب من الله تعالى.

شرح إضافي:

تلك الآية الكريمة تحث على التفريغ بعد العمل والمشقة للعبادة والرجوع إلى الله بصدق وإخلاص، لأن العبادة هي الغاية الحقيقية للإنسان، وهي ملاذه بعد تعب الحياة، وما تعب الدنيا إلا سبب لبلوغ الراحة الحقيقية في القرب من الله.

استكمال الحديث عن اللقاء:

من خلال هذه القصة القرآنية، يتبين لنا عدة دروس أساسية:

  1. ضرورة الصبر على الأمور التي لا نعلم حقيقتها:
    فموسى عليه السلام رغم علمه ونبوّته، لم يكن يدرك الحكمة من أعمال الخضر، فتعلم منه الصبر وعدم استعجال الحكم على الأمور.
  2. وجود علم خاص لا يُدرك بالعقل فقط:
    وهذا العلم الذي وهبه الله لعبده الصالح لا يُنال بالتعليم التقليدي، بل يتطلب نوراً من الله وعناية خاصة.
  3. التواضع في طلب العلم:
    إذ طلب موسى منه تعليمه، لكنه قُيد بالصبر وعدم السؤال إلا بإذن، مما يدل على احترام حدود العلم وأدب التعلّم.
  4. أن حكمة الله في الأمور قد تكون خفية ولا تتضح للعيان:
    ولذلك قد يُنسب إلى أعمال يراها البشر خطأً ما هو في الحقيقة خير وحكمة بالغة.

تفسير وتعمق إضافي في قصة موسى والخضر عليهما السلام:

إن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام تمثل نموذجًا مهمًا في منهج التعلم الروحي والعلمي، حيث تُبرز كيف أن المعرفة الحقة تتطلب الصبر والتواضع وفتح القلب لنور الله. فموسى الذي كان نبيًا ورسولًا، لم يُمكنه فهم الحكمة الإلهية إلا بعد أن خضع لتجربة مميزة مع الخضر، الذي أوتي علمًا خاصًا.

الدروس المستفادة:

  1. أولوية التوجه إلى الله في كل الأمور:
    بعد الانتهاء من كل عمل، حثّ الله في الآية على الانصباب (الاجتهاد) في العبادة، والرجوع إلى ربّ العالمين. وهذا يؤكد أن مصدر السعادة الحقيقية والراحة النفسية لا يكمن في الدنيا، بل في العلاقة الوثيقة بالله.
  2. الاجتهاد في العبادة بعد الأعمال الدنيوية:
    لا يكتفي الإنسان بإنجاز مهامه ومشاغله الدنيوية، بل يجب أن يخصص وقتًا للخشوع والعبادة والإنابة إلى الله، فإن ذلك ينمّي الروح ويقوي الإيمان.
  3. الصبر واليقين بحكمة الله في ما لا ندركه:
    مثلما صبر موسى على ما رآه من أفعال الخضر التي بدت غريبة أو غير مفهومة، يجب على الإنسان أن يثق بحكمة الله التي قد تتجاوز فهمه المحدود.
  4. أهمية العلم الروحي والعلمي جنبًا إلى جنب:
    لا يكفي أن يكون الإنسان عالمًا ظاهريًا فقط، بل يجب أن يسعى لاكتساب العلم الذي يفتح له آفاق الفهم العميق، وهذا يتطلب تواضعًا واستعدادًا لقبول الحقائق مهما كانت غير مألوفة.

البطاقة العلمية: شخصية حضرة الخضر عليه السلام

في الآيات التي وردت سابقًا، أُشير إلى رجل من رجال الباطن يُقال إنه حضرة الخضر عليه السلام. يُعتبر حضرة الخضر من أولياء الله تعالى، ممن يمتلكون العلوم الباطنية والكمالات الروحية، ولا يدخرون جهدًا في سبيل تنمية ووعي الآخرين.

في القرآن الكريم ذُكر حضرة الخضر في آية واحدة فقط، ولم يُذكر صراحة نبوته، وإن كان بالإمكان العثور على قرائن تدل على عدم نبوته، إلا أنه لا يوجد نفي صريح لذلك.

  1. سورة الكهف، آية 60.
  2. سورة الكهف، آية 62.
  3. سورة الكهف، آية 64.
  4. سورة الكهف، آية 65.

ولا يمكن فهم منزلة وشخصية حضرة الخضر إلا من خلال جلال قدره وعلو مقامه في تلك الآية، ومن المبادئ الأساسية أنه ليس من الضروري أن يكون جميع أولياء الله وأصحاب الباطن أنبياء أو أئمة تشريعيين، رغم أن جميع الأئمة والأنبياء عليهم السلام هم من أولياء الباطن.

كما أن الله تعالى يظهر أسماءه الظاهرية في صور كثيرة، ويُخفي أسماءً باطنية أخرى كالـ«مفاتيح الغيب» التي تخضع لسلطان الأسماء الباطنية، ولهذا فإن كثيرًا من الموجودات لا تظهر للعيان ولا تكون مظاهر لأسماء الله الظاهرة، فهي مظاهر باطنية لأسماء الغيب، بحيث تملك أسرارًا عميقة يُحاط بها من لا يعلمها إلا الله، وهم جوهر حقائق الله الخفية، ومن صور ولاية الله تعالى.

حضرة الخضر عليه السلام من هؤلاء العباد الذين توجهوا نحو الباطن، واحتسوا كأس الولاية في خفاء بقدر سعة وجودهم، ويُعرّفهم الله تعالى بأنهم من خواص عباده، ويصفهم بصفات عالية، كما في قوله تعالى:
«فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» (الكهف: 60).

كل وصف من هذه الآية يشير إلى عظمة وحجم مقام حضرة الخضر، إذ أن حضرة موسى عليه السلام الذي هو نبي عظيم، بذل جهدًا كبيرًا حتى وجد هذا العبد، وهو ما يؤكد مكانة هذا العبد، كما أن الخضر عليه السلام قال له:
«إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا» (الكهف: 67)،
مما يدل على أنه يرى نفسه أعلى منه في بعض المقامات الروحية، وهذا أمر عجيب ومميز.

«عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا» يعني أن هذا العبد ليس عبدًا عاديًا، بل مقامه خاص جدًا، وأعلى من عبد عام، فالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هو عبد الله ورسوله، وهذا يدل على أن جميع الصفات والفضائل فرع على مقام العبادة الخاصة، فمصطلح «عبد الله» هنا لا يعني عبد الله بشكل عام، بل عبد الله الخاص، وهو لقب خاص بأولياء الله الحقيقيين، لا يمكن أن يُشترك فيه مع غيرهم.

العبودية هنا هي ظهور كامل لجميع صفات الله، وتحقيق مقام العبودية في الربوبية، وهم ظهور كامل لربوبية الله تعالى، وهذه العبودية تُعد أعلى المراتب، والإضافة في صيغة الجمع (عباد) تشير إلى مقام جمعي لدى حضرة الخضر، كما أن العبودية عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأتي في صيغة المفرد، مما يدل على مقام فريد وعالي جدا.

القرآن الكريم يذكر لِحضرة الخضر عليه السلام ميزتين أخريين في هذه الآية:

  • أولًا: «آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا» وهي عناية ولائية خاصة وقدرة على التصرف في الأمور الغيبية؛
  • ثانيًا: «وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا» أي أن الله نفسه علمه علمًا غير مادي وغير قابل للفهم الإنساني العادي.

هذه النعم الإلهية هي سبب قربه من الله وتمكنه من العلم والحكم على الأمور، مما جعله يمتلك مقامًا عظيمًا في عالم الباطن، مع إحاطة كاملة بالظاهر أيضًا، فهذه الرحمة هي القرب الروحي، وهي السبب الأساسي للعلم والتصرف.

أي إن هذه العطايا الخاصة ليست متاحة إلا للنقاءين من أولياء الله، فهي ليست من قبيل الأسباب العادية، ولا حتى الملائكة المقربين كالجبريل، فهم لا يمتلكون هذه العلوم والعطايا الخاصة، بل هو حق الله وحده أن يعلم أولياءه.

حضرة موسى عليه السلام أشار إلى ثلاث خصائص لحضرة الخضر في قوله تعالى:
«قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِنْ مَا عُلِّمْتَ رُشْدًا» (الكهف: 66).

وهي:

  1. الطاعة والمتابعة؛
  2. التعليم؛
  3. العلم العالي.

كما تتضح في هذه الآية مميزات موسى عليه السلام مثل استفساره عن المتابعة دون طلب إجباري، تواضعه لتلقي التعليم، واعترافه بفضل المعلم.

في ختام السرد، يتضح أن موسى كان صاحب ولاية ظاهرة، بينما الخضر عليه السلام يمتلك ولاية باطنة، فالظاهر محفوظ لموسى، والباطن محفوظ للخضر، إذ يقول الخضر:
«إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا» (الكهف: 67)،
ويشرح له أن موسى لا يمكنه تحمل ما لا يعرفه، وأن صبره محدود، وأن مقامه في الظاهر محفوظ، أما مقام السر والباطن فلا يصل إليه.

ثم ينطلق الخضر وموسى في رحلة روحانية تبدأ بركوب السفينة، وهي بداية سلوك موسى عليه السلام في اتباعه لخضر والتعلم منه، حيث كان موسى ينظر إلى الأمور من منظور ظاهر، بينما كان الخضر يكشف له الباطن

أبدى النبي موسى عليه السلام في كلٍّ من الحوادث الثلاثة اضطرابه وامتنع عن إدراك أو احتمال ما يقع، فبدأ في اعتراضه بقول: «لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا»(١) – أي: لقد فعلتَ أمرًا قبيحًا – ثمّ في الفعل الثاني عند خضر عليه السلام قال: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا»(٢) – أي: هل قتلت نفسًا بريئة لم تقتل أحدًا؟ هذا أمرٌ مكروهٌ ومنكرٌ – فتفاقم انزعاجه. أمّا في الحادثة الثالثة، فقد تطور موقفه وقال: «لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا»(٣) – أي: كان من المليق أن تؤدي هذا العمل في مكان يُكافئك عليه – فصار اعتراضه أخفّ، واتخذ له حرمًا أوسع تجاه خضر عليه السلام.

وكان موسى في بداية اعتراضه يستخدم كلمة «إمرًا» التي تعني العمل القبيح، ثمّ استعمل «نكراً» التي تعني الأمر المكروه، وأخيرًا عبّر عن استيائه بجملة «لو شئت لاتخذت عليه أجرًا» من دون أن يصف العمل بالقباحة أو الكراهة، ولكن في جميع الأحوال كان كلامه ظاهريًا ولم ينظر إلى الحكم الباطني أو إلى خفايا الأمور.

في المقابل، كان خضر عليه السلام يأخذ في كل مرة نبرة مخاطبة مناسبة، ففي البداية قال له: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا»(٤)، ثم ردّ على اعتراض موسى الأول قائلاً: «أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا»، مؤكّدًا عدم قدرة موسى على الصبر معه، وفي الحادثة الثانية كرّر بقوله: «أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا»، وبهذا أضاف تصريحًا أكثر وضوحًا، وفي النهاية وبعد أن عبر عن تمنيه للأجر ورفض الاستفهام، بيّن له بوضوح: «هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ»(٥) أي: هذا انفصال بيني وبينك، مؤكدًا ضرورة الفراق، لأن موسى بعد الوقائع الثلاثة لم يعد تحت تأثيره، بل خرج من دائرة نفوذه بسؤاله الثالث.

ويجب التنويه إلى احترام موسى لخضر، فهو نبي ذو عزيمة وأهل لامتلاك البصيرة الشاملة على الظواهر، وله آيات وبينات ويد بيضاء في الأمور الظاهرة.

كان موسى عليه السلام يظهر أقصى درجات الأدب أمام خضر، ويطلب منه الإذن لمرافقته، قائلاً: «قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»(٦).

إذا كانت المجتمعات ذات بنية ومعنى روحي، فينبغي أن يأخذ كلٌّ منهم الإذن من الآخر، وأن يطلب العلم والتبعية بتواضع، كما فعل موسى عليه السلام.

ومن تعبير «أتبعك» المفردة يتّضح أن من رافق موسى لم يكن شريكًا له، بل مساعدًا في الوصول إلى الهدف، وبالطبع خضر عليه السلام كان معلّمًا.

كان خضر على وعي كامل بشخصية موسى، يعلم أن موسى لا يعرف الحكمة وراء ما يحدث ولا يملك الصبر على ذلك، كما قال: «قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا»(٧).

ينبغي أن ننتبه إلى أنّ كلّما رأى موسى عملًا ظاهريًا لا يوافقه منه تصرّف خضر، كان يعترض عليه، بينما خضر يظلّ يذكره بأنه لا يستطيع الصبر معه، مما يدلّ على أن مصاحبة موسى لخضر لم تُحدث تغييرًا في خضر، ولم ترفع معرفته.

على الرغم من أن موسى أُمر من قبل الحق أن يتبع خضر، بل هو نفسه اقترح ذلك عليه، وكان موسى في البداية يمتنع بسبب قلة الصبر قائلاً: «وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا»(٨)، لكن خضر شرط أن لا يسأل أثناء الرحلة حتى يشرح له الحكمة لاحقًا، إلا أن موسى لم يصبر وسبق أن طرح الأسئلة والاعتراضات مستخدمًا كلمات «إمرا» و«نكرا» من دون انتظار شرح الحكمة.

كلّ ذلك يدلّ على غيرته في الدفاع عن الشريعة، واهتمامه الكامل بالمظاهر، ورفضه الظاهر لما يخالفها، دون أن يأخذ بعين الاعتبار الغاية والنية، أو يتحلّى بالصبر والحلم.

بينما كان خضر يعلم السرائر والباطن، وموسى لا يعلم، ولا تتماشى منازل الظاهر والباطن دائمًا، حتى حين أدرك موسى شروط الرحلة اعتذر قائلًا: «لا تُؤاخذني بما نسيت»(٩)، وأضاف: «إن سألتك عن شيء بعده فلا تصاحبني»(١٠)، وهذا يشير إلى تغيّرات جذرية في نفس موسى.

ورغم صرامة خضر، كان هدفه نمو موسى الروحي، فسلّطه على إدراك باطن الأمور، ليعلم أن هناك حقائق خفية لا يمكن إدراكها، وأن المراتب الحقيقية تتجاوز الظاهر، فهناك حكم أعلى تحكم الجميع.

ولكن، كيف لنبّي عظيم وعازم مثل موسى أن لا يطيق احتمال وليّ باطن مثل خضر؟ الجواب أن كل واحد منهما يحمل مقامًا من مظاهر التنزيل، فلكل مقام ميزات تفضّله على الآخر.

موسى عليه السلام هو نبي الشريعة والعزم، وصاحب المظاهر الظاهرة، وخضر وليّ باطن وعارف بأسرار الغيب، وكل الكمالات التي لدى الأنبياء والأئمة عليهم السلام تنزّل من مقام النبيّ الأعظم والإمام علي عليه السلام.

الإمام علي عليه السلام قال: «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا»، وهذا بيان لا يليق إلا بالنبي الأكرم والأمير المؤمنين عليه السلام.

وبهذا، يتبيّن أن كمالات موسى وخضر تتفاوت، وأن خضر له تقدم معرفي شهودي على موسى، وتبعيته إياه دليل فضيلة لا دونية، فكان موسى شاگردًا خضرًا رغم علوّ مكانته.

وعندما نادى الله موسى عليه السلام «لَنْ تَرَانِي»(١١)، أشار إلى أن مقام لقاء الحق كان محدودًا له، مع فارق شاسع بين «لَنْ تَرَانِي» و«دَنَا فَتَدَلَّى»(١٢).

خضر عليه السلام يتمتع بمعرفة شهودية تقدمت على موسى، وقد استدعى ذلك رجوع موسى واتباعه له.

في النهاية، جاء خطاب «لَنْ تَرَانِي» ليؤكد أن رؤيته للحق قد منعها الله عنه بسبب فتنة سامري، وهو أمر يدل على باطن معرفي عميق، حيث جاء النفي مصحوبًا باللام تأديبية، محدودة الفعل الإلهي.

المراجع:

(١) سورة الكهف: 71
(٢) سورة الكهف: 74
(٣) سورة الكهف: 77
(٤) سورة الكهف: 68
(٥) سورة الكهف: 68
(٦) سورة الكهف: 66
(٧) سورة الكهف: 75
(٨) سورة الكهف: 69
(٩) سورة الكهف: 73
(١٠) سورة الكهف: 76
(١١) سورة الأعراف: 143
(١٢) سورة طه: 14

عندما يجد النبي موسى عليه السلام اليد البيضاء ويصير صاحب الحية، ويرى معجزات وآيات كثيرة، يرن في قلبه النغمة: «هل خلق الله خلقًا مثلي»(4) فيتراءى له التفرد والتفوق على الآخرين.

صحيح أن بيان ذلك النبي كامل، وأنه لا مثيل له، كما أن جميع الموجودات في العوالم المختلفة لا مثيل لها، فكل شيء متميز ومختلف في وصفه، من الذرة إلى الوادي، لكن قد يكون هناك من هو أرفع منه، ويجب أن يصل إلى هذه الحقيقة، وهذا ما تحقق له في لقاءه مع الخضر عليه السلام.

النبي موسى يرى الفعل والمعلولات ويجد نفسه مقيدًا بها، أما الخضر فإنه يرى في الفعل الفاعل والحق الظاهر، ويجعل الحق يتجلى في مقام الظهور.

كل هذه الأمور تتجلى من أقوال الخضر وموسى في القرآن الكريم، حيث يظهر موقع كل منهما.

حين يتكلم الخضر عن النقص والعيب والتخريب، ينسب الفعل إلى نفسه بقوله: «فأردت أن أعِيبها»، أي أنني قصدت أن أجعل السفينة مثقوبة. وعندما يتعلق الأمر بالسبب والفاعل، يستخدم الجمع ويقول: «فأردنا أن يبدلهما ربهم خيرًا منه زكاة وأقرب رحما»(1). وعندما يكون الخير من عند الله، ينسبه كله إليه: «فأراد ربك أن يبلغ أشدهما ويستخرج كنزهما رحمةً من ربك»(2). وهو يعترف بأن ما فعل هو من أمر الله وليس من نفسه: «وما فعلته عن أمري»(3).

هذا يبين أن الخضر عبد لله، وقد وهبه الله رحمة وعلمه علمًا خاصًا، وهو العلم الذي هو نفس الرحمة، والرحمة هي قدرة التمييز والمعرفة والفَرقان، وهي جوهر وجود الخضر، وعلم التأويل هو من مظاهر هذه المعرفة. المعرفة في الخضر أدت إلى ظهور علم التأويل، وفي موسى كانت سببًا للنبوة والمعجزات.
مع أن الكمالات الحقيقية كلها ناشئة عن المعرفة والتوحيد، إلا أن درجات المعرفة مختلفة، ولكل شخص مرتبة خاصة به.

أوضح الخضر لموسى أن مراتب الكمال والروحانية غير محدودة، وكلها تنبع من معرفة الحق، ويجب أن يرى الإنسان صاحب البيت وصاحب الصوت في البيت والصوت، لا أن يظل في البيت منشغلًا بالصوت فقط.

موسى كان مظروفًا في مظاهر، وكان يرى كل شيء من ظاهره، أما الخضر فكان يرى الباطن وراء الظاهر، وأظهر هذا الأمر لموسى في التطبيق العملي.

على الرغم من تعب موسى ومشقته، وصل إلى الخضر وأعلن اتباعه بعد إدراكه لحضوره، وسأل: «هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا»(5). ولكن يبقى سؤال: ما تأثير الخضر على موسى؟ هل وصل به إلى الكمال؟ أم أنه أبعده بحجة عدم القدرة؟
هذا هو الظاهر، وقد يظن البعض أن الخضر لم يكن مرشدًا صحيحًا لأنه أبعد موسى بهذا الشكل.

لكن هذا التفكر غير صحيح، ولا يجب أن يكون تفسير القصة بهذه الطريقة، لأنها تؤدي إلى اعتقاد خاطئ بأن فهم الحقائق الروحية مستحيل، وأنها موهبة إلهية لا يملك الإنسان تحصيلها، وهو تفكير جبراني يفتح باب اليأس ويغلق باب الاجتهاد.

وهذا الاعتقاد يؤدي إلى انطواء الكثير من أهل الله على أنفسهم، وكأنهم رهبان في خلوات مغلقة، مع أن الطريق مفتوح لكل من يريد، حسب قدرته وطهارته، ليتقدم ويحقق نتائج، وإن كان دخول هذه المدرسة يحتاج إلى شروط.

لم يُرفض موسى من قبل الخضر، بل قدّمه له في فترة قصيرة، وأخلص له المعلومة التي كان بحاجة إليها.

موسى كان في قبضة المظاهر، والخضر رفعه إلى مقام الرؤية الباطنية، فحرره من تعدد الظواهر وهداه إلى وحدة الخلق، وبهذا انتهى دورهما.

فموسى لم يُترك في الطريق، والخضر لم يتخلّ عنه، بل تحقق السلوك الكامل، وأثمر، فصمت موسى وابتعاده برغبة من الطرفين دليل على الوصول، كما قال الخضر: «هذا فراق بيني وبينك»(1)، وهذا يشير إلى بلوغ موسى الحقيقة ووجوب عودته ليرشد الناس، فكان قد أتم طريقه مع الخضر.

لكن يبقى السؤال: هل يمكن للخضر أو أي ولي مطلع على الباطن أن ينفذ الأحكام الباطنية في الظاهر دون مراعاة الأحكام الشرعية أو الطبيعية؟

والجواب على هذا السؤال: أنه لا يجوز ولا يمكن لأي ولي، مهما علا مقامه، أن يتجاوز أحكام الشرع والسنن الكونية في ظواهر الأمور، لأن التشريع الإلهي مقدس، وهو الذي يحكم سير الكون والناس، فلا يمكن تجاوزه أو إهماله.

فالولي الذي يتصرف في باطن الأمور هو مأمور بأن يراعي الظواهر وأحكام الشرع، وأن يعمل على تحقيق الحكمة الإلهية في كل فعل، حتى لو كان له علم غيبي وتأثير باطني.

وهذا ما يظهر جليًا في قصة الخضر مع موسى عليهما السلام، إذ إن الخضر رغم علمه الباطني، إلا أنه التزم بالسنن الظاهرة ولم يتجاوزها، بل عمل وفق حكمتها وأسبابها، وأظهر ذلك في أفعاله التي بدت غريبة على موسى في الظاهر، لكنه أوضح له بعدها الحكمة من وراءها، فكان تعليمه توجيهًا لصديقه النبيل لمزيد من الفهم والوعي.

وعليه، فلا بد أن يكون فهم الباطن مقترنًا بفهم الظاهر، والالتزام بأحكام الشرع والكون، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، ولا يجوز اختزال العلوم الغيبية بمعزل عن الظواهر الشرعية.

ومن هنا، فإن الممارسة الحقيقية للعلم الروحي تتطلب توازنًا دقيقًا بين معرفة الباطن والالتزام بالظاهر، وهذا هو مبدأ المدرسة الربانية التي ينتمي إليها الخضر عليه السلام، مدرسة تجمع بين العلم والمعرفة الإلهية وبين الفعل المسؤول والتقوى والالتزام.

وبذلك يكون الطريق إلى المعرفة الروحية والحقائق الغيبية طريقًا متاحًا لكل من يستعد له بالنية الصادقة، والاجتهاد المستمر، والطهارة، والاتباع الصحيح لتعاليم الشرع، فلا غلو ولا تفريط، بل وسطية وروحانية عملية.

ومن الجدير بالذكر أن هذه المدرسة الروحية لا تقتصر على جانب معرفي فقط، بل تشمل الجانب العملي والخلقي أيضًا، إذ لا يكفي أن يكون الإنسان عالمًا بالغيب أو ظاهر الأمور فقط، بل يجب أن يكون هذا العلم مقرونًا بالتقوى والعمل الصالح.

فالعلم الحقيقي هو الذي يثمر أثرًا في نفس العالم ويغير من سلوكه، ويجعله أقرب إلى الله تعالى، وأبعد عن الشبهات والذنوب، وهذا ما يتضح جليًا في شخصية الخضر عليه السلام، الذي كانت أفعاله لا تتعارض مع الشريعة بل تُظهر معانيها العميقة بحكمة بالغة.

وبذلك، يتضح أن الطريق إلى الحقيقة ليس طريقًا مفروشًا بالورود، بل يحتاج إلى صبر ومجاهدة نفسية وروحية، ويتطلب يقظة مستمرة، وعزيمة على التمسك بالحق، والابتعاد عن الأهواء والظنون.

أما بالنسبة لحديثنا عن موسى عليه السلام، فقد وصل إلى نهاية هذا الطريق مع الخضر، حيث اكتسب بعد ذلك فهمًا أعمق وأشمل للحقائق الغيبية، وأدرك أن العلم لا يقتصر على الظواهر المادية بل يتعداها إلى الباطن الذي لا يدركه إلا أهل الفهم الحقيقي.

وهذا ما أكده الخضر عندما قال: «هذا فراق بيني وبينك» دلالة على اكتمال رحلة التلمذة، وضرورة عودة موسى إلى مجتمعه ليكون حاملًا لهذا العلم، ناشرًا للحكمة، ومرشدًا للناس في طريق الحق.

وأخيرًا، يبقى السؤال عن كيفية التوازن بين المعرفة الباطنية والالتزام الظاهري محل تفكير وتدبر لكل طالب علم، فليست المعرفة غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق التقوى والعبودية لله سبحانه وتعالى، ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين العلم والعمل.

هل يجوز للولي أو صاحب الكساء الباطني أن يتصرف في الغيب، ويجعل الحقيقة دون أي حكم أو حد ظاهري معيار عمله، وأن يحقق الأحكام والأمور الباطنية في الظاهر، ولا يعبأ بالظواهر والأحكام، مع أن مجاري الأمور ونظام الحياة النازلي قائم كلّه على الظاهر، وأن الحاكم على جميع الحوادث في جهة الأسباب والمعلولات والمناطق والأحكام هو الظاهر؟

في الرد على هذا السؤال، يمكن القول: إن الأولياء الإلهيين ينقسمون عمومًا إلى فئتين: الأولى هم الأنبياء والأئمة المعصومون عليهم السلام، الذين يُكلفون بالعمل على الظاهر، ويُرسخون الشريعة ونظام العالم النازلي، ومع أنهم يمتلكون القدرة الباطنية والإحاطة الغيبية، إلا أن همهم منصب على الظاهر، ولا يتدخلون في الغالب إلا في الحالات الحساسة والطارئة بالمعجزات والكرامات.

هؤلاء الأئمة مأمورون بالعمل وفق ظواهر الأمور، ويصدرون الأحكام بناءً على الظاهر، ورغم دخولهم إلى عالم الغيب، فإنهم يجعلون الظاهر معيار عملهم وعمل الآخرين، إذ إن وظيفة الهداية والإرشاد والتبليغ تقتضي هذا المنهج.

أما الفئة الثانية فهم الذين لا يحملون صفات ظاهرية ولا مَناصب ظاهرة، بل هم من أولياء الباطن ومدبّري العوالم.

هؤلاء قادرون على إظهار الأحكام الباطنية بحسب المقام والتناسب، ويساعدون في حلّ بعض الأمور، وإن كانوا في غالب الأحيان يعيرون الظاهر اهتمامًا، فإن الباطن هو الغالب عليهم.

هؤلاء الأولياء والمدبرون الغيبيون يظهرون أفعالًا خاصة من أنفسهم مؤثّرة بأسباب باطنية قد لا تتوافق مع مجاري الظاهر.

كل واحد من أولياء الباطن ومدبّري الغيب لهم وظائف خاصة يعملون عليها بلا كلل، ولا يدخلهم الغفلة أو التكاسل في تأديتها.

هؤلاء هم من مدبّري الغيب وعلل وأسباب الحق الخفية، وكل واحد منهم بحسب قربه من الحق يقوم في كل لحظة بالعمل المناسب لمقامه واحتياجات الناس، ويؤدي واجبه.

قد يدفعون الشر عن مظلوم، ويمنحون الخير لضعيف، وقد يجعلون أحدًا يصل إلى درجات الوجود والعلم، أو يبعدون عنه الشقاء والنقم.

قد يُضرب الظالم من قبل وليّ حقّ على نحو خفي، أو يسقط أرضًا، أو يُقتل بلا وعي، كما قد يحصل جلب منفعة أو تصرف من وليّ غيبي.

“عصا الله” التي يُقال عنها “لا صوت لها” في يد هؤلاء الأولياء الإلهيين، وهم ينزلونها حيثما يقتضي الصلاح، ويتمّون أمرًا لمنفعة الآخرين.

كما أن الظواهر لها أسباب وأعطال ظاهرة، فمجرى الأمور في العوالم المختلفة قائم ومستقلّ، والأحداث الغيبية لا تهدأ بل تستمر في سيرها.

يُرزق الله عباده أحيانًا من خلال الباطن لطفًا أو مكرًا، دون أن يشعروا، فيحدث لهم أمرٌ حلو أو مرّ، وأحيانًا يُظهر يد الغيب علانية للعباد عبرةً أو محبة.

كل واحد من هؤلاء المدبرين الغيبيين منشغل بعمل ما في مكان ما، فمدبّر يظهر في البحر، وولي حق في الصحراء يعين أحدًا، ومأمور يضيء قلبًا مظلومًا، ومسؤول يطفئ نور ظالم.

يرسلون مهرًا إلى القلوب، ويزيلون الضغائن، ويمنحون القلب السكينة والوقار، ويرعبون البعض، وينذرون، وينبهون في اليقظة أو المنام، ويمنعون العقل والإدراك من بعضهم، ويجعلون البعض أعمى أو أصم، ويدخلونهم في دوامة المصائب والمهالك، ويذلونهم.

الولي الخضر من أولياء الله من الفئة الثانية، الذين يغلب عليهم الجانب الباطني والغيب، بينما موسى عليه السلام من أولياء الفئة الأولى.

الخضر في كل لحظة مشغول بعمل، وموسى في هذه السيرة والرحلة كان يلتقي بأحداث ومهمات الخضر، التي كان يجدها جديدة في كل حين.

أعمال الخضر في هذه الأحداث، بخلاف كونها مهمات آنية، كانت لها أثر إرشادي وتربوي على موسى، إذ كان الخضر يربّي ويعلّم التلميذ والطالب، ولم يكن الخضر عاطلًا في غير تلك الفرص.

قصة موسى والخضر لها بُعد آخر ينبغي عدم إغفاله، وهو كيفية مرافقة العارف المحبّ للعارف المحبوب، فالطالب المحب لا ينبغي أن ينسى أن العارف محبوبه هو القائد القوي والقدير في طريق الله، وما يقوم به من تعاليم وتجارب هو لمصلحة الطالب، ويجب أن يقبلها بعقل وروية، رغم أن الطالب قد لا يحتمل مشاق الخضر.

المحبون يختلفون عن المحبوبين اختلاف الأرض عن أعماق السماوات، فالمحبون يصعدون نحو الحق، والمحبوبيون ينزلون من الحق إلى الخلق.

بعض المحبوبين ينهون طريق الصعود ولا يعودون، وبعض المحبين، بعد الصعود، ينزلون لتوجيه الناس نحو الحق، وأكثر الأنبياء من هذه الفئة.

قصة موسى والخضر تمثل نموذجًا ساميًا للرابطة الروحية بين الأستاذ والتلميذ.

موسى عليه السلام، رغم كونه نبيًّا ذا عزم، لم يعتقد أبدًا أنه لا يحتاج إلى مربٍ إلهي، فلما أُمر بالذهاب إلى من يتعلم منه علومًا لم تكن عنده، سارع بحماسة للوصول إلى “مجمَع البحرين” أو ليمضي قرونًا في طلب العلم.

في الآية التالية، وردت صفتان مهمتان للمعلم الإلهي: أولاهما العبودية لله، أي مقام الفناء والبقاء الحقاني، وثانيهما علمه الرباني الذي هو لدني، لا يناله من جهته شيء، ولا هو من اختراعات أو بدع نفسية، ولا من الشوائب أو طرق الشيطان.

هذه الآيات تدل على أن الطاعة وعدم المعارضة والمرافقة مع العارف الرباني من شروط ومستلزمات السلوك، والطريق إلى الحق لا بد أن يكون مع التزام الطاعة والصبر والحكمة والمصلحة الإلهية العليا، لأن أولياء الله فانون في الحق، ولا يعملون إلا بإذن الله، ولا تفعل أعمالهم إلا بمصلحة، كما في مصلحة قتل الغلام الذي قتله العالِم مع موسى.

في رواية عن الحسن بن سعيد اللخمي، جاء أنه قال: “ولد لرجل من أصحابنا جارية، فدخل على أبي عبد الله عليه السلام فرأه متسخطًا، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: هل ترى لو أوحى الله تبارك وتعالى إليك أن تختار لنفسك أو يختار لك، ماذا تقول؟ قال: أقول يا رب اختر لي. قال: قد اختار الله لك. ثم قال: الغلام الذي قتله العالِم الذي كان مع موسى عليه السلام، وهو قول الله عز وجل: (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه)، أبدلهما الله بجارية ولدت سبعين نبيًا.”

رجل من الشيعة رزق ببنت، فلما حضر الإمام الصادق عليه السلام رآه حزينًا، فطمأنه الإمام وقال: “إن الله قد اختار لك ما هو خير”، مشيرًا إلى بركات البنات التي قد تفوق الأولاد، كما في حديث الغلام الذي قتل، والذي عوضه الله بذرية نبوية عظمى.

الإيمان برجال الباطن والمدبرين الغيبيين يزيل اليأس من قلب المؤمن، حيث يلجأ إليهم عند الشعور بالحصار، فهم الضربة القاضية في باطن الظواهر، ومظهر أسماء الله المستأثرة التي تعمل بدون أسباب ظاهرة، بل بأسرار من صنع الله تعالى.

الخضر هو أحد هؤلاء الرجال الغيبيين الذين يساعدون خلق الله عبر الباطن، ومظهر مفتاح الغيب، يعمل بأمر الله، أما من هو مقيد بالظاهر فيلتزم بالشريعة والأحكام الظاهرة، ولا يحق له التصرف في الغيب، وأي تصرف من قبله في هذا المجال يعد غاصبًا.

الغرض من لقاء موسى بالخضر هو رؤية ولي الباطن الذي يعمل دائمًا، وذكر القرآن الكريم ثلاثة أمثلة فقط من أعماله التي تمت بإذن الله، بينما موسى محكوم بالشريعة الظاهرة.

يجدر التنويه إلى الفرق بين الحكم بالظاهر والعمل به، وبين كون الشخص من أهل الظاهر فقط، فالأنبياء مثل موسى يمتلكون قدرة محدودة على التصرف في الباطن، لكنهم مأمورون بعدم العمل به، والتزامهم بالظاهر.

ما ينبغي ذكره في ختام هذا النقاش هو كيفية انفصال هذين الرجلين الإلهيين بصفاء وتنسيق وبدون ضغينة.

الخضر قال لموسى: “أنت لا تطيق مرافقتي”، ولم يعبر عن رفضه بأسلوب سلبي، بل المشكلة من موسى الذي قدرته محدودة ومحكوم بالظاهر، وأما موسى فقد وعد ألا يعارض أعمال الخضر، وفعل ذلك دون معصية، فلم يمنع أو يعطل أعماله.

لم يعترض موسى بشدة لكنه فقد صبره، ولو صبر لفهم حقيقة أعمال الخضر التي كان يشرحها له، ولكنه لم يفهمها، وبذلك انفصل الاثنان دون أي ضيق أو جرح نفسي.

هل يجوز للولي أو صاحب الكساء الباطني أن يتصرف في الغيب ويأخذ الحقيقة من غير أي حكم أو حد ظاهري، وأن يحقق الأحكام والعلوم الباطنية في إطار الظواهر، دون أن يعتني بالظواهر والأحكام الظاهرة، مع أن مجاري الأمور ونظام الحياة النازوتي قائم كلياً على الظواهر، وأن الحاكم على كل الحوادث من حيث الأسباب والعلل والمناط والأحكام هو الظاهر؟

في الجواب على هذا السؤال، يمكن القول: إن الأولياء الإلهيين بشكل عام يُقسمون إلى فريقين: الفريق الأول هم الأنبياء والأئمة المعصومون عليهم السلام، الذين يُكلّفون بالظهور لتثبيت الشريعة ونظام العالم النازوتي، وعلى الرغم من امتلاكهم للقوة الباطنية والإحاطة بالغيب، إلا أن همتهم مركزة على الظاهر، ولا يلجؤون إلى الإعجاز والكرامات إلا في الحالات الحرجة والطارئة.

فهؤلاء مأمورون بالاعتناء بالظواهر وأحكامها، ويرتكزون في عملهم وعلى عمل الآخرين على الظاهر؛ ذلك لأن وظيفة الإرشاد والتبليغ تتطلب منهم هذا المنهج.

أما الفريق الثاني، فهم الذين لا يحملون صفة ظاهرية أو مقام ظاهري، ويُعدّون من أولياء الباطن ومدبري العوالم. وهؤلاء يستطيعون إظهار الأحكام الباطنية بما يتناسب مع مقامهم، ويُيسّرون بعض الأمور، وإن كانوا في كثير من الأحيان يراعون الظاهر، إلا أن الباطن يهيمن عليهم.

هؤلاء الأولياء والمدبرون الغيبيون يُظهرون أحياناً أعمالاً ذات أسباب باطنية قد لا تتوافق مع مجاري الظاهر، ويؤدون مهاماً خاصة بكل لحظة، فلا يغفلون ولا يتوانون في تأديتها.

وهم من مدبرات الغيب وعلل وأسباب الله الخفية، وكل منهم بحسب قربه الإلهي يؤدي الأعمال المناسبة لمقامه واحتياجات العباد، وفي ذلك يقوم بواجبه

وقد يتدخلون أحيانًا في دفع الشر عن مظلوم أو يمنحون الفضل والبركة لفرد ضعيف، أو يجعلون أحدهم واصلًا إلى أمر وجودي خارجي أو علمي، أو يزيلون عنه البلاء والنقمة. وقد يُصيب ظالمٌ منهم بخفيّة ضربًا أو سقوطًا أو يُقتل دون وعي، كما قد يحدث أن يُصرف نفعٌ لشخص ما بأمر ولي غيبي.

ذلك “العصا الإلهية” التي يقولون عنها “لا صوت لها” في يد هؤلاء الأولياء، فيهبطون بها حيثما يُصلح الأمر ويُنجزونه لصالح غيره.

وكما أن الظواهر لها أسباب وعِلَل ظاهرة، فإن مجاري الأمور في العوالم المتعددة تعمل بشكل مستقل ومحدد، ولا تهدأ الأمور الغيبية والأحداث الخفية عن مسيرتها.

وقد يحدث أن يتفضل الله تعالى على عباده عبر الباطن بلطف أو مكر، فيحدث لهم حادث حلو أو مرّ دون أن يشعروا، وأحيانًا يظهر يد الغيب جليًا للناس، ليكون عبرة أو محبة.

كل واحد من هؤلاء المدبرين الغيبيين مشغول بعمله، يظهر مدبّر في البحر، وولي حق في الصحراء يُعين شخصًا، ومأمور يضيء قلبًا، ومسؤول يطفئ نار الظالم بألم المظلوم، يُدخل المحبة في القلب ويزيل الغيظ، يهب السكينة والوقار، يُخيف البعض، يُعظّم ويوقظ آخرين، ويوقظ في المنام أو اليقظة، ويسلب فهْمًا وعقلًا، ويجعل بعضهم أعمى أو أخرس، ويوقعهم في دوامة الأحداث والابتلاءات، ويذلّهم.

السيد الخضر من أولياء الله من الفريق الثاني، الذين يهيمن عليهم الأحكام الباطنية والأمور الغيبية، بينما موسى عليه السلام من أولياء الفريق الأول.

الخضر في كل لحظة مشغول بعمل ما، وموسى في هذا السير والرفقة يتعرّف على هذه الحوادث والمهمات التي يُناط بها الخضر، وكان كل ذلك تجربة تعليمية وتربوية لموسى.

ولا يعني ذلك أن الخضر كان فارغًا عن العمل في أوقات أخرى، وإنما كان دائم الانشغال بمهماته التي يؤديها.

قصة موسى والخضر لها بعد آخر مهم، وهو طريقة ارتباط السالك المحب بالعارف المحبوب، إذ لا ينبغي للسالك المحب أن ينسى أن العارف المحبوب هو الهادِي القوي والقدير في الطريق إلى الله، وما يقوم به من توجيه وإرشاد هو لمصلحة السالك، وعلى السالك أن يقبل ذلك بعقلٍ رزين وصبرٍ جميل، رغم أن تحمل ذلك قد يكون عسيرًا عليه.

فالمحبون يختلفون عن المحبوبين من الأرض إلى أعماق السماوات؛ المحبون يتجهون نحو الحق، والمحبوبيّن ينزلون من الحق إلى الخلق.

بعض المحبوبين لا يعودون بعد أن يصلوا إلى مراتب عالية، وبعض المحبين يستطيعون النزول لإرشاد الناس إلى الحق، ومعظم الأنبياء من هذه الفئة.

يجب اعتبار قصة موسى والخضر أفضل نموذج للصلة الروحية بين المعلم والطالب، فموسى، رغم كونه نبيًا عظيمًا، لم يتكبر عن التعلم من المربّي الإلهي، وبتوجيه رباني توجه نحو الذي يعلمه علمًا لم يكن يملكه.

وقد وصف الله في الآيات صفتي المعلم الإلهي: الأولى هي العبادة لله – أي الفناء في الحق والبقاء بالحق – والثانية أن علم الخضر علمٌ لدني، ليس من اختراعات النفس، ولا من البدع، ولا من زينة الشيطان.

فالطاعة والامتثال للمعلم الرباني من أهم شروط السير في طريق الحق، والسالك لا بد له من الصبر والثبات على أساس الحكمة والمصلحة الإلهية العليا.

فالأنبياء والأولياء هم فانون في الحق، وأعمالهم لا تتم بدون إذن الله ومصلحته.

كما أن مصلحة قتل الغلام الذي قتله الخضر مذكورة في الأحاديث، والتي بينت أن الله أراد بدلًا أفضل من ذلك الغلام.

وفي النهاية، يجب التفريق بين المحكوم على الظاهر والملتزم به، وبين كونه من أهل الظاهر فقط.

فالأنبياء مثل موسى لديهم قدرة محدودة على التصرف في الباطن، ولكنهم ملتزمون بأداء الظاهر.

الزيارة التي قام بها موسى للخضر كانت لرؤية ولي باطن يقوم بأعمالٍ غيبية بإذن الله، أما موسى فقد كان مقيدًا بشريعته وواجباته الظاهرة.

وأخيرًا، طُرحت طريقة انفصال هذين الوليين العظيمين برقي وأخوة، دون أية جفوة أو تقصير، ما يدل على الأخلاق السامية والهدف الإلهي لهما.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V