علي عليهالسلام؛ الولايةُ الصعبة المستصعَبة
البيانات الببليوغرافية
- المؤلف: ، من مواليد سنة ۱۳۲۷ هـ.ش
- العنوان: علي عليهالسلام؛ الولاية الصعبة المستصعبة
- مكان النشر: إسلامشهر، دار نشر «»
- سنة النشر: ۱۳۹۱ هـ.ش
- عدد الصفحات: ۸۷ صفحة
- الرقم الدولي المعياري للكتاب (ISBN): 978-600-6435-92-3
- الموضوعات الرئيسية: الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام؛ إثبات الولاية؛ الإمامة؛ الولاية الإلهية
- تصنيف ديوي: ۲۹۷/۴۵
- تصنيف مكتبة الكونغرس: BP223/ن۸ع۸ ۱۳۹۱
- رقم الفهرسة الوطني: ۲۹۹۹۶۳۱
المقدمة
إنّ هذا العالم، على عِظَمه ومظاهر عجائبه، لا يُعدّ شيئاً، بل يُمكن وصفه بكلمة عاميّة بأنّه “لا قيمة له”، أمّا الحقيقة والخير كلّ الخير فهو علي عليهالسلام؛ فهو ما كان وما هو كائن وما سيكون. لم نتعلّق من الدنيا إلّا بهذا المعنى، وبعشق هذا المعنى كتبنا هذا الكتاب الموسوم بـ «علي عليهالسلام؛ الولاية المستصعَبة».
علي عليهالسلام هو الوحيد الذي لم يُولَد ولادة دنيويّة بالمعنى المتعارف، ولم يخرج من الدنيا كما يخرج غيره؛ وُلد في بيت الله الحرام، الكعبة المشرّفة، واستُشهِد في محراب بيت الله، المسجد، وصعد إلى ربّه متوشّحاً براية {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة: 156).
لم يأتِ عليٌّ إلى الدنيا ليكون منها، فلم تُزرَع فيها نطفته، ولم يَذُق طعمها، بل جاء من عند الله وعاد إليه. ومن أبلغ ما يشهد لذلك كلماته النورانية التي يُبيّن فيها هوان الدنيا وزوالها، حيث يقول:
«والله، لدنياكم أهونُ عليَّ من عِرْق خنزير في يد مجذوم»
و:
«يا دنيا، يا دنيا، إليكِ عنّي! أبي تعرّضتِ أم إليَّ تشوّقتِ؟ لا حانَ حينُكِ، هيهات! غُرّي غيري، لا حاجةَ لي فيكِ، قد طلّقتُكِ ثلاثاً لا رجعةَ فيها».
شجاعة أمير المؤمنين عليهالسلام لم تقتصر على اقتلاع باب خيبر، بل تتجلّى في رفضه القاطع للدنيا وزينتها، في وقتٍ لم يستطع أحد السيطرة عليها سوى الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله. غير أن أمير المؤمنين عليهالسلام، باعتباره مظهر الرحمة الخاصّة، تجرّد عن الدنيا بالكامل، بخلاف رسول الله صلىاللهعليهوآله الذي هو مظهر الرحمة العامة للعالمين، ومن هذه الرحمة نال كلّ شيء في الدنيا حتى أشقى الكافرين.
أمير المؤمنين عليهالسلام هو باب الإيمان، والإيمان أرفع من الإسلام، وطلابه قليلون، ومساره أشد وعورة، وبلوغ قِمّته لا يكون إلا لمن تحقّق بالتوحيد الفردي والشخصاني.
الدنيا مراتب، وتظهر لكلّ إنسان بحسب مرتبته، لكنها لم تستطع أن تفتن علياً عليهالسلام، بل ظهرَت له على حقيقتها؛ عجوزاً قاتلةً لأزواجها الكثيرين، لا تملك أي جمال حقيقي.
يتناول هذا الكتاب العالمَ الناسوتي، وغربةَ أمير المؤمنين عليهالسلام فيه؛ لماذا لم يجد مؤنساً سوى البئر؟ لماذا كان قليلٌ من الناس يستطيعون أن يلازموه؟ ولماذا تُرك وحيداً في كثير من المواقع؟
يتحدّث هذا الكتاب عن صعوبة ولاية علي عليهالسلام؛ ولايةٌ تنزف عنها الكثير من الأرواح والقلوب. ولايةٌ لا يتحمّلها الأكثرون الذين لا يريدون إلّا دنيا مزوّقة كاذبة. كذلك يكشف الكتاب عن الأسباب التي حالت دون نصرة الناس له، بدءًا من مؤامرة السقيفة إلى مأساة كربلاء.
إن القرآن الكريم يصرّح بأنّ الأنبياء لا يطلبون أجراً، لأنّ أجرهم لا يمكن أن يُوفّى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فكيف بمن غفل عنهم وجمع من الدنيا ما لا يدري عاقبته؟
الكتاب يتأمّل في سرّ سكوت علي عليهالسلام بعد السقيفة، وفي نياحه عند البئر. ماذا لو كنّا مكانه؟ أكنّا نتحمّل ما تحمّله؟ قطعاً لا، فما نطلبه لا يناسب ذلك المقام، وما في ذلك المقام لا يروق لأذواقنا الدنيوية. لذلك لا نُحسن الاستماع إلى أنينه، ولا نصبر على صُحبته، فكان مضطرّاً أن يلجأ إلى البئر!
يتساءل المؤلف: لماذا لا يُكتب عن الولاية؟ لماذا يُقال في الدروس الحوزوية آلاف الكلمات حول فروع الفقه والأصول، ولكن لا تُخصّص تلك الجهود لبيان مقامات النور والولاية التي هي باب المعرفة الحقيقية؟ مع أن معونة أهل البيت عليهمالسلام مضمونة لمن يُخلص في هذا الطريق.
الروايات الواردة في باب الولاية ليست سهلة، بل صعبة وعصيّة، وهي كالجمل الصعب الذي لا ينقاد بسهولة، ولا تُدرَك مفاهيمها إلّا بالمجاهدة العلمية والروحية.
الكتاب يفرّق بين كرامات الأولياء الحقيقيين وبين ما يُروى بلا دليل. نعم، الكرامة ثابتة للمعصومين وللصالحين، لكنّ الدعوى تحتاج إلى بيّنة، إذ إن خرق العادة لا يُثبَت إلّا باليقين، وهو أمرٌ عسير.
هنا نتحدّث عن رزقٍ معنويّ كان لعلي عليهالسلام، وإن لم يكن يجد طعاماً في بيته أحياناً، لكنّ غذاءه من السماء، وكان قلب المؤلف متعلّقاً بهذا السرّ حتى أكله ـ على حد تعبيره ـ وأذاب كيانه.
وفي ختام المقدمة، يوصي المؤلف أتباع أمير المؤمنين عليهالسلام بالثبات على طريقه، والابتعاد عن الانحرافات الفكرية والعملية، وأن يكونوا على درب الحقّ، متوجهين بصدق إلى الله.
الأنصار الحقيقيون ثلاث فئات: الشيعة (وهم القلّة)، المحبّون (وهم أكثر)، والمنسوبون (وهم الأكثر عدداً). والانتساب، وإن لم يكن كمالاً، له فائدة في الدنيا والآخرة.
ختاماً، يدعو المؤلف إلى عودة المنبر والمحراب إلى أهل العلم والحق، كما كان في زمن الإمام الصادق عليهالسلام، حيث تخرّج منه أمثال زرارة، لا أن يُسلَّم المنبر لأُناسٍ لا علم لهم، فيبتعد الناس عن مباحث الولاية والتوحيد، ويضيع المقصد الأعظم للدين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
أراك تسأل عن عليّ، الذي تعجز العقول عن إدراكه وتذهل المشاهد أمام رؤياه. أسرع عُقاب الفكر تاه في وصوله إلى حدود وجوده، وأعمق البصائر أظلمت في الشعور بجزء من أبعاده الوجودية. لماذا يسميه قومٌ إلهاً، ومع هذا التبجيل العظيم، يختبئ هو في قعر البئر ويدفن أسراره وأنين روحه في صمته المدفون؟
أولئك الذين رأوا عليّاً وسمّوه إلهاً، فهم في قلوبهم كطفلٍ ناشئٍ ما زَال يرى أباه في كلّ شيء، ولا يرى غيره عظيماً. هو يجد في أبيه المُوجد، القادر، الحكيم، الرحيم، اللطيف — حتى إذا دخل المدرسة رأى في معلّمه مقام الأب وربما أعلى. ثم يتجاوز معلّمه، فيختار أعظم من المعلمين، معلّماً لا تحدِّه حدود الزمان والمكان، هو معلِّم كل الأزمنة والأمكنة. وهنا يعتقد أن وجوده وكل شيءٍ منه هو منه، فعندئذٍ يختاره إلهاً. هؤلاء الذين ذهبوا إلى تسمية أمير المؤمنين (ع) إلهاً – فقد وجدوا في وجوده ما لم يُرَ في غيره، فخرجوا بهذا القول. ومن زاوية نظرهم يُصبح الدعوى منطقية. وليست حالة رفضهم تصديقاً بأنهم رأوا أن علياً ليس إلهاً، ولكن لأن علياً نفسه قال إن هناك إلهاً، فهم مؤمنون به، ولو قال لنرى عن الإمامة أو النبوة أيضاً لهم فيها إيمان راسخ. ولكن إذا قال أقل من ذلك، فقد يقفون عنده بإقبال أقلّ، لأنهم وجدوا فيه عظماً ومقاماً فريدين، ومشكلة تحديد تسميته في سلسلة الوجود فقط.
عظمة عليّ (عليه السلام) هي التي أذهلت أبصارهم وأغنتهم حتى لم يروا شيئاً غيره. هم يرونه من سِتّة اتجاهات، ولا يبقى مجال لرؤية الله في منحًى آخر، فالتبس الأمر عليهم، وسمّوا الحقَّ الذي وجدوه بغير اسمه. وجدوا حقيقة تحيط بهم من كل جانب، والحقيقة التي رُؤُوا هم منها، وكل ما كان فقد رأوه في عليّ، وكل وجود وجدوه فيه. يُدركونه إما إلهاً أو يقولون: “عليٌّ هو الله”، لكن عندما يقول عليّ (ع): «أنا لست إلهاً، هناك إله أعبده، رغم أنني لم أرَ إله عليّ ولم أبلغ إليه، ولكن أؤمن به؛ لأن عليّ – عليه السلام – قال ذلك.»
وحين نتساءل: لماذا يختبئ الأمير في البئر بين كل هؤلاء المحبين؟ هل بعد ألفٍ وأربعمائة سنة يمكننا أن ندخل البئر ونسمع كلامه؟ هل العلم التجريبي اليوم يملك وسيلة تخبرنا بذلك؟ هل بقي في ذلك البئر محفوظاً الكلام؟ إذا ذهبنا إلى ذلك الموضع، فإننا بقدر إدراكنا نكتب غربته ومعاناته، ونفهم عظم الإبتلاء الذي حَلّ به…
إن الكلمة التي تركها عليّ (عليه السلام) هي كلمة ثقيلة مستعصية على فهمنا، وأعظم من أن يحتمله هذا العالم الأدنى الذي نعيش فيه، وهو لا يتكلم إلا من مستويات أعلى. فهناك مراتب لا نهائية للناسوت، وفي كلّ رتبة يعيش بشر، وليست جميعهم يدركون كلام عليّ…
مثل قوله: «الدهر أنزلني، حتى قيل عليّ ومعاوية»، أي: لقد أنزلني الزمان حتى صار اسمي في ميزةٍ كالميزة التي تُقارن بها معاوية.
فإذا كان عليّ (ع) بمستوى أعلى بكثير من إنسانٍ عادي، فإن ناسوت التاريخ نزّله إلى مستوى نازح البئر، متساوياً مع أسفل الخلق، متخففاً من عظمته الإلهية الظاهرة، وهو في أماكن الناس وإلى الناس.
عليّ (عليه السلام)، ذلك الرجل السماوي، الإلهي، الحق المبين، قائد العوالم، الحامٍ عن المساكين، اليتيم الناظر، العاقل الرباني، الذي كان بجوار الحق في الأعلى، كيف جُرّنس من أمّتنا، حتى نزل إلى أن ينحني رؤوسه داخل بئر لينهل من هموم المساكين الذين يسكنون جوفه؟
فإن لم نفهم مراتب النزول في الوجود، فلن نفهم كلمته ولن تتفجر لنا روحه المتعبة في البئر. لكن من أدرك مراتب الناسوت وفهم مراتب الزمان والمكان، عرف كرامته في الكلام المُخْفَى، وعلينا أن نتبع أثره في أدياره السرّية، حيث لا تراه العيون لكن تلمس روحه…
ومع ذلك، كيف لهؤلاء أن يمتلكوا هذه المحبة العميقة، بينما هو يخفي رأسه في البئر؟ هل بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة عام يمكننا الدخول إلى ذلك البئر والاستماع إلى كلام أمير المؤمنين عليه السلام؟ هل يمكن للعلم التجريبي الحديث أن يجد أداة تُمكّننا من نقل كلامه من ذلك الزمان وذلك المكان؟ هل احتفظ البئر بهذه الكلمات حتى اليوم؟ إذا ذهبنا إلى ذلك المكان ورأينا ذلك المشهد، فسنشعر بغربته بقدر ما نقدر، وسنفهم عظم المحنة التي عانى منها. كيف يمكننا أن نستوعب عظمة هذا البلاء وهذه المحنة؟ هل نبحث عن هذه الآلام التي شاركها مع البئر من خلال المادة والعالم المادي، ونحاول الوصول إليها عبر التاريخ والزمان؟ أم نبحث عنها من طريق سماوي وروحي؟ هل يمكننا أن ننتزع هذه الآلام من الملائكة، أم نلجأ إلى الجن؟ هل السماوات العلا، التي تحجب الأسرار، تسمح لنا بكشف حجاب الغموض لكي تُفسر لنا هذه الأحاجي؟ لأن علياً عليه السلام دائماً مع الحق، والحق معه: «علي مع الحق والحق معه لا يفترقان حتى يردا على الحوض». أم أن البحث في هذا المجال لا يقودنا إلى شيء؟
بكل تأكيد، لا يستطيع العالم المادي أن يحتمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام، فكلامه صعب، مستعصي، وأثقل من ذلك العالم الذي نعيش فيه ولم نتجاوز حدوده. العالم المادي الذي يتحدث معه ويختار أن يتفاعل من خلاله يجب أن يكون أعلى من هذه المرحلة.
العالم المادي له مراتب لا نهائية، وفي كل مرتبة يعيش بشر. ليس من المنطقي أن يكون للعالم المادي مستوى واحد يعيش فيه كل البشر على قدم المساواة. الذين يعيشون في المراتب الدنيا من العالم المادي لا يمكنهم أبداً فهم ما وضعه عليّ عليه السلام في قعر البئر.
لتقريب هذا المفهوم، يمكننا أن نعطي مثالا من مجال التعليم: للإنسان مراحل متعددة من النمو تبدأ بالنطفة. بعد الولادة، يختار الإنسان مهنة حسب قدراته وجهده، فبعضهم يصبح تاجرًا، وبعضهم فلاحًا، وآخرون مدرسون. بعض المدرسين يكونون الأفضل في تخصصهم، والبعض يصبحون مديرين أو رؤساء أقسام. هناك فرق بين أفضل مدرس ومدير وزارة التربية والتعليم، فقد يكون أفضل مدرس ولا يعرف مشاكل المدرسين من حيث التعليم والتربية. المدير الذي يعرف مشاكل المدرسين ويشعر بها ويكون لديه قدرة إدارية يمكنه أن يقدم أفضل الحلول.
لكن نادراً ما نجد شخصًا يعرف كل مجالات البشر ويفهمهم جميعًا، لذلك لا يمكننا أن نأمل أن يصل شخص عادي إلى مرتبة تمكنه من فهم آلام أمير المؤمنين عليه السلام والتفاعل مع ما وضعه في البئر. إن التحدث مع البئر، التي حفظت تاريخها، هو شهادة دائمة على مظلومية وغربة أمير المؤمنين عليه السلام.
كيف يمكننا أن نصل إلى ذلك البئر ونسأل عن آلام عليّ؟ الطرق العادية مغلقة ويجب أن نسلك طرقًا غير عادية للوصول إليه. هل يمكن لشخص أن ينمو ويرتقي من مراتب الدنيا الدنيا للعالم المادي إلى المراتب العليا التي تفهم مشاكل البشر كافة، حتى لو لم يكن قد عانى تلك الآلام بنفسه؟ هل يمكن أن يكون طبيبًا يفهم ألم المريض ويشعر به؟ هل يمكن أن يكون نفسياً يحس بألم العامل والفقراء رغم أنه ليس منهم؟ هذا النفساني يعاني من ألم الفقر، لأن ألم الفقر يعيشه في نفسه مع كل فقير يراه. ربما لا يعاني الطفل اليتيم من فقد الأب بقدر ما يعاني منه ذلك الشخص الذي يشعر بهذا الألم، ويفهم تجاهل الأغنياء وفسادهم.
إذا استطاع أحد أن يكون غنياً للفقراء، وفقيراً للأغنياء، مريضاً للأطباء، وطبيباً للمرضى، معلماً للتلاميذ، وتلميذاً للمعلمين، أبًا لأبنائه، وابنًا لوالديه، صديقاً لأقرانه، صديقاً لأعدائه، عدواً لأصدقائه، وعدواً لأعدائه، ويفهمهم جميعاً كما هم، فهذا فقط يمكنه أن يتبع مسار العالم المادي ويقول: “أنا في قمة البشر وأعلى إنسان يجمعهم جميعاً”.
كذلك بعض الناس يحبون رائحة الأزهار، وبعضهم متعلقون بنوع خاص من الزهور، وبعضهم غارقون في جمال الزهرة حتى يجب أن نراهم داخلها. بعض الناس يحبون كرة القدم بشغف بحيث لا يسمعون من يناديهم من والديهم إلا إذا ناداه أحدهم من وسط الملعب.
وهكذا، يمكن للإنسان أن يغرق في شيء ويغيب عن كل شيء آخر. مثالنا كان عن الزهرة، ولكن القصة طويلة وواسعة.
معاویة يشرب الخمر، ويبكي للمساكين، ويجلس على مائدة واحدة مع عبدة المال، ويأكل معهم، لكي يحافظ على مكانته في رأس النظام والسلطة. لا يأبه إن جرّ جميع الناس إلى الفقر والبؤس والألم، ما دام ملكه قائماً، بل يفعل ذلك ولو فُني الناس جميعاً، من غير أن يتحرّك فيه أدنى ألم، بل ينقلب ذلك عنده إلى نشوة وسرور!
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مصلحاً في عصره، ومع كونه يرفع قدمه إلى السماء، كان يُدني رأسه إلى جوف البئر، وينزل بجسده إلى ما دون الأرض. ومع ذلك، فإنّ الزمان دفع بمعاوية — بما لديه من خُبث وافتراسٍ كصفات الذئاب — ليتقدّم على مولى المتقين علي عليه السلام، فارتفع معاوية شيئاً فشيئاً في مقامه الدنيوي!
ومع كل ما في معاوية من طباع الذئاب، كان مؤمناً بحقانية أمير المؤمنين عليه السلام، حتى أنّه لو فُرض أن يُؤتى بالإمام علي عليه السلام إليه مقيّداً، لما أقدم على قتله، ولما كانت كربلاء لتشهد ما شهدت، ولما وُجه الإمام الحسين عليه السلام إلى السيوف والحراب، ولما قام أشقى الأشقياء بقطع رأسه الشريف. ولكن لو أُتي بمعاوية إلى علي عليه السلام مقيّداً، لقطعه عليه السلام في التوّ واللحظة، لأن علياً عليه السلام كان على يقين من بطلان معاوية.
عليٌّ عليه السلام هو الحقّ، وهو الناصر للحق، ولا تهتزّ يده أمام الباطل، بل يضرب عنقه دون تردّد، في حين أن معاوية كان يعلم أن الحقّ مع عليّ، ويقرّ بأنه مغتصبٌ لموقع ليس له، ولهذا كانت يده ترتعش عند التفكير في قتل علي عليه السلام.
هذا معاوية، وذاك عليٌّ عليه السلام. ولكن ماذا فعل الناسوت؟! يقول الإمام: “الدهر أنزلني أنزلني حتى قيل: عليٌّ ومعاوية؟!”
الدهر أسقطني، ولكنني أنا عليّ! أنا العليّ، أنا السامي، أنا الذي إن ارتفع شيء فوقي أو انخفض دوني كسرته. أنا عليّ، الذي لا يثبت أمامي شيء لا في الأمام ولا في الخلف، لا في الأعلى ولا في الأسفل. أنا عليّ، الذي لا يستطيع أحد الوقوف أمامه، في أي عالمٍ كنت، أظل عليّ.
أنا النقطة التي تحت باء “بسم الله”، أنا القابض الباسط، أنا القرآن الناطق. أنا ذاك الذي في أوج الرفعة وفي حضيض التواضع يكون سموّه. أنا عليّ، الأفضل، الأعلى، الذي أذلّ المستكبرين ورفع المستضعفين ليروا من هو الأعلى منهم، وهو أنا.
لن تجدوا من هو أكثر استضعافاً مني أمام المستضعفين، ولن تجدوا من هو أشدّ استكباراً مني أمام المستكبرين. أنا عليّ، الذي إذا جالستُ أحداً أخذت من خصاله، وأصبحت أعلم بما هو خيرٌ منه وبما هو أدنى منه، وأسير في مسار الخير والشرّ لكي أوصل الطرفين إلى إدراك الأفضل والأسوأ، فيعلم الإنسان قدره.
في الخير والشرّ، أنا عليّ؛ أي أنا هادٍ كالله، ومُضلٌّ بإرادته، كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: 27]
إنَّ ما واجههُ الإمامُ عليُّ عليه السلام من ضغوطاتٍ وتحدياتٍ متلاحقةٍ، وجهودهُ المتواصلةُ في حفظ الدينِ والأمةِ من الانهيارِ والفرقةِ، يُشيرُ إلى أنَّهُ في الميادينِ السياسيةِ والاجتماعيةِ والدينيةِ، ينبغي في بعض الأحيان التَّخلي عن المواجهةِ المباشرةِ والتركيزِ على حفظِ وحدةِ المجتمعِ وصحتهِ، حتى وإن تطلب ذلكَ قبولَ الضغوطِ والمتاعبِ العديدةِ.
ومن هذا المنطلقِ، أوصى النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم الإمامَ عليّاً عليه السلام بالصبرِ والتحمّل، طالباً منهُ الحفاظَ على أرواحِ الأمةِ ودمائِها، ومنعَ التفرقةِ والصراعاتِ الداميةِ، لأنَّ الفرقةَ والنزاعاتِ الداخليةَ تشكّلُ أخطرَ تهديدٍ لبنيانِ الدينِ والمجتمعِ الإسلامي.
وعلى هذا الأساسِ، أظهرتِ التجاربُ التاريخيةُ والقيامَاتُ التي تلت النبيَّ، أنه كلما تعرّض أهلُ الحقِّ للظلمِ والقهرِ، يجبُ عليهم إما أن يلجأوا إلى الصبرِ والانتظارِ، أو أن يقوموا بالثورةِ في حال وجودِ الدعمِ الشعبيِّ والقدرةِ الكافيةِ، أما التحركُ المبكرُ وغيرُ المدعومِ فسيؤدي إلى إضعافِ جبهةِ الحقِّ وتقويةِ أعدائهِ.
١- كتاب سليم بن قيس، تحقيق محمد باقر أنصاري، ص ١٣٦ – ١٣٨.
(٥١)
يا عليُّ، ما بعث الله نبيًّا إلا آمن له فريقٌ باختياره، وآمن له آخرونَ اضطرارًا. فسلط الله الذين آمنوا اضطرارًا على الذين آمنوا اختيارًا، فقتلوا هؤلاء حتى بلغ جزاءُ هؤلاء أعلى المراتب.
يا عليُّ، ما اصابَ أيُّ قومٍ بعد نبيِّهم اختلافٌ وتفرقةٌ إلا إذا حكم أهلُ الباطل أهلَ الحق. إن الله قد قضى على هذه الأمة بالتفرقة والاختلاف، ولو شاء لجمعهم على الهداية بحيث لا يختلف اثنان من خلقه في أمر، ولا ينازعوا في قضائه، ولا ينكر أحد فضل الآخر. ولو شاء أنزل عليهم العذاب والعقاب قبل أن تتغير أحوالهم، وينكر الظالم والطاغية، ويعود الحق إلى موطنه، ولكن جعل الله الدنيا دار عمل، والآخرة دار ثبات وراحة، حتى يُجازى من أساء بعمله، ويُثاب من أحسن.
(٥٢)
فقلت: الحمد لله الذي أشكره على نعمه، وأصبر على بلائه، وأرضى بقضائه، وأقبل على حكمه.
هذه الرواية من أهم الروايات في باب الولاية، إذ تحتوي على معانٍ روحية وأيضًا إشارات سياسية تتعلق بالثورات والقيام الإصلاحية.
قال الإمام علي عليه السلام: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله في طريق من طرق المدينة يؤدي إلى بساتين، مما يدل على أن الاثنين كانا في خصوصية وسكينة، دون إزعاج من الغريب.
مرورنا عبر سبع بساتين وتكرار الأسئلة والأجوبة المماثلة يدل على عظمة الأمور الأخروية، ويقصد النبي بذلك لفت نظر المستمع لما سيأتي من حديثٍ عن المستقبل والأحداث القادمة.
(٥٣)
احتضانُ وبكاءُ الإمام يدلُّان على غربةِ المولى في المستقبل، وهو تحذيرٌ من رسول الله صلى الله عليه وآله لصاحب الأمر عليه السلام من أن ينتظر أيامًا عصيبة. حزنُ النبي وحيرته لأن عليًا عليه السلام كان رفيقًا له في الشدائد والمحن، لكنه بعده سيواجه وحده جبالًا من الصعاب والآلام بلا معينٍ ولا ناصر، وهذا ما يسبب ألمًا شديدًا للنبي المحب لوصيّه.
الرواية تكشف عن عداوات قديمة من بعض الناس ضد الإمام علي عليه السلام، الذين لم يحتملوا دعمه للدين ونصرة النبي صلى الله عليه وآله. لقد تعرض الإمام لضرباتٍ شديدةٍ دفعته إلى تحمل الانتقام.
(٥٤)
الإمام لا يسأل عن مصائبه، بل يهمه سلامة الدين. والنبي صلى الله عليه وآله يؤكد ذلك ويبشّر بأن الإمام عليه السلام هو وليه الوحيد ووزيره في كل زمان ومكان.
النبي صلى الله عليه وآله ينصح عليًّا عليه السلام بالصبر، ويسرد أعداءه وعلاماتهم، ثم يقارنه بموسى عليه السلام، ويقول: أنت كهارون وهم كالعلو السامري الذي ضل الأمة.
النبي صلى الله عليه وآله يحدد مصير الإمام، قائلاً: إذا وجدت نصيرًا للحق معك لقيام بالحق فانهض، وإلا فاصبر واحفظ الأمة من التفرقة والدمار، فهذا واجبك الوحيد.
(٥٥)
لفهم هذه الرواية، لا بد من ملاحظة سبب نصح النبي عليه السلام بالصبر وعدم الثورة المسلحة، إذ إن أعداء الإسلام بعد النبي صاغوا مؤامراتهم سريعًا، ولا تركوا شيئًا لتحقيقها. كانوا يرون موقعهم أقوى، ويريدون الانتقام من كل الأذى الذي وقع عليهم من النبي، ويعتبرون إزالة علي عليه السلام أمرًا حتميًا.
أما الإمام علي عليه السلام فإما أن يتخلى عن الأمر، فتنسى الحق وتضمحل، أو يقاتلهم فتكثر العداوات والفتن فيسقط الدين، وينهدم بناؤه. هذا الأمر مع علمهم بصعوبة هزيمة علي عليه السلام، لأن كثيرين لم يكن لهم ودّ معه.
لذا، فإن النبي ينصح علي عليه السلام بالصبر والحفاظ على وحدة الأمة، حتى لو كان أهل الباطل هم الحكام، لأن حفظ وحدة الأمة أهم من كل شيء، إذ التفرقة تهيئ الأرضية لسقوط الدين.
(٥٦)
الصبر والجلد اللذان يتحلى بهما الإمام علي عليه السلام في حفظ الأمة والوحدة، رغم صعوبة الموقف، هما أمران لم يتحملهما إلا هو، وهو الذي اشتهر بالشجاعة والبطولة، لكنه يجد نفسه محاطًا بأعداء كثيرين، مطالبًا بالتحمل والصبر.
الرواية تعكس حقائق اجتماعية وسياسية عامة، تنطبق على جميع الأمم والأديان، وعلى جميع الثورات والحركات الإصلاحية، حتى وإن لم تكن دينية.
(٥٧)
هذه الحقائق ليست غريبة أو شاذة، بل هي مبادئ اجتماعية وطبيعية تحكم المجتمعات. وسيتم التوسع في شرحها لاحقًا.
وقبل ذكر هذه المبادئ الهامة، يجدر التنويه إلى أن النبي صلى الله عليه وآله لا يتكلم هنا عن الغيب، بل عن علمه وخبرته الاجتماعية والسياسية، مستندًا إلى قواعد علم الاجتماع السياسي.
“فأذن مؤذنٌ بينهم أن لَعنةَ اللهِ على الظالمينَ الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا وهم بالآخرةِ كافرون.” (الأعراف: ٤٤-٤٥)
(٥٨)
كان دائمًا للدين الإسلامي، كغيره من الأديان السماوية، أعداء من الكفر والنفاق والجهل، يعيقون سبيل نشر الحق وتحرير البشر من الظلم.
الخلفاء الذين جاؤوا بعد النبي، خاصة من بني أمية وبني العباس، كانوا يمثلون هذه الصورة، ولو بزي ديني، في حين أن الشيعة كانوا يمثلون الحق والعدل والدفاع عن الدين.
هذه الفرقة الشيعية كانت معروفة منذ عهد النبي، وكان يشير إليها بشكل واضح، مع تحفظات أحيانًا للحفاظ على سرية المبدأ أمام أعدائهم.
(٥٩)
الشيعة على مر التاريخ لم يبرزوا فقط حقانيتهم الدينية، بل دافعوا عن الوحدة الإسلامية، وكشفوا فساد العديد من الفرق الأخرى، مع الحرص على وحدة المسلمين.
الإمام علي وأهل بيته، مع الثقافة الشيعية عموما، عارضوا الظلم والاستبداد، وقاتلوا ثقافة القياصرة والسلاطين، بينما خلفاء بني أمية وبني العباس اتسموا بالجشع والفساد.
دور الإمام علي في بناء الأسس الثقافية والاقتصادية للشيعة كان خلال حكمه القصير الذي استمر خمس وعشرين سنة، بدأ بالحكم الزائف للثلاثة الخلفاء السابقين.
(٦٠)
(٦٠)
كانت خلافة الخلفاء الثلاثة السابقة شكلاً زائفًا، إذ كانت الأولى بأغلبية مزيفة وكاذبة، والثانية بوصية الأولى، والثالثة بمجلس مشترك مختلط بالخديعة والمكر.
(٦١)
ولذلك، كان الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية واصطفاف المسلمين مسؤولية عظيمة على عاتق الإمام علي عليه السلام، التي تحققت في زمن النبي صلى الله عليه وآله بالحريت والثورة والفروسية، وبعده بالصبر وتحمل الشدائد وضبط النفس.
وهذا الجمع بين الحزم والرحمة صعب على أي شخص، خصوصًا لمن كان صاحب أرفع سيرة في البطولة والشجاعة، والآن يجد نفسه محاطًا بالعديد من الأعداء، مطالبًا بالصبر والجلد وتحمل مظلمة عظيمة.
(٦٢)
هذه الرواية، إلى جانب كشفها حقائق مريرة من واقع المجتمع الإسلامي في بداياته، تتضمن مبادئ أساسية وهامة في السياسة والاجتماع، صالحة لكل الشعوب والأزمان.
هذه المبادئ عامة وشاملة، لا تخص زمن الإمام علي عليه السلام فقط، بل تنطبق على جميع أولياء الله، والأنبياء، والأوصياء، وفي كل الأديان والثورات السياسية، حتى غير الدينية منها.
بعبارة أخرى، فإن هذه الحقائق المريرة ليست شاذة، بل هي نتيجة طبيعية لمبادئ اجتماعية وأسباب طبيعية، ولا تشكل خروجًا عن المنطق الاجتماعي. وسنوسع في شرحها مستقبلاً.
(٦٣)
قبل ذكر هذه المبادئ الهامة في الحركات الإصلاحية والسياسية، ينبغي التنويه إلى أن النبي صلى الله عليه وآله لا يتحدث عن الغيب هنا، بل عن معرفته التامة بالأمور الاجتماعية والسياسية، ويطرح هذه المواضيع من منطلق علمي اجتماعي سياسي.
“فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ.” (سورة الأعراف: ٤٤-٤٥)
(٦٤)
لقد كان دائمًا أن الأديان السماوية، لا سيما الإسلام، تواجه سدًا من الكفر، والنفاق، والجهل، الذين يمنعون نشر الحق ويعيقون تحرير الناس من ظلم المستبدين.
الذين كانوا أكثر المعارضين عادة هم من المشاهير بالكفر وإنكار الآخرة، وهم الذين يعرقلون نمو الدين وإيمان أتباعه.
الخلفاء من بني أمية وبني العباس، ظهروا بهذه الصورة، ولكن بزعم التدين، بينما الشيعة كانوا يمثلون الدين الحق، وتجسدوا في عقيدة وعمل الحق، وكانوا البذرة الصالحة للإسلام الحقيقي والداعمة للحق والعدل.
(٦٥)
وقد كان هذا المذهب، المعروف بالشيعة، معترفًا به في زمان النبي صلى الله عليه وآله بهذا الاسم، وكان يشير إليهم في مواقف كثيرة بوضوح، وأحيانًا يكتفي بالتلميح حفاظًا على سرية الدعوة أمام أعدائهم.
الشيعة عبر التاريخ لم يبرزوا فقط حقانيتهم الدينية، بل أيضاً حرصوا على وحدة المسلمين، وكشفوا فساد وفساد العديد من الفرق الإسلامية الأخرى، مع المحافظة على الوحدة الإسلامية.
(٦٦)
الإمام علي وأهل بيته، والثقافة الشيعية عمومًا، بالإضافة إلى تأكيد عصمتهم وعدالتهم، كان لهم دور ثقافي قوي في مواجهة ثقافة الظلم والجور، وتدمير أُسس الحكم الظالم كالقياصرة والملوك، في حين أن الخلفاء الظالمين مارسوا جشعهم وشهواتهم دون حياء، واتخذوا مظاهر العمل الديني لتغطية فسادهم.
في تاريخ بني أمية وبني العباس نماذج واضحة لهذا الفساد والجور.
خلافة الخلفاء الثلاثة الظاهرية استمرت خمسة وعشرين عامًا، وكان الإمام علي مشغولًا خلالها ببناء الأسس الثقافية والاقتصادية للشيعة.
(63)
تمكّن معاوية بالحيلة والدسائس من خداع جيش حضرة الإمام عليه السلام، الذي كان فيه قادة دنيويون، فادعى الحُكم ظاهريًا، ثم أعلن عن فكرته للناس مع أنه لم يكن يُرَاوِد في ذهنه سوى الحكم والسيادة فقط. كما أنه استخدم كل قوته وخداعه وتهديده، فعين ابنه يزيد وليًا للعهد وخليفة للمسلمين، وأعلن أن من ينقل حديثًا في مناقب أهل البيت عليهم السلام فإن حياته وماله وسمعته ليست آمنة، وأن من يتحدث عن الخليفة يحصل على مكافأة.
ذاك الملعون بذل ما بوسعه لهدم حقانية حضرة الإمام علي عليه السلام؛ بحيث كان يُلعَن في الخطب والمواعظ في أوائل القرن الثاني الهجري حتى عهد عمر بن عبد العزيز، وكان الخطباء يأمرون الناس بالسب والبغض للإمام عليه السلام.
إن الأساس الرئيس لتخلف الإسلام كان بسبب سيطرة خلفاء جائرين جُبناء مثل هؤلاء، ولو لم تكن حقانية وأقلية الشيعة، لما بقي أثر للإسلام.
كان تضحية الأئمة المعصومين عليهم السلام، وخصوصًا قيام كربلاء للإمام الحسين عليه السلام واستشهاده وأصحابه الأوفياء، سببًا في عزّة الإسلام وعظمة الإمامة.
لم يتوان خلفاء الظلم في هذه الفترة عن ارتكاب الجرائم ضد الأئمة الشيعة عليهم السلام وأتباعهم، فكانت الأقلية الشيعية تعاني بشدة حتى القرن الثاني الهجري.
وقعت ثورة كربلاء سنة 61 هجرية، وانتهت الدولة الأموية سنة 100 هجرية.
ومن بين خلفاء العباسيين، حاول المأمون في سنوات 195 – 218 هجرية إيجاد حل لمشكلاته مع الإمام الرضا عليه السلام، لكنه لم يكن موفقًا في ذلك.
واستمرت الخداع والخديعة من قبل خلفاء بني العباس حتى القرن الرابع الهجري، إلى أن أتى ظهور آل بويه ليُنهِي حكمهم المشين.
في رواية السيد سليم، يُقسم الناس إلى ثلاث فئات: فئة أهل الحق (حضرة الإمام علي عليه السلام وأصحابه)، وفئات الفساد (خلفاء جور مثل بني أمية وبني عباس)، وأفراد عاديون يتبعون إحدى هاتين المجموعتين، وهم ما يُسمّى بالجماهير.
هذا التقسيم هو من أصول كل الحركات الاجتماعية الثابتة.
من هذا الحديث المبارك يتضح أن فئة أهل الحق لا تسعى سوى إلى رضا الحق، وهم في سعي دائم للحق، ولا يبخلون بأي جهد أو تضحية في هذا الطريق المقدس.
كما ورد في هذه الرواية، حين يسمع الإمام علي عليه السلام كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لا يهرب أو يقلق، بل يقول: “في سلامة من ديني”، أي هل يبقى ديني سالماً؟ وعندما يؤكد رسول الله: “نعم، في سلامة دينك”، يشكر الله ويصبر على البلاء ويرضى بقضائه.
يعبّر الإمام بهذه العبارات عن إيمانه العميق بالله، ولا يتوانى عن السير في طريق الحق.
في هذه الرواية القصيرة، يبيّن الإمام علي عليه السلام موقعه في الحياة ومسيرته الروحية والفكرية، بحمد الله وشكره على نعمه، خصوصًا سلامة الدين، ويؤكد صبره على المصائب ورضاه بقضاء الله.
ويجب أن نعلم أن عناد الناس أحيانًا يغيّر مسار حركة معينة، فالتابعون في الدولة أو المجتمع قد يوجّهون الحركة، وإذا لم يتناسقوا قد يدمّرون النظام.
في صدر الإسلام، كان المسلمون سببًا في تراجع الإمام علي عليه السلام عن موقفه، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم رصد نسبة معارضة كبيرة له، فلم يرغب في إعلان إمامته، كما يتضح من خطبة الشقشقية.
كان الإمام علي عليه السلام مضطرًا للصمت، وقادة الانقلاب مع الأمة غيّروا مسار الحق.
ولكن من المهم أن نفهم أن الإمام لم يتخلّ عن الحق، بل لم يفصح عنه، بل صمت كصاعقة، كما فعل الأئمة المعصومون عليهم السلام عبر التاريخ.
فالناس هم العامل الأساسي في تغيير مسار الحاكم.
واليوم، مثلا، تضطر الحكومة في بريطانيا لتغيير سياساتها الاقتصادية بعد إضراب نقابات العمال، وفي أمريكا يعطي بعض الناس توجيهات للرئيس الذي يتبع القانون.
وهذا القانون ينطبق حتى في العلاقة بين الزوج والزوجة، حيث يكون للمرأة دور كبير في القرارات.
نعود إلى بعض فقرات الرواية: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام: لم يُرسل الله نبيًا إلا وكان له أتباع بالميل والاختيار، وآخرون بالكره والتظاهر، بلا إيمان راسخ.
يظهر من ذلك أن كل الرسل كان لهم أتباع مخلصون، ولو كانوا قليلي العدد، وليس منطق أن يبعث رسول بلا أن يلتفت إليه أحد.
ولكن هناك من هو ضعيف أو منافق يتبعهم خوفًا أو مصلحة اجتماعية.
هم انتهازيون لا يسعون إلى الحق، بل إلى مصالحهم الخاصة.
وعبر التاريخ كانت الأقليات المؤمنة هي من تؤمن بالأنبياء، أما الجماهير فتنحاز للسلطة.
والآية الكريمة في سورة النصر تؤكد دخول الناس في الدين جماعات حين يظهر نصر الله.
ولكن لا ينبغي للرسول أن يفرح لهذا الأمر ويظن أنه دائم، لذلك يأمر بالتسبيح والاستغفار.
ثم يشير الرسول إلى سبب تغلب أهل الباطل على أهل الحق، وهو دعم الجماهير لأهل الباطل وكثرة عددهم، رغم أن أهل الحق هم أصحاب الجودة.
فالجماهير تحدد مصير الصراع بين الحق والباطل، وغالبًا ما تخدع بالقوة الظاهرة للباطل.
والتواطؤ بين الجهل والسطحية لدى الجماهير يؤدي إلى ضعف أهل الحق، ويجبرهم على الانسحاب أو الاستشهاد.
وهذا ظاهرة طبيعية في كل الثورات، حيث يستولي الانتهازيون على السلطة بعد النصر.
وهذا ما حدث في الأديان السابقة والإسلام والثورات العالمية.
فالذي ينجو من أهل الحق يرى أن ثمرة جهوده استولى عليها غير المخلصين الذين لا يرحمون حتى جذور الشجرة التي زرعوها.
وهذا أصل طبيعي لأن الثورة تتعب الإنسان ويكثر فيها من ينتقدون الثوار، ويستخدمون المشاكل لتبرير أعمالهم المشبوهة.
ثم تستمر الرواية…
النتيجة من هذا المبدأ
ليس من الصحيح أن يكون أهل الباطل هم الفائزون في ميدان الصراع، لأن السعادة والنجاح الحقيقيين هما في كون العمل مرضياً لدى الله سبحانه وتعالى.
إن أولياء الله عليهم السلام قد يُقتلوا في سبيل تحقيق الهدف وإقامة الحق، ولكن موتهم ليس نهاية الطريق، بل هو شهادة تستمر في مسيرتهم نحو الحق، ولهذا قال تعالى: «لِيَكُونَ أَعْظَمَ لِأُجُورِهِمْ». إذ أن العظمة والفضل الحقيقيين في الآخرة، فبرغم فقدانهم الدنيا بسبب ضغوط أهل الباطل، فإن لهم في الآخرة عالماً أبدياً باقياً. وإن قيل: إن كلمة «أعظم» تعني العظمة التي تتعلق بالباطل والمقارنة بين مرتبة الشهيدين، فالجواب أن هذه العظمة دنيوية ظرفية تظهر للمظاهر فقط، وهذه الرؤية ليست دائمة، وأهل الباطل مهما حكموا في الدنيا، فإن البقاء والدوام مع أهل الحق.
الشهادة كأداة لهدم الباطل
الشهادة لأولياء الله ليست نفي لمكانتهم الاجتماعية، بل هي وسيلة لنفي الكثرة التي يمتلكها أهل الباطل. فشهادة أولياء الله تدمر القوة العددية للباطل، فتقضي على حركة الباطل، وإن كان الباطل يملك العدد والسلطة. شهادة الأولياء هي الضربة القاضية للباطل، فتذل أعدادهم وتشتت الجماهير التابعة لهم.
في المواقف الاجتماعية، قد يصل الناس إلى نقطة لا يُمكن فيها إيقاظهم بالكلام والنصح، ولا تجد النصائح طريقاً إلى عقولهم، فتأتي شهادة ولي حق لتضيء الحق وتفضح الباطل، فتخيب ظنون الأعداد، وتفرق الجماهير. هذا مبدأ لبقاء الدين الحق وحماية الفضائل الحقيقية، وإسقاط أهل الباطل الذين يحكمون بالباطل تحت ستار الحق، وهم في الحقيقة ينفرون الروح بطبعهم.
في مثل هذا الجوّ حيث يحكم الباطل باسم الدين، شهادة أحد أولياء الله ترسم طريق الدين الحق كقمة شاهقة تبقى لقرون طويلة، وتحمل راية الدين الحقيقي، وتبعد سحب الباطل السوداء عن المجتمع لفترة، مثل شهادة مولى المؤمنين عليه السلام وواقعة كربلاء الدامية.
مدن أهل الولاية: مكة، المدينة، وقم
إيران بلد واسع يضم في جنباته المسلمين والكفار، الطيبين والأشرار، المصلين وغير المصلين، وجميعهم من أفضل شعوب العالم. أرض إيران أرض ولاية، بل يمكن إصلاح حتى المنافقين فيها. وردت أحاديث عدة في فضل الإيرانيين، وفي شأن سلمان وأمثاله من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. العلماء في إيران هم تجسيد حقيقي لهذه الأحاديث. محبة آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم متجذرة في دماء هذا الشعب، ويُسمع في هذه الأرض أصداء كلمات مؤثرة لا تنبع إلا من حبهم. حتى الذين لم يقبلوا الثورة الإسلامية، هم من هذه الأرض ولهذا يحتلون مراكز متقدمة عالمياً.
هذا الحزن والنغمة التي تتردد في أشعارهم وأغانيهم تنبع من هذه الأرض. وبدون شك هذا الحزن والنغمة هي التي جمعت لهم الكثير من المتابعين. هل يمكن أن يأتي هذا الحزن والنغمة من غير هذه الأرض؟ لا، إنه الحزن الإيراني والفخر بالانتماء إليها.
أرض إيران أرض الولاية والمحبة. وإذا اجتمعنا على هذه الوحدة، فإن العالم كله سيكون تحت تأثير إيران. مع سقوط الشاه وإقامة حكم العلماء الدينيين، ينبغي أن نركز جميعاً على بناء إيران، ولا نجعل إيران كسوريا أو أفغانستان تتشظى إلى مجموعات متصارعة. الإيرانيون قادرون على أن يعيشوا بالمحبة والوحدة.
يجب اعتبار مدينة قم مركز ولاية إيران. قم من أقدم المدن الدينية في إيران وأولى المدن الشيعية، ويجب أن تعتبر مدينة الولاية والحب لآل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رغم مشكلاتها الدائمة في شؤون المعيشة والمياه والطقس.
هذه المشاكل تجعل أهل الدنيا لا يلجؤون إليها، وتتيح للعلماء والعارفين فرصة للتفرغ والرياضة الروحية. لو كانت قم مدينة ذات طقس معتدل ومريح، لما توفرت فرصة للعزلة والرياضة الروحية، وهذا سر نجاح علماء الدين فيها.
المشاكل المادية في هذه المدينة تعيق الحياة اليومية، وليس لها دخل كافٍ، وأهلها يكافحون لأبسط ضرورياتهم. أهل العلم هم الذين يدعمون المجتمع هناك باستئجارهم المساكن.
ما يميز قم بعد الحرم المقدس لحضرة معصومة عليها السلام والحوزة العلمية، هو ليالي قم. ليالي قم كروح الجنة، لأهل الليل فيها حياة ملكوتية. يتحدث السماء مع أهل قم، وتظهر لهم الليالي. ليالي قم ذات أهمية كبرى، ويفضل عدم البقاء في المدينة لمن لا يستفيد منها، لأن نهارها لا يعود بالنفع.
ليالي قم من أجمل ليالي العمر، ونادراً ما تجد مدينة بهذه الصفاء. أهل القلوب والعباد يستفيدون منها أفضل استفادة، لذلك نقول إن قم لها أبعاد روحية كبيرة، ومناسبة لتطور المسلك الروحي.
كما ذُكر، قم مدينة مقدسة حاملة لشرف وجود الحرم الشريف وحوزة العلماء، لكنها فقيرة مادياً. من حيث الماء، نوعه يشبه الصرف الصحي، والجو جاف وصحراوي، وهذا يسبب تعباً بدون وجود أجهزة التبريد الحديثة. حياة المدينة الصحراوية تُعلم أهلها ضبط النفس والاقتصاد، مما يهيئ بيئة جيدة للنمو العلمي.
عدم وجود مناخ جيد يعني أن أهل الدنيا لا يزورونها، وأهل العلم لا يضيعون وقتهم في الأمور الدنيوية، كما أن تباعد أهل العلم عن سكان الصحراء يجعلهم أقل عرضة للمضايقات. إذا كانت قم مدينة جميلة، كان أهل الدنيا يتوافدون إليها، وأهل العلم ينشغلون أكثر، ما يؤدي إلى إضاعة الوقت.
لكن اليوم، قلما يكون هناك تواصل عائلي بين أهل العلم وأهل الصحراء، والتعامل يقتصر على المجاملات الظاهرية فقط. لهذا نقول: إن الظروف غير المتناسقة في قم تناسب الحوزة والعلماء، رغم أن هذا يجعلهم غرباء في مدينتهم، ويدفعهم للرحيل بعد فترة.
أما المدينة المنورة فقد كانت دوماً مدينة الولاية حتى في غيبة الإمام، لكنها في هذه الفترة تشوبها الغبار والحزن.
ومكة هي مركز الوحي، وإن كانت اليوم تمر بفترة ركود. أسس مكة بنيت على العبادة والتجارة، والآن تسيطر عليها أفكار أعداء الولاية في مختلف جوانبها.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.