عنوان الكتاب: لماذا وكيف وقعت الثورة الإسلامية
البيانات الببليوغرافية:
- المؤلف: (مواليد 1948م)
- العنوان: لماذا وكيف وقعت الثورة الإسلامية / تأليف: .
- مكان النشر: إسلامشهر – دار النشر: ، 2014م (الطبعة الثانية).
- عدد الصفحات: 160 صفحة؛ الحجم: 21 × 14.5 سم.
- السلسلة: سلسلة الأعمال، رقم 27.
- ردمك: 978-600-7347-38-6
- السعر: 65000 ريال إيراني.
- الطبعة الأولى: صدر بعنوان “ظهور الشفق”، 2007م.
- الترقيم الدولي (DDC): 955.083
- تصنيف مكتبة الكونغرس: DSR1553 / ن77چ4 1393
- رقم الفهرسة الوطنية: 3681727
- عنوان الغلاف الخلفي بالإنجليزية: Whyness and Howness of the The Revolution of 1979 of Iran
المقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
منذ نشأة التشيّع في عهد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وحتى يومنا هذا الذي نعيش فيه زمن الغيبة الكبرى، ظلّ التشيّع تياراً إلهياً وحراكاً حياً نابضاً، قام على أسس تعاليم المعصومين عليهم السلام، وبقي حيّاً بفضل حركاته المتواصلة وثوراته المستمرة.
لقد بذل هذا التيار جهوداً عظيمة في الدفاع عن حقانية الإسلام الأصيل، وسعى جاهداً لإعادة هذا الدين إلى مساره الإلهي النقي بعد ما طرأ عليه من انحرافات، مقدّماً في سبيل ذلك دماءً زكية وتضحيات جسام.
مع ذلك، يُطرح سؤال جوهري: لماذا لم يستطع هذا التيار، منذ نشأته وحتى اليوم، أن يؤسّس لنظام حكم متكامل قائم على فكره وعقيدته، وتطبيق أحكامه الاجتماعية والتنفيذية والسياسية؟
كما يثور التساؤل عن مدى ارتباط الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة العلماء وآية الله الخميني بالثقافة الشيعية، وأسباب نجاحها واستمرارها، والعوامل التي حافظت على بقائها، مع الإشارة إلى التحديات والمخاطر التي واجهتها.
بناءً عليه، يهدف هذا الكتاب إلى مناقشة هذه القضايا عبر ثلاثة محاور:
- أسباب إخفاق الفكر الشيعي في إقامة حكومة مستقلة وشاملة، سواء في زمن المعصومين عليهم السلام أو بعده، باستثناء فترات قصيرة.
- دور الفكر الشيعي في نشوء ونجاح الثورة الإسلامية الإيرانية.
- شرعية الثورة الإسلامية وتحليل عوامل نجاحها، مع بيان التحديات والمخاطر المستقبلية.
وقد قُسّمت فصول هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
- القسم الأول (التمهيدي): يتناول شرعية الحكومة في المذهب الشيعي، وطبيعة الحكم في عهد المعصومين عليهم السلام.
- القسم الثاني: يسلّط الضوء على الأسباب التي دفعت إلى قيام الثورة الإسلامية في إيران، مستعرضاً خصائص الشعب الإيراني.
- القسم الثالث: يبحث في مشروعية الثورة الإسلامية، وعوامل نجاحها، وآفاقها المستقبلية، والتحديات التي تتهددها.
وتجدر الإشارة إلى أن ما ورد في هذا الكتاب من توصيفات للمناطق والمدن الإيرانية، إنما يستند إلى تجارب المؤلف الشخصية، وهي مستمدة من واقع عقد السبعينات، علماً أن هذا الكتاب كُتب في أوائل عقد الثمانينات، ويُقدَّم اليوم بمحتواه الأصلي مع بعض التعديلات التحريرية الطفيفة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الفصل الأول: شرعية الحكومة الإسلامية
هل الإسلام دين سياسي؟ وهل يحمل في طياته مشروعاً للحكم والتدخل في الشؤون التنفيذية والاجتماعية، أم لا؟ وهل كان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل مشروع إقامة دولة إسلامية؟ وهل سار المعصومون من بعده على هذا النهج؟ وهل تُعدّ الثورات الشيعية أو غيرها – المستندة إلى ثقافة أهل البيت عليهم السلام – حركات شرعية؟
منذ نشأتها، ورغم كونها أقلية، كانت حركة التشيّع في صدام دائم مع الأنظمة الحاكمة، وعُرفت كحركة جهادية سقَتْ شجرة الإسلام بدماء قادتها.
والسبب في ذلك واضح، فالفكر الشيعي يرفض التعايش مع الباطل، ويأبى الخضوع له، ويُعلي من شأن الكرامة الإنسانية، ويصر على مقاومة الاستعمار والاستبداد. وهذا ما جعل القوى الباطلة تسعى دائماً لتهميش هذا الفكر، ومنعه من الوصول إلى السلطة وتطبيق برنامجه الكامل.
تناولتُ في كتاب آخر تحليلاً للتاريخ السياسي الإسلامي، لاسيما حادثة سقيفة بني ساعدة، وبينتُ كيف أن الاستعمار وأعداء الإسلام، من خلال دسائس المنافقين المتغلغلين في الأمة، سعوا للاستيلاء على الحكم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله.
إن وفاة النبي كانت لحظة مفصلية مهدت لظهور الباطل على المسرح السياسي، حيث لعبت عوامل عدة دوراً كبيراً، منها: ضعف الوعي السياسي للأمة، وسذاجتها، واختراق المنافقين لصفوفها.
رغم عظمة شخصية أمير المؤمنين عليه السلام، ورغم فشل الخلفاء، إلا أن الأمة لم تمنحه الفرصة الكافية ليظهر صورة الإسلام الحقيقية بشكل كامل. فرغم أن البعض كان يرى الحق، إلا أن كثيرين إما تجاهلوه، أو لم يدركوه، أو كانوا في عداء صريح معه، مما مهّد لاستشهاده.
وعقب ذلك، تمكنت قوى الباطل من تشتيت أنصار الإمام الحسن عليه السلام، وخانوه، بل تم اغتياله داخل بيته. أما في عهد الإمام الحسين عليه السلام، فقد بلغ الفساد مداه، فنهض بانتفاضة دموية عظيمة، كشفت وجه الباطل بجلاء.
لقد حقق الإمام الحسين عليه السلام إنجازين عظيمين: الأول تجسيد الحق، والثاني فضح الباطل، فأعاد الإسلام إلى وضوحه ونقائه، ومسح الغبار عن فكر الأمة، وميّز بين الحق والباطل بصورة ساطعة.
لكن رغم وضوح الحق، واستمرار قادة الشيعة في نشر ثقافته، لم تتحقق لهم فرصة الحكم؛ إذ إن المجتمع كان غارقاً في الجهل والفساد، ولم تكن لديه القدرة على فهم القيادة الإلهية.
ولهذا، فإن المعصومين بعد الإمام الحسين، لم يسلكوا سبيل الثورة الظاهرة، بل ركزوا على إعادة بناء الثقافة والفكر، فكان للنهضة الفكرية في عهد الإمام الصادق عليه السلام الدور الأبرز، وبه ارتبط اسم التشيع بالمذهب الجعفري.
أهل البيت عليهم السلام لم يكونوا مؤيدين للثورات العشوائية الخالية من الأسس الفكرية والثقافية، بل سعوا لمعالجة الفساد من جذوره، وبشكل شامل.
وفي عصر الغيبة، واجه الشيعة ثلاث تحديات رئيسية:
- الحفاظ على الثقافة الشيعية الأصيلة، وترسيخ مبدأ “الانتظار الأخضر”، بما لا يتنافى مع إعادة بناء المجتمع والإنسان، وعدم الانجرار وراء تحريف معنى الانتظار وتحويله إلى حالة من السلبية والخمول.
- مواجهة قوى الباطل والاستعمار الذين يظهرون بوجوه مختلفة، ولا يتوقفون عن ممارساتهم العدوانية.
- ضرورة الرجوع إلى الفكر الشيعي الأصيل كطريق لمقاومة الظلم، وعدم التنازل أمام الطغيان.
الفصل الثاني: أسباب الثورة الإسلامية وبنية المجتمع الإيراني
إنّ دراسة أسباب قيام الثورة الإسلامية في إيران لا يمكن أن تتم بمعزل عن فهم الخصائص الثقافية والاجتماعية لشعب إيران في أواخر عقد الخمسينات من القرن العشرين. فالمجتمع الإيراني لم يكن مجتمعاً عادياً، بل كان مجتمعاً متنوعاً في طبقاته وتكوينه، يجمع بين الأصالة والتقاليد العريقة من جهة، وسرعة التغيير والتأثر بالحداثة من جهة أخرى.
من الخصائص البارزة للمجتمع الإيراني آنذاك:
- التعصب الديني والثقافي: حيث كانت القيم الدينية والثقافة الإسلامية تحظى بمكانة كبيرة في وجدان الناس، على الرغم من محاولات التغريب والتغريب الثقافي التي مارستها السلطة الحاكمة آنذاك.
- التفاوت الاجتماعي والاقتصادي: كان هناك فجوة كبيرة بين الطبقات الاجتماعية، حيث كانت الفئات الفقيرة والكادحة تشكل غالبية السكان، بينما كانت النخبة الحاكمة والميسورة تعيش في رفاهية مفرطة.
- تأثير الحركة الدينية والمرجعية الدينية: كان للعلماء وخصوصاً القادة الدينيين كآية الله الخميني دور محوري في تشكيل وعي الشعب وتنظيم احتجاجاته، وهو ما ميز الثورة الإسلامية عن غيرها من الحركات الثورية.
- الغربة الثقافية والسياسية: حيث شعر كثير من الإيرانيين بالغربة والاغتراب عن نظام الحكم الذي اعتبروه غير شرعي وغير ممثل لهم، وابتعدت السلطة عن تقاليدهم وقيمهم.
كانت هذه العوامل تتضافر لتخلق بيئة خصبة لانفجار الثورة. فالغضب الشعبي المتراكم، المدعوم بوعي ديني عميق، قاد إلى انتفاضة شعبية ضد النظام الشاهنشاهي المدعوم من القوى الأجنبية.
الفصل الثالث: شرعية الثورة الإسلامية وعوامل نجاحها
لقد أثبتت الثورة الإسلامية في إيران شرعيتها على عدة مستويات:
- الشرعية الدينية: حيث ارتكزت على القيم الدينية الراسخة في المجتمع، ومرجعية دينية معترف بها كآية الله الخميني الذي كان يمثل صوت العدالة والحق.
- الشرعية الاجتماعية: إذ كانت تعبر عن رغبة الشعب ومطالبه المشروعة في الحرية والعدالة الاجتماعية.
- الشرعية السياسية: حيث فشلت الأنظمة السابقة في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لشعب إيران، وظهر البديل في الثورة الإسلامية.
أما عوامل نجاح الثورة، فتتعدد وتتنوع، ومن أبرزها:
- وحدة الصف الشعبي والتآلف بين مختلف الطبقات والفئات.
- القيادة الحكيمة والواضحة التي قادت الثورة بأسلوب إسلامي مستند إلى القيم الأخلاقية.
- استغلال النقص في شرعية النظام الحاكم والفساد المستشري فيه.
- الدعم المعنوي والديني الذي أكسب الثورة قوة داخلية وعالمية.
الخلاصة:
يؤكد هذا الكتاب أن الثورة الإسلامية في إيران لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت نتاج تراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية دينية عميقة، مستمدة من الفكر الشيعي الأصيل، ومن تجارب تاريخية عريقة في مقاومة الظلم والباطل.
إنّ دراسة هذه الثورة لفهم أسبابها وكيفية نشوئها ونجاحها، فضلاً عن تقييم تحدياتها المستقبلية، تعني التعمق في الفكر الشيعي، وفهم دينامية المجتمع الإيراني، وتقدير دور القيادة الدينية والثورية فيه.
ثالثًا: الحركات القطعية الشيعية وغير الشيعية التي تنبثق على شكل مقاومة للظلم والطغيان، أو التي تُعد من صنع أيادي الاستعمار لتُستخدم في إطارها للتمدد على سلطته ونهب موارد الأراضي والدول.
الحركات غير الشيعية لها خصائصها وأهدافها المختلفة، وينشأ كل منها وفق رؤى متباينة. ولكن موضوع بحثنا الأساسي هو الحركات الشيعية التي تنبثق من الفكر الشيعي وتنشأ في حضن الثقافة الشيعية.
لقد حدثت مثل هذه الحركات الشكلية كثيرًا في تاريخ الشيعة، وكل واحدة منها أحدثت تحولًا ينبغي عند تحليل هذه الثورات النظر إلى إيجابياتها وسلبياتها معًا، ومن ثم تقييمها برؤية شاملة وقياس نتائجها وإنجازاتها. لكن النقطة المهمة في تحليل هذه الثورات هي مدى توافقها مع ثقافة ومنهج الأئمة المعصومين، وهل يمكن اعتبارها نهضات شيعية أصيلة أم لا، بالرغم من أن أصحاب هذه الحركات قد يدعون صحة وتمثيلها الكامل.
عناوين مهمة في تاريخ الإسلام
يمكن تقسيم تاريخ الإسلام إلى ستة فصول تاريخية وعناوين رئيسية كالتالي:
- المرحلة الأولى: ظهور الإسلام وزمن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛
- المرحلة الثانية: فترة حكم الإمام علي عليه السلام؛
- المرحلة الثالثة: المرحلة الضيقة في التاريخ ونهضة الإمام الحسن عليه السلام؛
- المرحلة الرابعة: الكشف الكامل عن الباطل؛
- المرحلة الخامسة: التحول الثقافي في الإسلام؛
- المرحلة السادسة: زمن الغيبة الصغرى والكبرى.
بدأت المرحلة الأولى بزمن ظهور الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث جاء النبي ليحل محل الباطل وأرسى دعائم الحق في عالم ذلك الزمان، وإن لم يتح له الوقت الكافي لإحداث تغييرات جذرية في كل الأفكار والعادات الاجتماعية الخاطئة، لكنه أزالها عن المشهد الاجتماعي شكليًا.
أما المرحلة الثانية فقد شكّل حكم الإمام علي عليه السلام ملامحها، حيث كرس جهده لتحديد حدود الحق والباطل، وقدم صورة حيّة للإسلام النقي وأحكامه الاجتماعية، وأزال الكثير من الشوائب والتشوهات، وكشف عن وجه العدالة والرحمة لفترة وجيزة، وأخرج كرامة الخلق من غيبته، وذاق الناس بفضله طعم الصدق والاستقامة وسعى جاهدًا لكشف الحق.
أما المرحلة الثالثة فهي فترة إمامة الإمام الحسن عليه السلام، التي يمكن تسميتها بضيق التاريخ، حيث قدم هذا الإمام خطة لكل أتباع الحق عن كيفية التعامل مع الظروف الضاغطة والتحديات التاريخية الضيقة، مما يعد معجزة عصمة في تاريخ الحقيقة.
في المرحلة الرابعة، تجلى وجه الباطل بوضوح، إذ أن الحق قد اتضح قبل الإمام الحسين عليه السلام، لكن الإمام الحسين هو الذي كشف الوجه الكامل للباطل وأصحابه الخونة، وأزال كل غموض عن فهم الناس في زمانه.
في المرحلة الخامسة، وضع الأئمة المعصومون عليه السلام التحول الثقافي في الإسلام على رأس أولوياتهم، واستثمروا كل جهدهم لنشر الفكر الإسلامي السامي بحدود واضحة، وأزالوا الغموض ليتمكن الناس من فهم الإسلام الحقيقي في زمانهم وفي زمن الغيبة.
أما المرحلة السادسة وهي زمن الغيبة، فهي أكثر فترات الإسلام تعقيدًا، إذ تصل فيها الأحداث إلى ذروتها وتكثر الحيرة، مع أن جميع تعاليم الإسلام وتفاصيلها العملية قد توضحت على يد الأئمة، إلا أن القدرة على فهمها كاملة غير متوفرة للجميع.
الغِيبة هي ذروة تاريخ الإسلام ومسرح تجلّي كل أوجه الحق والباطل، وتمهّد لتحقيق جميع جهود الأئمة المعصومين.
الإسلام، مع جميع حدوده وتفاصيله الثقافية التي تشكّلت في زمن الأئمة المعصومين، لم يجد المجال الكامل لتنفيذ تعاليمه اجتماعيًا، وهذا كان سببًا أساسيًا لغيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وهي حدث فريد وتحوّل تاريخي بارز في القيادة الدينية، إذ أن الغيبة رغم أنها تفتح المجال لتطبيق الحق الكامل، إلا أنها كانت سببًا في ظهور الباطل وكشفه.
الغيبة هي تمهيد لظهور كل أنواع الباطل، وثورة عالمية لإصلاح المادة وتحقيق الإسلام العيني في العالم الطبيعي، وهي معجزة الإمامة الوحيدة، كما أن القرآن الكريم هو المعجزة العقلية الوحيدة للنبوة الخاتمة.
كما سبق القول، فإن الشيعة لا يساومون مع أي جهة باطلة تحت أي ظرف، وهم دائمًا يسعون إلى الحق المطلق، ولا سبيل لتحقيق هذا الهدف إلا عبر مسيرة تكاملية، تستلزم إعادة بناء الفكر البشري ونمو الإدراك ورفض كامل لكل مظاهر الباطل وادعاءات الحق التي لا تصدر عن العصمة والمعصوم، وهذا يتطلب المرور بفترة الغيبة، حتى تتوفر البيئة الملائمة والجاهزية على مستوى العالم لإقامة قيادة صالحة ومنفردة ووحيدة في عالم الطبيعة، وهذه هي نظرية الشيعة والكمال المرتجى لمستقبل العالم.
من هذا البيان يتضح أن الشيعة في ثقافتهم يمتلكون منهجًا سياسيًا وفلسفة سياسية، وأن الإسلام دين حكم لم يجد للأسف مجال النمو الكامل وتنفيذ قوانينه وحقوقه. وحتى في عهد الأئمة المعصومين، استطاعت الحركات التي بدت مختلفة الشكل فقط أن تحدد نموذج قيادة المجتمع والعالم بشكل صحيح للأجيال القادمة، وغرست هذا الفكر في نفوس الشيعة، وأعدت البنية الثقافية والفكرية له، رغم الموانع العديدة، خاصة التفكير الضيق للأمة الإسلامية.
الفكر السياسي الشيعي
يمكن تلخيص منهج الشيعة السياسي في أن العصمة هي الهادي والزعيم المطلق والصالح للبشر، ويعرف الشيعة هذه العصمة كنموذج سياسي عالمي وينتظرون ظهور قيادة موحدة شاملة في عالم الطبيعة.
كما ذُكر، يطرح سؤال مهم جدًا: هل يمكن اعتبار الحركات والثورات الإنسانية ضد الاستعمار في زمن الغيبة متوافقة مع منهج العصمة، أم لا؟ وهل يمكن القول إن الحركات الشيعية تنسجم نسبيًا أو كليًا مع هذا المنهج؟ وهل كل الحركات غير الشيعية تتعارض مع منهج الأئمة المعصومين، مما يستوجب الابتعاد عنها وانتظار ظهور الإمام المهدي فقط؟
الجواب هو أن أي حركة إنسانية نبيلة لا تتضمن انحرافًا سياسيًا أو تبعية، لا تتعارض مع منهج الإمامة الشيعية، كما أنه لا توجد حركة شيعية أو غيرها تطابق منهج الإمامة المطلق.
ومن له معرفة أساسية بالفكر السياسي الشيعي يدرك أن المشكلة ليست في الوجود بل في الادعاءات بأن جميع هذه الحركات تماثل أو تعارض منهج الأئمة المعصومين.
وفي أحيان يُنظر للحركة إنسانيًا فقط وأحيانًا سياسيةً أو عباديًا، ويجب التفريق بينهما. في البُعد الإنساني، تتحقق وحدة نسبية في الهدف مع منهج الأئمة، حيث أن كل حركة تسعى لإزالة الظلم وإقامة العدل تُعد في هذا الإطار مقبولة ومباركة، حتى وإن لم يكن لقادة هذه الحركات معرفة بمنهج الأئمة.
الطبيعة النسبية لهذه الحركات تظهر من ناحية تشابهها النسبي مع المنهج الشيعي، ومن ناحية أخرى في عدم التوافق الكلي مع تفاصيل منهج الإمامة.
ويشترط في ذلك ألا تتضمن الحركات أي مصالح استغلالية أو انحرافات شخصية وجماعية، وإلا فهي ظلم وانحراف وليست حركة تقدم.
ما سبق كان في مقام الثبوت، أما في مقام الإثبات والمراجعة التاريخية العملية، فيستلزم تحليل كل حركة تاريخية من حيث الفكر السياسي والقيادة والشعب، وهو ما يتجاوز هذه الورقة، إذ يركز الكاتب على دراسة الحركات الشيعية، وخاصة الثورة الإسلامية في إيران في العصر الحديث بقيادة روحانييها والسيد خميني.
في هذا السياق، تكمن أهمية وخصوصية كل من الحركتين، فالحركات غير الشيعية أكثر حرية في أفعالها لأنها لا تخضع للأحكام الشرعية، بينما الحركات الشيعية محدودة عمليًا، فلا يمكن لقادتها التصرف بحرية مطلقة لأن الحركة السياسية والاجتماعية لا تفصل بين الرؤية والمنهج.
الشيعة يعتبرون أنفسهم تابعين للمعصوم ومنهج الإمامة، ومن يخالف ذلك ليس شيعيًا بل متعصب معادي للحق، والعداوة مع المنهج الصحيح عداء للحق ذاته، والتمرد على المعصوم فساد أخلاقي.
حتى وإن ادعي البعض استحالة أن يكون مسلم مؤمن يرفض منهج المعصوم، فالواقع مليء بأمثلة على مؤمنين عنيدين يتحدون منهج الأئمة، وهذا يظهر في التاريخ وفي أزمات مثل الذين عارضوا الإمام الحسن عليه السلام رغم أن صلحهم كان أقل من ثورة الإمام الحسين عليه السلام، وقد أبدوا عنادًا لا متناهياً، بل وسبّوه بـ “يا مذلّ المؤمنين”.
وفي أوساط المسلمين والمؤمنين الظاهريين يظهر الكثيرون منهم في مواقف الامتحان، وحينها يفضح نقص الإيمان والتزام الانقياد الكامل.
لذا، فإن الحركة الشيعية الأولى، رغم ظهورها كشيعية، قد تحمل في ذاتها عنادًا مع المنهج.
لا يُعدّ العصيان تمردًا أو قيامًا، حتى وإن كان يمتلك بعض مظاهر النهضة، بل هو عكس الحركة والقيام.
الصورة الأخرى الممكنة أن يكون قائد النهضة خاليًا من الحقد، ويدّعي مطابقة نهضته لطريقة حضرات المعصومين عليهم السلام، أو يمتلك دليلًا شرعيًا ظاهرًا على ادعائه، ويستوفي شروط الإثبات الشرعي، أو أنه يفتقر لأي دليل شرعي أو سند طريقي، ويكون جهله أو نقص صبره أو تضحياته العاطفية هي أسباب قيامه.
في الحالة الأولى، أي الجهل وعدم الإدراك، لا يُرتجى له أجر عبادي، وقد يُحاسب في الآخرة، بل قد يؤدي إلى آثار سلبية تضعف مكانة الشيعة في المجتمع.
أما الحالة الثانية، التي تقوم على نقص الصبر والعاطفة، فهي قد تستحق رحمة الله فقط، ما لم يصحبها تقصير أو تعجل نفسي، وإلا فلا تخلو من سوء نية.
في الحالة الثالثة، حيث يكون الدافع التضحية والإيثار، يُمكن اعتباره في رحمة الله، وتُعتبر نيته خالصة وطاهرة، ولا يُؤخذ في الاعتبار دافع الحركة نفسها، لأنه لا يمتلك سندًا شرعيًا، وإنما يمكن اعتبار إيثاره ومحبة الحق التي دفته هي وصوله الحقيقي إلى الحق.
أما الصورة الأولى التي تمتلك سندًا شرعيًا وحجة ظاهرة، فتتقسم إلى حالتين: إما أن يكون القائد مؤهلاً للاستناد ولديه القدرة على تقديم الحجة، أو لا يكون كذلك، فلا يُمنح أتباعه الصلاحية للإسناد، ويقتصر الدعم على الإعجاب والحماية، وفي هذه الحالة تكون ادعاءات السند بلا أساس عصمة، ويجب تصنيف هذا النهج ضمن الحركات التي تقوم بلا سند شرعي، اعتمادًا فقط على الجهل أو العاطفة أو الإيثار.
إذا كان للسند الشرعي وجود، وقيادة النهضة أهلٌ للاختصاص، فهناك حالتان:
الأولى: حصول إجماع أهل الإثبات على شرعية الحركة والقيادة، فلا معارضة بين أهل النظر، ويُعتبر هذا الحركة ذات قيمة خاصة، ويمكن المطابقة نسبياً بينها وبين نهج المعصومين عليهم السلام، مع استمرار الطريق بثقة واطمئنان، ومن دون خوف من النتائج الأخروية.
الحالة الثانية: وجود سند شرعي فقط لدى القائد، لكن بقية أهل الإثبات والمرجعيات الدينية تتجنب الدعم، وتنقسم إلى ثلاث حالات:
- أن يكون القائد مستوفياً لكل الشروط، وأهل الإثبات لا يمتلكون هذه المؤهلات.
- أن يكون الآخرون أحق وأفضل.
- أن تكون الكفاءات متساوية.
في الحالة الأولى، لا يستطيع الفقهاء التأثير على القائد المتفوق إلا من خلال الإرشاد، ويُصبح طاعته واجبة، خصوصًا في القضايا الاجتماعية والسياسية الكبرى.
هذه الحالة تكتسب قوة الإجماع وتُضفي استقرارًا خاصًا على الحركة.
في الحالة الثانية، لا يكون القائد متفوقًا على الآخرين، مما يعني نقص السند، ويجب قبول إرشاد أهل الإثبات الأفضل، لأن الأحقية الكاملة تلغي النسبية.
في الحالة الثالثة، وجود تكافؤ بين الفقهاء، تنقسم إلى:
- صمت الآخرين وعدم إصدار فتوى.
- صدور فتوى معارضة من بعضهم، خصوصًا إذا كانت القضية عامة ومجتمعية.
في الحالة الأولى، يستمر الاستقرار العام، لأن صمت المتساوين يعادل قبول الفتوى للقائد.
في الحالة الثانية، يؤدي وجود الفتوى المعارضة إلى تعقيد الوضع، إذ تمتلك هذه الفتاوى نفوذًا، ويُحتمل توقف المجتمع، وهو خطر كبير على النهضة بسبب الأعداء الداخليين والخارجيين.
لحل هذه المشكلة، ينبغي على جميع أهل الإثبات والفقهاء المتكافئين الاجتماع والنقاش لتوحيد الآراء قبل وقوع أي تعطل، عبر مراجعة الحجج وتجنب تعدد الفتاوى، وهو أمر ممكن مع توفر العدل والتقوى.
التعرف على القادة الدينيين في عصر الغيبة
يطرح هنا سؤال مهم حول كيفية التعرف على المجتهد الأعلم، وما هو معيار التعرف عليه؟
يُعدّ هذا من أهم مسائل القيادة في فترة النيابة العامة للعلماء العدول وأهل الشروط، ولها أهمية علمية وشرعية وعملية في تاريخ حياة الشيعة في عصر الغيبة.
يمكن تلخيص أبعاد هذا الموضوع في:
- معيار العلم وأهمية ضرورته.
- مقدار وجودة العلم والكفاءة.
- طريقة اكتشاف ذلك للمجتمع والعامة.
- تحليل الصفات وعدم تجمعها في فرد واحد.
- تقسيم الصفات الشرعية والعقلية وشروط كل منها.
بعد غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، كان المؤمنون وأهل الشريعة في الشيعة يقلّدون بدقة كبار العلماء وأهل الشروط، رغم أن كثيرين من العامة يحتفظون فقط باسم التقليد دون اهتمام عملي كبير.
إن هذا التقليد الحتمي استمرّ بفضل طريقة المعصومين عليهم السلام في حث الشيعة عليه بالإشارة والكناية، سواء شخصيًا أو عمومًا.
ينقسم هذا التقليد إلى جزأين: الأصل في التقليد والاتباع، والتقليد الخاص للأعلم والأكمل بين العلماء.
ظل العلماء الشيعة يركّزون على هذين الأمرين، ورغم وجود من أنكرهما، فإنهم في الممارسة اتبعوا هذين الأمرين أو كانوا موضوع تقليد.
لذلك، فإن التقليد للأعلم بالعدل هو سيرة مؤكدة وطريقة لا مناص منها في عصر الغيبة، وهو الأساس لكل الأدلة والتعابير المرتبطة بهذا الموضوع.
غالبًا ما تُقدم الأدلة النقلية لإثبات الأمر الأول، والعقلية لإثبات الثاني، مع وجود بعض النقد، ولكن في المجمل، فإن هذا الأمر مقبول ومثبت بلا جدال.
ما هو الإعلمیة؟ ومن یُطلق علیه لقب الأعلم؟ وكيف یمكن أن یُعتبر شخص ما أعلم عصره؟ وهل یجب أن یكون الأعلم متفوقًا على الجميع في الفقه فقط أم أن التفوق في الأصول والرجال والحديث وغيرها من العلوم ذات الصلة بالقدرة على الاستنباط مطلوب أيضًا؟
یرى بعض العلماء أن جمیع هذه الصفات والمراحل تدخل في تحقیق الإعلمیة، بینما یعتقد آخرون أن بعض هذه الصفات وحدها كافیة، ویذهب البعض إلى الجمع بین بعض الصفات مع شروط أخرى لازمة للإعلمیة.
أولًا، یجب القول إن من حیث الإثبات ومن جهة الإمكان والوقوع، یمكن تصور وجود عالم في عصر ما یبلغ هذا المقام ویكون متفوقًا على جمیع فقهاء زمانه من جمیع الجوانب، وهذا الأمر لیس مستبعدًا.
ولكن هل کانت المرجعیة والتقلید عبر التاریخ بهذا الشكل؟
التاریخ السابق والحالی للمرجعیة یدل على أن الأمر لم یکن واضحًا أبدًا ما إذا کان شخص ما متفوقًا في جمیع الجوانب أم لا، وأن هذا المعیار لم یکن السبب الحاسم في اختیار المرجع. فالشخص الذي یتم اختیارُه كأعلم، رغم تفوقه في بعض الجوانب، قد لا یکن متفوقًا على الآخرین في جوانب أخرى، وهذا أمر لا یخفی على أهل البصیرة والعارفین بأحوال الزمان.
لذا، لا یمكن القول إن وجود جمیع الصفات بصورة کاملة هو السبب الحصري للاختيار، وإنما تلعب عوامل خارجیة أیضًا دورًا في ذلك.
فمن حیث الإمكان الإثباتي، هذا الأمر ممکن، ولیس الحال كذلك في الخارج والتاریخ، ولن یختلف الحال في المستقبل. والتجربة التاریخیة تثبت أن الأمر نسبي، وأن الناس یتبعون المرجع الأعلم نسبيًا لا بشكل مطلق، وأن التقدم في بعض الجوانب والظروف الزمنیة والاجتماعیة والشخصیة یؤثر في اختیار المرجع.
على سبیل المثال، شخص متقدم جدًا في الفقه أو الأصول، وله أساتذة متوفون، وذو تلامذة كُثُر، وله دور وفهم عالٍ في الشؤون الاجتماعیة، قد یتم اختیارُه مرجعًا، رغم عدم توفر جامعیتهم الكاملة في كل العلوم. وهذا الأمر یُبین أن الجمع الكلي للصفات لم یکن السبب الرئیسي في قیادة الفقهاء.
وهذا الموضوع فیه الغموض والحقائق المتعددة والنقاشات التي تخرج عن نطاق هذا البحث، والواقع یدل على أن الإعلمیة أمر نسبي، ولا يمكن المطالبة بها بشکل مطلق، ولا یوجد دلیل قاطع على غیر ذلك.
فالتبع لأعلم في مقام الإثبات ومن حیث الإمكان أمر مسلم ومشروع، ولیس الواقع تاریخیًا كذلك إلا بشكل نسبي، وهذا النسبي هو الذي یُعتبر کافيًا، وأیضًا أكثر من ذلك غیر متاح ولا معقول.
وإثبات الإعلمیة بشكل مطلق یتطلب طریقًا معقدًا یستلزم تصدیق أهل الخبرة لذلك، وهو أمر صعب الحدوث لأن وجود أكثر من مدعی للإعلمیة المطلق غیر ممکن، حیث إن مصطلح الأعلم یدل على الحصر في شخص واحد.
وکذلك، عبر التاریخ، إذا ادعى بعض أهل الخبرة إعلمیة مجتهد ما من جميع الجوانب، فإن آخرین یدعون ذلك عن مجتهد آخر، وقلیلًا ما یحدث أن یتفق جمیع أهل الخبرة على إعلمیة مطلقة لفرد واحد.
لذا، وجود الأعلم ممکن من حیث الإثبات، ولیس من حیث الإثبات الخارجی، والبحث فیه هو عن أمر غیر واقع، ولا بد من قبوله نسبيًا من حیث الظروف والشروط.
والمجتهد المتفوق نسبيًا یُعرف بثلاث طرق عامة:
- أن یتعرف هو بنفسه على جمیع المجتهدین بعصره ویقیّم قدراتهم علمیًا بموضوعیة ودون تحیز شخصي أو اجتماعي.
- أن یصدّق اثنان من العادلین أهل العلم بهذه الإعلمیة، شریط أن لا یعارضهم آخرون من العادلین.
- أن یتفق عدد من أهل العلم على إعلمیة شخص ما، ویُعتمد هذا الاتفاق إذا كان موثوقًا به.
وعلیه، فإن الإعلمیة إما أن یكتشفها الشخص بنفسه، أو یثبتها بالدلیل الشرعي والبینه، أو تستقر عبر اتفاق العلماء.
وطبعًا هذه الطرق الثلاثة تؤدي إلى إطمینان شرعي یوجب الالتزام بطاعته، وليس مجرد إثبات موضوعي.
وطریق التعرف بنفسه یستلزم معرفة مبانی المجتهدین كافة، وقدرة على نقدها بعینیة، وعدم تأثیر بالعلاقات الشخصیة والاجتماعیة.
وطریق إثبات الإعلمیة عبر إثبات إثنان من العادلین یستلزم أن یکون الاثنان عالمان وعادلان، مع المناقشة المستمرة حول مدى وجوب الاطمئنان لأقوالهم وما إذا كانت علیها نقض.
وطریق اتفاق أهل العلم یرتكز على الإطمئنان إلى قولهم، وليس شرطًا أن يكون جميعهم عادلین، لأن الإطمئنان هو المهم.
ولكن في حالات اختلاف الآراء وتعددها، من الصعب الحصول على إطمئنان واقعی إلا إذا تم الاتفاق على إعلمیة مطلقة من دون معارضة، وهو أمر نادر.
إذًا، الطرق الثلاثة بالرغم من كونها ممکنة نظريًا، إلا أنَّها عمليًا صعبة، ولا توجد طريقة واضحة ومشترکة لإثبات الإعلمیة مطلقًا، إلا نسبيًا حسب الظروف.
وأكثر علماء الفقه یقرّون أنه في حالة وجود إطمئنان نسبي إلى إعلمیة مجتهد ما، يجوز الاقتصار على احتمال إعلمیته.
أما الصفات الشرعیة للزعیم أو المرجع فهی: الإعلمیة والعدالة والإیمان، وجمیع العلماء یتفقون على ضرورة وجود هاتین الصفتین الأولى والثانیة على الأقل.
أما العدالة، فإنها – کما الإعلمیة – نسبیة فیما یتعلق بالکشف عنها، ولا یمكن الوصول إلى معرفتها تمامًا إلا في الحالات الحساسة وبالمظاهر الظاهریة.
وبهذا، نختتم النظرة العامة إلى بحث الإعلمیة وشروط الزعامة الشرعیة.
وأمّا البحث التفصيلي في مسألة العدالة في هذا المقام فليس من موضوعنا هنا؛ إذ ليس من الضروري لإثبات الشرعية أن يكون الفرد أعظم الناس عدلاً، ولا يشترط اتباع العدل المطلق إلا في حال تساوي باقي الشروط، وهذا الأمر قد ثبت في مواضع أخرى.
والذي تمَّ التطرّق إليه حتى الآن يخص الجانب الإثباتي فقط، وأمّا من جهة الواقع الخارجي فهو أمر خفي، وغالبًا ما يُنظر إليه من خلال المظاهر الظاهرية فقط، ولا يلزم التعمق أكثر من ذلك.
وبذلك نكون قد انتهينا من عرض هذه النقاط المتعلقة بالإعلمية وشروط الزعامة الشرعية بشكل موجز
شروط العقلانية والعقلية في القيادة
أما في مجال الشروط العقلانية والعقلية للزعيم، فيُقال في المناقشات الاجتماعية والسياسية إنّ هناك شروطًا يجب توفرها في منصب القيادة، من بينها القدرة على الإدارة، والذكاء، والشجاعة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون على دراية كاملة بموقعه الاجتماعي وبالمجتمع الذي ينتمي إليه. وبصفة عامة، في كلّ حركة سياسية واجتماعية، ولا سيما في الثورات، يجب أن يمتلك القائد الشروط العقلية العامة لكي يتمكن من إدارة الأحداث المختلفة والصراعات المحتملة في هذا التيار بكفاءة.
وبهذا الصدد، يطرح السؤال: هل تتطلب منصب القيادة والمرجعية الشيعية في زمن الغيبة الصفات العقلية والعقلانية المذكورة، أم هل يكفي توافر العلّمية الشرعية والعدالة الشكلية لكي يلزم المكلف طاعته؟ وهل وجود هذه الصفات العقلية أمر ضروري أم لا؟ وهل الصفات العقلية المضافة على العقلانية التي يقصدها الشرع ذات موضوعية شرعية، أم أن الشرع صامت في هذا المجال ولا دليل ديني عليه؟
يُعتمد في الإجابة على هذين السؤالين على معرفة معنى العدالة.
معنى العدالة
لدى الفقهاء، تُعرَّف العدالة على أنها حسن الظاهر، وبأقصى حد، ملكة الصدق والاستقامة التي تدفع الشخص إلى ترك المحرمات وأداء الواجبات، بحيث يكون العادل هو من يمتنع عن كل ما نهى عنه الشرع ويفعل ما أمر به دون تقصير عمدي أو وعي.
أما الفلاسفة، فيرون العدالة باعتبارها ملكة متزنة، تتحقق عند استواء المزاج والنفس والعقل للفرد، ويُشترط لهذا الاستواء توافر صفات الحكمة والعفة والشجاعة. وكلّ من هذه الصفات له مدلول خاص يضمن أن تسير القوى الإرادية تحت سلطة العقل، وإلا خرج الفرد عن حدود العدالة إلى الإفراط أو التفريط.
العدالة في الفقه والعرفان
- من وجهة نظر الفقهاء، يكفي لأهل العدالة أن يلتزم بالواجبات وينأى عن المحرمات، حتى لو لم يكن يتمتع بالصفات العقلية كالتدبير والإدارة والشجاعة. لذلك، هذه الصفات العقلية ليست من لوازم العدالة، ووجوبها للقيادة يجب أن يُستدل عليه من دليل آخر.
- أما من وجهة نظر الفلاسفة، فالعدالة تشمل كل الصفات العقلية، وتتضمن ما قاله الفقهاء. لأن ترك المعاصي يتطلب إرادة قوية وملكة عدل، والعدل لا يتحقق بدون شجاعة وذكاء. وعليه، تُعدّ هذه الصفات العقلية من صفات الشرع، ويجب أن يتصف بها القائد.
وجهة نظر الفقهاء والفلاسفة في حكم الشرع
- الفقهاء يرون أن هذه الصفات لازمة للقيادة، لكن لا يوجد دليل شرعي صريح عليها، وإنما حكم العقل يدعو إلى وجوبها، والشرع لا ينكرها.
- أما الفلاسفة، فيرون أنها ملازمة للعدالة التي لها دليل شرعي، بالتالي هي من صفات الشرع.
القيادة الجماعية أو الشورى في زمن الغيبة
في حالة عدم وجود مجتهد جامع لكل صفات القيادة العقلية والعلمية والاجتماعية، هل يجوز تشكيل قيادة شورى تجمع الصفات المختلفة؟
يُقال: القيادة الجماعية غير صحيحة شرعًا، لأنها تسبب عدم الاستقرار وتفتقر إلى الدليل الشرعي، كما أن كل عضو في المجلس قد يفتقر إلى جزء من شروط القيادة.
لذا يجب تقسيم المسؤوليات بوضوح: فالمسائل الشرعية تُترك للعلماء الذين لديهم القدرة على الإفتاء، والمسائل الاجتماعية والإدارية تُترك لمن لديهم الخبرة الاجتماعية، بشرط أن يكون كل منهما عادلاً. وفي حالة الخلاف يُقدم رأي العالم الشرعي في القضايا الفقهية.
الخلاصة
تُعتبر الطريقة التي تم تناولها أساسًا للطريقة الصحيحة للثورات والحركات في الإسلام، وهي طريقة حضرات الأئمة المعصومين عليهم السلام، وطريقة أتباعهم الصالحين.
كما أُشير إلى أن كل ثورة أو حركة منسوبة إلى المرجعية الشيعية ذات الشروط الشرعية المتوافرة تتفق مع منهج الأئمة عليهم السلام، مع احتمال وقوع أخطاء غير مقصودة في بعض جوانبها.
كانوا يريدون القتل. كم من تراب هذا الوطن قد تُرِكَ بيد الآخرين بسبب العجز التام، وأحيانًا نهبوا مناطق من ديار الغير. كان إيران في بعض الأحيان تعادل العالم، وفي أحيان أخرى كانت خرابًا ودمارًا. أحيانًا تمتد من الغرب إلى الشرق، وأحيانًا تتعدى من إيران إلى الروم، وأحيانًا أخرى كانت عاجزة ومرتبكة في الحروب مع الآخرين، وفي جميع الأحوال لم يحرموا أنفسهم من الفرح والسرور العميق والروحاني. هؤلاء الظالمون، الجهلاء بالله، كانوا دائمًا ينهبون الناس سواء في الحرب أو في فرط الشهرة والشهوة، وكانوا يلعبون بالناس كأنهم كرات تُرْمى.
كانت إيران كالفصول المختلفة، تمر بحالات متباينة بحيث لا يمكن تحديد حدودها من أين إلى أين، لأن حدودها تغيرت في كل عصر وزمان.
تغيير حدود إيران في أزمنة مختلفة دليل واضح على عدم ثبات فكر الملوك. في أوقات كانوا يمتدون من نهر سيحون وسمرقند وبخارى إلى آسيا الصغرى تحت سيطرتهم، وأحيانًا كانوا في قلب إيران ضعفاء معرضين للاستغلال من أعداء داخليين وخارجيين.
يمكن وصف تاريخ الملكية: كان الملوك مظاهر للقوة والظلم، والتعسف والعدوان، والسيطرة والغلبة، وشياطين للتجاوز والكبر، وهذا جانب من حياتهم. الجانب الآخر هو أنهم، رغم كل العدوان والصراع، لم يفتقدوا للانغماس في اللهو والملذات والفسق واللذائذ، حتى أصبح ظلمهم وشهوتهم جزءًا لا يتجزأ من فكرهم.
دليل واضح على وحشيتهم وجريمتهم هو طريقة اختيارهم للحكم. كل تاريخ الملكية في إيران شهد أن كل واحد منهم كان يقضي على الآخر بالقوة ويحل محله، ما عدا أولئك الذين كانوا من نسل الملوك وأحفادهم.
هنا من الضروري التنويه إلى أن النفي المطلق لفئة أو جماعة اجتماعية، وهو عنوان اعتباري شامل، لا يتعارض مع وجود تخصيصات شكلية أو حقيقية أو نسبية لهم.
إذا وجد من بين هؤلاء الظالمين من يظهر فيه بعض الخير، فإن حسنهم ليس ذا قيمة؛ لأن الخير من سرور الباطل أو تظاهر الخير لأجل الشهرة لا يعدو كونه مكسبًا شكليًا دنيويًا.
فالملكية كانت هدية منحها هذا الوطن وشعبه قبل نحو سبعمائة عام قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وظلت حتى زمن النبي والدور الإمامي والغيبة، إلى أن تحقق نص الطبيعة الصريح الذي يقول إن الظلم يؤدي إلى هلاك الظالم، وبعون الله وعزيمة الشعب الشيعي في إيران وجميع الأمة، أُزيلت هذه العار والوصمة من كاهل هذه الأمة.
فليكن ذلك بفضل الله وشكر الشعب، أن يبقى هذا الأمر متحققًا في هذه البلاد إلى الأبد، وأن تتوفر الأسس لتوسيع ذلك كنموذج خالد في جميع أنحاء العالم.
إيران الإسلامية والروحانين
عندما وُلد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا العالم المادي، كان العالم كله غارقًا في الظلم والقوة الغاشمة، والنهب والشهوة بلغت أقصى درجاتها، وكانت إيران آنذاك تحت سيطرة شيطان شرير الخُلُق مثل أنوشيروان.
عاش النبي محمد صلى الله عليه وآله حياته الطبيعية ومراحل نموه المادية، واستمر في مسيرته الطبيعية حتى جاء وقت البعثة بتقدير الله ومشيئته، وبصبره على المشقات العديدة، نشر الإسلام بسرعة خارج شبه الجزيرة العربية، حتى بعد رحيله واستشهاده، بدأت إيران حياة جديدة في ظل نور الإسلام.
على الرغم من أن داخل الأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وآله ظهرت الأصوات الشيطانية التي نشرت انحرافات، وفعلوا ما لا ينبغي، لم يتوقف الإسلام عن سيره الطبيعي، بل ازداد انتشارًا حتى صار دينًا عالميًا وعقيدة شاملة ومشروعًا شاملًا، ولا يزال يرن صداها في شرق وغرب العالم.
انتشار الإسلام أدى إلى تطور ثقافي وعلمي واسع في العالم الإسلامي، وخاصة في البلدان الشيعية وخاصة إيران، حتى أصبحت من أكبر المراكز العلمية للشيعة مثل المدينة، والكوفة، وبغداد، ومكة، وتحول كامل إيران إلى مركز العلوم الإسلامية ومهد نمو الفكر الشيعي العميق والدقيق.
من القرن الرابع والخامس الهجري، أصبحت المدينتان المقدستان قم والري مركز ولادة ونمو كبار علماء الفقه والحديث مثل الآيات والأعلام الشيعية كالسيد كليني، والسيد الصدوق، وابن قولويه، والمفيد، وابن جنيد. حياة هؤلاء العظام، وخاصة شيخ الطوسي، جعلت إيران مركزًا لنمو كافة العلوم الإسلامية، من الفقه والحديث والأدب إلى علم الفلك والمنطق والفلسفة والتصوف، وتأسست العديد من الحوزات العلمية في مدن مختلفة في إيران، وشهدت العلوم النقلية والعقلية، والعلوم العادية والباطنية، انتشارًا واسعًا.
كان الناس في هذه الأرض مرتبطين بالدين والعلماء، بحيث كان لكل منهم اتصال بعالم ديني، حتى صار عامة الناس تعتبرهم مرشديهم الدينيين، وبمرور الزمن أصبح الإرشاد والنصح وحل القضايا الدينية والاجتماعية من اختصاص العلماء الدينيين، واعتبرهم الشيعة مربين روحيين وقيادات إيمانية، وكانوا في الظاهر والخفاء دائمًا منقادين لهم.
سبب المحبة والمودة بين الشعب المسلم والشيعي من جهة، ونقاء وصدق وعلم العلماء من جهة أخرى، كان السبب الأساسي في انتشار الدين والعلم ونفوذ الروحانيين في إيران، حتى أصبحت الطوائف والأقوام والفِرَق الأخرى، رغم كثرتها، في الأقلية ومهمشة، ومع مرور الوقت أصبحت الشيعة والروحانيون رسميين، والقوانين المجتمعية فُسرت فرضًا بيدهم، رغم أن الملوك لم يكونوا يريدون ذلك.
انتشار النفوذ الاجتماعي للعلماء في عمق نفوس الناس جعل غالبية الظالمين يظهرون أنفسهم مطيعين للدين والعلماء، وهذا دليل على تعمق راسخ في قوة هؤلاء.
بسبب التفاعل الذي نشأ بين الشعب والروحانيين، وهم من أبناء هذا الشعب، ازدادت الحوزات العلمية وتكاثر العلماء.
كثرة العلماء والكتب التي ألفوها أفادت إيران بعلومهم، وأغنت الأمة الإسلامية فكريًا وعقائديًا، وحمتها من انتشار ثقافات أخرى.
وفي هذا المقام، لاستذكار جهود العلماء الشيعة الكبار، أذكر بعضهم حسبما أذكر من أسمائهم، ليس لمرتبتهم بل لتكريمهم.
هؤلاء العلماء الذين هم نور وأمل شعوب إيران، معروفون جدًا لدى المجتمع الإيراني، فذكر اسم أي واحد منهم يذكر الجميع في الذاكرة، لأنهم أبناء هذا الشعب العظيم.
الثقافة الشيعية الغنية التي نشأت في إيران أنجبت علماء كبارًا مثل الشيخ المفيد، والشيخ الصدوق، وثقة الإسلام الكليني، والشيخ الطوسي، وابن براج، وخوجه نصير الدين الطوسي، والعلامة الحلي، والمحقق الكركي، والسيد بن طاووس، وابن إدريس، والشيخ حر العاملي، والمحقق الداماد، والشيخ بهائي، والشهيد الأول، والشهيد الثاني، والشهيد الثالث، والعديد من الشهداء الآخرين، والشيخ الأنصاري، والمرحوم آخوند صاحب الكفاية، والمرحوم كمباني، والمرحوم نائيني، والمرحوم فشاري، وآقا باقر بهبهاني، والمجالس الأول والثاني، والسيد علي صاحب الرياض، ومرزا الشيرازي، وبوعلي سينا، والملا صدرا، والقطب الراوندي، والبحرالعلوم، والكاشاني، والأصفهاني، وطباطبائي، والمقدس الأردبيلي، والنراقيون، واليُزديون، والتفريشيون، والسمنانيون.
منذ ظهور الإسلام وحتى اليوم، يشكل هؤلاء العلماء والشهداء زخمًا عظيمًا في تاريخ إيران، وركبهم أسمى من دم الشهداء، وكل مرحلة من هذا التاريخ الحزين مرّ بها علماء كثيرون بالحرقة والفخر، ورحلوا، وتركوا وراءهم قصصًا وكتبًا متنوعة في جميع العلوم والفنون كدليل على ذلك.
كتبهم انتشرت في إيران والعالم اليوم، وأثارت إعجاب الباحثين والمفكرين. سواء أحبّهم الأعداء أم أبوا، فإن الدين يؤثر على الفكر العالمي المعاصر. هذه الكتب هي مصدر إلهام لمجتمع الشيعة في العالم وإيران، ومعلم للأجيال القادمة.
لذا يمكن القول إن علماء الشيعة بحق هم رجال عظماء ومجتهدون نشأوا في حضن القرآن الكريم والأئمة المعصومين عليهم السلام، ومن قلب الشعب المعانِ، وامتلكوا أفكارًا عظيمة في جميع المجالات العلمية والعملية.
من خصائصهم البارزة أنهم ناس مجتهدون ومثابرون، وذو فكر نير، وراضون، وهم ثمرات الإسلام والإمامة والشعب.
هذه المجموعة تشكّل مزيجًا من مناصري الشاه، والمتديّنين، وغير الملتزمين، والطلاب الجدد في المدارس. لقد ظهروا بهدف إحداث ثورة فكرية في إيران، وتمكنوا من وضع أنفسهم في ميدان المجتمع إلى جانب الجماعات الأخرى.
كانت حريتهم في التفكير، وثورتهم، وتحولهم الفكري يشملان إصلاح المجتمع وإعادة النظر في المبادئ الدينية. كانوا يرغبون في دين جديد وعالم جديد معًا وبشكل متداخل ومتجدد، وقد سعوا من خلال ذلك إلى تهدئة اضطرابات المجتمع الإيراني. هؤلاء الحداثيون، سواء شاهدوا أوروبا والعالم الغربي أم لا، عرفوا الدين في قالب دنيوي فقط، ولم يروا الآخرة سوى امتداد للدنيا، وكانت تحليلاتهم كلها تعود إلى المادية والمادية الجدلية والإنسانية.
كانوا يطلبون القوة من الملوك، والدين من رجال الدين، والحضارة من الغرب، ورغم أنهم لم يقبلوا أيًا من هذه المصادر تمامًا، فإنهم في الوقت ذاته كانوا يقبلون الثلاثة، واعتبروا أنفسهم تجمعًا لهذه الثلاثة، وبالتالي كانوا يرون أنفسهم مستقلين عن أي منها؛ خاصة وأن لديهم دعمًا خارجيًا. كما روجوا الثقافة الغربية، بكل مساوئها، للمجتمع الإيراني، واعتبروا العالم الغربي عاملاً للتقدم والنهضة لإيران، فاستقبلوه حتى إنهم بحثوا عن نماذج فكرية ودينية خارج البلاد.
(62)
وصل هذا الأمر إلى ذروته في عهد شاهَي پهلوي. أصبحت الفجور والرذيلة وانعدام الحياء والانفلات الأخلاقي سمات الحداثة، وصنف المثقفون المجتمعيون على أنهم من أتباع الغرب، وأطلقت على الرذيلة أسماء عديدة من بينها الحضارة والحداثة، وكان يتم تشجيع المجتمع عليها. وبالطبع، كانوا يستخدمون في دعاياتهم كلمات ذات حمولة عاطفية كبيرة، وبأسماء متعددة يحاولون خداع الشباب وجذب الجماهير. لقد ترسخت أفكارهم في مختلف طبقات الشعب الإيراني بحيث لم يعد بالإمكان تجاهلها بسهولة، وهي اليوم كمرض معدٍ وخطير يغطي المجتمع وينمو بهدوء وخفاء من خلال برنامج ثقافي يتطلب مواجهته اتخاذ تدابير حكيمة على المدى الطويل.
تنتشر هذه الأفكار بين الملكيين، والذين سافروا إلى الخارج، والمتدينين، وبعض الذين يرتدون العمائم، لكنهم قليلوا النفوذ وحادّوا في مواقفهم.
يريد هؤلاء دمج الدين والدنيا، وفرض إسلام أوروبي ومتداخل بدلاً من الإسلام النقي المحمدي والعلوي، وقد استثمر الأجانب والأجانب كثيرًا في هذا المجال.
المجتمع الإيراني
بعد بيان هذه الأبعاد الثلاثة المهمة والأساسية في المجتمع الإيراني، ودراسة دورها تجاه الناس، يمكن التعرف على الشعب الإيراني بشكل جيد، إذ إن اتجاه قيادتهم ووسائل رزقهم المادية والمعنوية أصبحت واضحة، كما تم التعرف على العوامل المحركة لوجودهم وحركتهم أو ركودهم. وباختصار، فإن هذه الأبعاد الثلاثة الخاصة بوظائفها المختلفة هي التي تشكّل سلسلة التحكم في وجود وشخصية الشعب الإيراني، سواء كان ذلك خيرًا أو شرًا، قبيحًا أو جميلاً. ولهذا، يجب أن تُستخلص خصائص الشعب الإيراني والمجتمع الإيراني من خلال هذه الأبعاد الثلاثة، لكي لا تكون خارج إطار القواعد العامة للعلوم الاجتماعية.
بعض الخصائص العامة للإيرانيين هي: الروح القتالية التي تعد من امتيازات الإيرانيين، رغم أنهم لا يستطيعون التخلّي بسهولة عن البساطة والتهاون. تعدد الجماعات والكثير من القبلية والصراعات الدينية تؤرق المجتمع الإيراني، رغم أن بعد الإسلام وتحت ظل العناية الإلهية والولاية والإمامة والتشيّع، حازوا على وحدة دينية وتماسك نسبي.
روح الكبرياء والغرور تحافظ على نشوتهم في كل الظروف، رغم أن الرحمة وسرعة العفو من صفاتهم كذلك.
العنف والفوضى هما شعارهم الموروث، مع أنهم تحملوا الكثير من الألم والمعاناة عبر التاريخ.
الغريزة الجنسية عندهم قوية وبارزة، رغم أن دينهم قد كبحها إلى حد ما وبطرق متباينة. كذلك فإن السذاجة والوقوع في الخداع تتبعهم كظل، وهم سريعو الندم وقبول العودة.
قلة المراعاة لبعضهم في حياتهم اليومية ملحوظة، وبعض التجار منهم يفتقرون إلى العدل، رغم أن مرونتهم تعوّض هذا النقص.
في إيران، يمكن إيجاد نماذج من كل قومية وطائفة ومذهب، مع أنهم جميعًا يتبعون دومًا بقلب واحد طريقًا واحدًا ويصلون إلى مصير واحد.
في بعض الثورات والتاريخ، يظهر أنهم سريعو الانجرار وراء كل خير أو شر، أو خداع وتمويه، ولكنهم سرعان ما يعودون عن ذلك، ويبقون ملتزمين بشكل عجيب بالدين والإيمان الظاهري والقلبي.
شهد تاريخ إيران العديد من التقلبات، ولكن للأسف قلة هي الفائدة الفكرية والنمو العملي المستفادة منها. نسيان الماضي من خصائص الإيرانيين، لكن عنادهم بين الحين والآخر حافظ عليهم من الانهيار الكامل عبر التاريخ.
نناقش الارتباط الفكري والثقافي بين هذه المناطق، حيث يُلاحظ وجود نقص اجتماعي وضعف في النمو الثقافي في تلك المناطق، مما يؤدي إلى قلة انتشار الأفكار الرفيعة فيها.
روح التعاون والاجتماع في هذه المناطق ضعيفة جدًا، وهو عامل رئيسي في تأخرهم الثقافي والاجتماعي. الفردية ونظرة الأنانية تؤديان إلى تضييق الأفق وضعف التقدير.
المدن المذكورة تتميز من ناحية الإيمان والاعتقاد بكونها من أفضل مناطق البلاد، حيث نشأت فيها علماء كبار كان كل منهم ركيزة قوية في ترسيخ الدين. الجذور العلمية والدينية لهذه المناطق قديمة، وكانت فيها دائمًا حلقات علمية وعلماء دينيون كُثُر، ولا تزال تلك الحلقات تحتفظ بقوتها النسبية بسبب إيمان الناس بالدين والعلماء.
توجد بعض الضغائن القبلية بين هذه المدن، مما قلل من روح المبادرة والتجديد فيها ولم تشجع على الحركات الجديدة.
الزراعة هي المهنة الرئيسية لسكان هذه المناطق، والحضارة الحضرية فيها نادرة، مع هيمنة الطابع الريفي على المدن، ولا توجد فروق كبيرة بين حياة المدينة والقرية فيها.
الروح الدينية والثبات على العقيدة في هذه المناطق عالية جدًا، ولا يشكل أي خطر تهديدًا لإيمانهم، ولكن روح الجمود وعدم النشاط أدت إلى انحراف ثقافي.
يزد
مدن محافظة يزد، وخاصة مدينة يزد مركز المحافظة، من المدن الفريدة ليس فقط في إيران بل في العالم. سكان هذه المنطقة من أشرف الناس، وهم ذوو ذكاء خاص، ويُقلّ فيها الظلم والإيذاء.
هذا الشعب لم يبتعد قط عن الدين وكان دائمًا من أفضل المدافعين عنه. طبيعة الصحراء الجافة والجبال جعلتهم أقوياء وثابتين بحيث لا يمكن رؤية روح اليأس بينهم.
صدقهم ونقاوتهم أنتجت علماء كثيرين وكبارًا من هذه الأرض، منهم العلماء المحترمون الذين كان لهم دور بارز في تأسيس الحوزة العلمية في قم، مثل السيد آية الله الحائري، ونجله المكرم السيد مرتضى الحائري، الذي يُعتبر نموذجًا للعلماء الحقيقيين.
يزد من أقدم مدن إيران، ويتميز سكانها بالتوكل، والاجتهاد، والاقتصاد، والإسلام. تُعد مدينة يزد «سيد» مدن إيران من حيث الدين، وهي الوحيدة التي جمعت بين الدين والدنيا بشكل متوازن، فهم رغم تواضعهم لا يخفون تأثيرهم الكبير في المجتمع.
مدن أخرى في المحافظة مثل أردكان وتفت وبافق ليست معروفة كثيرًا، لكن إذا حُلت مشكلة المياه واستطاعوا الاعتماد على أنفسهم فيها، يمكن اعتبار هذه المنطقة من أكثر المناطق اقتصادًا في إيران وفتح آفاق جديدة فيها.
أصفهان
أصفهان من المدن المهمة والمعروفة عالميًا، وتتميز بتاريخها، وآثارها، وفنونها، وجمالها الكبير. سكانها دائمًا يرحبون بالفن والذوق الرفيع.
أصفهانيون معروفون بذكائهم ونشاطهم وشغفهم، رغم أن هذا الذكاء أحيانًا أدى إلى انحراف ونقص في الإخلاص عند البعض.
أصفهان حافظت على ثقافتها ولهجتها الخاصة، ولعبت دورًا مهمًا في كافة الحركات الوطنية، وكانوا يطمحون دائمًا لأن يكونوا في المقدمة، وحققوا نجاحات في ذلك.
المدينة دينية ومُرّت بتجارب صعبة دينية في الماضي، لكنها حافظت على مكانتها العلمية رغم تراجعها النسبي حاليًا، وما زالت تحتضن علماء كبار.
على الرغم من كثرة المدارس العلمية، فإن الازدحام والعدد الكبير للطلاب قلّل من جودة التعليم، بالإضافة إلى الهجرة المفرطة وزيادة النشاط الصناعي التي أدت إلى بعض الفساد، لكن سكانها، خصوصًا المتدينين، قاوموا ذلك بقوة.
أصفهان لها تأثير كبير في إيران والعالم، وأهلها يتميزون بحسن المظهر وروح الطيبة، رغم وجود نشاطات حزبية كثيرة وانقسامات سياسية ومذهبية فيها، وهي مدينة تشهد توترات رغم الهدوء الظاهري.
شيراز
محافظة فارس معروفة بجمالها وخصوصيتها، وخاصة مدينة شيراز التي ترمز إلى الذوق والصفاء والمودة والحب. حافظ شاعرها الكبير يُعتبر من أهم شعراء وأولياء الصوفية في إيران والعالم، وشعره هو مرجع للأدب والروحانية.
المحافظة تحدها محافظات يزد وأصفهان وكريمان وبندر عباس وبوشهر، ومعظم سكانها ريفيون.
شيراز رغم كونها منطقة دافئة، تتمتع بانتعاش وحيوية خاصة، وأشجار النخيل والغابات والأماكن السياحية تجعلها مقصدًا للزوار.
أهل شيراز طيبون، ودودون، وسهل التعامل معهم، ومحبوبون عند الوافدين، رغم أن عدد العلماء في المدينة قليل مقارنة بالحاجة، ووجود مدارس علمية لا يعني وجود نشاط تعليمي كبير، بسبب قلة المراكز التعليمية.
قلة العلماء في المحافظة جعلت الكثير من سكان القرى يجهلون أساسيات الدين، وهذا ساهم في ضعف التنمية الثقافية والاجتماعية. أهل المنطقة كرماء وعاطفيون ومخلصون، لكن بساطتهم حالت دون أن يكونوا في مقدمة المجتمع أو مبدعين فيه.
إيلام
مدينة إيلام هي مركز المحافظة وأهم مدنها، وتعتبر أصغر وأقل المحافظات تنمية في إيران. أصبحت محافظة حديثًا بعد أن كانت تدار كمديرية.
تقع إيلام على الحدود الجنوبية والغربية مع العراق، وتضم جبالًا وأنهارًا كثيرة تتجه إلى دجلة.
هذه المنطقة الأكثر حدية، تفتقر إلى المرافق والخدمات، ويعيش سكانها حياة ريفية بسيطة مع معاناة كبيرة.
رغم طيبتهم ونبلهم، لا يعرف الكثير منهم عن الدين وتعاليمه، وقليلون هم من يأتون لتوجيههم ومساعدتهم روحانيًا.
الأنظمة الطاغوتية لم تولِ أي اهتمام لهؤلاء الحرس الحدوديين ولم تهتم بإصلاح أوضاعهم الاجتماعية.
المناطق التي لم تُعتبر جزءًا من إيران وإنما اقتصرت على الجغرافيا فقط.
يوجد نقص ثقافي ووعي اجتماعي ومعرفة دينية ومستوى معيشة منخفض جدًا في هذه المناطق، مما تسبب في أضرار جسيمة للسكان.
هذه المحافظة، نظرًا لحساسيتها الخاصة من حيث الطبيعة والجغرافيا الحدودية، تحتاج إلى تهيئة البنى التحتية اللازمة للرفاه والثقافة، لكي يجد هؤلاء الناس المحرومون والفخورون أنفسهم.
حركتهم وانتقالهم إلى المدن الأخرى في البلاد، خصوصًا المدن البعيدة، أقل من باقي مناطق البلاد، وهم غالبًا مقيدون في مناطقهم الأصلية ويعانون من الجهد الكبير وقلة النتائج.
الوعي السياسي والمعرفة الاجتماعية في هذه المناطق ضعيف جدًا، وهم لا يفكرون في اكتسابهما، وضغوط الحياة ومشاكلها تمنعهم من تحقيق أي تقدم أو تطور.
باختصار، يمكن القول عن سكان هذه المحافظة إنهم شعب مجتهد، مثابر، عامل، غير مؤذٍ، كريم، راكد، صامت، محروم من نعم الحياة وكثيرًا ما يُحرم من العديد من مزايا البلاد.
أصطهبانات، فسا، داراب وجهرم
سكان هذه المدن من أنقى وأخلص مناطق إيران، دون أن يظهروا أي نوع من التظاهر أو البروز.
(79)
لديهم صدق يزد، حماس شيراز، وحرارة كل منطقة جافّة مع روح الدعابة ولطف التحمل، ويجب اعتبارهم من أكثر الناس مظلوميةً وإيمانًا في إيران.
هذه المدن لم تكن على ألسنة الناس كثيرًا بسبب صغر حجمها وبعدها، وغابت عن أقلام الكتّاب وحكام البلاد، وغالبًا ما تُعتبر ملحقة بمنطقة أخرى يتم التعريف بها من خلالها.
الهدوء الذي يتمتع به سكان هذه المناطق لا يوجد إلا في مناطق قليلة من إيران. من النخيل الشاهقة إلى معاناة السكان الخفية، كلها تعكس صدقهم وقناعتهم.
دائمًا ما برز علماء ورجال مؤمنون صادقون من هذه المدن، وكانوا بمثابة شمس تشرق في سماء منطقتهم المظلمة. منذ القديم وحتى اليوم، كان أبناء هذه المناطق من الطيبين ينتمون إلى صفوف العلماء والمتقين، يتبعون طريق التزكية، وجهرم مثال واضح ودليل حي على ذلك. سكان هذه المدن على الرغم من قلة عددهم، يمتلكون جودة عالية، ومنذ سنوات ما قبل الثورة وحتى انتصارها، كانوا من بين المدن الثورية الأولى وأكبر مراكز المقاومة.
سكان هذه المدن تجسد الحماس والعصف من الوعي، الصوفية، المحبة للدين والعلم. المؤمنون في هذه المدينة لديهم وجه متعب كأبوذر، يعبر عن صدقهم. يمكن رؤية كل هذه الصفات العظيمة في علماء وأهل العلم من هذه المدينة، وبالأخص في العلماء الورعين العارفين بحقوق الناس.
بندر عباس، ميناب ولار
بندر عباس من المناطق التجارية الكبرى في إيران، يتحمل مسؤولية الجزء الأكبر من واردات وصادرات البلاد، والمنطقة بأسرها تعودت على هذا الأمر. بندر عباس هو أحد الموانئ الأساسية في البلاد ومن المناطق المهمة جدًا.
الحرارة في هذه المنطقة عالية جدًا، والسكان معتادون عليها ويرتاحون لها. هذه المنطقة خليط من الحرارة والجهد. الناس في هذه المناطق يعملون بجد ونشاط، وهم مجتهدون ومثابرون.
دخل سكان هذه المنطقة جيد، وكثير منهم يحققون دخلًا مرتفعًا ويستهلكون كثيرًا. الحرارة لا تترك مجالًا كبيرًا للترف والتمتع سوى لفئة قليلة من الأغنياء المنعمين الذين يعيشون حياة منفصلة عن باقي الناس. عوامل مثل الثروة ووجود الميناء والتهديدات العدائية من قبل الأعداء والنظام الطاغوتي، جلبت لهذه المناطق الكثير من التلوث، بحيث يصعب تطبيق القوانين التنفيذية فيها إلا على فئة قليلة حافظت على ورعها. مع ذلك، الجميع يحترم الدين ويلتزم بأصله.
على الرغم من أن بندر عباس هو النقطة الاقتصادية الحاسمة لإيران ومن أفضل المناطق الاستراتيجية في البلاد، إلا أن النظام الطاغوتي لم يقدم أي خدمة حقيقية لسكانه، ولم يعطهم حقوقهم الطبيعية أو يحل مشاكلهم.
في هذه المنطقة من البلاد وعلى طول الحدود الإيرانية توجد موانئ هامة وحيوية، من سواحل بحر عمان مثل تشابهار، إلى مضيق هرمز الذي يعد الممر العالمي الرئيسي، ومن جزيرتي قشم وكیش وميناء لنگه إلى الخليج الفارسي الواسع، وجزيرة لوان، وميناء بوشهر، وجزيرة خارك، وگناوه، والهنديجان، وماهشهر، وميناء الإمام. هذه المناطق المائية الشاسعة تلعب دورًا أساسيًا وحيويًا في مصير إيران، وتشكل جغرافية قيمة جدًا للبلاد.
يمكن لإيران عبر هذه الموانئ أن تربط نفسها بالعالم بأسره، وأن تبرز مكانتها في الساحة الدولية، وأن تستغل هذه النقاط الاستراتيجية بأقصى قدر ممكن.
تتمتع هذه المناطق بنعم إلهية وموارد طبيعية ومادية كثيرة لم يتم استغلالها بعد بالشكل المناسب، بل ظلت في الغالب في حالة ركود أو استُغلت بطرق ضارة.
رغم هذه العظمة والأهمية، فإن سكان هذه المناطق يعدون من أفقر شعوبنا، وغالبهم من أكثر الناس تأخرًا. يعيش معظمهم، الذين يتواجدون بين الماء واليابسة، في أسوأ ظروف معيشية، ويضطرون إلى كسب رزقهم من خلال التهريب وأعمال شاقة ومرهقة.
يعاني سكان هذه المناطق من جهل ثقافي واسع ونقص في الوعي، إلى حد أن عاداتهم وتقاليدهم تختلف تمامًا عن مناطق وسط البلاد، وهم فقط حراس مصالح هذه المناطق.
بالرغم من هذا الفقر والحرمان الجماعي، كان النظام الطاغوتي يسعى دائمًا إلى توفير مستوى عالٍ من الرفاهية لنفسه ولأعوانه المقربين في هذه المناطق، ليثبت مصالحه من خلال ذلك، ويبعد نفسه عن كل مصائب الشعب.
تبدو التناقضات بين الناس وهذه الطبقة الإجرامية واضحة في كل هذه المناطق، بحيث تبهر كل من يشهدها.
الطاغوتيون وبعض أفراد طبقة المرتزقة المحلية لم يشعروا يومًا بحرارة وكدح هذا الشعب، بل عاشوا في بيئات مريحة للغاية وبمرافق متطورة، وهم ينعمون بحياة مليئة بالترف والذنوب، في حين يعيش كثير من الناس في ظروف صعبة بأقل وسائل الراحة.
في كثير من هذه المناطق ترسخت ثقافة منحطة مستوردة وعادات أجنبية إلى درجة لا يمكن معها معرفة أصالتهم. تدخل الأجانب وأذيتهم الثقافية إلى عقول وأفعال الناس، وعدم وجود مواجهة صحيحة لذلك، إلى جانب جهلهم وقلة التوعية الدينية، أدت إلى حالة من الحيرة الحقيقية والارتباك العميق، فلا توجد أجواء مناسبة للتوجيه الديني ولا فرص للإرشاد، بالإضافة إلى الظروف المدمرة التي سببها العوامل القسرية والمصطنعة، مما جعل هؤلاء الناس أدوات للوقائع والكوارث.
هذه المناطق قلما أنجبت علماء، وإذا وُجد أحد، فكان من أهل السنة في بعض المناطق، وبحال يرثى لها، وكانوا بعيدين عن أن يكونوا عناصر تحفيز، بل كانوا مجرد دمى عاجزة محتاجة. وبسبب الظروف الإقليمية لم يكن من السهل على الخارج النفوذ فيها، كما أن الإرادة المحلية كانت ضعيفة، وهذا كان سببًا رئيسًا في ركودهم.
المنطقة الجنوبية: خوزستان
تُعدُّ خوزستان من المناطق ذات المناخ الحار والجاف، مما أعدَّ أذهان أهلها للإبداع والابتكار، فبرزوا في شتى المجالات بتحولات وحركات متجددة. وكانت الجرأة والخلق الخلاق والحرية وروح الجهد وتحمل المشاق دوماً محفِّزة لهم ومشجِّعة على الاستمرار.
على مدار التاريخ، خرجت من مدن الجنوب علماءٌ كبار ومشهود لهم، كل منهم كان بمثابة شمسٍ ساطعة في مجالات العلم والعمل والصدق والثبات. ومن بينهم يتقدم الجميع الشيخ الأجل، الفقيه العظيم والنادر في زمانه، حضرة الشيخ المرتضى الأنصاري، الذي ستظل أفكاره القوية والراسخة مصدر إلهام للشيعة وجميع السائرين على دربهم لعقود قادمة.
بعيداً عن الرجال الروحيين العظام، توجد في هذه الديار أرواحٌ نقيةٌ وقلوبٌ طيبة ومزاجٌ صارم، كل منهم كان وما زال نموذجاً للثبات والنورانية.
لكن ما يستحق الذكر هو أن هذه المناطق عانت دوماً من نقص في العلماء، مما قلل من فرص التوعية العامة لسكانها. إضافة إلى ذلك، فإن الحكام الطغاة كانوا دوماً يسعون لنشر الفساد والفحشاء في هذه المناطق.
باختصار، خوزستان منطقة حارة وعاطفية مليئة بالنفط والزراعة والثروة، ومع ذلك فإن الجزء الأكبر من هذه الثروات يُستغل من قبل سكان المركز. وانتشار الفحشاء والحضارة الغربية وعدم الوعي بأضرارها، كلها عوامل أُثّرت عليها بشدة من جراء الحرب المفروضة التي استمرت عاماً، ويجب أن ننتظر مستقبلاً مختلفاً لهذه المنطقة.
كرمان، رفسنجان، سيرجان، بم وبافت
تُعدُّ هذه المناطق من أجزاء الصحراء في هذه البلاد، ويعيش سكانها في ظل صحراء لوت القاحلة. جفت مياهها وشدت حرارتها، مما أوجد حالات متباينة في المناخ بين أجزاء مختلفة من هذه المناطق.
يتميز سكان هذه المناطق بتركيبة من صفات أهل يزد وشیراز والجنوب؛ فهم يحملون صدق يزد، ولطف شیراز، وجفاف الجنوب، وحرارة المناطق الحارة. ومع ذلك، يُلاحظ وجود نوع من الكسل وقلة التفكير في بعض الحالات.
جغرافياً، أبعدتهم طبيعتهم عن كثير من مفاسد النظام، وعلى عكس الجنوب والشمال، لم يقيدهم النظام الطاغوتي كثيراً بميوله الشريرة وتجديداته. رغم أنهم تأثروا بطبيعة الحال، إلا أن بعدهم عن المركز، ووجود الصحراء، وعدم اهتمام النظام، إلى جانب نجابتهم وتدينهم التقليدي، ساعد على بعدهم عن الفسق والفجور. ومع ذلك، فإن الجهل وقلة الوعي الثقافي تثير القلق.
هناك نقص ثقافي وضعف في الوعي وركود في مصالحهم الاجتماعية والسياسية، بحيث يجب تصنيف معظم هذه المناطق من بين أكثر المناطق حرماناً في البلاد، رغم أنها من أغنى مناطق البلاد طبيعياً.
يحمل سكان هذه المناطق طابعاً من الهدوء والتفاؤل الممزوجين بالتدين والعيش في الصحراء، مع امتداد للأراضي المرتفعة والمنخفضة، حيث يمضون حياتهم.
لقد أنتجت هذه المناطق علماءً جيدين نسبياً، ويوجد بين سكانها العديد من الأشخاص الصالحين، ويُعتبر الدين فيها راسخاً.
في هذه المناطق، توجد مواهب بشرية كثيرة لا تُستغل بشكل كافٍ، وإذا ما تمكنت من الوصول إلى المراكز العلمية، فستكون دعمًا قويًا للدين والوطن.
إيرانشهر، سراوان، زاهدان وزابل
تُعدُّ هذه المناطق، التي تبعد كثيرًا عن مركز إيران، من أفقر المناطق في البلاد، ويجب اعتبار هذه المنطقة تبعية للدولة.
تختلف الثقافة والحياة في مدن زاهدان وسراوان عن باقي المناطق في هذه الناحية، خصوصًا سراوان وزابل التي تتميزان بالجفاف والحرارة. أدت قلة المياه في هذه المناطق إلى جعل الصخور والتراب صلبة كالحجر، وإذا ما وُجدت الراحة والطمأنينة، فإنها تقتصر على المدن فقط، أما صحاري هذه المناطق الجافة والحارة فتمارس ضغطًا شديدًا على الإنسان، فتذيب الحديد كالحديد المنصهر، وتشكل الفولاذ القاسي.
ومع ذلك، فقد تجاهل هؤلاء المراكز الطاغوتية الحاكمة هذه المناطق، ولم يفكروا في توفير الرفاهية والراحة لسكانها، وكأنهم يريدون فقط توثيق ملكية هذه الأراضي باسم إيران، أو لم يدركوا وجود إنسان فيها. وهذا ما أدى إلى انحراف ونقص في التفكير بين الناس المؤمنين والمضطربين في هذه المناطق، وحولها إلى نقطة جذب لتهريب المخدرات، واللصوص الفاسدين، وعوامل التدمير الأخرى، حتى أصبح السيطرة عليها صعبة على أي قوة.
يشتد الانحراف والانحطاط عندما تكون الدول المجاورة الفاسدة كباكستان وأفغانستان بجانب هذه المناطق، فهذان الحليفتان الفاسدتان تزيدان من الفساد والدمار بسهولة. تعتبر هذه الدول من أكثر دول العالم الثالث تقدمًا في نشر الفساد، ولم تخلُ الأراضي الإيرانية من تأثير ذلك، خصوصًا وأن الحكام الطغاة كانوا مصممين تمامًا على ذلك، حيث وضعوا برامج لزرع الفساد في صفوف الشباب وإدخالهم في براثن الإدمان.
يتمتع سكان هذه المناطق البسيطة بطبيعتهم الحرة والبسيطة، ولكنهم اليوم لا يشبهون إلى حد كبير الأشخاص المؤمنين والملتزمين، فالثقافة والإسلام والتعليم والوعي غائبون أو مهمشون، ولا يقتصرون إلا على العادات والتقاليد المحلية.
أصبح العنف والتحريض أمرًا عاديًا في هذه المناطق، مع أن السكان كانوا من أكثر شعوب البلاد سلمية. خلال حكم الطغاة، لم يزر العديد من المسؤولين الخونة هذه المناطق ولم يعرفوها عن قرب، ولم يهتموا بمعرفتها أيضًا.
الشيء الوحيد الذي اهتم به هؤلاء الطغاة كان القواعد العسكرية الأرضية والجوية الحدودية، وذلك إما خوفًا من الأعداء الجائرين، أو من أجل التباهي أمام جيرانهم الضعفاء. وكل راحة أو طمأنينة وجدت في هذه المناطق كانت لصالح هؤلاء العملاء الخونة، أما السكان الفقراء فكان نصيبهم الإكراه والانحراف.
لا توجد روحانية وعلماء في هذه المناطق إلا بأعداد قليلة جداً، ولا يمكن إحصاؤهم، ولم يتركوا أثراً ملحوظًا في نشر الثقافة الدينية هناك، في حين أن التبليغ والإرشاد بواسطة غير السكان الأصليين ومن مناطق أخرى صعب للغاية، ولم يتم القيام بعمل مناسب في هذا المجال.
خراسان
تُعدُّ محافظة خراسان من أميز المناطق المهمة في إيران، وتتميز بصفات متعددة تستحق الدراسة والتحليل.
فمن الناحية الجغرافية، تعتبر هذه المحافظة منطقة حدودية ذات أهمية خاصة للدولة، فهي محاطة من عدة جهات بصحراء واسعة، وترتبط من الشمال بمناطق أخرى.
تُعتبر هذه المنطقة من أغنى المناطق الزراعية في البلاد، وتتفوق في العديد من المنتجات الزراعية على مناطق أخرى، بحيث أنها لو أُديرت بشكل سليم ومتقن، لكانت قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي للعديد من احتياجات البلاد.
أما من الناحية الثقافية والدينية، فتحتل هذه المحافظة مكانة متقدمة في نمو الثقافة الدينية والمعتقدات المذهبية، حيث يُمكن العثور على أكثر الشعوب تمسكًا بالدين في هذه المناطق.
ورغم انتشار الثقافة الاستعمارية والسياسات الخبيثة للنظام الطاغوتي في كثير من المناطق الحضرية، وانتشار النقص الفكري في المناطق الريفية، إلا أنها لم تستطع فصل السكان عن تقاليدهم الدينية أو منعهم من ممارستها.
تتميز المدن المختلفة في هذه المحافظة بخصوصياتها الفريدة، لكنها جميعاً تتسم بمرتبة عالية من الالتزام الديني والمعتقدات التقليدية.
ويجدر التمييز بين المعتقدات الدينية النظرية والواقع العملي، إذ لا يمكن الجزم بأن ممارسات السكان توازي تلك المعتقدات في جميع الحالات.
تُعتبر محافظة خراسان من حيث خصائصها وتاريخها، منطقة فريدة تستحق أن تُدرج في مصاف إيران بأكملها، فهي من حيث الجغرافيا، الموارد، والثقافة، منطقة جديرة بالعظمة والاحترام.
تضم هذه المحافظة مدناً تاريخية ومعروفة على نطاق واسع في إيران، مثل مشهد المقدسة، والتي تعد مركز المحافظة، ونيشابور، وهي من أقدم وأهم المدن التاريخية، بالإضافة إلى مدن مقدسة أخرى ذات قيمة كبيرة في تاريخ إيران.
لطالما كانت هذه المحافظة منارة للإسلام والتشيع، ومركزًا للحوزات العلمية، وداعمًا رئيسيًا للدين والولاية.
في هذه المنطقة تجلت التقوى والورع، وشُهد مظهرهما في نسيج المجتمع، حتى باتت هذه المحافظة مصدرًا للرجال العظماء والعلماء الفضلاء الذين لا يمكن عدهم.
وقد نشأت في هذه الأرض الطاهرة حوزات علمية متعددة، تُعد من أوائل مراكز التعليم الديني، وأنتجت علماء بارزين كانوا مرجعًا لتوجيه المناطق الأخرى.
وفي الوقت الحاضر، تُعتبر الحوزة العلمية في مشهد المقدسة بعد حوزة قم، أكبر الحوزات العلمية في البلاد، ويتم الإشادة بتوسعها ونموها المستمر، كما أن مكانة الاجتهاد والمرجعية فيها مستمرة ومتواصلة.
رغم تعرض هذه الحوزات للمضايقات خلال عهد الطغاة والنظام الجائر، إلا أنها استطاعت الحفاظ على استقلاليتها إلى حد كبير، وتمكنت في النهاية من النجاة من مؤامرات وظروف النظام الظالم.
ومن أهم نعم الله في هذه المحافظة، وجود المرقد الشريف للإمام الرضا عليه السلام، الإمام الثامن من أئمة الشيعة، والذي يُعتبر من أعظم وأشرف المواضع في إيران.
هذه النعمة الكبرى التي أنعم الله بها على أهل إيران وأهل هذه المنطقة، تُعد سببًا للطمأنينة والأمل في قلوب أتباع أهل البيت عليهم السلام.
يُعتبر الإمام الرضا عليه السلام السلطان الحقيقي والمقام الأعلى لشعب إيران، ويتوافد إليه جموع الغفيرة من المؤمنين للتبرك بزيارته.
يُعدُّ مرقده مكانًا للروحانيين والمتعبّدين، ومستشفى للمرضى، ومأوى للعاشقين، حيث يحرسه ملائكة لا يُحصون، وهو بستان رحمة يعمّ كل الكون، ويمدُّ كل المخلوقات برزقها.
خدام هذا المرقد الشريف هم العلماء والأولياء الذين يحظون بالاحترام في العالم، ويجب على إيران أن تعتز بهذا المكان، وتدرك أن هذا المرقد يحفظها من كل شر، وأنه القائد الحقيقي والمالك القوي لهذا البلد، وأن كل قوة تحترم هذا المكان لا بد أن تحترم إيران أيضاً.
ومن الأفضل في هذا المجال أن نلتزم الصمت، فلا تُقال الكلمات التي لا توفي هذه الحقيقة حقها، ولا تؤدي إلا إلى إرضاء النفس، إذ لا يستطيع حتى كبار أهل السماء التعبير عنها.
تكمن أهمية محافظة خراسان في ثرواتها ومواردها، وسكانها، وعلمائها، وحوزاتها العلمية، وخصوصًا بوجود المرقد الشريف للإمام الرضا عليه السلام.
إن هذه المحافظة، بما تحويه من موارد طبيعية وغنى زراعي وثقافي، تُشكّل ركيزة أساسية في بنية الدولة الإيرانية، وتُعتبر من المناطق الحيوية التي لا يمكن تجاهل دورها في استقرار البلاد وتقدمها.
ومع وجود هذا الإرث الديني والثقافي الكبير، إلا أن المحافظة تواجه تحديات عدة، مثل بعض مظاهر الضعف الفكري وغياب بعض الخدمات التعليمية والاجتماعية في المناطق النائية والريفية، والتي تتطلب اهتماماً متواصلاً من قبل الجهات المختصة.
كما أن المحافظة تستفيد من تواصلها مع الدول المجاورة، وتُعد مركزاً استراتيجياً هاماً على الصعيد الجيوسياسي، مما يزيد من أهميتها في السياسة الوطنية والإقليمية.
ولا شك أن المحافظة، بشعبها المحافظ والمتدين، وبالعلماء الذين تربوا فيها، تستطيع أن تكون منارات نور تُرشد وتُوجّه سائر أنحاء البلاد، وتُسهم في ترسيخ القيم الدينية والوطنية.
ختامًا، تُعد محافظة خراسان بحق نموذجًا رائدًا في التوازن بين الأصالة والتطور، بين الإيمان والعلم، وتظلّ منارة مضيئة للتاريخ والثقافة والدين في إيران والعالم الإسلامي.
هذا الإقليم، مع جميع النعم الإلهية التي ذكرها، تعرض لأضرار جمة جراء الكوارث المؤسفة والقصور العديدة، فلم يستطع أهله أن يوفوا حق هذه الخيرات ولم ينجحوا في استثمارها بالشكل الأمثل، فتراكمت عليهم التوقعات الكثيرة مع تقصير كبير في الجوانب العلمية والعملية، حتى يمكن القول إن أهالي هذا الإقليم لم يقدروا النعم حق قدرها، وكم من مرة وقعوا في كفران النعمة، وهذا مجال لا يتسع لمناقشته هنا.
الشمال؛ عروس إيران
تُعد منطقة شمال إيران من المناطق الاستثنائية في البلاد سواء من حيث المناخ أو الجغرافيا، فهي تتميز بخصائص فريدة، وفي مناطقها الخضراء تنتشر حقول الأرز، والغابات، والأشجار، والنباتات، حيث تتضافر الطبيعة الخلابة والجمال لتجعل من الشمال عروس إيران.
يمكننا وصف هذه العروس الخضراء الفاتنة بكل ألق وصفاء وجمال ورقة، فهي متوجة بجمال خُلقها وقدرت الله عليها.
من غنبد حتى رشت، ومن ساري حتى گرگان، ومن آمل حتى بهشهر، ومن آمل حتى نور، ومن البحر حتى الصحراء، ومن اليابسة حتى الساحل، ومن الساحل حتى الماء، ومن مازندران حتى جيلان، جميع هذه المناطق والمدن الشمالية تبعث على السعادة والسرور، وكلها تمتاز بالخضرة والطراوة والنسيم الخاص بها.
كل مدن الشمال متقدمة من حيث مستوى المعيشة والرفاهية العامة. الوضع الاقتصادي جيد، والثروة ملائمة، والراحة أعلى من المناطق الأخرى في إيران. غير أن الإسراف، والتبذير، والفساد شائعون بشكل ملحوظ، مما يضع المؤمنين المتدينين في معاناة.
هذه الطاووسة الجميلة، رغم طول ساقيها التي تؤذي نفسها والآخرين، ورطوبتها الشديدة التي تجعل أجواءها غالبًا خانقة ورطبة، تبقى بلا شك محط عشق واهتمام لكل عاشق للجمال الطبيعي.
الشمال يحتوي على مناطق ومدن عديدة ذات أهمية حيوية لإيران، فكل شبر فيه من اليابسة والماء جدير بالثناء وقيمته عالية، خصوصًا أنه يجاور قوة عظمى مثل روسيا، ولذا يجب الحذر والحفاظ عليه، لأن الخصائص الجغرافية والسياسية تجعل منه نقطة محورية يجب حمايتها.
في شمال البلاد، من المدن إلى البحر والغابات، تتوفر موارد حيوية مستمرة كالثروة السمكية، وزراعة الأرز، والفواكه، والمحاصيل الأخرى، ويمكن باستخدامها بشكل صحيح جعل إيران مكتفية ذاتيًا وغنية، فضلاً عن دورها الكبير في التصدير. ورغم الإهمال والخيانة من قبل النظام السابق، إلا أن هذه المناطق حافظت إلى حد ما على دورها ويمكنها أن تحل الكثير من مشاكل البلاد وتعود بالفائدة على الجميع.
ولكن، حيثما يوجد الجمال، فإن الشيطان يحاصره، فتعرض شمال البلاد إلى الفساد الشديد، خاصة المناطق الساحلية التي كانت قبل الثورة بمثابة مستنقع للفساد والتفسخ الأخلاقي، وكانوا يتحملون وجود المفسدين ذوي المظاهر الإنسانية المزيفة. هذه المناطق المؤلمة والمظلومة قضت غالبية عمرها مع أولئك الذين يدمرون بيئتها، ولا غرابة أن ينعكس ذلك على أهلها ويؤدي إلى الانحطاط.
مع الأسف، وبالرغم من بساطة الناس وطيبة قلوبهم وإيمانهم التقليدي، جلب الفاسدون من مناطق أخرى قبل الثورة الفساد والانحلال لهم، حتى مع الإيمان العميق الذي يمتلكونه، فقد اجتاحهم الانحطاط العملي مما جعل الهروب منه صعبًا، وهذا أحد أسباب تسلل الجماعات المنحرفة وأفكارهم الضالة بين شباب المنطقة.
الروحانيون في الشمال من حيث الكم في مستوى متقدم ويعتبرون من أوائل المناطق، لكن للأسف من حيث الجودة لا يحظون بالمستوى المطلوب، ولا يوجد بينهم شخصيات بارزة ومؤثرة بما يتناسب مع أعدادهم، وإن كان في بعض الأحيان تظهر شخصيات علمية مرموقة منهم، إلا أن أعداد هؤلاء آخذة في التناقص.
قلة العلماء الأكفاء في الشمال من أسباب انحطاط المجتمع والشباب.
هذا الشعب، وخصوصًا الشباب، يفتقر إلى المفكرين والروحانيين الأكفاء والمتفانين، وبسبب ضعف التبليغ الديني في الشمال والبيئة الجغرافية التي تسهل الانحلال الأخلاقي، فإن الأحكام الإسلامية والخصائص الأصيلة للإسلام، خاصة بين النساء والشباب، قلما يتم الالتزام بها على المستوى الاجتماعي والأسري.
كانت هذه المدن قبل الثورة تشبه مدن الدول الغربية من حيث الفساد والانحطاط.
أهل الشمال يتميزون بصفات تميزهم عن غيرهم: مثل شكل الجسد، ولهجة خاصة، وكثرة الكلام، والطيبة، والسهولة في التصديق، والانفعالية، وحسن الضيافة، وضعف الصبر، وسرعة الجرح، وقلة التوكل، والجمود، والاهتمام برصد أحوال الطقس، والكسل، وكثرة المطالب.
نساء الشمال في القرى هن عاملات مجدات، بينما نساء المدن الشمالية يغرقن في الزينة والفساد.
لحل المشاكل الثقافية والدينية والعلمية والعملية في هذه المناطق، يجب إعداد خطط مفيدة ودقيقة من قبل الأشخاص المؤهلين والفرق الكفؤة، كي تحدث تغييرات نسبية، وإلا فلن تتأسس مبادئ الثورة والإسلام، ولن يتحقق الاستقرار الاجتماعي والالتزام الديني بالضغط أو القوة.
الشمال يشبه الجنوب من حيث الانحطاط والافتقار إلى الثقافة والدين والروح الثورية، وذلك لأن كلا المنطقتين تتمتعان برفاهية وراحة حياة على مستوى عالٍ وبأسلوب الحضارة الأوروبية، حيث حول النظام السابق هذه المناطق إلى ساحات لهو وممارسة ملذات موقوتة لإياديه الفاسدة.
مع ذلك، ينطبق هذا الوصف على المدن فقط، أما حياة القرويين فبائسة، وخصوصًا في الجنوب حيث الفقر والتخلف واضحان.
استنادًا إلى ما تقدم، يمكن القول إن شمال البلاد من أكثر المناطق تعقيدًا ومشاكلًا، وأسباب هذه المشاكل الرئيسية هي الجغرافيا، وجود البحر، ضعف التبليغ الديني، وغزو الثقافة الأجنبية.
الشمال الغربي
المدخل الشمالي الغربي، الذي يجاور الاتحاد السوفيتي وتركيا والعراق — أي أذربيجان وكردستان — أهم بكثير من المدخل الجنوبي الشرقي الذي يجاور باكستان وبحر عمان — أي زاهدان وإيران شهر وجابهار وميناب.
يجب اعتبار المناطق التركية والكردية كعنق الزجاجة الرئيسي لإيران، خصوصًا وأن بجوار هذا الغنم الهادئ والمظلوم ذئب شرس وجائع مثل الروس، ولا بد من اليقظة الدائمة؛ فقد حدث من قبل أن فقدت مناطق من إيران وأصيبت بالضياع أو التشرذم.
ينبغي تقسيم هذه المنطقة إلى قسمين رئيسيين: أذربيجان وكردستان، والنظر لكل منهما بشكل مستقل، وسوف نبحث هذه المسألة بإيجاز وبقدر الحاجة في هذا المقام.
أذربيجان
تقسم أذربيجان إلى قسمين رئيسيين: شرقي وغربي أو خاوران وباختران، وتحتضن العديد من المدن.
عمومًا، من خلخال وميانه حتى خوي وماكو، ومن أردبيل وماغان حتى أهر ومرند، ومن تبريز وأرومية حتى مراغة وهيشترويد، ومن مياندواب وأزران حتى خدا آفرين وجلفا، كلها مناطق تركية ثابتة في إيران. ولا يختلف حال زنجان وجميع مدنها المحيطة، فهي جزء من المناطق التركية.
تمتد هذه المناطق التركية المتصلة من زنجان إلى أبهار، ومن بيجار إلى قزوين، ومن بويين إلى آوج، ومن تاكستان إلى گرماب، وصولاً إلى همدان وما حولها.
إلى جانب هذه المناطق التركية، توجد في مختلف أنحاء إيران جماعات من الأتراك بشكل متناثر ومتصل، ظاهر أو خفي، مع اختلافات لغوية وقومية، تظهر بشكل واضح على مستوى البلاد.
هذه العرق أو الكلمة ليست محصورة في إيران فقط، بل تتعداها، وهي لغة معروفة لها تاريخ طويل وكثرة نسب كبيرة في العالم، ويستحسن دراسة وتحليل ذلك بشكل مستقل.
الشعب التركي ومناطقهم يتمتعون بخصائص ومميزات فريدة تختلف عن باقي مناطق البلاد من حيث اللغة والثقافة والأسلوب والمنهج وغيرها، ورغم أن العديد من هذه الاختلافات تضعفت إلى حد كبير بسبب الوحدة الدينية والوطنية، ولا تزال الخصائص المحلية واللغوية والقومية تستحق الاهتمام والدراسة.
الشعب التركي عمومًا من البشر الحميمين والغيورين، وهذا كثيرًا ما ساعد في الحفاظ على البلاد وحماية وحدتها.
الدين متجذر في نفوسهم بعمق، والحياء والعفة شعارهم العام، وخاصة النساء منهن اللائي كن حماة شرف وعفاف.
خرج من هذا الشعب الغيور العديد من العلماء والفضلاء الذين تميزوا وتقدموا في شتى المجالات.
كان العلماء الأتراك دائمًا يحظون بأهمية خاصة من حيث الكم والكيف في الحوزات العلمية، وكانوا الدعامة الأساسية والحجر الأساس فيها.
ورغم أن الجودة والعمق في التطور العلمي ليست متوفرة على مستوى جميع العلماء الأتراك، إلا أن هناك دائمًا الكثير من الشخصيات البارزة بينهم.
تبريز
تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان، تعد من أوائل وأهم المدن الكبيرة والمشهورة في إيران، وهي مدينة استثنائية وجديرة بالمشاهدة، تتميز بأهمية خاصة سواء من الناحية الاقتصادية أو الثقافية.
بالطبع، يجب التنويه إلى أن جميع مناطق هذه الجزء الحيوي من البلاد ليست على هذا الحال، فهناك العديد من المناطق التي تفتقر إلى الوعي، والحضارة، والاستقرار الفكري. يمكن العثور على مناطق عديدة تُصنف من بين أكثر مناطق إيران تخلفًا، لا سيما المناطق الريفية التي تعاني من انقطاع شبه كامل عن باقي أنحاء البلاد.
السبب الأساسي والطبيعي لهذا التخلف هو انقطاع علاقة هؤلاء الناس ببقية مناطق إيران وبقية أبناء الشعب بسبب اختلاف لغتهم. فاللغة هي العامل الأول للتواصل بين الناس، وغياب لغة وطنية موحدة بينهم كان له دور جوهري في ركود تفكيرهم، وضعف وعيهم السياسي والثقافي.
سذاجة التفكير، وبساطة العقل، وعدم ترسيخ المبادئ الدينية في أوساطهم، وضعف الأفكار النظرية والعملية، والقومية الضيقة، كل ذلك ناتج عن جهلهم باللغة الفارسية.
على الرغم من صدق وتمسك هذه القومية بالعقائد التقليدية، إلا أنهم يفتقرون إلى الفهم العميق والبصيرة الدينية الصحيحة.
في حين أن الدين الإسلامي المقدس والمذهب الشيعي الكامل هما العاملان الأساسيان في وحدة هذا الشعب وجميع القوميات والأعراق في البلاد والعالم، إلا أن الشياطين البشريين والمفتتين الغامضين على الصعيد الدولي ـ الذين لا يغيبون عن أي مكان ـ كانوا دائمًا يسعون بشكل واعٍ لنشر الفرقة بين القوميات والأعراق، وخصوصًا بين الأتراك والفرس في إيران.
المستعمرون العالميون يخدعون الناس ببراعة شريرة، ويحثونهم عبر النكات، والحكايات، والأمثال، والشعر، والقصص على الصراع، والخصام، والخيانة.
في هذا المجال، هناك مئات الوثائق، والكتب، والسمعيات، والذاكرات في العالم وأذهان الناس ومكتباتهم، ويجب العمل على القضاء على جميع هذه المواد المفسدة.
الدين، بفكره الثابت وحكمته العملية الدقيقة، الذي يسعى لتطبيقه على المجتمع والناس، يقضي على أي مؤامرة أو فساد من هذا النوع. واليوم في إيران، هناك أرضية مناسبة لهذا الهدف، ويجب على الجميع أن يعملوا بجد للقضاء على هذه الآفات وتهيئة الأجواء السليمة لمعالجة هذه الفوضى.
اختلاف الأعراق وتعدد اللغات بين هذه القومية كان بمثابة منصة مناسبة لتخطيط وتنفيذ مخططات الاستعمار الخارجي، بحيث يزرعوا الفرقة وبالتالي يؤدوا إلى التخلف الفكري، والضعف الثقافي، والهشاشة الدينية بينهم.
النظام الشاهنشاهي وحكم الطاغوت طوال تاريخه، وبخاصة في سنواته الأخيرة، كان يروج لهذا الانقسام في المجتمع من المدارس وحتى حياة الناس، وينفخ روح الفرقة والانقسام بخفاء في جسد المجتمع.
اليوم، يجب التفكير بجدية وبسرعة لإيجاد حل لهذه المشكلة العامة، واعتبارها مهمة مستقلة للثورة والشعب. الأتراك في جميع أنحاء البلاد يحملون أكبر دور في بقاء الدين والثورة وحفظ وحدة الوطن، والمناطق التركية من الناحية الاقتصادية، والثقافية، والسياسية، والعسكرية تعتبر من أهم مناطق البلاد، ويجب الاعتراف بها بحق كأحد المفاصل الحيوية في إيران.
المناطق الكردية في إيران
هذه الجزء من أراضي البلاد له ظروف وقوانين خاصة لا يمكن مقارنتها مع باقي المناطق.
تشكل المناطق الكردية الشريط الحدودي مع تركيا والعراق، ومن هذا المنطلق تُعد من أكثر مناطق إيران عدم استقراراً. تبدأ هذه المنطقة من بحيرة أورميه، ثم تمر عبر نقده، مهاباد، پیرانشهر، سقز، سردشت، مریوان، سنندج، پاوه، كامياران وحتى غرب البلاد.
من الناحية الثقافية، تُعد المناطق الكردية من أكثر المناطق تخلفاً في إيران. الفقر الثقافي، والجهل، وضعف الدين، وضعف الأخلاق قد أدخل الناس في معاناة كثيرة. هذه المنطقة هي الوحيدة في البلاد التي لا تعرف العلماء الدينيين، ولا يمتلك الناس فيها مفهوماً صحيحاً عن العلماء الدينيين.
رغم أن سكان كردستان هم حماة الحدود الشجعان وقوى الجبال المتينة، فهم مثل جبال مناطقهم الشاهقة، صامدون وثابتون ونظراؤهم في العلو، إلا أنهم من أكثر شعوب إيران مظلومية وتخلفاً.
حكم البهلوي والعملاء الأجانب كانوا كأنهم لا يعتبرون هذه المنطقة جزءاً من الوطن، بل اعتبروها أجنبية، لذا سعوا بقوة لقمعهم وحرموا سكانها من أي فرص. النظام الطاغوتي لم يقدم لهم أي دعم رسمي، بل اعتبرهم سلعة للبيع والشراء، وإذا حدث بعض العمران في المدن في أواخر حكم الطاغوت، فكان ذلك فقط لتهيئة الأرضية للفساد والانحلال بين السكان.
أهل هذه المناطق من أفقر الناس، وكفاحهم اليومي يقتصر على تأمين لقمة العيش فقط، وكان الفقر والضيق يعانقهم دوماً ولم يجلب لهم من ذلك إلا الفقر والفساد.
الاختلافات الطائفية، والصراعات القبلية، والخرافات التقليدية قد حلت محل الثقافة الدينية. بالطبع، عاداتهم وقيمهم القبلية تستحق الدراسة والاهتمام، لكنهم أنفسهم لا يستفيدون منها إلا بشكل جزئي واعتقادي.
المسؤولون في النظام الطاغوتي لم يفكروا يوماً في إعادة إعمار أو بناء هذه المناطق مادياً أو معنوياً، واكتفوا فقط بالتعامل مع العملاء المحليين وزعماء القبائل، الذين لم يجرؤوا حتى على زيارة هذه المناطق بنفسهم.
على الرغم من شهرة هذه المناطق وشعبها لدى الجميع، وحتى في العالم، إلا أن هذه الشهرة لم تكن سوى مجرد اسم يرافقهم كفقراء ومتخلفين. السرقة، والتهريب، والبلطجة، والاستيلاء على حقوق بعضهم البعض هي من سماتهم، والعديد منهم يعتمد على هذه الأعمال في كسب رزقه.
هذه الأفعال هي سبب اتصالهم بالخارج، وارتباط زعمائهم بالأجانب، مما يجلب لهم المعاناة والمصاعب.
يجب اعتبار المناطق الكردية من أكثر مناطق البلاد مأساوية، وعلى جميع الشعب أن يسعى لإصلاح أوضاعها.
أهل هذه المناطق كانوا دائماً كالناموس تحت أقدام كل من يمر، وبسبب الفقر الثقافي، وضعف الأخلاق والدين، لم يستطيعوا قط أن يميزوا مصلحتهم، وكانوا دوماً كقطع الشطرنج في يد أشخاص مهرة وشريرين، واستُغِلوا دائماً ولم يجلب لهم هذا سوى الضرر، في حين استغل العملاء الشريرون هذه الفرص وجنوا الأرباح.
كلما أراد العدو زعزعة الأمن السياسي في البلاد، يبدأ من هذه المناطق، وكان أهلها أول ضحايا الغزوات الأجنبية، وكانوا هم أنفسهم في مقدمة ساحة القتال، وسذاجتهم وجهلهم ساعداهم على ذلك.
رغم كل ما سبق، فإن أبناء كردستان يمتلكون أبسط وأصدق الأفكار الإنسانية، ومن هذا المنطلق يُرى بينهم استعداد كبير للارتقاء والتطور.
على جميع أبناء الوطن، والحكومة، والعلماء الدينيين أن يعملوا بكل طاقتهم على إصلاح أوضاع هذه المناطق وتطويرها، وإنقاذ أهلها من الكثير من المفاسد.
وهذا عمل يتطلب برامج دقيقة اجتماعية، ويجب أن يُنجز على يد أشخاص أكفاء وصالحين، وإلا فإن الأوضاع ستزداد سوءًا.
ChatGPT said:
الباحثة الدينية في هذه المناطق تتمتع بكمية ونوعية مناسبة مقارنةً ببقية أنحاء البلاد، وقد خرجت دومًا علماء كبارًا وأمناء صدوقين، وعاش كبار العلماء في صمت أو في ذروة الشهرة مع أهل تلك المناطق. وعلى الرغم من أن معظمهم غادروا مناطقهم الأصلية، إلا أن هذه المدن كانت دومًا تستفيد من مواهب العلماء والدعاة، ويوجد فيها مجالس دينية ومدارس علمية، وإن كان ذلك بشكل متفاوت، مما يستدعي المزيد من الجهود لتطوير هذه المؤسسات والاستفادة منها بأفضل شكل ممكن.
تحتل مدينة أراك مكانة خاصة في تأهيل العلماء وتأسيس الحلقات العلمية، حيث كانت مجالسها العلمية نشطة دائمًا وخرجت عبر الزمن وجوهًا بارزة في التاريخ.
المدن الكبرى في المنطقة الوسطى
من بين أبرز مدن المنطقة الوسطى ثلاث مدن هي: ري، كاشان، وقم، ولا توجد رابعة تضاهيهن في المكانة. هذه المدن الثلاث هي من أشهر مدن إيران، وتحظى بشهرة كبيرة في الداخل والخارج.
على الرغم من عدم تميز هذه المدن من حيث التطور الاقتصادي، فإنها دائمًا ما كانت من المراكز السياسية والاجتماعية والدينية والعلمية البارزة في إيران، ولم تكن قط مدنًا هادئة أو خالية من الأحداث.
كاشان
تُعتبر كاشان من أكثر مدن إيران تدينًا، حيث يسيطر الدين على كل شيء فيها.
شعب كاشان من أكثر الشعوب التقليدية تدينًا في إيران، ولم يظهروا أبدًا أي معارضة علنية للدين.
تشتهر كاشان بالسجاد وبستان فين، ويشيد الناس بخوف سكانها من الله، حيث تجاوز شهرتها حدود البلاد وذاع صيتها في جميع أنحاء العالم. بستان فين نموذج بارز، وخوف أهل كاشان من الله واقعٌ مثبت، وسجاد كاشان يُعد من أجود أنواع السجاد في العالم.
تعد كاشان من أقدم مدن إيران، وتحظى بأهمية خاصة. وعلى الرغم من أنها ليست في مصاف قم وري، إلا أن خصائصها الدينية لا تقل عنهما.
خرج منها علماء وعلماء مشهورون كبار. لقد حافظت كاشان دومًا على وجود حلقات علمية جيدة، رغم أنها لم تكن من أولى الحلقات العلمية في البلاد.
الإعلانات الثقافية الفاسدة والثقافة الطاغوتية لم تؤثر كثيرًا في كاشان ولم تزلزِل جذور اعتقادات أهلها، رغم أن الفساد التقليدي والأفكار السطحية والمظاهر الدينية الشكلية يمكن أن تهز إخلاصهم، إلا أن نشاطهم الروحي وميولهم الدينية ظلّ مستمرًا.
ري
مدينة ري، التي تسمى أيضًا رازی نسبة إلى السيد عبد العظيم الحسني، هي من أقدم مدن إيران.
كانت هذه المدينة مسرحًا لأحداث تاريخية عظيمة قبل وبعد الإسلام، ولعبت أدوارًا سياسية واجتماعية هامة، سواء إيجابية أو سلبية.
كانت حلقات العلم في هذه المدينة في القرن الرابع الهجري من أكبر وأهم الحلقات العلمية في العالم الإسلامي، وتميزت في العلوم الإسلامية والإنسانية خاصةً في الفقه والكلام والرجال وغيرها.
لكن مع الأسف، لم تستمر الحياة العلمية في ري، وتدهورت تدريجيًا حتى أصبحت اليوم من أضعف الحلقات العلمية.
قبل الغزو المغولي، كانت ري واحدة من أكبر وأهم مدن إيران.
(تابع…)
إن دلالة أهمية هذه الأرض وشرها تكفي أن عمر سعد الملعون فضّل ملك ري على سالار الشهداء وسيد أحرار العالم، الإمام الحسين عليه السلام، وسبب بذلك مأساة كربلاء وجعل نفسه وكل أتباعه ملعونين أبداً.
ولعظمة هذه الأرض وشرفها وكرامتها، فإنها تحوي جواهر لامعة من العلماء والصلحاء، يتصدرهم السيد عبد العظيم الحسني رحمه الله، الذي ورد في وصفه من لسان الولاية: «زيارة السيد عبد العظيم في ري كزيارة الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء». في هذا الحديث يُشبه مقام العصمة للسيد عبد العظيم مقام كربلاء، وبناءً عليه يمكن القول: أرض ري هي كربلاء إيران، والسيد عبد العظيم رحمه الله هو سيد أهل هذه المدينة ووليها.
كان هذا السيد من أوائل وأشرف ثمرات وجود أئمة المعصومين عليهم السلام والهداة، وعظمتُه تَكفي أن هذه الأرض رغم ما عانته من سوء الطالع، أصبحت مكانًا مقدسًا ومرتبطًا بكربلاء، وبحسب لسان الوحي والولاية: زيارة عبد العظيم في ري تعادل زيارة الإمام الحسين في كربلاء.
كان من بين ذرية النبي صلى الله عليه وآله من القلائل الذين، بالإضافة إلى النسب والولاية، كانوا في أعلى مراتب العلم والتقوى. ومن شأنه أن يعرض دينه على ثلاثة معصومين وثلاثة موازين؛ أي الإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري عليهم السلام، وقد قبل هؤلاء الدين منه.
كان السيد عبد العظيم، بفضل علمه وتقواه وصدقه وورعه، من العلماء الراسخين والمحدثين المعروفين لدى الشيعة، وعرض دينه أمام إمامه، فقام بحسابه في الدنيا ولم يؤجل ذلك إلى الآخرة، وهذا العرض لم يحظ به أحد من الصالحين.
وبنزول جلاله في هذه الأرض أضفى عليها صفاءً ونورًا، وأصبحت مأوى لملائكة السماء، حيث تجمع المؤمنون وأهل القلب تحت ظله، وزادوا بنشيد المحبة قوة للدين.
بالطبع، هذه الأرض تحوي العديد من العلماء والأولياء الكرام الذين هم من قادة الدين الحقيقيين. بجوار السيد عبد العظيم الحسني تقع مرقد الإمام حمزة، أخ الإمام الثامن عليه السلام، وكان السيد عبد العظيم يزوره في حياته، مما يدل على جلاله وعظمته.
كما توجد في هذا المكان الشريف مرقد الإمام زاده طاهر وذراري معصومين آخرين، وكذلك علماء مميزين كالميرزا الصدوق والكليني وغيرهم من العلماء الذين لا يُحصى عددهم، وهؤلاء العلماء كانوا قادة الصدق والوفاء، وداعمين حقًا للشيعة وسائر أتباع الولاية والإمامة.
رغم الحوادث التاريخية التي أثرت في سكان هذه المدينة، وقربها من العاصمة التي سبب هجرة الكثيرين إليها، مما جعلها موطنًا لمختلف الأعراق، إلا أن وجود السيد عبد العظيم المقدس ساعد على تعايشهم بسلام ووحدة، وبناء مجتمع يشبه مجتمعات الأطهار.
سكان هذه المدينة يتمتعون نسبياً بالوقار والشجاعة المعتدلة والذكاء والحساب، لكنهم قليل الصبر ومتطلبون.
في الوقت الحالي، يعاني المدينة من نقص في المربين الصالحين والعلماء الأكفاء والدعاة المخلصين، مما تسبب في اضطرابات داخلية ومشاكل مختلفة.
الشباب لديهم وعي فكري جيد في المجالات المادية والاجتماعية، لكنهم يفتقرون إلى الوعي الروحي، رغم أنهم عند الحاجة يكونون من الرواد الحقيقيين في درب الدين والإمامة.
سكان هذه المدينة يملكون إيمانًا عجيبًا بالسيد عبد العظيم، ويعتبرونه في مقام عالٍ من الكرامة وسببًا في حل المشاكل، ويعتمدون عليه في جميع أمور حياتهم، ويلتمسون مساعدته في حل كل مشكلة.
لقد شهد الناس العديد من الكرامات التي أنجزها السيد عبد العظيم، بحيث يعرفه جميع سكان المدن والقرى، ويعتبرونه سيدًا وعزيزًا وملجأ لهم.
قم
قم هي أول معقل للشيعة في إيران، ومن أهم وأشرف مدن هذه البلاد الواسعة. تحظى قم بمكانة عالية خاصة في التاريخ القديم والحديث لإيران.
رغم ما شهدته المدينة من أحداث دامية كثيرة، إلا أنها لم تنحنِ أمام تلك الأحداث وظلت ثابتة راسخة.
حدود هذه المدينة المقدسة وروضتها المباركة تمتد إلى ري وكاشان وأصفهان وساوه وكرج.
بلغت قم ذروة عظمتها ورفعتها بعد الإسلام، وأصبحت ملاذًا للدين والمذهب الشيعي وأهل الحق والسادات والعلماء الجعفريين، حيث نشأت فيها جموع من المؤمنين المخلصين الذين لجأوا إليها من ظلم أهل السنة والحوكم الطغاة من بني أمية وبني العباس، وكانت دومًا داعمة ومناصرًة لبقية المناطق الشيعية وسعت للحفاظ على ذلك.
في عهد بني العباس، كانت قم تحت سيطرة الشيعة والولاية لدرجة أن الحكام الفاسدين لم يعينوا أمراء غير شيعة فيها.
كان أهل قم متمسكين بمعتقداتهم الثابتة، والتي هي طريق أهل البيت عليهم السلام، حتى كانوا محل غبطة الأصدقاء وحسد الأعداء.
قم من حيث الاقتصاد والصناعة ومستوى المعيشة تعد من المدن المتخلفة نسبيًا في إيران، وكانت كذلك من قبل وربما ستظل، وكل أهميتها تقتصر على الأبعاد السياسية والدينية والكرامات الروحية.
يجب النظر إلى كرامة وأهمية هذه المدينة من ثلاثة أبعاد رئيسية:
- الأرض المقدسة وسكانها الثابتون؛
- شرف وجود السيدة المعصومة عليها السلام وذراري الأئمة المعصومين في المدينة؛
- وجود الحوزة العلمية ومكانتها العلمية الخاصة.
بعد الإسلام، بدأت زهرة شرف هذه المدينة تتفتح…
أفعل في نفسه الفضائل الروحية وامتلأ بها.
أعظم فضيلة هي بزوغ الشيعة وأتباع الإسلام الصادقين في القرن الأول من عمر الإسلام. فالبذور الأولى لحقيقة الإسلام تُزرع في هذه الأرض. وهذه الحقيقة ثابتة متينة تستمر إلى يومنا هذا دون انقطاع.
كانت قم منذ القرن الأول للهجرة، وفي زمن وجود الأئمة المعصومين عليهم السلام، من المدن الكبرى التي يقطنها الشيعة، والتي كانت تحظى بعناية خاصة من قبلهم. ويتضح ذلك جليًا من أقوالهم الثمينة.
ورد في الحديث: «قد دُفعت البلايا عن قم وأهلها»، أو «قم وأهلها حجّة على جميع الناس»، أو «سلام ورحمة الله على أهل قم وبركات الله عليهم وتحويل سيئاتهم إلى حسنات، فهم أهل الركوع والخشوع والسجود والقيام والصيام، وهم الفقهاء والعلماء وأهل الدين والولاية والعبادة».
من هذه الأقوال تتجلى عظمة قم وأهلها، وهو أمر لم تحظ به أي أرض أو شعب آخر في إيران.
وكذلك، كانت هذه المدينة منذ القرن الأول الهجري حتى اليوم مركزًا لطلب العلم والتقوى واكتساب الدين والفضيلة، وكانت تحتوي على
(121)
حوزة علمية تُعدّ من أوائل الحوزات الرسمية الكبرى في العالم الإسلامي والشيعي؛ رغم تقلبات شدتها وضعفها عبر العصور، حافظت على أساسها العلمي واستمرارية فكرها، حتى أصبحت اليوم رائدة في العلم والمعرفة الدينية.
في القرن الرابع الهجري، بسبب الظلم والقهر الذي مارسه أهل السنة والخلفاء الجائرون ضد الشيعة، واحتفاظ قم بهدوء نسبي، ازدهرت الحوزة العلمية فيها حتى بلغ عدد العلماء والفقهاء والمحدثين فيها حسب ما نقل العلامة الكبير أكثر من مئتي ألف، مما يدل على توسع وانتشار العلم في ذلك الوقت. لكن بعد ذلك شهدت فترة ضعف وانحسار، حتى أنعشها من جديد المرحوم الحاج الشيخ الحائري في عام 1340 هجري، وهو عالم كبير ومخلص، فحصلت على روح جديدة وأصبحت المركز العلمي الأهم للشيعة، وحافظت على مكانتها وتزايدت قوتها يومًا بعد يوم، وأديرت على الدوام بقيادة مرجع ذي كفاءة، حتى وصلت إلى يد المرجع الأعلى والعالم الكامل في شيعة العالم، آية الله بروجردي، فصارت مركز نشر الدين والعلم والفضيلة في كل أنحاء البلاد والعالم الإسلامي.
(122)
وقد أدى ذلك إلى قدوم أعداد كبيرة من العلماء والطلاب من مختلف المدن والعالم إلى قم، واستقروا فيها، فصاروا نجوماً متلألئة في سماء العلم والفضيلة، وأصبحت الحوزة اليوم أولى الحوزات الرسمية والمهمة في العالم الإسلامي والشيعي، وتُرتب الحوزات الأخرى في المراتب التالية بعدها. ونأمل أن يحفظها الله بعنايته ورعايته ويوفقها لتظل منارة للهداية والإرشاد لجميع المجتمعات الإسلامية والإنسانية.
إن الحوزات العلمية الشيعية في العالم، وخاصة الحوزة العلمية والدينية الكبرى في قم، هي الركيزة العلمية والدينية الوحيدة الحرة المستقلة التي لا تتقيد بأي قيود، وتعتمد فقط على مبادئها الفكرية والعقائدية، ولا تخضع لأي تأثير آخر، واستمرت على هذا النهج دائمًا. وهذا بخلاف باقي المراكز العلمية والدينية الأخرى التي تعيش على قواعد من الفساد أو الانتماءات السياسية، بحيث أن أي انحراف أو انفصال عنها يؤدي إلى زوالها.
(123)
يتضح هذا عند النظر بعين فاحصة إلى الروحانية الشيعية وحوزاتها، ومقارنتها بالروحانية الكنسية وباقي المراكز العلمية والدينية لدى أهل السنة – إن وجدت لديهم هذه الروحانية الفكرية والعملية -.
فجميع العلماء والمفكرين في الديانات أو المذاهب الأخرى هم في الظاهر مأجورون من أنظمة جائرة أو جهات أخرى، ويجب عليهم أن يراعوا توجهاتهم السياسية ويكسبوا رضاها في كل نشاطاتهم، بينما الحوزات العلمية الشيعية، بحكم طبيعتها، لا تحتاج إلى أي تبعية ولا يمكن أن تقبل بها، لأن وجودها وإدارتها تتم بآلية خاصة لا يمكن أن يكون لها نظير أو مشابه.
من هذا يتضح سر دوام واستمرار الحوزات الشيعية، لأن الاستقلال يحقق العظمة والاستمرار، وأما المعتمدون فهم مجبرون على الضعف، ويصبحون شركاء في جرائم الآخرين، وأسباب رئيسة للانحراف والانحطاط الديني.
لذلك يمكن القول بثقة إن الحوزات والمراكز العلمية والدينية الشيعية هي الوحيدة المستقلة والحرة. ورغم كل الصعوبات والضغوط الداخلية والخارجية، حافظت هذه الحوزات على بقائها الروحي السليم، ولم تخضع لأي حزب أو جماعة أو حكومة، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، منبعها المجتمع أو الحركات الدينية.
وإذا كان حزب أو جماعة غير صحيح أو لا أساس له، فإن الحوزات العلمية لا تتوافق معه ولا تقف بجانبه، بل تقف ضده وتتصدى له، وإذا كان حقًا وصحيحًا، فإن الحوزات والروحانية الشيعية تتعاون معه وتسانده فكريًا وروحيًا.
وحتى لو كانت الروحانية تتحمل مسؤولية إدارة دولة أو حكومة، فإنه من الصعب أن يشارك كل رجال الدين بفكر موحد، فجزء منهم يتولى المسؤوليات التنفيذية، والآخر يستمر في البحث العلمي وتربية الأفراد المفكرين والصالحين.
على أي حال، سواء كانت الحكومة حقة أو باطلة، ومن داخل روحانية الدين أو خارجه، فإن الروحانية والحوزات لا تحتاج ماديًا للدولة، لأن لهم ميزانية مستقلة ومصدر ثابت اعتقادي وديني، مما يضمن علاقة مباشرة بين الروحانية والشعب.
(125)
الروحانية الشيعية وحوزاتها في العالم لا تحتاج ماديًا لأي جماعة أو دولة، بل هي ذات استقلال مادي وروحي، وقد تقدم المساعدات المادية للحكومات إذا كانت صحيحة وقادرة.
الاستقلال الطبيعي للشيعة يقتضي استقلال الحوزات ويرفض أي تبعية أو انقياد خارجي.
الفصل الثالث المهم الذي يختص بقم هو نزول الجلالة من سيدة النساء في العالمين، كريمة الحق ومظهر كمال وجمال الله، السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، ابنة الإمام السابع موسى بن جعفر عليه السلام، وأخت الإمام الرضا عليه السلام، قبلة كل المظلومين، التي جلبت بقدومها البركة الجديدة إلى قم، وجعلتها مأوىً للملائكة.
حضرت المعصومة نزلت إلى قم في سنة 201 هجري، بعد دعوة مأمون القسرية لأخيها الإمام الرضا عليه السلام، حيث دخلت إيران لزيارة أخيها في 200 هجري.
مرضت في ساوه ثم دخلت قم، وبعد 17 يومًا توفيت أثناء رحلتها إلى زيارة أخيها وإمامها، فعمّ سر الله وعنايته قم، ونشأت فيها هذه اللؤلؤة الطاهرة، التي ارتفعت من هذه الأرض إلى السماء، واستقرّت روحها الطاهرة في ترابها.
حضرت المعصومة هي أخت الإمام الرضا وابنة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهي أقرب النساء إلى السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، مع اختلاف أنها لم تتزوج، فقد قضت حياتها التي لم تتجاوز 22 عامًا وهي عزباء، إذ لم يكن هناك زوج مناسب أو الظروف الزمنية حالت دون ذلك، فتركت الدنيا «سيدة وحصورة».
وقد أعطت هذه السيدة العظيمة المكانة العالية لمدينة قم الدينية الشيعية، فصارت ملجأ الملائكة ومركز محبة أصدقاء أمير المؤمنين عليه السلام على الأرض. وجودها جدد النهضة العلمية والدينية فيها، ووفرت الظروف لنمو العلوم الدينية.
كانت معلمة ومربية للمخلصين في هذه الأرض، وشمعة أرواح المحبين للولاية والإمامة، وخلقت رابط المحبة لأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، واستمرت على ذلك.
لذا، يجب أن تُعرف مدينة قم المقدسة بثلاث سمات هامة: كونها مدينة شيعية عبر التاريخ، ومركز العلم والروحانية، ومزار الملائكة والمعلمين الروحيين لجميع الباحثين عن الحق.
تراب قم يفوح منه المسك، وهواءها معطر بالعنبر. سماؤها مهيبة بعلمها وسيادتها، وكل خطوة فيها تلامس نسيم العلم والدين.
على مر التاريخ، احتضنت قم العلماء والأولياء وذرية أهل العصمة والطهارة عليهم السلام، ويجب اعتبار تربتها المقدسة مهبط سجود المؤمنين والملائكة.
قم كانت ملجأ وأمانًا لأصدقاء أمير المؤمنين عليه السلام ولكل الإيرانيين والوافدين من العالم، وستظل منارة الهداية وداعم الحق.
هذه الترجمة رسمية أكاديمية فصيحة، مناسبة للأبحاث والدراسات العلمية. إذا ترغب في تنسيق خاص أو إضافة مراجع، أعلمني بذلك!
You said:
ادامه بده
ChatGPT said:
بالطبع، سأكمل الترجمة بنفس الأسلوب الأكاديمي والرصين:
طهران
كانت طهران قبل غزو المغول قرية صغيرة ومنطقة ريفية تابعة لمدينة ري الكبرى في ذلك الزمن. وبعد غزو المغول وسيطرتهم على إيران، بدأت طهران في التوسع والنمو.
رويداً رويداً، تحولت هذه القرية الريفية التي كانت ملجأً لسكان ري المدينة التي دُمرت تاريخياً، إلى مركز حضري كامل، وسرعان ما اكتسبت مكانة مركزية، وامتدت نفوذها إلى باقي أنحاء البلاد، حتى بلغت مساحتها وأهميتها الحالية.
(128)
يمكن اعتبار حدود طهران القديمة التي توسعت بعد ذلك بأنها تشمل مناطق شميرانات ومدينة ري وديشان تپه، وتمتد غربًا حتى نهر نركن.
وبعدها أضيفت إليها مناطق كبيرة أخرى مثل شميرانات، قلهك، حشمتية، مجيدية، وحيدية، جواديه، ونازيآباد، ولاحقًا استمرت توسعاتها بشكل كبير حتى شملت أحياء كثيرة مثل طهران نو، طهران بارس، نارمك، ومدينة آرا.
بسبب الهجرات القسرية، ونقص المعيشة والرفاهية المناسبة في جميع أنحاء البلاد، وسياسات التدمير والتجميل التي اتبعها حكام الطاغوت، تدفق الناس من كل أنحاء إيران من المدن والقرى القريبة والبعيدة إلى طهران، التي كانت تعتبر آنذاك مدينة استهلاكية، حتى فقدت توازنها وتناسقها.
أدى ذلك إلى ظهور مشكلات مثل التضخم، والازدحام المروري، ونقص السكن، وتلوث الهواء، والتسممات العامة، بالإضافة إلى الفوضى المستمرة والفساد الفكري والأخلاقي، والانحلال العام، مما خلق حياة أكثر قتامة من الليل لكل سكان هذه المدينة المتنوعة والمترامية الأطراف.
واليوم، في عهد الجمهورية الإسلامية، التي لم يمض على تأسيسها أكثر من عامين، تواصل طهران توسعها غير المتوازن وبسرعة، حتى صارت واحدة من أكبر وأزحم وأعقد المدن الكبرى في العالم.
(129)
المدينة كانت دائماً تحتفظ بموقعها الخاص، وكانت محبوبة لطبيعة جوها المعتدلة واللطيفة؛ سواء عندما كانت إحدى القرى الصيفية لمدينة ري، أو بعد غزو المغول وحتى اليوم الذي تُعد فيه المدينة من أكثر المدن تلوثاً في البلاد.
فالآن أيضاً، تعتبر المناطق العليا في طهران والمراكز الهادئة والصيفية من أفضل المناطق للرفاهية والجو النقي والمطلوب.
ويمكن اعتبار طهران الكبرى اليوم دولة إيرانية مستقلة، وجوهر البلاد وقوة اتخاذ القرار ومركز الفكر لهذه الأرض.
هذه المدينة الكبرى هي المستهلك الأكبر للميزانية في البلاد، وتشكل في الواقع أساس وجذور كل البلد، وأي حدث سواء كان جيداً أو سيئاً في طهران ينتشر بمرور الوقت إلى جميع أنحاء إيران.
تقع مدينة طهران بين سلسلة جبال البرز والصحراء المركزية، وبين مدن سمنان جنوب شرقها وقزوين شمال غربها وكاشان شمال شرقها، وتحظى بأعلى قدر من الميزانيات والموارد الوطنية، مما جعلها تسيطر على كامل البلاد.
رغم كل العيوب والمشاكل التي تواجهها، تُعتبر هذه المدينة من أفضل المناطق في البلاد، ويفضل كثيرون العيش فيها على باقي المناطق، إلا من يشعر بالتعب والملل منها.
نتيجة البحث
إن نتائج الدراسة وعلم الاجتماع التي أُجريت تشير إلى أن الإيرانيين جمعوا بين روح الملكية والدين حتى اليوم، وهذا كان من أكبر التحديات التي تواجه هذا الشعب. إن الملكية متجذرة في أعماق النفوس الإيرانية، ومع ذلك لم ينفصلوا قط عن الدين ودعموه دوماً.**
كان كل فرد في إيران يمثل نوعاً من الملكية في ممارسته وإرثاً في اعتقاده، وتدل أفعالهم على ذلك، رغم أنهم دائماً اتخذوا من العلم والدين ودعم العلماء شعاراً لهم.
لقد تركت الجرائم والانحرافات التي اقترفها الطغاة من الملوك أثرها العميق في نفوس الناس، بحيث أصبحت جزءاً من طبيعتهم الثانوية، ورغم ذلك سعوا جنباً إلى جنب مع العلماء لردع هذه المظاهر والابتعاد عنها.
دخل الإسلام إلى إيران في وقت كانت الجاهلية والفساد والظلم سائداً، وكان الظلم الملكي يظلل القلوب، فكان هذا أحد أهم أسباب انتصار المسلمين، ولم يتردد الإيرانيون في اعتناق الإسلام.
وباستقبال تعاليم الإسلام، قام الإيرانيون بنهضة روحية وأصبحوا من أشد الناس تمسكاً بالدين الكامل، مستوعبين كافة أبعاده، بخلاف بعض الشعوب العربية التي لم تستطع ذلك.
لقد وصل الإيرانيون بأخذهم بالعصمة والولاية إلى أسمى مراتب العزة، وهذا كان سبب بقائهم واستمرارهم.
ومع ذلك، لم تسمح كثرة الرذائل والعادات الفاسدة المنتشرة، والمروج لها من قبل الحكام الفاسدين، بأن يتبنوا تعاليم الدين بشكل كامل ويعيشوا حياة خالية من هذه الشرور.
إن غالبية الإيرانيين تجمع فيهم خصال العلماء والملوك، فقد تسربت صفات العلماء الدينية والروحية إلى نفوسهم وأصبحت ظاهرة، وكذلك الصفات الملكية، وهو ما يجعل في بعض الأحيان يصدر منهم أعمال خيرية أو شريرة بعكس ما هو متوقع، مما يعكس عمق تأثير هذين الطرفين على الروح والنفس.
ومن هنا يتضح أن هذا التناقض في الشخصية الإيرانية هو أحد الأسباب الأساسية لفشلهم في تحقيق النجاح الكامل.
لقد ظلت إيران، رغم كل جهودها وثوراتها، تحت وطأة الظلم والاضطهاد لأن كل حركة تُبقى الأمور ناقصة أو عقيمة.
والخلاص الوحيد لهذا الشعب العظيم يكمن في التحرر من هذا التناقض والتداخل.
من الواضح أنه يجب التمسك بالتعاليم الدينية النقية الخالية من الشوائب، والعمل على التخلص من الصفات السلبية الملكية، لأن الروحانية والمحبة والتقوى والصدق لا تتوافق مع الظلم والخيانة والقهر والأنانية، ومزيجها لا يؤدي إلا إلى الضلال والهلاك والبعد عن السكينة الاجتماعية.
إما أن يتخلى هذا الشعب عن الدين، فيصبح بلداً خالياً من الدين ومليئاً بالحضارة الغربية بكل سلبياتها، وتُلغى المؤسسات الدينية والروحية، ويعم الفساد والفحشاء، وهو أمر مستحيل على أمة مؤمنة كإيران.
أو أن يتخلى عن الصفات الملكية ويتبع التعاليم الدينية التي تحقق السلام والرفاه والتقدم، وليس التي تؤدي إلى الرياء والكذب والقتل.
وبخلاف ذلك، سيظل هذا التناقض يمنع استقرار المجتمع، وستبقى البلاد في صراعات متواصلة.
وكما ذُكر، فإن الحل يكمن في اقتلاع جذور الصفات الملكية من المجتمع بصبر وحكمة على المدى الطويل، وفصل التقدم الحضاري عن الفوضى والاعتماد الأعمى، على أن تتولى المؤسسات الدينية، بعد توافق في الأساليب، تربية الأمة على مبادئ ثابتة بعيداً عن الشك والريبة، حتى تُصلح ما أفسدته آلاف السنين في زمن ليس بطويل، وبعناية نخب الدين الخالية من المكر والغرور والانتماءات الحزبية.
وبعد تقديم هذه الصورة السياسية والتاريخية والاجتماعية العامة والإقليمية للبلد والأمة الإيرانية، يمكن الرد على السؤال الأخير ومعرفة عوامل نشوء الثورة في الفصل التالي.
متطلبات بقاء الثورة
شهدت هذه الحركة منذ انطلاقتها العديد من الأحداث المهمة التي تثير الدهشة وتعجب الإنسان، من خيانات ونفاق وتمويه وخداع، ورغبات أنانية وشريرة.**
لكن هل ستبقى هذه الثورة مستمرة ومضيئة في المستقبل؟
الإجابة تظهر من خلال دراسة أسباب نشوء الثورة، فالمبادئ التي قامت عليها إذا غابت أو انحرفت ستؤدي إلى سقوطها، وإذا استمرت ستظل باقية.
ما أدى إلى سقوط الملكية في إيران هو ظلم الحكام، ورواج الدين، وسمعة العلماء، وتضحية الشعب ودعمهم.
الحكومة الإسلامية التي تتوقع منها الجماهير الكثير، يجب أن تعمل على ترسيخ أسس بقائها، بمحاربة أسباب الفساد، وتطوير عمران البلاد ورفاهية الناس، وتعزيز الدين، وتهيئة البيئة الفكرية والثقافية لجميع الفئات، وطرد الفاسدين من المناصب، وتعزيز الكفاءة، ومواءمة مؤسسات الدولة مع تعاليم الشريعة وأهداف الشعب، واعتبار الشعب المالك الحقيقي للسلطة، وعدم تعيين أي حاكم قسري، وحث الجميع على الالتزام بالدين، ومنح المؤسسات الدينية دوراً فاعلاً في بناء المجتمع.
مستقبل الثورة والتحديات
في الختام، يبقى السؤال: لماذا لم تستطع الشيعة خلال غيبة الإمام المهدي تشكيل حكومة مستقرة؟ ولماذا لم يستمر بعض الحكومات التي تشكلت؟ ولماذا لم يكن لدى علماء الشيعة فكراً موحداً وحازماً لتحقيق ذلك؟**
الإجابة الصريحة هي أن هناك أربعة أسباب رئيسية:
- عدم وحدة وتوافق الفكر بين الزعماء والعلماء الشيعة؛
- سوء نية بعض القوى الهامشية؛
- وجود الأهواء والرغبات الشخصية على المستوى العام؛
- فقر الفكر ونقص وعي الناس بالدين ووضع المجتمع.
- ولذلك، فإن استمرار الثورة ونجاحها يعتمد بشكل أساسي على معالجة هذه الأسباب الأربعة بجدية وحكمة. يجب على قادة الثورة والعلماء أن يتحدوا فكرياً ويضعوا برنامجاً واضحاً لإدارة البلاد، بعيداً عن النزاعات الداخلية والمصالح الشخصية.
- كما يجب تصفية العناصر المنافقة والفاسدة التي تحاول الالتفاف على الثورة والتسلل إلى مؤسساتها، حتى لا تفسد ما تم تحقيقه.
- كذلك، ينبغي بناء وعي شعبي عميق بالدين والواقع الاجتماعي والسياسي، من خلال التعليم المستمر والحوار المثمر، حتى يكون الشعب على دراية تامة بحقوقه وواجباته، ويشارك بفعالية في صنع القرار.
- كما لا بد من مكافحة الأهواء والرغبات الشخصية التي قد تضعف وحدة الصف وتعرقل مسيرة التنمية والعدل.
- إن هذه الجهود تحتاج إلى تعاون مستمر بين جميع الفئات، وخصوصاً بين رجال الدين والعلماء والطبقة السياسية والمثقفين، لإرساء دعائم دولة العدالة والتقوى والتقدم.
- وفي حال تحقق ذلك، ستكون الثورة ماضية في طريقها، متجددة بالروح والعزيمة، وقادرة على مواجهة كل التحديات التي قد تواجهها.
- ختاماً، يمكن القول إن نجاح الثورة واستمرارها يعتمد على مدى قدرة المجتمع على التوافق حول مبادئ الدين الصافية والقيم النبيلة، والابتعاد عن كل ما يخل بهذه القيم من فساد واستبداد وتناقضات داخلية.
- فبذلك فقط يستطيع الشعب الإيراني أن يحقق آماله في بناء وطن مزدهر ومستقر، يحقق العدالة والحرية والكرامة لكل أفراده، ويكون نموذجاً يحتذى به في العالم الإسلامي.
- بناءً على مقتضيات المذهب الشيعي، وهو حرية الاجتهاد، نشأ تشتت واسع في آراء العلماء الشيعة، مما أدى حتمًا إلى تعدد النظريات وتنوعها، حتى قلّ وقوع الاتفاق والإجماع في المسائل.
- لقد كان كثير من الفقهاء، بسبب ظروفهم الأسرية والاجتماعية، غير متمكنين من فهم القضايا الاجتماعية أو غير مهتمين بها، واعتقدوا أن ذلك ليس من شأنهم أو من مهام رجال الدين، وأن شؤون الدنيا يجب أن تُترك لأهلها، فلا يشغلوا أنفسهم بالأمور الدنيوية التافهة، وأن على العلماء الاقتصار على العمل العلمي فقط.
- وقد ترسخ هذا الفكر في أذهان العلماء، وتبعًا لذلك في ثقافة تلاميذهم وشعوبهم، حتى صار واضحًا الفصل والتمييز بين قضايا الآخرة وشؤون الدنيا، وفصلت الأمور المادية والأحكام الحياتية عن المسائل الروحية.
- بالطبع، كان بين العلماء والرموز الشيعة عبر العصور من لديهم رؤية اجتماعية خاصة، وكان لديهم روح الحركة والقيام، وذوق اجتماعي بالإضافة إلى فهم مسائل الحياة، ولكن للأسف لم يكن لهم القدرة على إحداث تغييرات جوهرية في القضايا الاجتماعية والفكرية، وكانت أية حركة أو زوبعة سرعان ما تُنسى ويُرسَم عليها من قبل الحكومات والأعداء خطوط حمراء.
- ومع ذلك، بلغت روح الحركة والقيام في هذا العصر ذروتها، وبمرور الوقت أصبحت شديدة إلى درجة أن اليوم من غير المقبول لأي عالم ديني أن يتجاهل القضايا الاجتماعية والسياسية للشعب، حتى باتت كل الفضائل والمكارم الإسلامية تحت تأثير هذا الاهتمام، إلى درجة أن العلم والتقوى والزهد والورع والتصوف والخلوة وعلوم غريبة كالرمل والاسطرلاب وغير ذلك، والتي كانت مصدر فخر العلماء، لم تعد محل اعتبار أو سوق واسع، ولا تُعد معيارًا للتقييم، بل صار المعيار اليوم للفضل والاهتمام هو المظهر الحسن، والبيان البليغ، والمنطق الواضح، والشجاعة والجرأة، وإن كان ذلك أحيانًا شكليًا ومؤقتًا.
- ومع ذلك، يجب ألا نغفل أن العلماء العظماء في الماضي كانوا أيضًا يشتكون من أقرانهم في زمانهم، وأن فضيلة الحقيقة والصدق ليست خالية من العلماء المؤهلين في وقتنا الحاضر. والمقصود هنا هو أن التركيز المفرط للعالم على السياسة والمجتمع قد يعرض الثقافة الشيعية العريقة لخطر عدم الاكتمال والنمو، وقد يؤدي إلى نسيان العديد من الأفكار السامية التي جاهد بها أولئك الرجال الإلهيون، وقد يدفع بالعقول إلى الهروب من الحوزة العلمية إلى ساحات العمل التنفيذي.
- وهنا نقطة مهمة جديرة بالاهتمام ولا ينبغي التقصير فيها، وهي سوء الظن أو التقليل من شأن أو التجاوز على أعلام وعظماء علماء الشيعة في الماضي. إن احترام العلماء وأعلام الشيعة واجب، ويجب أن نكن لهم كامل الاحترام والتواضع، لأنهم رغم عدم امتلاكهم لنظرة اجتماعية واضحة، لم تكن هذه الفكرة بيدهم أو خيارًا لهم، بل عوامل عديدة فرضتها عليهم الظروف، بالإضافة إلى أن وضع الشيعة، ولا سيما علماء الشيعة في الماضي، كان شديد القسوة والصعوبة والألم.
- لقد كان الفقر الفكري والثقافي لدى الناس، وكثرة الأعداء وأنصارهم، سببًا في عزلة قسرية لهم، بحيث لم يكن لديهم مجال لاتخاذ أي إجراء اجتماعي أو حتى التفكير فيه، وكانوا يكتفون بحماية الدين والشريعة بحيث وصلتنا هذه الأصول حتى اليوم، وهذا بحد ذاته من الكرامات التي تحققت بفضلهم.
- لقد واجهوا أعداءً مثل خلفاء بني العباس الذين كانوا يستنزفون روح وجسد الشيعة، حتى أصبح أكبر ذنب وأشد الأفكار المنبوذة هو التحدث عن “علي”، وكان الحكام الظالمون والدمويون المضادون للشيعة يعملون باستمرار على إبادة الشيعة وقياداتهم الفكرية، مكرسين جميع قدراتهم ووسائلهم لهذا الهدف.
- كان السادة والعلماء يتحملون أشد أنواع العنف والاضطهاد، لكنهم لم ينهاروا أمام العدو، بل بمقاومتهم السلبية وجهودهم المقدسة المخلصة أوجدوا آثارًا حية ومتجددة، جعلت وجود الشيعة والدين يرتج في عالم اليوم.
- نأمل أن لا تغفل مجتمعاتنا المعاصرة عن معرفة هؤلاء الكيميائيين الحقيقيين للدين والحق، وأن تكون شاكرة للجهود والتضحيات والدماء التي سُفكت في هذا السبيل.
- وبالطبع، من حيث الفضيلة والكمال والعلم والتقوى والصدق والإخلاص، فإن علماء وُلاة اليوم لا يُقارنون بماضيهم. تاريخ العلماء يبيّن أن أخلاقهم وأفعالهم كانت جديرة بالتقدير والاحترام، حتى يصعب تصديقها. كانت حياة الأجداد تمضي في صمت وتفكر وسهر، بينما يعيش المعاصرون حياة أكثر صخبًا وبرامج، ولو أن العيش بهذا الأسلوب في العصر الحالي أسهل وأصح، فهو ليس سهلاً على نحو الكسل، ولا الصعوبة اليوم هي إلا نتيجة للشجاعة والممارسة.
- ما كان يدفعهم للقيام بذلك هو الالتزام العملي والإيمان بالواجب، وما يدفع اليوم هو الجرأة والشك في تطبيق الواجب عمليًا.
- بالطبع، هذا النقاش نسبي ويجب ألا يُعمم، فهناك اليوم أيضًا من العلماء الشبيهين بأجدادهم في الصفات.
- كان أجدادنا يتحركون ضمن إطار جهد فردي ومقاومة سلبية، أما اليوم فقد تعدى الأمر الفرد ليصبح نداءً جماعيًا ومجتمعيًا.
- يجب على علماء الشيعة اليوم ألا ينسوا الإصلاح الداخلي والكمال الروحي ومطابقة أنفسهم مع سيرة وأساليب السابقين، بل أن يحرصوا على ذلك، ليخطوا جنبًا إلى جنب مع هذه الحركة العظيمة والنضال الإيجابي المثمر في بناء مجتمع روحي.
- ولكن التحدي الثاني الذي تواجهه الثورة هو سوء نية أصحاب المصالح الضيقة والجاهلين الذين يعيشون على هامش المجتمع، بالإضافة إلى بعد القيادة والعلماء عن صلب المجتمع وواقع حياة الناس.
- العالم المجتهد الذي لم يكن له مكانة أو منصب في السابق، وكان حتى الرد على تحيته صعبًا، إذا ما حظي اليوم بمقام ظاهر، وأصبح مرجعًا وموضع احترام، فإن من حوله من الحاشية والوكلاء وصُنّاع المصالح يتدفقون إليه كسيول، يحيطونه ويقتربون منه ليكونوا كأنهم أصدقاء قدامى أو رفقاء دائمين، سعياً للوصول إلى مكانة أو منفعة.
- هؤلاء يمكن أن يحاصروا العالم ويضغطوا عليه فكريًا واستشاريًا إلى درجة لا يستطيع معها الاطلاع على سياسات المجتمع وحريته وأهداف الناس إلا من خلالهم، وبمعنى آخر يُصبح مقيّدًا، حيث تُصوَّر له الأمور وكأنها محاطة بشكل كامل لا يُمكن الخروج عنه، وهذا كان سببًا رئيسيًا في هزيمة كبارنا، حتى أنهم أحيانًا بسبب تحريض هؤلاء على بعضهم البعض، يتقاتلون وينزاعون.
- إن الحقيقة تقتضي الاعتراف بأن المجتمع والشعب بحاجة إلى قيادة معصومة، ويجب السعي وراء وجود هذا المعصوم، وتهيئة الأجواء النفسية والاجتماعية لظهوره.
- أما التحدي الرابع الذي يواجه الثورة فهو نسيان الناس وابتعاد المسؤولين عن آلامهم، وهو عامل حاسم في فشل الحركات الثورية عموماً، حيث يُمهّد المسؤولون وممثلو النظام الإسلامي لكل انتصار أو هزيمة.
- يجب على الدولة الإسلامية أن تسعى في تنمية الثقافة العامة للشعب، لأن الجماهير تمثل الركيزة الأساسية للثورة؛ فإذا بقيت الشعوب في الجهل، فإنها بسبب الضغوط القسرية والظروف القاسية تحترق في نيران المصائب كما يحترق الخشب.
- ولا يمكن لأي فكر أو حركة أن تتولى شؤون المجتمع دون دعم شعبي، وللأسف فإن هذه القوة العظيمة للشعب قد ضاعت نتيجة للقصور الفكري والتبسيط المحلي، وقد سقطت في أيدي القوى الشيطانية الخبيثة.
- لطالما كانت الجماهير في حياتها الاجتماعية سبباً في انتصار أو هزيمة الأفكار الحسنة والسيئة، لكنها في الغالب لم تستفد لنفسها، وكانت في خدمة أغراض خبيثة وأداة في يد القوى الاستعمارية.
- فعلى سبيل المثال، بعد أن أسس النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بتضحيات وصبر وشهادة من أصحابه الأوفياء، فشل الناس بعده في امتحان الخلافة، وبددوا جهود النبي بنكرانهم وكفرانهم، ورجموا رمز الصدق والاستقامة، وعادوا إلى الجاهلية، فكانت من سقيفة بني ساعدة إلى كربلاء، ومن المدينة إلى طوس وسامراء أحداث مؤسفة.
- من جهة أخرى، الثورة الإيرانية حركة دينية وإسلامية، والإسلام يعطي أهمية عظيمة للإنسان باعتباره غاية الخلق وقمة الوجود، ويحرص على رفع مستواه الفكري.
- وهو قانون دائم أن الإنسان الضعيف لا يطيق تحمل الإنسان المؤمن والمرتقي، ولذلك يجب على علماء الدين أن يثبتوا الأسس الفكرية للشعب ويصنعوا منه معدنًا صلبًا يستطيع قبول تعاليم وقيادة أصحاب الولاية.
- ولكن للأسف الشديد، كان الواقع دائماً أن الذين يتقلدون المناصب السياسية والاجتماعية هم من النوعية الضعيفة، ونادرًا ما توكل الأمور إلى أصحاب الجودة والأرواح السامية والرفيعة.
- شعب لم يهتم حتى بمراسم دفن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ويحيط به الشياطين، ويرد على علي عليه السلام بعد مئات الحجج والاستدلالات بقول: “يا علي، جئت متأخرًا، ولو جئت مبكرًا لبايعناك”، يجب أن يتوقع دائماً الشؤم؛ حتى وإن كان فيهم سلمان وأبو ذر ومقداد وعمار، فهم يقفون أمام واقع أُنجز ولا يستطيعون سوى الأسف والصمت.
- هذه أربعة آفات تفسر أسباب فشل الحركات الشيعية، ومن خلالها يتضح سبب زوال الدولة الشيعية في زمن الغيبة؛ بسبب التفاوت الفكري، والاختلافات العقائدية، والذوقية، والتقلبات النفسية، بالإضافة إلى الانفصال عن الناس وعدم التواصل المباشر، وانتشار الفكر التآمري الذي ينفذ عبر دعاية هادئة ونفوذ تدريجي، ثم الفساد العام وعدم التزكية الذاتية في كل المستويات، ثم الحيرة والارتباك الشعبي بعد هذه العوامل التي تقضي على دافع استمرار الثورة التي بذل الشعب دماءه في سبيلها، خاصة إذا كانت الثورة شيعية وتحمل الطابع الإسلامي، ولم تستطع التناغم بين القوانين التنفيذية وتعاليم القرآن وسنة الأئمة المعصومين عليهم السلام.
- وعلاوة على ذلك، الثورة الإسلامية تواجه أعداء خارجيين كثيرين يسعون لإثارة الفوضى بين الناس بوسائل خبيثة وعراقيل متواصلة.
- والأمل معقود على الجميع للعمل الجاد للحفاظ على هذا المشروع، والشعور بالمسؤولية الشرعية والإنسانية العظيمة.
- في الختام، يجب الإجابة على السؤال: هل ستستمر هذه الدولة؟ وهل ستبقى على شكلها الحالي ثابتة أم ستضعف وتنحرف كما حصل في الدستور؟ وهل ستبقى الوحدة الشعبية أم ستفقدها الخلافات بين القادة والعلماء؟
- الجواب ليس سهلاً، خاصة إذا ما نظرنا إليه بمنظار الإنصاف والبصيرة والواقعية. ولكن ما يمكن قوله إن هذه الثورة إذا حافظت على نقاء بدايتها، في القيادة والشعب، وإذا أعد الجميع أنفسهم للإخلاص في الخدمة والتضحية، ستصبح نقطة نور في ظلام هذا العالم. أما إذا فقدت روحها ومعناها تدريجياً، وصارت مجرد شعارات، فسوف تتحول إلى دولة بيد وكلاء مصالح، ولا يبقى منها سوى التاريخ.
- في هذه الحالة، ستكون الدولة مجرد واجهة دينية، والشعب سيخسر أمله، مع أن الأمر لن يثير معارضة كبيرة، لأن الناس اعتادوا على التسليم للسلطة سواء كانت شاه أو حكومة دينية، وخاصة وأن رجال الدين هم الأقرب إليهم ويعملون على توفير راحة ظاهرة للجميع.
- ورغم ذلك، يجب أن ندرك أن الشعب مسلم، والتاريخ والجغرافيا تفرضان ذلك، والغرب سيستفيد من ذلك لاحتواء المخاطر.
- وسيرميون رجال الدين جانباً ويفرضون فصل الدين عن السياسة، ويجعلون الفكر السياسي مبنيّاً على التعددية الحزبية.
- لكن الأمل أن تبقى مرجعية روحانية نقية، وأن يعمل المسؤولون بشفافية، وأن يدعم الشعب إقامة العدل، فتستمر الثورة الإسلامية وتنتشر في العالم، لأن المظلومين قد سمعوا صوت الحق.
- إن شاء الله بحفظ القيادة الصالحة، بالوحدة الفكرية والتنفيذية، بحماية الإيمان، وتحقيق العدل، يمكن ضمان استمرارية الثورة وحل كل المشاكل بدعم إلهي، وإلا فإن المستقبل سيكون مظلماً، وتُدار الأمور بالقوة، وهو ما ينافي تعاليم الأنبياء والأئمة.
- نسأل الله أن يحفظ هذه الثورة، التي قامت بتضحيات شعب محروم في أرض بيت الأئمة المعصومين، ويزيل الفساد والمخاطر التي يزرعها الأعداء، ويكشف نفاق المنافقين، ويحفظ رجال الدين الأصيلين كأمناء صادقين على هذا المشروع.
- والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- (التاريخ: 13 مهر 1362 هـ ش)
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.