صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

إنكار الله وأصول الإلحاد (مع نقد وتحليل)

نشر في آذر 13, 1404 في

المعلومات الببليوغرافية:

المؤلف: (ولد 1327 هـ ش)
العنوان: “إنكار الله وأصول الإلحاد (مع نقد وتحليل)”
الناشر: ، إسلام شهر، 1389 هـ ش
الطبعة: الثانية (بمراجعة جديدة)
عدد النسخ: 3000
ISBN: 978-600-91763-0-4

المقدمة:

هل يوجد “الله”؟ هل للنظام الكوني المعقد خالق؟ وإذا كان موجودًا، فأين هو وكيف يكون؟ وإذا لم يكن، فكيف تكون علاقتي بالوجود، وعلاقة الوجود بي، وعلاقتي بنفسي؟ إذا وُجد الله، فما أثر ذلك على الكون، وما الفرق الذي يحدثه بين البشر؟ وإذا لم يكن، فما التغير الذي سيطرأ على الكون، وكيف ستكون العلاقات بين الظواهر وجميع الكائنات؟ إذا وُجد الله، فمن أكون؟ وإذا لم يكن، فماذا سأكون؟ وإذا وُجد الله، فماذا عن الآخرين؟ وإذا لم يكن…؟

علم اللاهوت (علم معرفة الله) هو من أكثر الموضوعات واقعية وملموسة التي تشابكت بها حياة الإنسان عبر التاريخ، وهو الذي يصيغ روحه ونفسه ووجوده ومستقبله. ومنذ فطرة الإنسان، وهو يبحث بلا وعي ودون تعليم خارجي عن خالقه وعالمه المحيط، فإن وجود أو عدم وجود هذا الكائن يلعب دورًا محوريًا في تشكيل حياته ومستقبله. لهذا، يكرس الإنسان عقله وقلبه وروحه لهذه المسألة.

حقيقة “الله” تتصل بالنفس البشرية ارتباطًا وثيقًا، وتؤثر بشكل مباشر في الأخلاق والنفس. رغم أن بعض الجماعات قد تجهل هذه الحقيقة، أو ترفضها، أو تعاديها، إلا أن جهلهم أو عدائهم يؤثر على كل جوانب وجودهم بشكل عميق.

الأسئلة التي طرحت هي من أكثر الأسئلة جوهرية للإنسان. تحت ضغط هذه الأسئلة المصيرية، يلجأ الإنسان إلى التفكير الخلاق، ويبدع العجائب. تساؤلات مثل: ما هو الوجود؟ هل النظام الكوني الأفضل والخلق المثالي هو ما نراه؟ كيف يُبرر وجود الشرور والمعاناة الكثيرة في ظل نظامٍ يدعى “الأفضل”؟ إذا كان الله هو الفاعل والسبب النهائي لكل شيء، فلماذا يعاني الإنسان من الحرمان الدنيوي والأخروي؟

لقد بذل الإنسان جهودًا عظيمة، وواجه صعوبات كثيرة، وعانى في طريق البحث عن الحقيقة، وكتب الكتب والمقالات، وألقى المحاضرات، ونظم المؤتمرات، وناقش الأسئلة والأجوبة والانتقادات. وقد تناول الفلاسفة والمتكلمون في كل من الشرق والغرب هذا الموضوع بجدية، محاولة إثبات أو إنكار وجود الله.

النص الحاضر لا يسعى إلى تقييم نجاحهم أو فشلهم، بل يقدم منظورًا جديدًا ونقديًا لقضية “وجود الله”، ويناقش نقد الملحدين بصورة حرة ومنفتحة، مع حياد وانصاف، بعيدًا عن التعصب الجامد أو الجمود العلمي.

أسرار الكون المعقد:

في هذا الكون الواسع، يجب أن نفكر بحذر شديد، ونتجنب التسرع والتهور في الأحكام. الإنسان، وهو نقطة صغيرة في دائرة الوجود، لا يجوز له أن يصدر أحكامًا مستبدة وسطحية تجاه الخلق وخالقه، ولا أن يتبنى آراء جاهزة أو غير مدروسة.

يستمر العلم والتفكير البشري في مواجهة تحديات كثيرة وأسئلة مجهولة لم تُحَل بعد. لذلك، لا ينبغي للإنسان أن يتحدث بسطحية عن الإله وموضوع المعرفة اللاهوتية.

هيكل الكتاب:

يقوم المؤلف بتحليل نقدي لنقد الملحدين على وجود السبب الفاعل والغاية في الكون، ويناقش الأسس الفلسفية لهذا الإنكار. كما يدرس وجهة نظر تعتبر الإيمان بالله والدين خرافة، ويستعرض أسباب ظهور هذه الأفكار.

يُقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

  • القسم الأول: يعرض مبادئ إنكار المبدإ الفاعل (السبب الأول) ويتناول أربعة مبادئ رئيسية: عدم الحاجة إلى الغني المطلق، عدم إمكانية إحالة الحاجة إلى ما هو مختلف، ادعاء استقلالية الموجودات، واستحالة التصديق بدون تصور.
  • القسم الثاني: يناقش إنكار الغاية النهائية، ويفحص الشكوك المتعلقة بالغاية والهدف من الوجود، ويرد على هذه الشكوك من منظور فلسفي.
  • القسم الثالث (غير مذكور في المقتطف): يفترض أن يستعرض آليات الدفاع والتأكيد على وجود الله والغاية في الكون.
  • زيادة على ذلك، لا يمكن اعتبار غاية الطبيعة خيراً أو صلاحاً؛ لأن أضرار وشرور الطبيعة الخادعة تُصيِب كلّ مظاهر الظواهر بالألم، والمعاناة، والموت، والحرمان، وبشكلٍ عام تُفضي إلى صراع البقاء. وهي تُعرّض جميع الأفراد، بل الأنواع بأكملها، للانقراض والزوال، والموت والدمار لا يُعدان خيراً أو صلاحاً. وجود الشرور والأضرار هو دليل على عدم وجود إله عليم وقدير وحكيم. ومن ناحية أخرى، نفي العلة الغائية يُرجع إلى نفي العلة الفاعلة والمبدأ الفاعل.
  • في هذا الجزء، يقوم الكاتب بنقد وتحليل ومراجعة الشبهات التي تنفي غائية الذات الإلهية، ويتناول بالتفصيل موضوع الشرور ويرفض وجهة النظر الشائعة بين الفلاسفة وأهل التصوف، حيث يعتبر الشرور أمراً وجودياً يُعدّ أدنى وأقل شأناً مقارنةً بالخير المطلق، ويُعالج مسألة فاعل الشر من خلال مناقشة أسماء الله الحسنى.
  • مصدر نشوء الدين وأساطير الآلهة مذكور في القسم الثالث من هذا الكتاب. ينطلق الملحدون من فرض صحة جميع ادعاءاتهم وإنكار وجود الله، ويطرحون سؤالاً حول أصل أساطير الآلهة والمعتقدات الدينية وأسباب نشوئها، وقد قدموا العديد من الافتراضات. حيث اعتبروا أن أهم أسباب نشوء المعتقدات الدينية هم رؤساء الدين، والمنافع الخاصة، وجهل الجماهير، وعجز الناس أمام الظالمين، والتسكين الظاهري، وكبح جماح المظلومين، وتبرئة الظالمين.
  • أما القسم الرابع فيتناول قضية حرية الإنسان واختياره في منظور جديد غير معهود، ويطرح قانون الإرادة المشتركة ويقدّم نظرية «الفعل الجمعي والبعث العام»، ويُرجع في الفصل الأخير تعدد الآلهة والأديان إلى وحدتها الأساسية.
  • الأفكار: شعاع من ظهور الحق تعالى
  • يمثل موضوع الخلق والخالق في جهتي العلة الغائية والفاعلية مكانة خاصة ضمن البحوث الربوبية، وهو دوماً حديث وجديد، كما أن قلة قليلة تنكرها بشكل كلي، فكل إنسان، بغض النظر عن عرقه أو مذهبه، يعتبر نفسه إيجابياً لشيء ما حتى لو نطق بالنفي، كما أن المؤمنين يواجهون أحياناً صعوبات في مواجهة عظمة الوجود فتدفعهم إما إلى التلاشي أو إلى النفي والعداء، رغم أن كل العالم الظاهر والذهن هو من مظاهر عظمة الحق وجلاله وجماله.
  • في موضوع «مبدأ عالم الوجود» و«الحق المطلق» و«الفاعل الوجوبي للخلق»، قدم الملحدون حججاً لادينية ونقاشات جدلية كثيرة، منها ما هو نقدي ومنها ما هو تحليلي وإثباتي. ورغم أن عبء الإثبات يقع على عاتق المؤمنين، فإن المنكرين تجاوزوا النفي وقدموا أدلة على عدم وجود الحقيقة. ومع ذلك، من الضروري لجميع أصحاب الرأي والحكمة ألا يتحدثوا بما يخالف الحقيقة، وألا يحصروا أنفسهم في طرق مسدودة.
  • كما هو معروف في المنطق، هناك نوعان من الاستدلال: الاستدلال النقضي والاستدلال التحليلي. يمكن الرد على استدلال بنفيه أو تقديم دليل مستقل على صحة القول. الاستدلال النقضي يعتمد على كلام آخر، بينما التحليلي يتمتع بحرية مستقلة. والنفي دائماً مقابل إثبات ولا يقوم إلا بوجود إثبات مقابل. لذا، على المؤمنين دائماً تقديم الأدلة وإثبات ادعاءاتهم، أما المنكرون فلا يلزمهم ذلك بل يكفيهم النفي. إلا أن بعض المنكرين هم بالواقع مؤمنون نسبيون، إذ كثير منهم لا ينكرون المبدأ الفاعلي جملة، وعند إثباتهم للمبدأ المادي، يلزمهم الاستدلال عليه، وبذلك يصبحون ضمن المؤمنين.
  • من هنا يتبين أن المؤمنين والملحدين رغم اختلافاتهم، يشتركون في نقاط معينة، وكل طرف ينكر الآخر، وكل مجموعة تدعي الحق. لكن كثيراً من ادعاءاتهم غير صحيحة، وموضوعية نقدها تحتاج إلى أناس ذوي بصيرة وعلم.
  • حرية الفكر والزيف
  • حرية الفكر وتطور الفكر الإنساني أتاحا تعدد وتنوعاً كبيراً، ولهذا يمارس الإنسان حريته في جميع المجالات، لكن للأسف، عدم وجود معايير واضحة، والتزييف، والقوالب الجاهزة أدت إلى فوضى في المعتقدات، وتفرقة مجتمعية، وتشكيل فرق وفرق طائفية ترافقها اتهامات وخيانات ونهب، ما جعل كثيرين يقاتلون بعضهم بعضاً.
  • من هنا تظهر وجوهان: الوجه الإيجابي وهو حرية الفكر، والوجه السلبي وهو التعصب والجمود والطائفية التي أضرت بالمجتمع الإنساني.
  • كثير من الطوائف والعادات البالية أدت إلى استمرار الاستغلال والهيمنة.
  • نأمل أن ينهي وعي الشعوب كل هذه الأزمات، رغم أن هذا أمل بعيد، ولن يتحقق إلا بنمو فكري وثقافي جديد يغير واقع المجتمع.
  • الأفكار والتناغمات الصوفية
  • العلاقة الوثيقة بين موضوع المبدأ الفاعلي والعلة الغائية توضح أهمية الموضوعين، مع التنويه إلى أن هذه المناقشات مجرد محاولة لفهم حقيقتها الظاهرية، إذ الحقيقة الربوبية تتجاوز الإدراك العقلي، ولا يدركها إلا أولياء الله بالتجليات الروحية.
  • المناقشة هنا عقلانية مع إشارة خفيفة إلى بعض الترنّمات الصوفية لتقريب الفهم.
  • في الختام، يجدر التنبيه إلى:
  • أ) كثرة الادعاءات لا تعني صحة كل منها، فالحق واحد حتى وإن تقاربت أو تباعدت المذاهب عنه.
  • ب) كثير من الادعاءات تخرج عن مصالح خاصة أو عوامفُرَبية، وليست كلها نتاج فكر حر.
  • ج) بعض المبادئ الملحدة قد تتشارك في أصول التوحيد لكنها تختلف في النتائج.
  • د) النص حاول أن يكون سهلاً، لكن الفهم الكامل يتطلب معلماً وأسلوباً تعليمياً مناسباً.
  • هـ) قد يتساءل البعض عن سبب إثارة هذه النقاشات بين المؤمنين، خشية أن تزرع الشكوك، والجواب أن الإيمان الصادق يتطلب معرفة ويقيناً، وهذا لا يتحقق إلا بالنقد الواعي والتحليل، لأن الإيمان المبني على الجهل لا قيمة له.
  • لذا يجب أن يقوم الإيمان والعمل الصالح على أساس المعرفة واليقين، وأن المؤمن الحق هو من يستمع إلى الشكوك ويناقشها ثم يثبت على توحيده بقلبٍ وعقل.

مُقَدِّمَةٌ
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الإِيْمَانَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ يَتَطَلَّبَانِ مَعْرِفَةً أَوَّلِيَّةً وَكُلَّ نَوْعٍ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ الصَّافِيَةِ وَالْبَسِيطَةِ يَكْفِي، وَلَيْسَ مَشْكِلَةً أَنْ يَكُونَ الإِيْمَانُ غَيْرَ مَقْتَصِرٍ عَلَى أَصْحَابِ الْبَصِيرَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ مَرَاحِلِ التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ تَكْفِي فِي هَذَا الْمُسْتَوَى. فَإِنَّ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تُوَجَّهَ الانْتِبَاهَاتُ لِلْأَشْخَاصِ الْبَارِزِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ الْوَاعِينَ وَالْمُجْتَمَعِ الْمُتَقَدِّمِ لِتَبْلُورِ الْمَعْرِفَةِ وَاليَقِينِ وَالإِيْمَانِ وَالْعَمَلِ الْوَاعِي، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ أَشْكَالِ النَّقْدِ وَالشُّبُهَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا الْمُنْكِرُونَ، لِيَسْعَى أَصْحَابُ الْمَعْرِفَةِ الْوَاعِيَةِ وَغَيْرُ الْمُقَلِّدِينَ بِصُورَةٍ وَاضِحَةٍ وَمَحْسُوسَةٍ إِلَى حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ.

وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ
بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، كَمَا يَجِبُ لِلْإِحْسَانِ أَنْ يَتَعَرَّفَ عَلَى السُّوءَ، وَلِلْعِلَاجِ أَنْ يَتَضَمَّنَ تَشْخِيصَ الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ الطَّبِيبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْذَرَ مِنَ الضَّرَرِ بِالْمَرِيضِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْإِلَهِ تَتَطَلَّبُ فَهْمَ النَّفْسِ وَتَعَقُّدَاتِهَا، وَإِبْلِيسَ وَكُلِّ أَعْوَانِهِ مِمَّا فِي ذَلِكَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ وَالْمُعَانَدَةُ وَالْإِلْحَادُ، حَتَّى يَكُونَ الْمُؤْمِنُ بِذِهْنٍ مُنْفَتِحٍ وَنَفْسٍ طَامِئَةٍ قَادِرًا عَلَى تَرْنِيمِ التَّسْبِيحِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّنَا وَرَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ».

مُلَاحَظَةٌ هَامَّةٌ
يَجِبُ الذِّكْرُ أَنَّ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْكِتَابِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ دَلَائِلِ الْمُنْكِرِينَ وَقَلِيلٌ مِنْ أَسَاسَاتِ الإِلْحَادِ وَالْإنْكَارِ مَنْ زَاوِيَةٍ خَاصَّةٍ، وَفَحْوُ الْمُنَاقَشَاتِ فِي التَّوْحِيدِ وَغَايَةِ الْخَلْقِ وَمَشَاكِلِهَا يَتَضَمَّنُ زَوَايَا وَجَوَانِبَ أُخْرَى سَيُقَدَّمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي كُتُبٍ أُخْرَى.

الْهَدَفُ
نَأْمُلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُحَاوَلَةُ الْعِلْمِيَّةُ نَافِعَةً لِقُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِعُقُولِ الطَّلَّابِ وَالْبَاحِثِينَ عَنِ الْحَقِيقَةِ، وَتَكُونَ دَلِيلًا لِكُلِّ الْعِطَاشِ لِلْحَقِّ.

مُلَخَّصُ النُّقَاطِ الرَّئِيسِيَّةِ

  • يَرَى الْمُنْكِرُونَ أَنَّ مَبْدَأَ «عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْغِنَى الْمُطْلَقِ الْأَزَلِيِّ» مَبْدَأٌ يُدْرَكُ بِسُهُولَةٍ مِنَ الْعَقْلِ، وَيُسَيِّرُهُ مَبَادِئُ «الْعِلَّةِ»، وَ«النِّسْبِيَّةِ»، وَ«التَّبَادُلِ». هَذِهِ الْمَبَادِئُ تَشْرَحُ عِلَاقَةَ الْمَظَاهِرِ وَتُوَجِّهُ تَطَوُّرَ الْوُجُودِ دُونَ احْتِيَاجٍ إِلَى كَائِنٍ أَزَلِيٍّ مُطْلَقٍ.
  • إِنَّ الْعَقْلَ الْمُسْتَقِلَّ وَالْمُنْفَصِلَ عَنْ كُلِّ تَعَصُّبٍ وَتَحَيُّزٍ يَدْرِكُ أَنَّ تَعْارِيفَ «الْمُطْلَقِ الْأَزَلِيِّ» وَ«الْوُجُودِ الْوَاجِبِ» وَغَيْرِهَا هِيَ تَعْبِيرَاتٌ غَرِيبَةٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَمُفْتَقِرَةٌ إِلَى أُسُسَ فِكْرِيَّةٍ عَمِيقَةٍ وَافْتِرَاضَاتٍ زَائِفَةٍ.
  • النَّظَرُ فِي الْمَبْدَإِ الْأَوَّلِ يَظْهَرُ أَنَّهُ مَبْدَإٌ عَدَمِيٌّ لا يُمْكِنُ أَنْ يُثْبِتَ بِمُفْرَدِهِ عَدَمَ حَاجَةِ الْمَظَاهِرِ إِلَى الْمُطْلَقِ الْأَزَلِيِّ، وَعَلَى الْعَكْسِ، فَهُوَ فَقْطُ مَسَاعِدٌ فِي نَفْيِ إِثْبَاتِ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ.
  • إِثْبَاتُ حَاجَةِ الْمَظَاهِرِ إِلَى الْمُطْلَقِ الْأَزَلِيِّ يَتَطَلَّبُ دَلِيلًا مُسْتَقِلًّا وَخَاصًّا، وَهَذَا الْأَمْرُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِالاعْتِمَادِ عَلَى الْمَبْدَإِ «عَدَمِ الْحَاجَةِ» وَحْدَهُ.
  • إِذَا تَمَّ نَفْيُ الْحَاجَةِ إِلَى الْمُطْلَقِ الْأَزَلِيِّ، فَلَا يَعْنِي نَفْيُ الْحَاجَةِ إِلَى الْوُجُودِ بِالْمُطْلَقِ، وَلَكِنَّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ أَنْ يُقَدِّمُوا بُرْهَانًا عَلَى نَفْيِ حَاجَةِ الْكُلّ إِلَى الْوُجُودِ الْوَاجِبِ.
  • إِنَّ الْحَاجَةَ كَمُبْدَأٍ عَامٍّ مَحْسُوسَةٌ وَبَدِيهِيَّةٌ لِلْجَمِيعِ، وَتَنْفِيذُهَا فِي الْخَارِجِ يَتَطَلَّبُ دَلِيلًا أَقْنَعَ مِنَ النَّفْيِ الْعَدَمِيِّ.
  • نقدُ الإنكارِيّين
  • قد يقولُ الإنكارِيّون في نقد ما تقدّم: إنَّ أصل «عدم الحاجة إلى المطلق الأزلي» يعود إلى أصل «عدم وجود المطلق الأزلي»، وحيث إنَّ أصل «عدم وجود المطلق الوجوبي» واقعٌ في الخارج، فإنَّ أصل «عدم وجود المطلق الوجوبي» يُحقّق أصل «عدم الحاجة إلى المطلق الأزلي» في الخارج؛ لأنَّه مع عدم وجود المطلق الوجوبي لا يبقى موضوعٌ للحاجة إليه، إذ إنَّ الحاجة إلى كلّ علّة فرعٌ على وجودها، وعليه لا يصحُّ أن يكون هناك أصلٌ كليٌّ للحاجة الوجودية أو العينية يُثبت أو يُمنع فيه وجود واجبٍ أزليّ، إذ إنَّ أصلَي «عدم وجود واجب» و «عدم الحاجة إلى واجب» هما أصلان سببيان (سببٌ ومسبّب)، ويهيمن أصل السبب (عدم تحقق الواجِب) على أصل المسبب (عدم الحاجة إلى الواجب)، فلا يبقى مجالٌ لاعتبار أصل مستقل لعدم الحاجة إلى الواجب؛ بل إنَّ مجرد أصل عدم تحقق الواجب يُلغي موضوع الحاجة إلى الواجب بملازمة أصل السبب.
  • وبالتالي، الحاجة الكلية أصلٌ سببيٌّ يمنع تطبيق أصل مسببيّ وهو «عدم الحاجة إلى الواجب»، ممّا ينفي هذا الأصل، إلى أن يتّبع الإنكارِيّون طريقة أخرى تُثبت بالاستناد إلى أصل عدم تحقق الواجب وبالملازمة العقلية القطعية عدم الحاجة إلى الواجب، فتنتفي بذلك أصول الحاجة والعدم معًا، إذ مع فرض أصل «عدم وجود الواجب» لا يكون هناك إله واجبٌ ليكون موضوعًا للحاجة أو عدم الحاجة إليه.
  • ويعتقد الإنكارِيّون في دفاعهم عن موقفهم أنَّه لا يلزم لإثبات إنكار الحاجة إلى الله اعتماد أصل «عدم الحاجة إلى المطلق الأزلي» ليُنفذ معه أصل آخر حاكم ومحكوم، ولا تثار مسألة الأصول السببية والمسببية ثانية.
  • توضيح ذلك: إنَّ الحاجة الكلية في كلّ موجود ثابتة، وهذا يمنع تطبيق أصل عدم حاجة المخلوقات إلى المطلق الأزلي؛ لأنَّ المطلق الأزلي باعتباره علّة فردية لا يتّفق مع ثبات الحاجة الكلية التي هي سلبُ العلّية عن فرد معيّن.
  • علاوة على ذلك، مع ابتكار أصل «عدم تحقق الواجب» وارتباطه بأصل الحاجة الكليّ ـ الذي يفترض في حالة الشك أو التحقيق ـ أو تحقق الحاجة، من دون اعتبار هذا الأصل الكلي ـ وهو بديهة الحاجة ـ تتحول العلاقة إلى أصلين متقابلين حاكمٍ ومحكومٍ سببياً ومسبّباً آخرين ينفون الحاجة الكلية إلى الواجب. ومع هيمنة هذا الأصل السببي ـ وهو أصل عدم تحقق الواجب ـ لا يبقى مجالٌ لتحقيق فردية الحاجة إلى الواجب الأزلي بالنسبة إلى الكلية العامة للحاجة في المخلوقات ـ وهو الأصل المسبّبي. أما مع نفی أصل «عدم تحقق الواجب»، فإنّ فردية الحاجة إلى الواجب بالنسبة إلى الكلية العامة للحاجة تحقق لها المجال، وبذلك مع فرض أصل «عدم وجود الواجب»، فضلاً عن عدم الحاجة إلى أصل «عدم الحاجة إلى الواجب»، يتحقّق أساس إنكار وجود الواجب أو إنكار الحاجة إليه بدون الحاجة إلى أصل مستقل، ولا يبقى مجال للطرح من جانب الإثباتيين.
  • نقد ومراجعة دفاع الإنكارِيّين
  • يتطلّب نقد ومراجعة حجة الإنكارِيّين بعض التذكير بمقدمات تمهيدية لتوفير أسس الرد عليهم.
  • أ) أولاً، لا يوجد أصل نفيّ عدمي يشمل نفياً كلياً للحاجة يبرّر اعتبار عدم الحاجة إلى الواجب فرداً من هذا الأصل، أو بناءً على الجواب الثاني، يُعتبر عدم الحاجة إلى الواجب أصلاً محكوماً بناءً على أصل عدم تحقق الواجب. بل إنَّ عينية الحاجة بداهة أُولى واضحة، وإن كان تحقيق مثل هذا الأصل الحاكم ـ إذا وُجد ـ يصبُّ في صالح الإنكارِيّين.
  • ب) ثانياً، العدمية عن الحاجة إلى الواجب ـ التي هي حاجة خاصّة ـ بالرغم من تحقّقها مع فرض عدم وجود واجب أزلي، ليست أصلاً يُعتمد عليه في نفي أو إثبات الحاجة، إذ إنّه مع وجود هذا الافتراض لا يكون ثمة مجال لمناقشة أصل حاكم ومحكوم.
  • ج) ثالثاً، إن أصل «عدم وجود الواجب» يحقّق أصل «عدم الحاجة إلى الواجب» بملازمة، وإن لم يكن لأصل عدم الحاجة وجود خارجي.
  • د) أخيراً، مع فرض الأصل الحاكم ـ وهو أصل عدم وجود الواجب ـ يتعطّل أصل المسبب والمحكوم ـ الذي هو فرد من الحاجة إلى الواجب بالنسبة إلى الكلية العامة للحاجة ـ إذ إنّ صفة «الحاجة» أو «عدم الحاجة» لا تضاف إلى «الواجب»، لأنه مع نفی وجود الواجب، لا يتكوّن موضوع لهذه الإضافة. أما مع بطلان هذا الافتراض بالنسبة إلى الأصل المذكور، فلا يتحقّق موضوعٌ لإنكار وجود الواجب أو إنكار الحاجة إليه دون أصل مستقل آخر.
  • ما يستحقّ التركيز في نقاشات الإنكارِيّين هو أصل «عدم وجود الواجب الأزلي»، الذي يمكن أن يكون ذا فائدة في حالة الشك لديهم، وسيتمّ نقد ومراجعة هذا الأصل في هذا المقام.
  • نقد الأصل المحكوم
  • الأصل «عدم تحقق الواجب الأزلي» بالنسبة إلى أصل «عدم الحاجة إلى الواجب المطلق» لا يرتبطان بعلاقة سبب ومسبب أو أصل حاكم ومحكوم، لأنّه إذا كان «عدم تحقق الواجب» أصلاً، فلا يمكن اعتبار «عدم الحاجة إلى الواجب» أصلاً ليكون محكوماً للأول. وذلك لأنه مع تحقق الأصل الأوّل، ينفي ملازمةً قطعيةً كلّ ارتباط أو حاجة لهذا الواجب.
  • العنوان الثاني ليس أصلاً لكي يُحكم عليه، والأول أيضاً ليس أصلاً حاكماً لأنه لا يوجد أصل محكوم له، وبالتالي لا يمكن افتراض علاقة حاكم ومحكوم.
  • ولو فرضًا وجود هذين الأصلين كحاكم ومحكوم، فالأصل المحكوم يُفترض فقط إذا وُجد أصل حاكم تحت عنوان «عدم تحقق الواجب» وموضوع الأصل المحكوم يكون قائمًا بسبب الشك في وجود الواجب، وحينها يأتي الأصل المحكوم فورًا بعد فرض الأصل الحاكم. في حين أنه مع فرض أصل «عدم وجود الواجب» لا يكون موضوع الحاجة أو عدم الحاجة موضوعًا للنقاش أو الشك، فلا يُعد أصلًا مستقلًا ليكون محكومًا أو يخضع لأصل آخر.
  • وباختصار، في الحالة الأولى يُلغى محكومية الأصل الثاني بسبب الملازمة، وفي الحالة الثانية يُلغى الأصل كليًا بسبب عدم وجود موضوع للنقاش حول الحاجة.
  • النقد والتحليل
  • إن المبادئ الثلاثة المذكورة، مع كونها صحيحة ومقبولة، وكل واحدة منها تضبط بعض خصائص العالم المادي، يجب أن نرى ما هو ارتباطها بمبدأ عدم الحاجة إلى الوجود الواجب المطلق؟ هل مبدأ «عدم حاجة المخلوقات إلى المطلق الأزلي المطلق» هو سبب هذه المبادئ الثلاثة أم هو محدث لها، أم أنه لا علاقة بينهما؟ في النظرة الصحيحة لهذه العلاقات، نجد أن الفرض الثالث صحيح، ولا وجود لعلاقة بين مبدأ عدم الحاجة إلى المطلق الأزلي والمبادئ الثلاثة المذكورة. بالإضافة إلى أن هذه المبادئ لا تنفي وجود المطلق الأزلي أو حاجة عالم الوجود إلى المطلق الأزلي. كما يجب القول: إن هذه المبادئ لا تشمل جميع جوانب الخلق، وبدون مراعاة مبدأ الوجود المطلق الأزلي، لا تكون كافية في بيان حقائق عالم الوجود، وسنورد كل واحد منها بإيجاز.
  • أولاً، بالنسبة لمبدأ العلية، مع أن مبدأ العلية يبيّن العلاقة بين الظواهر وبعضها وبين أسباب تحققها، فإن بيان أين تنتهي العلية أو كيف تبدأ ليس من اختصاص هذا القانون. ورغم أن العلية النسبية والمباشرة بين الظواهر ثابتة وعقلانية، إلا أن هذا لا ينفي العلية الواجبة والسببية. فقاعدة العلية ليست محصورة في الجزئيات والأسباب الجزئية فقط، بل هي عامة وعالمية وشاملة بلا حد أو قيد خاص.
  • أما المبدأ الثاني، وهو النسبية في الأسباب والنتائج، فإنه لا ينفي العلية المطلقة تجاه جميع الظواهر، بل مع وجود الأسباب والعلل النسبية، قد توجد علة مطلقة لجميع الظواهر.
  • أما التلازم بين الأشياء، فيجب فهمه على النحو التالي: العلاقة المباشرة والسببية بين الظواهر، رغم كونها نسبية ومقيدة ومقطعية، إلا أنها علاقة نهائية وواجبة مع منشأ جميع الأسباب والعلل؛ كما هي الحقيقة في الخارج، فلا موجود لا يرتبط بتلازم مع غيره من الأشياء. بالإضافة إلى ذلك، فإن جميع الظواهر لها علاقة ضرورية مع حقيقة الوجود الوجوبي؛ وإن كان لها أسباب وأسباب خلقية جزئية.
  • بصفة عامة، فإن في مقام بيان الواقع، قانون العلية، والنسبية، والتلازم بين الأسباب والنتائج لا يعني أن كل العلاقات أو الملازمات والأسباب يجب أن تكون ضمن الجزئيات والنسبية والخلق فقط؛ بحيث أن هذه المعاني لا تكون في خدمة وجود الواجب الأزلي، ولا تنفي السبب الوجودي، ولا تخرج من دائرة العلية. فليس من الضروري أن يكون لكل علة سبب، أو لكل معلول تابع؛ مع أن لكل علة معلول، ولكل معلول علة، لأن العلاقة بين السبب والنتيجة إضافية على الفعلية أو الاستعداد، لكنها ليست إضافة على أن تكون علة أو معلول. فلا جدال في وجود هذه الإضافة بين العلة والمعلول، لكن أن يكون لكل علة سبب، ولكل معلول نتيجة، وليس بدون ذلك ضمن دائرة العلية، ليس صحيحًا؛ لأنه لا يستفاد من عنوان العلة ضرورة وجود سبب، ولا من عنوان المعلول ضرورة وجود معلول.
  • بعبارة أخرى، توجد علاقة نسبية وتسبيبية وتلازمية بين كل الظواهر، وجميعها تتصف بالأحكام والخصائص العلّية والتابعية، وكلها مع فرض الأسباب الجزئية، لها علة ليست من دائرة التبعية.
  • مع هذه التوضيحات، فإن الادعاء بأن «ظواهر العالم تحتاج إلى بعضها البعض، ولها تلازم وعلية، دون أن تكون كل أوجه الحاجة متساوية»، لا يعني أبدًا نفي الحاجة إلى الغني المطلق واللزوم للعلاقة به؛ لأن العلاقة بين الظواهر وتلازمها ونسبيتها في الأمور الجزئية لا تبيّن كل جوانب العلية والتلازم بين الظواهر، بل تبيّن فقط الأسباب والنتائج الجزئية، فما بالنا إذا كان في قصدها إنكار كل الأحكام خارج دائرتها.
  • أما الذين ينكرون، فيزعمون: إن ذهنًا حرًا ومنفتحًا خاليًا من التعصب والعداء والأحكام المسبقة إذا بحث في هذا النقاش يدرك أن المسميات «المطلق الأزلي» و«الوجود الوجوبي» وغيرها من المسميات التي يطرحها الإثباتيون، كلها كلمات غريبة عن الحقيقة وبعيدة عن حقائق الموجودات والعقل الإنساني، التي لا يمكن إدراكها إلا بعد آلاف الفروض الكاذبة والافتراضات، بل لإدراك مثل هذه الحاجة والبرهان عليها نحتاج إلى تناقضات كثيرة، حتى نتمكن من إظهار ما لا وجود له ـ في خيالهم ـ على أنه موجود، ونعطي للعدم وجودًا ونوفر له برهانًا منطقيًا، مع أنه لا حاجة له؛ في حين أن ظواهر عالمنا هي حقائق محسوسة وليست خيالًا، ووجودها مقبول بسهولة من الجميع.
  • في نقد هذا الادعاء، يجب القول: إن هذا البيان هو حرب دعائية ونفسية ضد منهج أهل الدين، ولا علاقة ضرورية له بإنكار المبدأ الفاعلي، لأنه قد يقع فرد أو مجموعة بسبب ضعف المعرفة والإيمان في مجال معين في نقائص وضعف، دون أن يكون لذلك علاقة جدية بمبدأهم الأصيل.
  • التوضيح أن إثبات الوجود المطلق الأزلي يحتاج إلى افتراضات كثيرة، في حين أن العلية والتلازم والتسبيب الجزئي لا تبيّن خصائص هذه الأمور ولا بد من رسم مبادئ لكل مناحيها، سواء كنا منكرين للغنى المطلق الأزلي أو مثبتين له، وفي كل الأحوال نحتاج إلى العديد من الافتراضات العامة أو الخاصة، وليس الأمر كما لو أن نفينا للحاجة إلى المطلق الوجوبي يعفينا من المبادئ الموضوعية الخاصة.
  • وكذلك، ليس الدين قائمًا على التكفير والتهديد والتخريب، بل على مر التاريخ، كان الكافرون والمشركون ومنكروا الحق وأهل العناد والطغيان هم الذين اعتدوا على المؤمنين، ونشروا الإشاعات والخيانة والظلم والحروب النفسية التي تعيق طريق سعادتهم، بينما كان الأنبياء والأولياء هم الذين فتحوا سبيل السعادة والحرية بالدين والدعوة إلى التفكير والرحمة.
  • ومع ذلك، يجب أن لا ننسى أن هناك دائمًا جهالًا ومستهترين أو حكامًا مستبدين يستخدمون الدين كستار لمآربهم الشريرة، ويتصرفون باسم الدين وينافقون الكفار والمشركين وأهل النفاق، لكن لا ينبغي تحميل الدين أو الأنبياء مسؤولية هذه التصرفات؛ لأن الحق والعدل والدفاع عن الدين أمر، والظلم والاستبداد أمر آخر، وإن كان هناك تشابه ظاهري.
  • النهاية مما تقدم:
  • ليس الأمر أن الدين، أو الإله، أو الغني المطلق الأزلي، أو الحق، هي كلمات غريبة على عقل الإنسان، أو أن التوحيد والدين يقيد حرية وراحة الإنسان، أو أنها كلمات غير قابلة للإدراك أو الإثبات.
  • كل الشبهات والأوهام المذكورة هي من خلق العقول الضعيفة والأفكار الهابطة، ومن قلوب القاسية والملأى بالعناد، لأن الدين والتوحيد الإلهي يوفران راحة الإنسان وحرّيته، ويحرره من كل قيود الاستعمار والاستغلال، ويعرّفه بخالقه، ويصقل فطرته بعيدًا عن كل جدل وإثبات ونفي وتخريب، وهذا الموضوع سيُتابع في موضعه.
  • المبدأ الذي يتعرف عليه عقل الإنسان بسهولة ويدركه من فطرته هو مبدأ «عدم إمكانية الحاجة إلى غير متجانس».
  • علاقة الظواهر بالمبادئ الثلاثة «العلية»، «النسبية» و«التبادل» قابلة للإدراك، ومقبولة بديهياً لأي فكر سليم، في حين أن حاجة الظواهر إلى الغني المطلق والوجود الوجوبي ليست معقولة أو مفهومة للجميع، لأن العلاقة بين كائنين غير متجانسين ومبدأين مختلفين لا تندرج تحت نظام العلية وقانون النسبية وأحكام التبادل. هناك تباين كامل بين هذين الكائنين المختلفين، ولا يحدث بينهما اتصال أو تبادل، ولا دافع لقيام تناغم وجودي.
  • فإذا كان لكل ظاهرة مبدأ وجودي وهو الغني المطلق الوجوبي القائم بالأزلية، فلن يخضع لغيره – ولا لغير محتاج – ولن يحتاج إلى وجود مثل هذا الكائن المحتاج ليكون رفيقًا وزميلًا له، كما أن المحتاج لا يربط قلبه بمثل هذا الغني، ولا يستمتع بتقابله معه بحيث يقوم نظام العلية وقانون النسبية وأحكام التبادل، وتتحقق السحب والتنافر من كلا الطرفين.
  • وإذا أراد هذا الموجود أن يسد حاجات الموجود المختلف معه وصفاته المختلفة مع الحاجة العامة للظواهر، فإن هذا بحسب قاعدة التباين مستحيل؛ لأن لا مجال للاتصال أو التبادل بين كائنين مختلفين.
  • كيف يكون الغني الذي هو غير محتاج، ولا يدرك الحاجة ولا ظروف تحقيقها، في طلب سد حاجات المحتاجين؟ وكيف يكون المحتاج طبيعيًا أن يحمل حاجته إلى بيت غيره الذي يتقابل معه ولا يحتاج إليه في الأصل؟ بينما كل العلاقات الوجودية تبادلية، ولا يحدث في الوجود إنفاق أو عطاء، والوجود لا يحتاج إلى الرحمة والعطاء.
  • العلاقة بين الوجود الوجوبي المطلق والموجود المحدود الممكن والحدوثي، وبين الغني الأزلي والمحتاج المادي، والقادر القوي والموجود الضعيف، ليست علاقة حقيقية، ولا يمكن حدوث هذه التشكيلة والحركة، مثل علاقة الذئب والضوء الخافت في الفجر.
  • فوق ذلك، فإن مثل هذه العلاقة إن وجدت في الخارج، فهي علاقة متزعزعة وضعيفة، والمحتاج للغني المطلق لا يمكن أن يحظى بالراحة والطمأنينة، والقوة الغنية تثير اضطرابه وتجعل منه عدوًا وبعيدًا عن المحبة للغني الأزلي، فتظل في نفسه شعور بالنقص والحقارة، ولا تهدأ.
  • كيف يكون موجود غني وقادر بلا حاجة ولا رغبة في كل الميول العامة، يرفع حاجته إلى غيره الذي لا يحتاج إليه ولا يمكن أن يكون محتاجًا؟ وفي هذه الحالة، يكون المحتاج دائمًا متألمًا من فقدان تحقيق حاجاته، بينما عالم الوجود وخاصة الجوهر البشري هش وغير متوازن بعيدًا عن كل هذه الصفات.
  • ومن جهة أخرى، إذا تخلّى الغني عن صفاته المفترضة وفصله عن صفاته الذاتية والحقيقية ليواكب تلك العلاقة بين المختلفين، فإنه يفقد حقيقته الوجودية ولا يعد واجبًا غنيًا أزليًا.
  • الأمل والنسبية
  • الإنسان يعيش ويستمر في حياته دائماً بالأمل، ومع هذا الأمل يمتلك شعوراً بالفخر والخلود، دون أن يؤلمه فقدانٌ ما. ولهذا، يسعى لتحقيق حاجاته نسبياً عبر المسار السليم والطبيعي، إذ لا يعتبر نفسه غنياً مطلقاً، ولا يعترف بأن أحداً كذلك، بل يرى كل الظواهر في مستوى عام تخدم بعضها بعضاً، ويزيل كل جوانب النقص وفق المبادئ العامة للوجود، دون أن يعتبر نفسه محتاجاً إلى الغنى المطلق. وكما لا يرى نفسه محتاجاً بالمطلق، فإن نسبية الحقائق وتبادل الأمور تبقيه حياً، متجدداً ومحدوداً، ويظل يشعر باحتياجه إلى شيء أو شخص، إذ أن الاحتياج نابعٌ من وجوده ذاته، ويفهم السبب في ذاته كاحتياج يتفاوت مع الآخر بحسب حاجاته.
  • هذا الترابط الوجودي والصفة المحققة والتنظيم المحسوس الذي يوجد بين جميع الظواهر الكونية هو الحقيقة والواقع الملموس الذي يمكن إدراكه وإثباته بوضوح، دون الحاجة إلى افتراضات كثيرة أو أصول موضوعية.
  • نقد المبدأ الثاني: تحويل الاحتياج إلى تفاوت
  • إن مبدأ عدم إمكانية تحويل الاحتياج إلى تفاوت يربط العلاقة بين الظواهر المحتاجة والوجود الغني المطلق بتناقض شامل، ومن البديهي وفق قاعدة التناقض أنه لا يمكن حصول اتصال أو تبادل بين ظاهرتين متناقضتين، ومن ثم لا يمكن للغني المطلق أن يكون مسبباً للوجود المحتاج أو ملبياً لحاجاته.
  • لكن في نقد وتحليل هذا المبدأ يجب القول: رغم أن ذكر هذا المبدأ يبدو معقولاً ظاهرياً، باعتبار أن مقتضى العلية والتلازم هو التشابه وأن علاقة الاحتياج مناسبة، إلا أن تطبيقه هنا غير مناسب، لأن الظواهر في هويتها ليست مختلفة عن خالقها، فلو كانت مختلفة لكان الأمر مستحيلاً، رغم اختلاف الصفات والذات.
  • فالذات الوجودية، وإن كانت غنية أزلية، فهي منبع لكل الصفات الحق، والظواهر تقبل هذه الصفات بحدودها وبما يتناسب، لكنها كلها تعيينات ربوبية، ولا وجود للتعدد أو الآخرية في المظهر والظهور.
  • العلاقة بين الظواهر والله
  • العلاقة بين الحق والخليق هي علاقة الفاعل والفعل، المظهر والظاهر، الظاهرة والظاهر، وتتصف بالتشابه والوحدة والفرادة التامة. جميع الهويات الخلقية هي ظهورات وصفات خلقية تعكس جوهر الذات الربوبية، ولا وجود لتعدد أو غيرية في جهة المظهر، إذ أن بعد بديهة حقيقة الوجود ورفض السفسطائية، يثبت مبدأ وحدة الذات الذي هو أصل أولي للحقيقة.
  • أي تعدد أو اختلاف يتطلب دليلاً، ولا دليل على ذلك، وإثباته يناقض حقيقة الوجود ذاته.
  • وحدة الحقيقة والإنكار للتعدد
  • علاوة على قبول مبدأ الحقيقة وعدم القدرة على إثبات التغاير والتعدد، يجب القول إن إثبات التعدد أو إمكانية وجوده يعادل إنكار مبدأ الحقيقة، إذ إن الحقيقة تقتضي الوحدة والخصوصية والموضوعية، والخصوصية والوحدة لا تتسع للتعدد، وإثبات التعدد يناقض جوهر الحقيقة التي تتسم بالذات والهوية والشخصية.
  • فالذات الحقيقية هي شخصية، والوحدة شرط جوهري لهويتها، والخصوصية عين حقيقتها، والعمومية أو الكلية نوع من الآخرية التي لا يمكن تصوره في هذا المستوى، لذا فالحقيقة الإلهية شخصية لها وحدة ذاتية وخصوصية واضحة، والتعدد يحتاج إلى دليل خاص، وإثبات تعددها يساوي إنكارها.
  • حقيقة الشخصية الوجودية
  • هنا قد يُخْطَأ ويظن البعض أن مجرد وجود الشيء أو الحقيقة والوحدة لا يتعارض مع الكلية أو التعدد، وأنه يمكن أن تكون حقيقة خارجية تمتاز بالوحدة، ولكنها تتمتع أيضاً بالكلية والتعدد، مثل الأنواع التي تشمل كليات وأفراد متعددة.
  • لكن يجب التنويه إلى أن الأصل في تحقيق كل شيء هو الشخصية، وهي حقيقة خارجية وواقعية، أما الكلية فهي مفهوم ذهني وتصنيف مفهومي، فإذا كان الأصل في الأشياء هو الكلية أو النوع، لكان هذا الاحتمال واردًا، ولكن كما بينّا، الحقيقة هي الوجود عينَه، والهوية الواقعية والذات الشخصية، فلا مجال للتعدد أو الآخرية أو النفي والإنكار.
  • وهذه الحقيقة هي شخص واحد لا اثنين له، وجوهر هذا الشخص هو هوية الوجود الموضوعية، وهذا الوجود هو شخصية تنفي التغاير والتعدد، وجميع الكليات والأنواع والتعداد هي مظاهر لهذه الحقيقة الشخصية، وهي التي تظهر الجميع وتُحيي الجميع بعشقٍ وتُظهِر ذاتها، وإن لم تُدركها كل العقول.
  • الظهورات والنماذج
  • كل الظواهر هي تجليات الجمال والإيجابيات الذاتية، وتعريفات الجلال الإلهي، فالتعريفات هي ظهور في ظهور، وكل جوانبها هي جهات من جهات الظهور، وجميع المظاهر هي وجوه وأشكال لتجليات شخصية الحق، التي تظهر العشق الإلهي، وهي التي تكشف الذات الجوهرية من دون أي إرادة زائدة أو اختيار بدوي.
  • لذا، لا يتسامح وجود الشخصية الحقيقية مع التعدد أو الخيال بالآخرية، فكل جزء هو ظهور، وكل شخصية جزءية هي ظهور، والشخص الحقيقي هو الذي يضفي جميع هذه الظهورات من هويته الذاتية، بدون أي تعيين أو جزءية، وهو الذي يظهر جميع الظواهر بجماله وعظمته.
  • الذهنية والتعدد
  • إذا وُجد في أذهاننا تصورات متعددة للحق أو ربطنا هويته بالآخرية، فإن ذهنيةنا ليست هويته الحقيقية، بل هذه الوجوه والأشكال المتعددة هي ظهورات ذهنية وليست واقعية، وهي ما يسمى بالذهنية والمثالية، التي تحل محل الحقيقة، ولا تظهر الحقيقة بحق لأي إنسان.
  • ختاماً
  • ومن الجدير بالذكر ما ناقشناه سابقاً، وهو أن العديد من المثبتين أنفسهم ينكرون الحقيقة، فهم يقفون في مواجهة بعضهم البعض، فكل مثبت إذا اتبع مبدأ أو حد معين من المبادئ، في جوانب أخرى يعد من الناكرين. ولكن ما يهم هنا هو إيماننا الذي ينهي كل الإثباتات والإنكارات، إذ أننا لا نثبت الحق ولا ننكره، ولا نؤمن بالتعدد ولا بالآخرية، بل نرى كل الإثباتات والإنكارات كأوجه مختلفة لظهور وتجليات الحق.
  • الحقيقة هي الإدراك والقرب والوصول إلى الحق، وهي ببساطة تصور ذهني لا يتطلب إثباتاً، وكل التصديقات والإثباتات ما هي إلا حكايات تحيط بالإنسان وتحيطه.
  • وهذا الفكر والعقيدة التي تتصدر كل الأفكار، تنهي كل الإنكارات والاقرارات، فتقول بوضوح إن الحق هو الشخصية والهوية التي تجسد الوجود وذات كل الوجود، التي تظهر الظواهر كأفعال ومظاهر، وجمال وجلال الحق يتجلى في كل وجه من وجوه الظواهر.
  • هذه الوحدة بين الظهور والظاهر تجعل الإنسان يكتشف بسهولة وجه معبوده في فطرته، ولا يشعر بأن هويته منفصلة عن الحق، ولا يلاحظ تبايناً أو اختلافاً بينهما.
  • ChatGPT said:
  • البِدَاهَةُ وَالعِلْمِيَّةُ فِي نَقْدِ طَرْحٍ مُتَفَاوِتٍ
  • يَجِبُ الآنَ أَنْ يُقَدَّمَ نَقْدٌ يَشِيرُ إِلَى أَنَّ الادِّعَاءَ بِالتَّمَاثُلِ أَوِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالظَّوَاهِرِ هُوَ ادِّعَاءٌ يَخْلُو مِنْ أَيِّ دَعْمٍ عِلْمِيّ، فَكُلُّ طَرْحٍ وَدَعْوَى يَجِبُ أَنْ تَسْتَنِدَ إِلَى أُسُسٍ عِلْمِيَّةٍ وَيُمْكِنَ تَأْيِيدُهَا بِالدَّلَائِلِ وَالْبُرْهَانَاتِ.
  • وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ عَدَمَ الْإِمْكَانِ وَإِحَالَةَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّفَاوُتِ بِصُورَةٍ عَامَّةٍ لَيْسَ بِدَلِيلٍ كَافٍ عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ الْأَزَلِيِّ الْمُطْلَقِ، فَذَلِكَ غَيْرُ مَسْتَنِدٍ وَيَفْتَقِرُ إِلَى الأَسَاسِ، لِأَنَّ هَذَا الْبَيَانَ يُعَدُّ نَقْلاً عَنْ دَعْوَى مُجْمَلَةٍ غَيْرِ مُتَنَاسِبَةٍ وَلَا يَصْحُ أَنْ يُحْسَبَ دَلِيلًا أَوْ أَصْلًا.
  • لِذَلِكَ، لِتَثْبِيتِ عُنْوَانِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَزَلِيِّ الْمُطْلَقِ وَالظَّوَاهِرِ، يَجِبُ تَوَفُّرُ دَلِيلٍ وَمَرْجِعٍ وَتَحَقُّقِ الْمَوْضُوعِ، وَهَذَا مَا لَا يُوجَدُ فِي هَذَا الطَّرْحِ، وَبِمُقَابِلِ ذَلِكَ، فِي طَرَفِ التَّوْحِيدِ يُقَدَّمُ دَلِيلٌ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إِلَى أَصْلٍ وَيُثْبَتُ وَحْدَةُ الْوُجُودِ وَتَفَرُّدُ الْكَيْانِ وَوَحْدَةُ الشَّخْصِيَّةِ، وَهِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ التَّمَاثُلِ، وَيُتَابَعُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ. فَفَقَطْ هُنَا يُوَجَّهُ رَدٌّ وَنَقْدٌ لِهَذَا التَّصَوُّرِ الْبِلَا دَلِيلِ وَالإِحَالَةِ إِلَى التَّفَاوُتِ.
  • وَبِمُجْمَلِ مَا ذُكِرَ، فَإِنَّ الإِدِّعَاءَ بِأَنَّ:
  • «العَلَاقَةَ بَيْنَ الظَّوَاهِرِ وَالثَّلَاثَةِ الأُصُولِ «العِلَّيَّة»، «النِّسْبِيَّة» وَ«التَّبَادُلِ» مُمكِنَةٌ، لَكِنَّ حَاجَةَ الظَّوَاهِرِ إِلَى الْغِنَى الْأَزَلِيِّ الْمُطْلَقِ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ الْكَامِلَ وَجَدَ»
  • هُوَ ادِّعَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ. فَكُلُّ الظَّوَاهِرِ تَتَمَتَّعُ بِوَحْدَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْفِعْلِ، وَكُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ الْإِلَهِيَّةِ يَسْتَطِيعُونَ كَخَالِقِهِمْ أَنْ يَتَمَتَّعُوا بِالصِّفَاتِ الرَّبُّوبِيَّةِ، وَيَحْمِلُوا صِفَاتِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالأَزَلِيَّةِ وَالْعِلَّيَّةِ إِلَى حَدٍّ مَا.
  • فَالظَّوَاهِرُ، بِتَبَعِيَّتِهَا لِلْحَقِّ وَبِظُهُورِهَا وَانْبِثَاقِهَا مِنْهُ، تَحْمِلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَهَذِهِ التَّبَعِيَّةُ دَلِيلٌ عَلَى التَّمَاثُلِ الْخَاصِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَبَعِيَّةٌ، لَمْ يَكُنْ تَمَاثُلٌ، وَيَحْدُثُ تَعَدُّدٌ وَغَيْرِيَّةٌ، وَإِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنِ التَّفَاوُتِ مَعَ وُجُودِ التَّبَعِيَّةِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي كُلِّ ظَاهِرَةٍ مُتَفَاوِتَةٌ وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ عَلِّيَّةٍ وَتَلَازُمٍ بَيْنَهَا، وَهَذَا يُحَوِّلُ الْوُجُودَ إِلَى مَجْمُوعَةٍ غَيْرِ مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ، وَيُلْغِي فُرَصَ النِّقَاشِ وَالتَّفْكِيرِ.
  • لِذَلِكَ، لَا وُجُودَ لِلتَّبَايُنِ وَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْخَلْقِ، وَعَلَاقَتُهُمَا كَعَلَاقَةِ الْفَاعِلِ بِفِعْلِهِ، فَكُلُّ فِعْلٍ مَرْغُوبٌ لَدَى الْفَاعِلِ وَكُلُّ فَاعِلٍ يُرِيدُ فِعْلَهُ، وَهُمَا كَالْمَحْبُوبِ وَالْمُحِبِّ الَّذَيْنِ قَطَعَا عَنِ الذُّرَى وَالْتَّعَدُّدِ، وَجَمِيعُ الظَّوَاهِرِ وَالْمَظَاهِرِ الْخَلْقِيَّةِ هِيَ رَشَحَاتٌ مِنْ مَحَبَّةِ الْحَقِّ الْعَلِيِّ وَظُهُورُهُ وَتَجَلِّيْه.
  • وَبِمُجْمَلِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الإِدِّعَاءَ بِأَنَّهُ:
  • «بَيْنَ الْمُوجُودَيْنِ مَسَلَكَاتٌ مُتَبَايِنَةٌ وَلَا يَحْدُثُ بَيْنَهُمَا كُوشِشٌ وَلَا كَشْشٌ وَلَا كُنْشٌ وَلَا تَبَادُلٌ، وَلَا يُوجَدُ دَافِعٌ لِلأَنْشِطَةِ الْوُجُودِيَّةِ»
  • هُوَ ادِّعَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ كُلِّيّ، وَالْحَقِيقَةُ ضِدُّ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْكُوشِشَ وَالْكَشْشَاتِ الْعَشْقِيَّةَ وَالْحَافِزَاتِ الْمَحَبَّةِ وَالشَّوْقِ لِلْخَلْقِ هِيَ تَرَنُّمَاتٌ خَاصَّةٌ لِلْوُجُودِ، وَإِدْرَاكُهَا وَوُصُولُ الْإِنْسَانِ إِلَيْهَا يَحْمِلُ قِيَمَةً عَالِيَةً وَأَهَمِّيَّةً، وَرُغْمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَاحٍ لِلْجَمِيعِ.
  • وَعَلَى هَذَا الْمِنْطَقِ، فَإِنَّ الْغِنَى الْأَزَلِيَّ الْوَجُوبِيَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الظَّوَاهِرَ هِيَ ظُهُورُهُ وْجَلُوهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ تَفَاوُتٌ بَيْنَهُمَا، بَلْ هُنَاكَ وَحْدَةٌ وَتَبَاعُدٌ وَتَشَكُّلٌ وَتَجَلٍّ.
  • البحث النقدي حول المبدأ الثالث
    ادعاءان مختلفان
  • ينص مبدأ استقلال الظواهر على أن الإنسان، طوال تاريخه، قد لبّى جميع احتياجاته بنفسه، وأن وجود الله لا يؤثر على حياة المؤمنين بالإثبات. وهذا في حين أن المنكرين لوجود الله، الذين يتخذون من أنفسهم فاعلين، يتمتعون برفاهية نسبية أكبر من المؤمنين، ولذلك لا يمكن قبول وجود شيء يمكن الاستغناء عنه والعيش بدونه، ولا توجد ظاهرة في الأصل بحاجة إليه. ومن ناحية أخرى، فإن استقلال الظواهر عن الله الأزلي يُعد دليلاً على عدم وجوده.
  • يحتوي المبدأ المذكور على ادعاءين مختلفين:
  • الأول: الظواهر في الأصل لا تحتاج إلى الله الأزلي.
    الثاني: استقلال الظواهر عن الله الأزلي دليل على عدم وجوده.
  • في نقد وتحليل الجزء الأول، يمكن القول: إن الحديث ليس عن الحاجة أو الاستغناء عن المبدأ الغني والأزلي، بل النقاش حول وجوده أو عدم وجوده، حيث يكون الدليل هو المحدد لمكانته الإثباتية، سواء كان ذلك في أصل الوجود أو في صفاته وكمالاته الوجودية، لأن الحاجة أو الاستغناء عن شيء لا علاقة له بوجوده أو عدمه.
  • ثانياً، مثل هذا المبدأ لا يمتلك مكانة إثباتية ولا يثبت عدم وجود شيء، بل هو مجرد ظرف لإنكار وجوده، وهو ما يسمى “مبدأ العدم” في الأشياء. هذا المبدأ يُرفع بالدليل الإثباتي، إذ إن وجود كل شيء مرتبط بدليله الإثباتي، وبإظهار الدليل لا يبقى موضوع للمبدأ؛ لذلك لا يمكن بهذا المبدأ إثبات عدم وجود الواجب، والنفي يكون بدليل إثباتي.
  • أما الجزء الثاني، فهو أكثر ضعفاً من الأول، إذ يدعي:
  • “عدم الحاجة إلى الله الأزلي دليل على عدم وجوده كلياً أو جزئياً”؛
  • وذلك لأنه لا يوجد علاقة بين هذين الأمرين. الاستغناء عن شيء لا يعني عدم وجوده، فكثير من الأشياء التي لا يحتاج إليها الإنسان موجودة بالفعل. لذا، لا يوجد دليل على أن “الاستغناء عن شيء” يساوي “عدم وجوده”، ولا توجد علاقة تبعية بينهما.
  • في النص الذي يقول:
    “العقل الاستقصائي البشري لا يشغل نفسه أبداً بالمبدأ الأزلي، ويعتبره من نسج الخيال”،
  • هذا ادعاء عدائي إنكاري لا يمتلك العقل الاستقصائي، ولا يمتلك حتى الفكر العادي أو النفس السليمة للإنسان، لأن مظاهر الطبيعة ووجود الفطرة وظهور القلب وهياج النفس والأدلة العديدة الأخرى على وجود الله تعالى، أو على الأقل الانشغال بوجوده، تلفت انتباه كل عقل راجح وتجعله يشعر بالارتباط به، حتى وإن لم يؤمن بوجوده.
  • الغول والعنقاء
  • مقارنة وجود الله بالغول والعنقاء مقارنة باطلة وواضحة المغالطة، لأن الغول والعنقاء ليس لهما حقيقة أو معناها غير معلوم، على الرغم من أن الكثيرين يتحدثون عنهما، لكن الناس لا يكونون في حالة حيرة حقيقية أو وهمية تجاههما، لأنهما إما يعودان إلى حيوان موجود، أو يُطبقان على كائن حقيقي من نوع الجن أو الإنس. وهكذا فهما من الواقعيات المعروفة، وإن لم يرهما البعض أو رأى قسم منهم فقط.
  • لا يلزم أن يرى كل الناس شيئاً ليكون حقيقياً، وإذا كان مجرد فرض أو خيال فلا مشكلة في ذلك، لأن الناس يتحدثون عن ذلك وهم يعلمون أنه خيالي أو افتراضي.
  • وبصرف النظر عن وجود أو عدم وجود هذه الظواهر المشكوك فيها أو الافتراضية، فهي لا علاقة لها بوجود المخلوقات، ولا تُعتبر شيئاً إلى جانب المخلوقات أو المفاهيم والكلمات الأخرى. بينما “التوحيد” وقضية “الله” وحقيقة “الحق تعالى” ليست كذلك بأي شكل أو صفة ولا تشبه أي من هذه الأمور.
  • حقيقة “الله” تتصل بالنفس البشرية بشكل مباشر، وقلق عدم وجوده أو همسة وجوده تدخل في أصل الوجود والأخلاق والنفس الإنسانية، وحتى لو لم يتعرف البعض على هذه الحقيقة أو رفضوا الاعتراف بها، فإن جهلهم أو عدائهم يؤثر بعمق في كل جوانب وجودهم، وإنكارها يحرمهم من كثير من النعم الأخروية والظواهر الغيبية في هذا العالم، فمثلاً مجرد الشك في وجود الله يمكن أن يسبب القلق واضطراب النفس.
  • كذلك جميع المؤمنين الذين يتحدثون عن الحق يبحثون عن وجود الحق أو عدمه، وليسوا بصدد الخيال أو التمثيل أو سرد القصص كما هو الحال مع الغول والعنقاء.
  • صفات المؤمنين، المشككين وأهل العناد
  • الذين يصلون إلى التوحيد الإلهي ويقرون بالذات الوجودية ووحدانية الوجوب، لهم قلب كالمرآة وروح هادئة وقلب مطمئن، أما الذين يعيشون في الشك والحيرة فلديهم باطن مضطرب ونفس مهجورة. وأهل الإنكار والعناد قلوبهم ميتة ومتجمدة، ومرض الاستكبار والعناد يدمر باطنهم كالأوبئة، في حين أن مسألة الغول والعنقاء لا تحمل أي من هذه التأثيرات ولا تشبه قضية “الله” في هذا الجانب.
  • لذا فإن الادعاء:
    “رغم أن أحداً لم يره ولا يمكن رؤيته، إلا أن الكلام عنه كثير، ودون وجود دليل إثباتي على أصله، تُطرح له أوصاف كثيرة”،
  • هو قول جائر، لأن قول “لم يره أحد” هو كلام غير مكتمل، فعدم رؤية شيء لا يعني أن لا يمكن لأحد أن يراه أو أن لا أحد قد رآه، كيف يمكن لشخص أن يعرف ما إذا رأى الآخر الله أم لم يرَه؟ يمكن فقط أن يقول: “أنا لم أر الله”، و”أنا لم أر” لا يعني أن الآخرين لم يروا.
  • وكذلك الادعاء بأن “الله غير مرئي” غير مكتمل، فإذا قال المنكر: “الله ليس كالأجسام المرئية”، فهذا مقبول، لكن القائل لا يقصد هذا. وإذا قال: “لأنه غير مرئي، إذن غير موجود”، فهذا يعتمد على دليل، ولا يمكن القول بمجرد عدم الرؤية بأن الشيء غير موجود.
  • وقول المدعي: “دون دليل إثباتي تُطرح أوصاف كثيرة له” هو قول ضعيف ولا أساس له، لأن أهل الدين منذ بداية خلق الإنسان وظهور الفكر البشري كانوا يسعون لإثبات الله بآيات وأدلة، وكان الحديث عن الأوصاف أقل من الحديث عن الإثبات والتقليل من الشك والحيرة والحصول على اليقين، مع اختلاف طرق الإثبات بين المؤمنين.
  • إذًا، لا يتم إثبات أوصاف الله بدون دليل، وكل المؤمنين كانوا دائمًا يسعون لإثبات الحق، وإن لم تُذكر كل الأدلة، وكان المشككون والملحدون في حالة احتمال دائم، وحتى أهل العناد والاستكبار لا ينفصلون لحظة عن الفكر الإلهي، وبلسان الإنكار هم يتحدثون عن الحق.
  • فكرة وجود الله وطريقة حضوره تملأ ذهن الإنسان وصفحة الوجود، ولا يهرب منها أحد من المؤمنين أو الملحدين، وهذا هو المعنى الذي لا يستطيع أحد إنكاره.
  • ومن المبادئ المقبولة لدى جميع العقلانيين، مبدأ “استحالة التصديق بلا تصور”، وقضية وجود الله من أوضح الأمثلة على هذا المبدأ، والتي يُختصر شرحها هنا.
  • بموجب هذا المبدأ، إثبات أن “الله موجود” يساوي نفيه، لأن الإنسان لا يمتلك تصورًا لله ليقول “الله موجود”. وعندما يقال “الله موجود”، كأنما يقال “شيء لا أعرف ما هو موجود”، وبما أن الجملة بدون موضوع، فهي لا تمثل حقيقة يمكن إثباتها أو نفيها، فالجملة الإثباتية تحتاج إلى موضوع موجود حقيقي يتجاوز الكلمة واللفظ.
  • وإذا قيل إن التصور الإجمالي للموضوع كافٍ للتصديق، فيجب الرد أن التصور الإجمالي أو أقل منه غير موجود في حالة الله، لأن ما يتصور الناس عن الله يختلف بين الأفراد، وهو في جميع الأحوال مبني على فرضيات لا يمكن إدراكها أو إثباتها، فحينما يُسأل: “ما هو الله الذي يُقال إنه موجود؟” لا نجد جوابًا مناسبًا، وإنما أوصاف تظهر بعد الأصل في الوجود.
  • إذا قيل إن تصورنا عن الله واضح، وأن كل فكر حتى ولو بسيط يجد في محيطه مفاهيم أو أوصافًا مثل: الله، الرب، الإله، الخالق، القادر، الحكيم، وهي كافية لتكوين الجملة والموافقة عليها، فيرد بأن هذه الأوصاف إنما هي لاحقة لإثبات الموضوع الذي هو الله، ونحن بحاجة لتصور أعمق في القضية “الله موجود”.
  • كل هذه التصورات لا تمثل موضوع القضية، وإذا افترضت، فإنها أوصاف تُحمل على موضوع عدم، وكأن القول “ثبت الأرض ثم انقش”؛ ثبت الموضوع ثم أضف الصفات.
  • إذًا، الجملة “الله موجود” تساوي “الله غير موجود”، وإثباتها يساوي نفيها، لأننا حين نقول “الله موجود” يمكن أن نسأل: “ما هو الله الذي يُقال إنه موجود؟”، ونحن بلا تصور واضح.
  • هذه القضية لا تثبت شيئًا لأنها بلا موضوع حقيقي، والقضية الإثباتية تحتاج إلى موضوع موجود، وهو ما يتجاوز اللفظ والمعنى الظاهر.

نقد الأصل الرابع: «الإيمان لا يكون إلا بتصور»
وثلاثة اتجاهات مختلفة نحو الذات الإلهية

الأصل القائل: «لا تصديق بدون تصور» هو قول منطقي مقبول عند جميع أهل الفكر، ولا يوجه إليه نقد، وإنما الموضوع الجدير بالنقاش هو صغر القياس المشار إليه، هل مسألة الله والإقرار بوجوده تندرج ضمن هذا القاعدة أم لا؟
وهنا، يُعرَض هذا الموضوع للنقد والتحليل، إذ يوضح كيف يكون تصور وتصديق الله تعالى، ويتناول مشاهدته ورؤيته، ومراتب التوحيد الأربعة، والطريق إلى الذات الإلهية، وهو من أهم الموضوعات الربوبية.

سبق القول إن إثبات وجود الله على أساس الأصل القائل بعدم إمكانية التصديق بدون تصور هو ضرب من النفي، لأن الإنسان لا يملك تصورًا حتى ولو كان إجمالياً لله ليكون موضوعًا لهذا القول، والقول الذي لا موضوع له يكون بلا محمول ولا نسبة، ولا يمكن أن يقوم به تصديق.

ورغم تعدد الاتجاهات والوجوه في علم معرفة الله سبحانه وتعالى، يمكن إجمال ثلاثة اتجاهات رئيسية في هذا البحث:

  1. تصور الذات الإلهية؛
  2. دليل الإثبات والوجود؛
  3. بحث حقيقة الحق.

فيما يتعلق بالاتجاه الأول – موضوع هذا الأصل – يجب القول: إن تصور الذات الإلهية من التصورات البديهية التي لا يشك فيها أحد. فكل شخص حينما يتذكر كلمات مثل: الله، الإله، المعبود، الرب بأي لغة وأي ذهن يجد علاقة بين هذه المسميات، ولا يشك في معانيها، ولا يحتاج إلى جهد لفهمها أو تصورها، مع اختلاف في الأفهام والتعريفات بحسب الهويات المختلفة للأشخاص.

لذا، لا توجد مشكلة في تصور معنى «الله» سواء إجمالاً أو تفصيلاً، حتى الكفار والمشركون يدركون لقب «الله» ويعرفونه، ويقر الجميع – من مؤمنين أو كفار أو مشركين – بمعناه الإلهي، والمشكلة الوحيدة لديهم في إيجاد مصداق أو التصديق به، وهو ما يؤدي إلى الشك في الحق وإنكار الذات الإلهية.

ما يجب التركيز عليه في مسألة «الله» هو الاتجاهان الثاني والثالث. في الاتجاه الثاني (دليل وجود الحق)، يوجد فريق يؤمن بالوجود وآخر ينكره، وكل منهم يسعى إلى البرهنة التي تؤدي إما إلى إثبات أو إلى إنكار وجود الحق.

أما الاتجاه الثالث، فهو بحث الحقيقة الوجوبية والوجودية للذات الإلهية، وهو مجال لا يدخله إلا أولياء الله الكاملون الذين يصلون بقرب صدق حضورهم، وهذا أمر خاص وليس عاماً، فليس كل أحد يبلغ هذه الدرجة.

وبناءً على ما سبق، فإن تطبيق قاعدة «التصديق فرع على التصور» على الذات الإلهية غير مبرر، إذ إن هذه القاعدة تنطبق فقط على التصور الذي يتضمن تصديقاً، وهو قول مركب يستند إلى تطابق بين التصور والتصديق. بينما نحن هنا أمام تصور بدهي لا يحتاج إلى تصديق يتطلب سيراً عملياً ومعرفة بالافتراضات الكثيرة، ويخرج عن قاعدة الفرعية التبعية. والتصور الإجمالي يكفي في هذه المسألة، بل إن التصور يفوق ذلك أحياناً، إذ يدرك الجميع من الكفار والمشركين والمؤمنين مصطلحات مثل المعبود والإله والرب والله ويتصورونها، والمشكلة الوحيدة هي إثبات وجود الحق.

المسألة التي يختلف فيها الجميع هي وجود الحق ذاته، الذي يؤمن به المؤمن ويعجز عنه أهل الحرمان، وهذا لا علاقة له بقاعدة «التصديق فرع على التصور».

وصول الذات الإلهية وحضورها الحقيقي أيضاً لا يدخل في هذه القاعدة، إذ هي قاعدة عقلية كلية تتعلق بالمفهوم فقط، وقد تكون مجرد معقول فلسفي ثانٍ، وليس لها علاقة بالمعارف الصوفية التي تخص العارفين والسالكين الواصلين، وهي خارج نطاق الفكر العادي.

ما يهم في هذه القاعدة هو موضوع التصور والتصديق، وهو محل اتفاق الجميع، ولكن الذات الإلهية ليست من ضمن تطبيقاتها، لأن تصورها بدهي ولا مشكلة فيه، وما يهم هو إثبات وجودها وحقيقة ذاتها، وهما موضوعان لهما سيرهما الطبيعي والفلسفي ولا يختلطان.

مراتب التوحيد والوصول

يمكن تقسيم مراتب التوحيد والقرب الربوبي إلى أربعة:

  1. تصور المفهوم الإجمالي:
    وهو تصور أولي مشترك بين المؤمن والكافر، لا اختلاف جوهري فيه إلا في التصديق، فالمؤمن يصاحبه إيمان، والكافر يصاحبه إنكار.
  2. تصور التفصيل:
    ويتعلق بالتأملات الفلسفية الدقيقة، حيث تتبلور المفاهيم في أذهان المتأملين، وتصبح عناوين عقلية ومنهجية، لكنها تبقى على مستوى التصور لا الوصول الحقيقي.
  3. الإجمال المصداقي:
    وهو المرتبة التي يبدأ فيها الوصول الحقيقي إلى الذات الإلهية، ويصاحبها معرفة قلبية وروحية، ولا يبلغه إلا أهل الإيمان الحقيقي، وهي مرحلة تتطلب تجارب روحية وآلاماً.
  4. التفصيل المصداقي:
    وهي أعلى مرتبة في معرفة الذات الإلهية، لا يمكن الوصول إليها إلا للقلة القليلة جداً من أولياء الله الكاملين، وهي محاطة بالكتمان والخصوصية.

الخلاصة

القصد من هذه الدراسة أن قاعدة «التصديق فرع على التصور» تنطبق على التصورات الذهنية العادية، لكنها لا تنطبق على وجود الذات الإلهية، لأن تصور الله بدهي ومجرد، والمشكلة الأساسية هي في إثبات وجوده وحقيقته، وهما موضوعان يحتاجان إلى دراسة فلسفية وروحية خاصة مستقلة عن هذه القاعدة.

مراتب السیر و غایتُه

یَجِبُ أنْ نُهَدیَ القُلوبَ المُهتَمَّةَ بِمَناظِرَ ضَوْءٍ مِنْ فَصْلِ الفِرْقةِ الرَّابِعَةِ، التِّي تَنبُعُ مِنْ صِهْرَةِ الأَنْبِیاءِ وَالأَوْلِیاءِ الإِلَهِیِّینَ، لِتَكُونَ دَلیلًا لِلرُّحَلاءِ الحَقِیقِیِّینَ عَلَى طَرِیقِ المَعْرِفَةِ.

عُمُومًا، یَتَألَّفُ السَّیرُ القُرْبِیُّ وَالحَرَكَةُ الرُّوحِیَّةُ مِنْ أَرْبَعِ مَرَاتِبَ، تَحْتَوی ثَلاثَ مَنَازِلَ وَمَقَامًا وَاحِدًا.

وَمَرَاتِبُ السُّلوكِ الأَرْبَعَةُ هِيَ:

  1. الحَرَكَةُ مِنَ الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ،
  2. الحَرَكَةُ بِالحَقِّ،
  3. الحَرَكَةُ فِي الحَقِّ،
  4. الحَرَكَةُ الحَقّیَّةُ مِنَ الحَقِّ إِلَى الخَلْقِ، وَهِيَ مَسِیرٌ مَعْکُوسٌ لِلأُولَى.

وَتَخْتَصُّ الهَدَفُ وَالغَایَةُ لِلسَّیرِ القُرْبِیِّ بِثَلاثِ مَنَازِلَ وَمَقَامٍ وَاحِدٍ، وَتَتَجَلَّى فِیها:

  • التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي غَیْرِ،
  • التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي الذَّاتِ،
  • التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي الحَقِّ.

وَیُذْكَرُ أَنَّ حَقِیبَةَ السَّیرِ وَالسَّفَرِ لِلأَرْوَاحِ الْمُتَصَفِّینَ مَذْکُورَةٌ فِی هَذَا النَّصِّ وَلا يُمْكِنُ إِیجَادُ مِثْلِهَا فِی مَکَانٍ آخَرَ.

تَفْصِیلُ المَرَاتِبِ وَالمَنَازِلِ وَالمَقَامِ:

1. السَّیرُ مِنَ الخَلْقِ إِلَى الحَقِّ:
هُوَ بَدَایَةُ الیَقَظَةِ وَالبُعْدِ عَنِ الغَفْلَةِ، فَیَجِبُ عَلَى السَّالِكِ أَنْ یَسْتَهْدِیَ إِلَى الحَقِّ وَیَتَحَرَّكَ نَحْوَهُ مُتَجَنِّبًا جَمِیعَ مَلَاذَاتِ الدُّنْیَا وَمُزِیَّاتِ الخَلْقِ وَشُوَكِهَا.

2. السَّیرُ بِالحَقِّ:
یَصِلُ السَّالِكُ فِیهِ إِلَى مَرْتَبَةٍ یَكُونُ فِیهَا خَالِیًا مِنَ الذَّاتِ وَیَسِیرُ بِالحَقِّ فَقَطْ، بِدُونِ أَنْ یَكُونَ “مَعَ الحَقِّ” أَوْ “بِالحَقِّ” بِمَعْنَى التَّمَایُزِ الدَّقِیقِ.

3. السَّیرُ فِي الحَقِّ:
یَصِلُ السَّالِكُ فِیهِ إِلَى مَرْتَبَةِ القُرْبِ وَالوُصُولِ إِلَى الحَقِّ، حَیْثُ یَتَجَاوَزُ کُلَّ غِیرَةٍ وَیَتَّحِدُ مَعَ الحَقِّ بِغَیرِ ذَاتٍ وَغَیرِ غَیرِ.

4. السَّیرُ مِنَ الحَقِّ إِلَى الخَلْقِ:
بَعْدَ الفَنَاء وَالبَقَاء فِي الحَقِّ وَالوُصُولِ إِلَیْهِ، یَلْبَسُ السَّالِكُ رِدَاءَ الحَقِّ وَیُسَاعِدُ الخَلْقَ بِالهِدَایَةِ، کَانَ ذَلِکَ فِي مَنَزِلَةِ النُّبُوَّةِ أَوِ الإِمَامَةِ.

وَیُشَدَّدُ عَلَى أَنَّ مَن یُرِیدُ أَنْ یُسَاعِدَ الخَلْقَ یجِبُ أَنْ یَکُونَ قَدْ بَلَغَ المَرَاتِبَ السَّابِقَةَ، فَإِلَّا فَإِنَّ مُسَاعَدَتَهُ تَکُونُ ضَلَالًا.

مَقَامٌ وَثَلاثُ مَنَازِلَ:

  • الأَوَّلُ: التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي غَیْرِ.
  • الثَّانِي: التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي الذَّاتِ.
  • الثَّالِثُ: التَّرْكُ عَنِ الطَّمَعِ فِي الحَقِّ.

وَیُوصَفُ السَّالِكُ فِي المَقَامِ الأَخِیرِ بِأَنَّهُ یُحِبُّ الحَقَّ لِذَاتِهِ بِدُونِ أَنْ یَکُونَ لَهُ طَمَعٌ فِیهِ، کَمَا قَالَ:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّكَ لَا لِمَنَّتِكَ وَلا جَنَّتِكَ وَلا خَوْفِ نَارِكَ وَلا رَجَاءِ دُخُولِهَا»

وهذا هو حَقِیقةُ العِبودیَّةِ، فَکُونُها جَوْهَرًا وَکُنْهُها الرُّبُّوبِیَّةُ.

خَلْطُ الحَقِیقةِ وَالعُنْوَانِ

یُذَکِّرُ النَّصُّ بِأَهَمِّیَّةِ تَفْرِیقِ المَعْنَى بَیْنَ المَفهُومِ وَالمُصْطَلَحِ، وَیُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ تَصَوُّرَ الحَقِیقةِ الإِلَهِیَّةِ لایَتَمَّ بِالمَفهُومِ البَسِیطِ، وَأَنَّ مَا یُصَدِّقُ بِهِ الجَمِیعُ هُوَ المَفهُومُ التَّصْوِیریُّ وَلا یَتَغَیَّرُ بِالرَّدِّ أَوِ الإِثْبَاتِ، أَمَّا الحَقِیقةُ المُصَدَّقُ بِهَا وَالوُصُولُ العِبَادِيُّ إِلَیْهَا فَهِيَ خَاصَّةٌ بِالأَوْلِیاءِ وَالخُصُوصِیَّةِ، وَهِيَ مَا یَتَعَذَّرُ عَلَى الذِّهْنِ وَالعَقْلِ الإِدْرَاكُ.

مما سبق يتبين أنَّ المنكرين في هذا الدليل قد اختلط عليهم التفريق بين الأوصاف العنوانية والحقائق الربوبية؛ إذ إنَّ إدراك الوصف العنواني وتصورِه لا يلزم وجوده بالضرورة، والتصور لا يساوي التحقيق، وإنما الحقيقة الوجودية والهوية الموضوعية هي التي ترتبط بالوجود، وهذا الأمر غريب عن موضوع البحث في التصور والتصديق وعن قاعدة الفرعية، ولا ينتج عنه توهم القضية بلا موضوع.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها المنكرون هي أنهم يستندون إلى قاعدة الفرعية التي تلزم وجود الموضوع العيني لكل قضية، فيظنون أن القول بـ «الله موجود» مساويٌ لقضية «الله غير موجود» لأنهم يدعون:

«أنه لا يوجد إدراك لله في ذهن أي إنسان ليكون موضوعاً لقضية إثبات «الله موجود»، وهذه القضية بسبب عدم تصور موضوعها تنفي ذاتها».

وفي نقد هذا الادعاء نقول: ما تطلبه قاعدة الفرعية من موضوع لقضية «الله موجود» هو ذلك العنوان العام الذي يتصوره الموحد والمنكر إجمالاً أو تفصيلاً، وكل ما يتعدى ذلك من معانٍ يتعلق بالحقيقة المعنوية التي تقع خارج أصل إثبات العنوان العام وقاعدة الفرعية.

وقد يجادل المنكرون بأن العنوان المفهومي العام ليس كافياً لإثبات القضية العامة، لأن عدم إدراك الشخص للموضوع يجعل القضية خاصةً وتحولها من عنوان عام إلى قضية حقيقية ذات موضوع مفروض بالتحقق، ومن ثم يصبح الموضوع مجهولاً وغير قابل للإدراك، فتأخذ القضية وجهةً حقيقية خاصةً.

ولكن الموضوع في قاعدة الفرعية هو عنوان عام مجرد، لا موضوع خاص متحقق، ولا وجود لإثبات مسبق لذات الله تعالى يجعل الموضوع خاصاً، ومن ثم لا يسوغ إدخال نقاش عدم الإدراك أو عدم القدرة على الإدراك على قضية عامة عنوانية.

وبالتالي، يجب التركيز على أن الأصل في قاعدة الفرعية هو العنوان العام الذي يكتفي بتصورٍ إجمالي، وأن كل نقاش عن إدراك الحقيقة أو الوصول الحقيقي يختص بالقضية الحقيقية وليس بالعامة.

فالنتيجة أن المنكرين قد خلطوا بين موضوع القضية العامة العنوانية والموضوع الحقيقي، وقاعدة الفرعية تنطبق على العنوان العام الذي يكتفي بتصور إجمالي، ولا يحتاج إلى تصور تفصيلي موضوعي، فما يتعلق بالموضوع الحقيقي هو خارج نطاق القاعدة.

وبناءً عليه، لا إشكال في الموضوع بالنسبة للقضية العامة العنوانية، ولو وُجدَ خلل في الوصول إلى الحقيقة الربوبية فهو شأن الباحث نفسه وليس موضوع القضية.

هذا ملخص لأهم المبادئ التي أُثرت في هذا البحث، والتي تبين أنَّ مبادئ الإلحاد التي طرحها المنكرون تَظهر ضعفاً علمياً وفلسفياً أو عناداً وإلحاداً، بينما الإيمان والتوحيد هو مصدر الحقائق الزاخرة في قلوب أولياء الله، والذين بواسطتهم ينهل المؤمنون ضياء الرؤية ويزدادون يقيناً.

ChatGPT said:

البُعْدُ النَّظَامِيُّ لِلْعَالَمِ الْمَادِّيِّ وَنَقَائِصُهُ

بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ الْحِرْمَانِ الْأَبَدِيِّ وَالنَّهَايَةِ السَّوْءِ الْعَامَّةِ الَّتِي تُصِيبُ كَثِيرًا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَإِنَّ النِّظَامَ الْجُزْئِيَّ لِلظَّوَاهِرِ الْمَادِّيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ مُحَاطٌ بِعَدِيدٍ مِنَ النَّقَائِصِ وَالنَّقْصِ، وَيَحْتَاجُ سَيْرُهَا وَنُمُوُّهَا وَطَبِيعَتُهَا وَفَعَّالِيَّتُهَا إِلَى تَخَلُّصٍ مِنَ الْعَجْزِ وَالنَّقْصِ وَالْقَسْوَةِ وَالْخَطَرِ.

فِي كُلِّ يَوْمٍ، تَلْعَبُ الطَّبِيعَةُ الْخَادِعَةُ دَوْرَ الظُّلْمِ الْمُتَعَدِّدِ، فَتَمْزِجُ التُّرَابَ وَالدَّمَ، وَتَقْتُلُ أَفْرَادًا كَثِيرِينَ، وَتُدْمِرُهُمْ بِأَقْسَى شِكْلٍ.

فَمَا هِيَ تِلْكَ الْمَقَاصِدُ الْخَيْرِيَّةُ وَالنِّظَامُ الْحَسَنُ الَّذِي يَسْمَحُ لِظَاهِرَاتِهِ أَنْ تَتَصَارَعَ بِشِدَّةٍ وَبِغَيْرِ رَحْمَةٍ، وَتَقْتُلَ بَعْضُهَا بَعْضًا لِتَسْتَرِيحَ لِحِينٍ أَوْ تَبْقَى قَلِيلًا، دُونَ أَنْ تَكُونَ لِهَذِهِ الْبَقَاءَةِ أَيُّ مَغْزًى؟!

إِنَّ مَسِيرَةَ نُمُوِّ الْظَّوَاهِرِ هِيَ مَسْرَحُ صِرَاعٍ دَائِمٍ وَمَيْدَانُ أَلَمٍ وَمَوْتٍ مُسْتَمِرٍّ؛ لِأَنَّهَا تَبْنِي وُجُودَهَا عَلَى نَقْضِ الْآخَرِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُحَاوِلُ، بِكُلِّ وَسِيلَةٍ مُمْكِنَةٍ، إِفْنَاءَ غَيْرِهِ لِيَسْتَمِرَّ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى انْقِرَاضِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ، أَوْ ضَعْفِهَا، وَتَعَرُّضِهَا لِلْهَلَاكِ.

الأَلَمُ وَالْمَشَقَّةُ

كُلُّ مَخْلُوقٍ مُحْتَومٌ عَلَى الْهَلَاكِ، وَالْهَلَاكُ لِغَالِبِيَّةِ الْأَفْرَادِ مَصْحُوبٌ بِالْمُعَانَاةِ وَالْوَجَعِ وَالْأَلَمِ الْمُبَاشِرِ، وَذَلِكَ نَتِيجَةُ التَّحَمُّلِ الْمُتَتَالِي لِلْحِرْمَانَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْغَيْرِ طَبِيعِيَّةِ.

فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَا سَاعَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا تَمُرُّ دُونَ أَنْ يُعَانِي مِلْيُونَاتٌ مِنَ الْأَفْرَادِ مِنْ كُلِّ النَّوْعِ وَيُصَادِفُهُمُ الْوَجَعُ وَالْمَوْتُ وَالْحِرْمَانُ، وَلاَ يَتَمَتَّعُونَ بِأَمَانٍ عَلَى بَقَائِهِمْ، وَلاَ يَشْعُرُونَ بِضَمَانٍ لِمُسْتَقْبَلِهِمْ. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ الْفَرْدَ أَوِ النَّوْعَ لَا يَمْتَلِكَانِ أَمَانًا أَوْ ضَمَانًا لِمُسْتَقْبَلِهِمَا، وَهَذَا يُسَبِّبُ لَهُمَا قَلَقًا وَهَمًّا دَائِمَيْنِ.

البَقَاءُ الْمُقَيَّدُ وَالنَّفْيُ الضَّعِيفُ

يَحْدُثُ الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ بِشِدَّةٍ لِلضُّعَفَاءِ وَالْمَحْرُومِينَ، وَرُغْمَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْقُدْرَةَ الْوُجُودِيَّةَ لِلأَفْرَادِ الْأَقْوِيَاءِ مَحْدُودَةٌ أَيْضًا، وَالْوَجَعُ وَالْمَوْتُ وَالْبَلَاءُ هُمْ حُقُوقٌ تَتَعَرَّضُ لَهَا الْفَرِيقُ الْمَظْلُومُ.

وَكَأَنَّ جَمِيعَ الْجَبَرَاءَ وَالظَّالِمِينَ فِي الْكَوْنِ هُمُ الْوُجُوهُ الْقَسِيَّةُ لِلطَّبِيعَةِ الَّتِي تُفْنِي الْمَخْلُوقَاتِ بِقَسْوَةٍ وَبِغَيْرِ رَحْمَةٍ، وَتَجْعَلُهَا تَخْضَعُ لِسَبْعَةِ أَسْلِحَةٍ مِنَ الْخِدَاعِ وَالْكِبْرِ وَالْمَكْرِ وَالْوَسَخِ وَالْغُرُورِ وَالْوَحْشِيَّةِ وَالْأَنَانِيَّةِ.

الشَّرُّ وَالأَفَاتُ

مَسْأَلَةُ “الشَّرِّ وَالأَفَاتِ” مِنَ الْمَوَاضِيعِ الْهَامَّةِ فِي مَجَالِ الْغَايَةِ وَالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ، وَهَذِهِ الشَّرُورُ وَالأَفَاتُ تَمْتَدُّ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الطَّبِيعَةِ.

الشَّرُّ وَالأَفَاتُ حَقِيقَةٌ مَحْسُوسَةٌ وَوُجُودِيَّةٌ لاَ يُمْكِنُ تَجَاوُزُهَا أَوْ تَجْوِيزُهَا بِسُهُولَةٍ. فَهِيَ وُجُودٌ مَادِّيٌّ وَمُحَقَّقٌ، وَلَوْ كَانَتْ تُسَبِّبُ الْأَلَمَ وَالشَّدَائِدَ.

مَنِ يَرَى الشَّرَّ وَالأَفَاتَ عَدَمًا يَخْدَعُ نَفْسَهُ، وَاللُّعْبَةُ بِالْكَلِمَاتِ لاَ تُغْنِي عَنْ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ.

فَاعِلُ الشَّرِّ وَحِكْمَةُ خَلْقِهِ

تَطْرَحُ هُنَا أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِثْلُ: مَنِ الْفَاعِلُ لِلشَّرِّ وَمَنْ بَدَأَ الْأَفَاتَ؟ وَمَا هُوَ الْهَدَفُ مِنْ وُجُودِهَا؟

إِنْ كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ الْمُنَظِّمُ الْخَيْرُ وَالْقَادِرُ وَالْعَالِمُ بِكُلِّ جَانِبٍ، فَكَيْفَ يُوجِدُ هَذَا الْوَضْعَ وَيُعْتَبَرُ النِّظَامُ الْمَوْجُودُ “النِّظَامَ الْأَحْسَنَ”؟

وَهَلْ هَذَا نِعْمَةٌ أَنَّ بَعْضَ الْمَخْلُوقَاتِ تُعَانِي الْحِرْمَانَ الْأَبَدِيَّ، وَتُدْمَرُ أَحْيَانًا مَعَ الْوَجَعِ وَالْمَوْتِ وَالْعَذَابِ؟

مُشْكِلَةُ الْغَايَةِ وَالشَّقَاوَةِ الذَّاتِيَّةِ

مَعَ جَمِيعِ التَّصْحِيحَاتِ، لاَ يُمْكِنُ تَجَاوُزُ مُشْكِلَةِ الْغَايَةِ وَالشَّقَاوَةِ الذَّاتِيَّةِ. وَحَتَّى إِنْ كُنَّا نَفْسِرُ الْوُجُودَ بِحُجَجٍ لَمِّيَّةٍ، إِلَّا أَنَّ الْقَلْبَ لاَ يَزَالُ مَهْتَزًّا بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْعَاطِفَةِ.

وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، ثَمَّ تَضَادٌّ ظَاهِرٌ بَيْنَ آيَاتِ الْعَدْلِ وَالْقَدَرِ وَالظُّلْمِ وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ.

مَسْأَلَةُ الْخَلْقِ وَالطَّبِيعَةِ

اللَّهُ خَالِقُ الْكَوْنِ وَمُنَظِّمُهُ، وَقَدْ خَلَقَ عَالَمًا يُدْعَى “النَّاسُوتَ” أَوِ الْعَالَمَ الْمَادِّيَّ، الَّذِي يَشْمَلُ عَلَى الشَّرِّ وَالأَفَاتِ وَالْمَوْتِ وَالْحِرْمَانِ.

وَلَوْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ، لَحَدَثَ تَرْكُ خَيْرٍ كَثِيرٍ، وَتَرْكُ الْخَيْرِ هُوَ مَصْدَرُ الْشَّرِّ الْكَثِيرِ.

وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ مَفْرُوضٌ، وَيَحْمِلُ مَشَاقَّ كَثِيرَةً، وَيَكُونُ مَجَالًا لِلتَّحَمُّلِ وَالِانْتِظَامِ.

الإِنْسَانُ وَالِاخْتِيَارُ

يُقَالُ: لِلْإِنْسَانِ اِخْتِيَارٌ وَإِرَادَةٌ، وَلَهُ سَعَةُ الْوُجُودِ وَوُسْعُ الْعَمَلِ، وَلَكِنْ هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟

فَالِاخْتِيَارُ مَرْتَبَةٌ تَلِيفَةٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَالإِنْسَانُ لاَ يَمْلِكُ عِلْمًا وَلاَ قُدْرَةً كَامِلَةً لِتَمْلِيكِهِ اخْتِيَارًا حَقِيقِيًّا.

فَهُوَ إِمَّا مَجْبُورٌ وَإِمَّا مُخْتَارٌ بِقُيُودٍ، وَهَذَا الْاِخْتِيَارُ ضَعِيفٌ أَكْثَرَ مِنَ الْجَبْرِ.

الْخَاتِمَةُ

الْحَقُّ هُوَ الْفَاعِلُ وَالْمُهَنْدِسُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ الْعَالِمُ الْحَكِيمُ، وَمَا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ مَا هُوَ إِلَّا نَتِيجَةُ إِرَادَتِهِ.

وَعَلَى هَذَا الْحَقِيقَةِ، تَبْقَى الْمَسَائِلُ وَالْأَسْئِلَةُ تَدُورُ حَوْلَ غَايَةِ الْخَلْقِ، وَمَا هِيَ الدُّنْيَا إِلَّا مَحْكَمَةُ الْفَتْنَةِ وَالِاخْتِبَارِ، وَالشَّرُّ وَالأَفَاتُ هِيَ الْأَدَاةُ الْمُرَّةُ لِهَذَا الِاخْتِبَارِ.

فَالتَّسْلِيمُ بِالْقَدَرِ وَالْإِيمَانُ بِالْخَيْرِ الْمُخْتَبِئِ وَرَاءَ الظُّهُورِ الْمُرَّةِ هِيَ الطَّرِيقُ إِلَى السَّلَامِ وَالْأَمَلِ.

البناءُ قصرًا وإقامةُ منزلٍ؛ يا لها من روعةٍ وجمالٍ! يا لها من عظمةٍ وروعةٍ تستحقُّ المشاهدة! من غرفة النوم والصالة والشرفة إلى غرفة الضيوف وغرفة الاستقبال. هذا المنزل أو القصر، سواءٌ كان صغيرًا أو كبيرًا، مصنوعًا من الحجر أو الطين، لا بدَّ له بالضرورة من مطبخٍ وخدمةٍ صحية، كما يحتاج إلى الصالة وغرفة الاستقبال وغرفة النوم.

إذا كان البيت بيتًا حقيقيًا ولا يحتوي على خدمة صحية، فهذا يعني أن البيت أو القصر بأكمله سيتلوث ويصبح غير نظيفٍ تمامًا. وإذا افترضنا أن البيت بيتٌ ولا يحتاج إلى خدمة صحية، فينبغي القول: هذا البيت لا يحتاج إلى صالةٍ أو مطبخٍ أو غرفة نومٍ أو استقبالٍ أو ضيوفٍ أو حتى صاحب البيت، لأن عدم وجود الخدمة الصحية يعادل عدم وجود جميع المرافق المرتبطة بها، وفي هذه الحالة لن يكون البيت بيتًا. إذن، المنزل بحاجةٍ إلى مثل هذا المكان، تمامًا كما يحتاج إلى الأماكن والمرافق الأخرى. وهذه حقيقةٌ لا يمكن لأحدٍ أن ينكرها أو يتجاهلها.

والآن يجب القول: القضية ليست فيما إذا كان البيت يحتاج إلى مثل هذا المكان أم لا، فهذا أمر مسلمٌ به، وإنما السؤال هو: لماذا يصبح هذا الموضع من الأرض وهذه النقطة من البيت مخصصًا للخدمة الصحية؟ ولماذا تصبح هذه البقعة مكانًا للخدمة الصحية، في حين تكون المواضع الأخرى مخصصةً للاستقبال وغرفة النوم والصالة وغرفة الضيوف؟

هذه الأرض مسجدٌ، وتلك أرضٌ منزل. لماذا هذا المكان حديقةٌ وذلك الآخر مستنقع؟ ولماذا يكون جزء من هذا المسجد محرابًا وجزء آخر منه مخصصًا للخدمة الصحية؟ هذا البيت والقصر والمسجد بحاجةٍ إلى خدمة صحية، ولكن لماذا هذا المكان بالذات؟

المهندس ونوع الأرض

إذا قيل: لبناء بيتٍ كاملٍ ومناسبٍ، يواجه المهندس ضرورةً مزدوجة: أولًا أن بناء البيت بدون خدمة صحية أمرٌ مستحيل، وثانيًا أن نوع الأرض وموقعها وصفاتها تفرض على المهندس تحديد مكان خاص لهذا الغرض؛ فحكمة المهندس وعلمه الهندسي يجبرانه على اختيار هذا المكان الخاص، ولا مفرّ له من ذلك. في الردّ، يجب القول: بالرغم من صحة هذا الوصف بالنسبة للأرض والمهندس والمكان، وأن المهندس يعمل ضمن نطاق قدراته ولا يمكنه تجاوزها، إلا أن الله تعالى ليس مقيدًا بأي قيد أو ضرورة مسبقة، فهو الذي وضع جوهر وطبيعة وصفات كل شيء قبل الخلق، وهذا ما يفسر وجود قوانين الطبيعة. لذا، عدم وجود هذا المكان أمرٌ مستحيل، ووجوده ضرورة لا مفر منها، واختيار مكانه إذا كان له ضرورة فهو حتميةٌ لا مفر منها.

عندما تُؤخذ الاعتبارات الملائمة، وتُحدّد السعادة والشقاء، والجدارة والاستعداد لكل فرد، فلا مجال للاختيار أو الهروب، ولا يبقى أي مجالٍ للقدرة أو الإمكان. التصاميم والنظريات العلمية غالبًا ما تكون إجابات شكلية ناقصة، ولا تقتنع بها إلا فئات معينة من الناس.

المهندس مجبرٌ على وضع مخططه وفقًا لموقع الأرض، لأن الأرض وغيرها ليست ضمن دائرة وجوده ولا سلطته، وهو يملك فقط ما هو موجود، أما هندسة الطبيعة فهي ليست كذلك، فكل شيء في سلطان الله تعالى. بناءً على ذلك، يثار السؤال: لماذا يجب أن يكون هذا الفرد المسكين، الشقي، محكومًا بالحرمان الأبدي، دون أن يكون له دور جوهري في تحقيق مصيره؟

في مسألة “السعيد سعيد”، التي تؤكد أن العالم كذلك، لا يوجد خلاف، ولكن النقاش حول البؤساء المحرومين الذين يعانون من الحرمان الأبدي. وبناءً عليه تُنقد غاية الكون ونظامه وحكمته. لماذا يجب أن تكون هناك خدمة صحية؟ ولماذا يجب أن يتحمل هذا المكان هذا المصير السيء؟ لماذا يوجد الشر والخباثة، والشقاء والوضاعة، وأمثال شمّر، حرملة، وابن ملجم؟ لماذا يجب أن يكونوا تابوت نار وجحيم وأدنى السافلين؟

الاستحقاق والجدارة

إذا قيل: طبيعة الأمر واستعداد الوجود وصفاته الداخلية تفرض هذا، والله تعالى أعطى كلًّا بحسب استحقاقه وباطنه، فيجب القول: هذه هي المسألة تحديدًا، فمن أعطاهم هذا الاستحقاق؟ ومن أين لهم هذه الطبيعة؟ لا أحد لديه وجود أو استعداد من نفسه، فكل الخير والشر من الله، ومشيئته التي أعطتهم هذه الصفات.

إذا قيل: النظام الأفضل (النظام الإحسن) يقتضي أن يكون هناك فئة شقية محرومة أبدًا، فيجب القول: إذًا يجب أن تُضحى هذه الفئة من أجل النظام الأفضل، وأن يُضحى بها لتتحقق هذه الغاية، وهذه هي المشكلة التي تثير تساؤلات حول السبب النهائي.

النظام الأفضل وجمال الفئات المعدومة

إذا قيل: النظام الأفضل هو وصف نوعي لعالم الطبيعة، وأكثر الفئات تتمتع بهذا الجمال، فيجب القول: فما هذا الجمال الذي يحظى به هذه الفئة المسكينة؟ وإذا قيل: مقتضى النظام الأفضل أن تكون هناك فئة محرومة أبديًا، نقول: هذا منطقي لكنه لا يحل مشكلة هذه الفئة. وإذا قيل: حتى لهم وصف بالجمال ولقب الأفضل، فيجب القول: فما هذا الجمال؟ كيف يمكن أن يكون الحرمان الأبدي والعذاب والنار والجحيم جمالًا؟ إذا كان الجحيم وعذابه هما حسنهم، فهل يكون الجنة وسعادتها نقصًا؟ أو هل يمكن أن يكون السعادة والشقاء، النعيم والجحيم، كلاهما حسنًا، وأن تكون الجنة والنعيم والجحيم والنار كلها سعادة؟ هذا القول غير متناسق، ولا يليق بعقل الإنسان.

فمن المسؤول عن هذا النقص والقصور في عالم الطبيعة؟ إذا كان الله قد شاء وجود هذا الشر والفعل، وكانت مشيئته وحكمته كذلك، فما معنى “ليس بظلم للعبيد”؟ وإذا كانوا هم أنفسهم من جلبوا على أنفسهم هذا المصير، فكيف حصلوا على هذا الاختيار؟

إذا قيل: الشرور لم تحدث عن قصد أو علم، فهذا يتعارض مع علم وقدرة الله، وإذا قيل: علم وقدرة الله في الأمر، وهذا هو الأفضل، فهذا أيضًا لا يتوافق مع علم وقدرة الله، وإذا قيل: الأمر غير ممكن ومقتضى خلقه لا علاقة له بعلم وقدرة الله، نقول: من أين جاء هذا النقص الذي حرمهم من السعادة الأبدية؟ وإذا قيل: رفع هذا النقص عنهم ممكن، فالبخل في العطاء غير مقبول مع الله. باختصار، أيًّا كان الاتجاه، هذه المسألة مليئة بالمشكلات، والطبيعة لا تملك مخرجًا من وضعها الحالي.

بناءً على ما تقدم، يجب القول: أهل الشقاء هم ثمن النظام الأفضل لعالم الطبيعة، وهذا لا يتوافق مع الآية الكريمة (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت).

المساكين من أهل الشقاء، الذين أصبحوا درعًا ضد الشرور في عالم الطبيعة، ومصدرًا للشرور في عالم الناس، مثلما أن الخدمة الصحية تزيل الشر من البيت وتحافظ على نظافته، فهؤلاء يتحملون قذارة البيت لتحقيق النظام الأفضل، بلا شكوى أو احتجاج، وهم محرومون أبدًا دون أن يكون لهم هدف نافع كالخدمة الصحية.

كمال أهل الشقاء

إذا قيل: كمال الخدمة الصحية يكمن في كونها تطهر البيت وتحافظ عليه، فيجب القول: ويلٌ لأهل الشقاء، لأن شقاءهم هو كمالهم، وحرمانهم الأبدي هو ثمر وجودهم، وشقاؤهم جزءٌ من ذاتهم. وإذا كان شقاء هذه الفئة المظلومة هو ذاتهم، وذنبهم أنهم حملوا ذاتهم، فلا ينبغي أن يعانوا من ألم أو معاناة، ولكن هذا الرأي لا يتوافق مع الدين، لأن الدين يعدهم بنار وعذاب أليم وجحيم لا نهاية له.

مهما كانت نهاية أهل الشقاء، فهي محل إشكال: وجودهم ضروري، ولكن وجودهم بصفة الاختيار أو بغير اختيار به إشكالات.

إذا قيل: لا وجود لحرمان أبدي، وأن العذاب والنار زائلان، وأن الجحيم بلا عذاب أو أن العذاب معه لذة، وأن الطبيعة و العادة تجعل أهل النار يتمتعون بها كما يتمتع أهل الجنة، فكل هذا مخالف للدين ولنصوص القرآن، حتى لو قال به بعض كبار المتصوفة.

إذا لم يكن هناك عذاب أو جحيم، أو كان الجحيم بلا عذاب ونار، أو العذاب والنار يكونان محببين، فلن يكون هناك شقاء وحرمان أبدي، وستكون المكافأة الشرعية بعيدة عن الحقيقة، وهذا لا يليق بأهل الدين. ونحن نناقش هذه المسألة مع كل أهل الدين والقرآن، وليس مع مجموعة خاصة تحاول تبرير مثل هذه الأفكار بدافع الضعف أو التهوين.

الاقتضاء والعلية

إذا قيل: العذاب والجحيم والحرمان الأبدي مقتضى باطن أهل الشقاء، ولكن أفعالهم هي سبب وقوع الانحرافات، فالعلة هي أفعالهم، فيجب القول: الاقتضاء من عند الله، والعلية محدودة باختيارات ضعيفة لا يمكن تحميلها المسؤولية أو التأثير الأساسي على الأفعال.

فالحق هو نظام الطبيعة، وهم أهل الشقاء الذين يُعاقبون بالحرمان الأبدي، وهم ليسوا راضين ولا يجب أن يكونوا راضين، ولا يمكن القول أن خلقًا وطبيعةً كهذه للنظام الأفضل، وهذه الرؤية على الأقل لهذه الفئة لا تتوافق مع قوله تعالى (ليس بظلام للعبيد).

إلا إذا قيل: كلمة الآية هي (ليس بظلّام) وليست (ليس بظالم للعبيد)، ولا يمكن نفي الظلم مطلقًا، أو أن الآية تخص المؤمنين فقط، أو أن الظلم لا ينطبق على الله، لأنه ظلم بين مخلوقين، والعباد ليسوا أنداد الله بل ملكه، ولا يصح أن يُقال أن الله يظلم.

كل هذه التأويلات بعيدة عن الفكر الديني، ولا تحل المشكلة، خاصة مشكلة الغاية بالنسبة لهذه الفئة. إلا إذا عدلنا فهم غاية أهل الشقاء بما لا يتوافق مع القرآن، وفي هذه الحالة ستزداد المشكلة.

لذا يجب القول بصراحة وبدون تحريف أو تبرير: من منظور التوحيد وثقافة القرآن الكريم، السبب النهائي فيه مشكلة، ووفقًا لقوانين الدين، وجود الشك في أمر ما يعني وجود خلل في كل مكونات البداية والغاية.

الاستنتاج

ما يتبين من كل ما سبق أن “مبدأ فاعل خاص” و”خيار مطلق خير” غير موجودين، فطبيعة العالم تمضي في مسار جزئي ونظام نسبي مع كل مشاكله وعيوبه، والفاعلون الجزئيون يعملون كل حسب طاقته لتمهيد الطريق.

هذه الطبيعة غادرة، قدّرت هلاك الجميع، وأظهرت طباعها الحاقدة، وجعلت الجميع يعاني ويهلك، ووقعت الضعفاء والمساكين تحت رحمة الأقوياء.

إذا قيل: الشرور والآفات من المخلوقات، يجب القول: الظواهر ليست ذات وجود مستقل، ولا يمكن أن تكون إلا من فعل فاعل خارجي وموجب. وإذا كان الفاعل الموجب هو الذي يصنع الشرور، فإما أنه يفعل ذلك بعجز أو عن قصد.

الحالة الأولى انتقام من خلقه، والثانية دلالة على ضعف وعجز، وفي كلتا الحالتين لا يمكن أن يكون فاعلًا موجبًا، وإذا كان بسبب قصور إدراكي فهو منافٍ لعلم الله، وازدواجية الله منافٍ للدين.

لذا يمكن القول بسهولة: الطبيعة هي الفاعل الشرير، وهدفها هو القتل والدمار، وتعمل بلا مبدأ خارجي أو غاية ربوبية في مشكلاتها.

كل الشبهات والنقد حول التوحيد والدين والمعرفة تعود إلى المبدأ الفاعل أو السبب النهائي، والسبب النهائي يعود إلى المبدأ الفاعل، وجميع الأسباب هي مظاهر له.

موضوع المبدأ الفاعل هو أساس ومسألة دقيقة فلسفيًا وروحيًا، لكن مشكلات السبب النهائي أكثر فهمًا وانتشارًا بين الناس.

النفي النهائي للسبب النهائي يعني نفي المبدأ الفاعل، والنفي المطلق للمبدأ الفاعل يضرب السبب النهائي.

مباحث المبدأ الفاعل تحتاج إلى علم وفلسفة وروحانية متقدمة لا تناسب العوام، بينما أسباب الغاية يمكن أن يفهمها العامة بشكل سطحي، مع العلم أن كل النقاشات مرتبطة بعضها ببعض.

على أية حال، مع أنَّ مشكلات العلّة الغائية للخلق تظهر على سطح الظواهر، إلا أنَّها يمكن أن تؤثّر تأثيرًا بالغًا في تعزيز أو زعزعة العقيدة تجاه المبدأ الفاعل، وفي مثل هذا الموقف يمكن أن يكون لها دور إيجابي أو سلبي على الأفراد؛ لأنّ مظهر المناقشات الغائية هو المظهر الحسي والظاهر للقضايا والمباحث المعرفية، والإنسان يتأثر بها بشكل أكبر في مجال تطبيق العقائد والأفكار.

ومن هذا البيان يتضح تمامًا أنَّ المباحث المتعلقة بالعلّة الغائية تتمتع بأهمية خاصة، ولها دور أساسي في تشكيل الفكر البشري. وهذا الأمر يجعل الإنسان يولّي اهتمامًا خاصًا لهذه المباحث ويسعى لتحديدها بشكل صحيح.

النص الحاضر، مع تقديره للاختصار، يناقش وينقد وجهات النظر الإيجابية والسلبية، ونقاط القوة والضعف في ادعاءات المنكرين في هذا المجال.

طريقة النقاش

لدراسة العلّة الغائية هناك ثلاث وجهات نظر مختلفة:

أ) النظرة التوحيدية الإلهية السائدة التي تتضمن كافة مظاهرها أُسسًا معرفية، وتتبع بجمالية الخلق والطبيعة بأسلوب خاص وعقيدة راسخة، تكشف الستار عن وجه الوجود بشكل لا يثير أي وهم أو إشكال، وتعتبر جميع المشكلات والأوهام والنقائص ناشئة عن فهم ناقص وضعيف في ذهن الإنسان، وبسبب غبار الفكر وكدر القلب.

ب) منهج المنكرين الذي ينشر الإلحاد والعداء والإنكار على نظام الخلق والطبيعة في المستويات العامة والتفصيلية، ويجعل النقاش يفتقد إلى أي سبيل لتفسير أو إصلاح الاختلالات، ويغرق الذهن في دوامة الإنكار والجهل، حتى يصبح الجدال وسيلة لتسكين آلام لا دواء لها.

هذا النوع من التعامل مع الخلق، بعيدًا عن كونه غير مثمر في إثبات أو إنكار، يعاني من اضطرابات كثيرة لا سبيل لإصلاحها، لأن الإلحاد والعداء والهجوم غير المبرر لا يستطيع تنظيم حياة الإنسان، وأدناها هو اليأس والدمار والفشل. البشر بطبعهم لا يتبنّون هذا الأسلوب غير المتوازن، وإنما هو انعكاس ذهني لبعض الأفراد المحبطين واليائسين الذين اجتاحهم العداء والإلحاد والجدل والهجوم والاضطراب.

ج) الرأي الثالث هو اتباع نقد منطقي ومستدل للمباحث المتعلقة بالخلق ومشاكل الطبيعة والعلّة الغائية، بهدف فتح مجال للنقاش والتقييم ورسم المباحث وشرح المواضيع بشكل مناسب ونافع، يقودنا بسلاسة إلى المنهج والرؤية الأولى.

هذا النص المختصر اختار الطريق الثالث ليطرح أفكارًا وشبهات العلّة الغائية، ويفتح سبيلًا واضحًا يتجاوز كل النواقص، ويمهّد لوصول كامل وقرب عالٍ إلهي وفق الرؤية الأولى.

عدم الاختلاف والانحراف في سير الطبيعة

بعد هذا التمهيد، تأتي العبارات والأوهام التي يطرحها المنكرون حول النظام والعلل الغائية والهدفية في الظواهر، ويتم تحليلها ونقدها.

ما يلاحظه الجميع بشكل طبيعي وملموس هو انتظام وتناسق ظواهر الكون، وهذا يدهش كل مفكر ويشد ذهنه إلى أن ترتيب أي عمل أو شيء في الوجود لا يخرج عن نظام كلي، وسير الطبيعة خالٍ من أي اختلاف أو انحراف حقيقي.

هنا يجب تلخيص مفهوم واستخدام مصطلحي الاختلاف والانحراف لتوضيح النقاش.

الاختلاف

الاختلاف في الأمور هو أن يكون لشيء ما أثر مختلف في ظرف معين مقارنة بظرف آخر، وأن يعمل بشكل مختلف في ظروف متماثلة، وهذا أمر مستحيل. مثلاً، إذا قيل: إن بذرة القمح المزروعة في أرض مماثلة تثمر في سنة قمح وفي سنة أخرى شعير، أو بذرة الشعير تثمر شعيرًا في سنة وعَدسًا في أخرى، فهذا أمر لا يقبله عقل ولا يشاهده أحد، لأن ثمار الأشياء الطبيعية ثابتة، كما في الحديث: «كما تزرع تحصد».

كل الأشياء والظواهر والعالم والبشر متساوون في هذا، ويجنون ثمار وجودهم.

الانحراف

الانحراف هو أن ينتج الشيء نتيجة في وقت، وفي وقت آخر لا يعطي نتيجة، أي أن بذرة تعطي قمحًا في سنة، وفي سنة أخرى لا تعطي ثمرًا، وليس أن تعطي محصولًا مختلفًا. بالطبع، الانحراف قد يشمل قلة أو كثرة الثمر، أو أن يكون الإنتاج متقطعًا، أو أن يصيب الأرض آفات تمنع الإنتاج، وهذه كلها عوامل طبيعية تعطل المسار الطبيعي.

هذا الكلام عن الأمور الطبيعية ينطبق على كل الأشياء وحتى الإنسان وأفعاله، فلا يمكن أن يفعل أحد ما ولا تظهر له نتائجه، والأفعال المختلفة تؤدي حتمًا إلى نتائج مختلفة.

الإنسان يرى ثمرات أفعاله المختلفة، فلا يزرع قمحًا فيحصد شعيرًا، وإنما يحصد ما زرع، سواء كان جيدًا أو سيئًا، قبيحًا أو جميلًا، ولا تظهر هذه النتائج فقط في الآخرة، بل يراها الإنسان في الدنيا، وإن كانت النتائج النهائية للنجاة أو الهلاك تظهر في الآخرة، لأن الدنيا ليست وسيلة كافية لإظهار كل التفاصيل، كما جاء في الحديث: «الدنيا مزرعة الآخرة».

نرسم هذا البيان هكذا: «الدنيا إما مزرعة الآخرة أو مزبلة الآخرة»، فالدنيا إما مزرعة جميلة تثمر نتائج أجمل في الآخرة، أو مزبلة تترك آثارها السيئة جلية في الآخرة.

ليس كل الناس لديهم مزرعة صالحة في الدنيا وينعمون في الآخرة، فبعضهم يعيش في مزبلة يبيع بها قذارات الدنيا لنفسه، ويرى في الآخرة نتائج سوء ذلك.

لذا، يمكن القول إن نظام الخلق، وخاصة الإنسان، يسير في مسار طبيعي خاص، بلا اختلاف أو انحراف، وكل شخص يرى نتائج أفعاله، كما يقال: «من الكوز ما فيه»، فلا ينبت الجرداء ماءً أو الكوز اليابس رطوبة.

الظواهر وكل الموجودات، من الجمادات إلى الحيوان والإنسان، تتبع نظامها الطبيعي المنسق دون أن تهتز قواعدها وترتيباتها.

الإنسان والفكر

لفهم النظام الحاكم على الطبيعة بشكل صحيح، يجب أن يكون الفكر سليمًا، وأن يتفهم دقة الطبيعة، وألا يعتقد أوهامه وجهله حقائق. يجب أن ينظر الإنسان بعظمة الوجود وربوبيته بخشوع خاص، ليحاول بقدر ما يستطيع فهمه.

لا ينبغي أن يكون الإنسان متسرعًا أو مترددًا أو مهملًا في مواجهة هذا النظام الرائع، ولا أن يغرق في الأوهام، بل يجب أن يعالج مشاكله الفكرية والغاية بكل هدوء ووعي.

بالنظر إلى هذا، هناك اعتراضان على النص المطروح — واحد في التأييد والآخر في النفي:

المدعي يقول: إن حركة الإنسان والحيوان والظواهر الأرضية والسمائية لها أهداف نسبية وجزئية، وتتبع مسارًا محدودًا محددًا، ولا يوجد فيها فوضى أو تهاون أو لا هدف. وهذا يطرح سؤالاً: كيف يمكن لنظام كهذا، خالٍ من الانحراف والاختلاف، أن يكون محدودًا وجزئيًا دون أن يكون له غاية كلية وفاعل واجب؟

هذا النظام الجزئي المحدود والطبيعي، فضلاً عن دلالته على الغاية الكلية، يدل على فاعلية مبدأ واجب، وهذا هو قول أهل التوحيد والدين، لأنه لا يمكن إنكار هذا النظام، ولا يمكن تجاهل هدفية الظواهر وطلبها لمبدأ خالق.

ويقول المدعي أيضًا: رغم وجود اضطرابات واضحة وشذوذات كثيرة تسبب مشكلات ونقائص، إلا أن هذه الاضطرابات والشذوذ يمكن تقسيمها إلى قسمين:

القسم الأول: نقائص ناجمة عن عوامل اضطرارية ومؤثرة ضارة، ولكل منها قوانين وأحكام خاصة، وهي تعبر عن انتظام دقيق للطبيعة، وتحمل قانونيتها دون نقصان في كل حالة.

القسم الثاني: مشاكل تبدو كذلك بسبب ضعف فهمنا العقلي، ويجب بذل جهد أكبر لإصلاحها وتصحيحها.

عمومًا، لا يجب اعتبار كل نقائص حقيقية نقائص، فهي في الأصل تخضع لقوانين واضحة، وذهن الإنسان هو الذي يجب أن يكتشف هذه المشكلات ويرتبها في طريق صحيح، ليبصر وجه الطبيعة الجميل وربوبيتها بشكل أفضل.

كل ما سبق من مناقشات وانتقادات يمكن تلخيصه في هذه العبارة: النظام والتنظيم المنسق يملأ عالم الطبيعة، والنواقص الخاصة لها وزنها الخاص الذي يمكن فهمه ومتابعته. والإنسان وحده يجب أن يرتب الوجوه والتراكيب الغامضة في ذهنه ويستعيد وجوده ليجد حلولًا مناسبة لنقائص الطبيعة وأسئلتها.

الأهداف الحقيقية والسير الإلهي

في جزء من ادعائهم، يشكك المنكرون وينكرون حقيقة أن لكل الظواهر الكونية أهدافًا كلية، عليا، ذاتية، حقيقية، وسيرًا إلهيًا، ويعتبرون الأدلة العلمية والفلسفية على إثبات المبدأ الفاعل والعلّة الغائية غير مكتملة ومبنية على فرضيات لا أساس لها.

وهذا مع أن ما يهم أهل الدين والنظام التوحيدي هو هذا السير الإلهي والربوبي والأهداف الكلية، الغائية، الذاتية، والحقيقية التي يمكن إدراكها بالملاحظة الدقيقة والانتباه الخاص لكل ظاهرة، وتحويل الشكوك والإنكارات إلى يقين واطمئنان، دون الوقوع في الفرضيات الإلحادية والانحرافات الذهنية والاضطرابات النفسية.

الدلائل العلمية والفلسفية الموجودة لإثبات المبدأ الفاعلي والسبب الغائي لا تُعدّ إثباتًا قاطعًا لتلك الاتجاهات، إذ إنّها جميعًا مشوبة بالتناقضات والردود والقبول المتبادل، أو تفترض افتراضات لا أساس لها، وبالتالي فإنّها لا تُعتبر تعبيرًا منطقيًا وعلميًا سليمًا، وهي بعيدة عن الإنصاف ومنهج التفكير الصحيح.

فلا يجوز للعاقل وصاحب الفكر أن يتجاهل العقائد والأفكار دون دليل ومعيار، بناءً على افتراضات لا أساس لها، بل ينبغي دراسة كلّ من هذه العقائد والدلائل والأدلة على نحو خاص وبصورة منفردة، ليتمّ رفضها أو إثباتها.

إنّ القبول أو الرفض لأي أمر بناءً على تعبير عام ومبسّط وبطريقة مهملة ليس طريقة عقلانية موثوقة، ولا تؤدي إلى نتائج صحيحة. ومن اللازم في النقاش والتحليل أن تُدرس جميع جوانب القضية بدقّة واهتمام كامل، لا أن يُرافق المُدّعي افتراضاته اللامبنية على أساس، ويتناول المبدأ الغائي ـ الذي هو موضوع النقاش الحالي ـ على نحو مماثل للمبدأ الفاعلي ـ الذي سبق بحثه ـ، حيث إنّ هذا المسار الفكري والنقاشي بعيد عن الإنصاف والمنهج المنطقي السليم.

الادعاء القائل: «النظام الجزئي والنسبى للطبيعة مصاحب لتنوعات كثيرة، وإذا أراد المرء إثبات ناظم مدرك وفاعل خارجي محدد وواجب ورازق عاقل وقدير، فهو بحاجة إلى أدلة قوية جدًا» هو قول مناسب وجائز يجب الالتفات إليه.

إن إثبات مثل هذا الأمر ذو أهمية كبيرة، ولذلك يجب أن يكون هناك دقة بالغة وألا يُظَنّ أنه أمر سهل ويسير، ولكن القول: «لا توجد مثل هذه الأدلة» هو حديث متسرع، ولا يجوز إصدار حكم نهائي بهذه الطريقة غير المدروسة وغير المستندة إلى برهان ودليل.

وفي المناقشات القادمة سيتم إيلاء الاهتمام الكامل والدقيق لجميع جوانب هذا الموضوع.

العامل الخارجي والنظام الجزئي

هذا القول الذي يدّعي أن «العالم المادي يمتلك نظامًا نسبيًا وحركة جزئية ضمن نطاقه الخاص»، هو تعبير صحيح عن وجود حقيقي وخارجي لا يمكن إنكاره، وهذا القول جدير بالثناء؛ لكن النظام النسبي والجزئي للظواهر المادية ضمن حدودها الخاصة لا يمكن أن يكون بلا علاقة بالتنظيم الكلي للنظام الكوني وتجليات الوجود الحقيقي.

عندما لم يتمكن الخصوم من تقديم دليل على استحالة وجود الربوبية، وأقام المثبتون أدلة وشواهد كثيرة على حقيقة الوجوب الربوبي، لا يمكن بعد ذلك اعتبار النظام النسبي لظواهر العالم بلا صلة بالنظام الكلي للوجود، بل إن النظام النسبي والجزئي للظواهر المادية هو بحد ذاته تجلٍّ ذاتي وموضوعي للوجود.

في الحقيقة، الوجود ليس بعيدًا عن النظام، ولا يمكن التفريق بين الكلي والجزئي أو الإمكان والوجوب؛ فالنظام هو الذي يحدد الحالة الحقيقية لكل الظواهر. كما أن الظواهر في ظهورها هي تجلٍّ لربوبية الوجوب، فإن نظامها هو تجلٍّ لنظام إرادي إلهي، وليس من المنطقي أن توجد ظاهرة بلا صلة بالنظام الكلي.

كذلك، لا يمكن اعتبار النظام النوعي للظواهر المادية مجرد نتيجة لترتيب طبيعي ومادي لها؛ لأن ظهور الظواهر المادية هو تجلٍّ من الوجود الربوبي، فالنظام فيها هو أيضًا تجلٍّ وتمظهر لذلك الوجود الحقيقي والإرادة الربوبية.

فجميع صفات الذات الإلهية ذات طبيعة واحدة، ولا يجوز القول بأن النظام النوعي للظواهر هو مجرد وصف داخلي لها. النظام النوعي نفسه يشير إلى طبيعة النظام، وهذه الطبيعة ليست فردية أو صنفية بحيث تكون غير مرتبطة بالنظام الكلي لتجليات الوجود.

وكما نقبل أن جميع الظواهر بصلاتها الطبيعية تتبع ترتيبًا ودورانًا طبيعيًا خاصًا بها، يجب أيضًا قبول أن هذا الترتيب والارتباط مرتبطان بالنظام النوعي لتجليات الوجود وإرادة الربوبية وتجلٍّ الوجوب، لأن النظام هو الوضع الذاتي للتجليات، ويمكن من خلال نظام ظاهرة خاصة إثبات النظام النوعي والكلي للوجود، إذ إن النظام النوعي هو النظام الكلي، وهذه النوعية، عندما تكون كلية، لا تخص ظاهرة معينة.

لذا، القول الذي يخصص النظام للظواهر المادية فقط ويعتبره منفصلًا عن النظام الكلي هو قول بعيد عن أي دليل إثباتي ولا يمكن تقديم دليل عليه، وقد ذُكرت أدلة موجزة أيضًا لنقضه.

كيف يمكن حصر النظام في نطاق معين واعتباره محصورًا في جزء من الوجود (الماديات) ومنفصلًا عن كل الوجود، بينما أن عالم المادة وعالم الطبيعة أدنى مراتب الإدراك والشعور؟ وحيث إن أساس النظام هو الإدراك والشعور، يجب القول إن كل تجلٍّ يزداد ارتفاعًا في الإدراك والشعور يكون له نظام أعلى، وأن الظواهر التجريدية وتجليات الوجوب والربوبية وكل مظاهر العوالم العلمية والموضوعية الأخرى تتمتع بنظام أرقى من الظواهر الطبيعية، رغم أن العلاقة الموضوعية والتجلّية بينها وبين الوجود الوجوبي محفوظة، وأن الظواهر الوجودية تخضع لسير تجلٍّ وابتعاد وجودي، كما تم الاستدلال عليه في مناقشة المبدأ الفاعلي.

الغایت الكلية والنهائية

المُنكرون للهدفية والغایت في الظواهر قالوا:

«الظواهر في العالم تكون ذات غاية كلية ونهائية أو سير إلهي فقط إذا تحركت في سبيل السعادة والنجاح، في حين أن بعض الناس ليس لهم غاية خيرية، بل حسب الدين مصيرهم الأسوأ وهو النار الأبدية والحرمان الدائم والجحيم الإلهي.

علاوة على ذلك، فبعض الظواهر، وخاصة كثير من البشر، في الدنيا محرومون من غاية الخير والحياة السعيدة وحقوقهم الإنسانية الأساسية. يولدون في أسوأ الظروف، يعيشون حياة شاقة، ويهلكون في أسوأ الأحوال. هذا الواقع المرير يمكن ملاحظته في كثير من الظواهر الطبيعية، وهو ليس مقصورًا على الحيوان أو الإنسان، ولديهم أدلة كثيرة على ذلك.

من هذا يتضح أنه حسب مبادئ الدين لا يمكن قبول الغاية الأبدية والسعادة للجميع، وهذا يثير تساؤلات كثيرة تُعرض بإيجاز.»

العالم المحدود والاشتباهات اللامحدودة

قد يدعي البعض: لا يجوز أن نحيل المسائل إلى الحقائق التجريدية، إذ لا دليل على إثباتها ولا سبيل لمشاهدتها. نحن نعلم فقط مشاكل عالمنا، ومنذ أن شهدنا هذا العالم، رافقنا مشاكلُه. يجب أن يُجاب عن كل سؤال بما يتناسب مع هذا العالم، وأن تُحلُّ مشكلات العالم المادي بأدلة متناغمة معه، لا أن نوجه نقد المشكلة إلى العوالم الغيبية التي لا نملك يقيناً بوجودها.

إن اتساع العوالم التجريدية وحدود العالم الطبيعي لا يحلان المشكلة، ولا تزيلان النقد المذكور؛ لأن العالم الطبيعي محدود، ويملؤه الشكوك والنواقص التي تشير إلى غياب مدبرٍ عاقلٍ وحكيم.

وفي الرد على هذا القول، نُشير إلى أننا سنناقش في المستقبل كيفية إزالة الشكوك والنواقص في العالم الموجود، وهنا نكتفي بالإشارة إلى تنوع العوالم وبعدها عن العيوب، وتركيز المشكلات في العالم الطبيعي. وقد أثبتنا وجود العوالم التجريدية في مناقشة المبدأ الفاعل، بحيث لم نحصِر الوجود في المادة والعالم المادي، مع أن مشاهدة هذه العوالم ليست إلا لقلوب نقية.

ثانياً: العالم الناسوتي والعالم الطبيعي

عموماً، يمكن تصور الخيرات والشرور في العالم الطبيعي والناسوطي بخمس صور:

أ) كلّها شر محض؛
ب) كلّها خير محض؛
ج) خير كثير؛
د) شر كثير؛
هـ) خير وشر متساويان.

وللإثبات، نقول: لا وجود خارجي للخير أو الشر المحض في العالم الناسوتي، ولا أحد يدعي ذلك؛ إذ هو غير ممكن وقوعاً. لذلك، كما قبل المدعي النظم الجزئي والنوعي للعالم الموجود، لا بد أن يقبل الخير والشر النسبيين، مع شر قليل، لأن المادة والطبيعة لا تستلزمان الخير المحض، ولا الشر المحض.

ولا يوجد دليل على تساوي الخير والشر، ولا سبب إيجابي يستوجب تحقق ذلك من جانب الحكيم المدبر، ولا يمكن وجود شر كثير لأسباب مشابهة.

وبالتالي، يبقى الافتراض الثالث فقط، وهو أن العالم الناسوتي والعالم الطبيعي يحيط بهما خير كثير وشر قليل. من بين الفرضيات الخمس، هذا هو الفرض الحكيم الذي يتطلب منا تحليلًا يجيب عن سؤال: هل يجب التخلي عن الخير الكثير لإزالة الشر القليل، أم يجب التخلي عن الشر؟

وهذا يتطلب تأملاً قليلاً: لا يعد حكيمًا التنازل عن الخير الكثير لإزالة الشر القليل، فالمادة والطبيعة تقتضيان ذلك، وهذه الاقتضاء تصاحب الخير الكثير. وإذا قيل: لماذا لم يحيط الخير المحض بالعالم الطبيعي كله لإزالة أي شر قليل؟ نجيب: إذا أراد العالم الطبيعي أن يكون خيراً محضاً كالعوالم التجريدية، لما كان فيه مادة، ولا زمن، ولا استعداد، ولا فعل، ولا حركة، ولا نمو، وفي هذه الحالة يفقد خصائصه الناسوتية. علاوة على ذلك، هذا العالم هو الأفضل نوعياً وجماعياً من بين العوالم الوجودية، ووجوده ضروري، لأن العوالم التجريدية خالية من الإرادة والاختيار ولا تتغير، والعالم الطبيعي وحده يحمل النمو والارتقاء الربوبي بأقصى درجاته.

لذلك، الخير الكثير والشر القليل خاص بالعالم المادي، والعوالم الأخرى تفتقر لهذه الخصائص، وهذا أمر ذو موقع عظيم. في الفساد ونواقص العالم الطبيعي لطف، وهذا اللطف يجعل الشر القليل لا يظهر أمام الخيرات. الله تعالى بناءً على علمه وحكمته اللامحدودين، وضع الشر القليل في العالم المادي والناسوطي لأجل الارتقاء والنمو الإنساني وغيره، بالإضافة إلى أن الشرور القليلة تخضع لحسابات دقيقة يمكن التنبؤ بها نسبياً، وهذا ما سيناقش مستقبلاً.

المنهج الفلسفي والتصوفي

هنا من المناسب ذكر منهجين: الفلسفي والتصوفي، اللذين يقدمان إقناعًا، رغم أن الكاتب لا يفضل طريقة مناقشتهما والمقدمات المتداولة لهما. الفلسفة ترى الشرور كعدم، وكل الموجود خير. الفلاسفة ينفون الشر بالذات ويقرون بالشر بالعرض.

في التصوف، خاصة في منظومة محي الدين بن عربي، العذاب مَرحَبٌ به ومُحَلّى، ويعتقدون أن العذاب الأخروي يصبح لذّةً وسروراً، وأن الحرمان والدّوزخ والعذاب ليسوا أبدين.

هذه الرؤية تقوّم بشكل إجمالي هنا، رغم رفض الكاتب لها لعدم توافقها مع النصوص القرآنية والروائية، وعدم وجود أدلة عقلية نقليّة قوية عليها.

الخير والشر عند الفلاسفة

يرى الفلاسفة الخير وجوديًّا، وكلّ الكمالات تتركز في الكمال الأول والثاني. الشر هو ضد الخير، إمّا عدم ذات الشيء أو عدم كماله.

الخير كله وجودي، والشر ليس وجوديًّا بالذات، بل عرضيًّا. الشرور كلها في المادة والطبيعة، وهي عناوين لجهات عدمية في الموجودات المادية، وبذلك يكون العالم كله خيراً، ولا وجود للشرور كوجودات مستقلة.

المؤلف لا يتفق مع هذا الرأي ويرى أنه مخالف للوجدان، وأنه يتجاهل وجود الشرور في الخارج، وأن الدلائل المقدمة غير كاملة. ويرى أن الشرور وجودية، وإن كانت عرضية، وأنها مظاهر لأسماء وصفات الله، مثل الرحمة والجبروت، والهداية والضلال، كلهم وجوديون، ولا حاجة لإيراد شريك لوجود الشر، لأن الله تعالى ليس واحدًا عدديًا، بل وحدةٌ في المرتبة التي تشمل الفاعلية لكل الخير والشر.

منظومة ابن عربي ومسألة لذة العذاب

في الثقافة الإسلامية، العذاب والحرمان والخلود ثابت لمن يستحقه، والخلود يعني الأبدية، وليس مجرد مدة طويلة.

ابن عربي ومن تبعوه يقولون: العذاب ليس دائمًا، ويصبح لذيذًا، وهذه رؤية غير مقبولة عند الكاتب، لأنها مخالفة للنصوص الشرعية.

خلاصة

العالم المادي ملئ بالخير والشر، والكوارث التي تكون بفعل الإنسان أو بدونه، تتحقق في هذا العالم الطبيعي وغير الطبيعي.

يتم لاحقاً نقد الأدلة والمشكلات التي يطرحها المنكرون بشكل مفصل.

أ – “عندما يُقال: إن الظواهر الكونية لها غاية كلية ونهائية أو تسير في مسار إلهي، المقصود من الغاية الكلية والمسار الإلهي هو الفعلية والقدرة على التحقيق لكل ظاهرة، التي تنتقل من حالة الإمكان والاستعداد إلى الفعل والوجود الحقيقي، ولا توجد ذرّة من الظواهر تعاني من أي مشكلة في تحقيق هذا الأمر.

جميع ذرات الكون، سواء كانت جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا أو إنسانًا، تتجاوز حالة الإمكان والاستعداد وتتجه نحو الفعلية، وتحول ظرف العدم إلى موجود. نسمي هذا الغاية الكلية والمسار الإلهي، وهو أمر موحد لجميع الظواهر، سواء كانت مؤمنة أو كافرة، صالحة أو فاسدة.

الصالح والطالح، جميعهم، يحولون إمكانات العدم الخاصة بهم إلى وجودات فعلية لاحقة، دون أن يحدث أي توقف أو انحراف في اتجاه تحقيق ذلك. هذا الأمر هو الغاية الابتدائية لجميع الظواهر التي سيبلغها الجميع بشكل متساوٍ.”

النقطة التي غفل عنها المعارض هي أن ما هو متساوٍ بين المؤمن والكافر، والطيب والشرير، والسعيد والشقي، هو أصل السير، بينما ما يختلف بينهم هو النتيجة وآثار هذا السير. لكل ذرة وظاهرة – الإرادية وغير الإرادية – مسارها الخاص، وموقعها الفريد، وهذا يحدد عالم الآخرة، ودولة الأبد، وسعادة وشقاء الأفراد.

الفصل التالي يتابع هذه الفكرة ويقول: إن المقصود بالغايــة هو الخير والسعادة المرغوبة.

هنا يظهر التمييز بين الخير والشر، وتنقسم الناس إلى سعيد وشقي، وكل ظاهرة من ظواهر العالم الطبيعي تُحاسب حسب خصائصها الوجودية، وتُهيئ نفسها مسبقًا للمرحلة الأخيرة.

كل الظواهر غير الإرادية بطبيعتها تمهد لأفعالها، دون أن يكون في انتظارها نهاية شريرة، والإنسان وحده هو صاحب الفكر والإرادة ويجب أن يجيب عن كل أفكاره واختياراته. إذا استخدم الإنسان فكره وإرادته في الطريق الصحيح، يصل إلى الخير والسعادة، وإذا لم يفعل ذلك، ينتظره الحرمان والعذاب.

كل الشرور والمصائب التي يراها الناس في الدنيا، إذا كانت بسبب تقصيرهم، فالمحاسبة والعقاب مناسبان لهم، وإذا كانت نتيجة قصور أو ضعف، فالعفو والصفح يشملهم، وإذا كانت خارج هذين النوعين، أي ليس لها علاقة مباشرة أو سبب علّي بالشر أو الضرر الذي أصابهم، فإنهم يُجازون. الإنسان في كل الحالات بعد فضل الله، الذي هو أساس واسع للجزاء والمكافأة، يقع في هذه الأمور.

لذا، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره).

كل خير وشر يُحاسب عليه يُرى أمام الجميع، ويُعرض لهم الحق كاملاً، ويرون بوضوح حرمان الظالمين وعقاب المحسنين، دون أن يكون هناك ظلم، فإن (ليس بظلام للعبيد).

العبيد هم الذين يظلمون أنفسهم، والحق لا يظلم أحدًا ولو قليلاً، فالآية “ظلام” جاءت لتبين أن الظلم حتى ولو كان قليلاً، فهو كثير جدًا مقارنة بالحق، ولا يصدر منه شيء غير عادل.”

ج ـ «استنادًا إلى مبادئ الدين، لا يمكن قبول السعادة الأبدية لجميع الناس، وهذا يثير تساؤلات متعددة تُختصر في النقاط التالية:

إذا كان مصير الجميع والغاية النهائية ربوبية وإلهية، فلماذا يُعاقب بعض المخلوقات بالعذاب الأبدي ويُدخَلون النار الدائمة؟!

النتيجة التي يستخلصها المنكر من معطياته هي عدم إمكانية قبول السعادة الأبدية لكل الناس وفقًا لمبادئ الدين، لكنه لا يتعمق في دراسة مفهوم السعادة الأبدية وتساؤلاته المتعلقة بها؛ في حين أن السعادة الأبدية هي «خَيْرٌ كثير» لا يُمنح بلا حساب لأي أحد، وتُقيّد مبادئ الدين وصول الإنسان إليها بشروط وأحكام، أقلها «الانتباه» والابتعاد عن «الغفلة».

السعادة الأبدية تختلف عن السير الأولي للمظاهر؛ فالسير الأولي في الوجود متساوٍ للجميع، ولكل نصيب مناسب، أما السعادة الأبدية فمرتبطة بالسير التصاعدي للإنسان وانتباهه ووعيه، وهو الحق المودَع في جميع الموجودات.

حينما يكون لطف الخير الكثير مصحوبًا بشر قليل، لا يمكن التهاون أو العناد أو زيادة الغفلة والالحاد، ثم السعي للسعادة الأبدية بتهاون، متجاهلين معيار كل فرد.

عالم الطبيعة والمسيرة الدنيوية تحمل صفاءً ولطفًا، فلا ينبغي تجاهل ذلك بتهاون أو غفلة. يجب أن نعلم أن «الجدار هو الذي ينكسر رأسه»، لا أن حجرًا يسقط من الجدار ويصيب الرأس، بل الجدار نفسه هو الذي ينكسر.

من هذا الشرح يمكن متابعة التساؤلات اللاحقة وفهم كيف وقع المدعي في الغفلة والالحاد.

الغاية الربوبية حينما تصاحبها غفلة وعناد الخلق تؤدي إلى الحرمان الأبدي والنار الدائمة، بناءً على تحويل الخير الكثير إلى شر قليل، وهذا يثبت لطف وجمال الخلق ودقة وتعقيد نظام الطبيعة، بحيث لا يكون النوم واليقظة، أو الغفلة والوعي متساويين، وكل حقيقة تترك أثرها الخاص.

د ـ «لا يمكن اعتبار الحرمان سعادة، ولا يمكن تحميل المبدع الفاعل تقصيرًا أو نقصًا».

مع أن الحرمان لا يُعتبر سعادة، إلا أن ذلك لا يثبت تقصيرًا في المبدع الفاعل؛ لأنه خلق مخلوقًا بديعًا مزج الخير الكثير بشر قليل، وفتح في الإنسان مجال الفكر والإرادة ليميز بين الحق والباطل، ولا يسمح له أن يلقي بنفسه في هاوية المادة والظلمات.

فإن كان هناك تقصير، فهو في جانب الخلق، والإنسان عليه أن يحذر من الشرور التي قد تجرّه وتحرمّه من السعادة، لأن التقصير والنقص من جهل وضعف، وهذه الصفات لا تنسب إلى الحق تعالى الذي هو علم وقدرة مطلقة، لا يصاحبها نقص أو ضعف.

هـ ـ «ما هذه الغاية والنظام الخيري الذي يوقع خلقه في الحرمان الأبدي والمصير الشؤم؟»

الغاية والنهاية البسيطة ترافق كل ذرة، ولا يبقى أحد في الطريق، فجميع الخلق، خيرهم وشرهم، يبلغون منزلتهم الأبدية. فلا يوجد من هو غير ناضج أو واقف في الطريق أو واقع في طبيعة الأرض.

لذا لا يصح القول: ما هذه الغاية؟! فالغاية مناسبة، فالغفلة تسبب الضياع، والنسيم يُسعد القلوب.

هذا هو النظام الخيري والنظام الأحسن والمنظّم الحكيم واللطيف، الذي مزج الخير الكثير بالشر القليل، والسبب هو سوء خلق الإرادة التي تحقق الحرمان الأبدي.

المسافة بين السعادة والشقاوة بعيدة وقريبة، بعيدة لأن الخير كثير، وقريبة لأن الشر قليل ينتظر الإنسان.

لذا فهذه الزوايا من سوء الخلق ونقاط الضعف الإرادية تفضي إلى مصير شؤم، وتحوّل النقاء إلى سوء في النهاية.

الحقيقة أن كل ظواهر العالم ليست متساوية، فبين الذرة والأخرى وادٍ من الفرق، وكل حركة مصحوبة بصعود وهبوط، وهذا نظام بديع وصنع أحسن.

كل فعل حق متعمد ولا يتسامح في الغفلة أو السهو، والإنسان قد يرتكب عمدًا أو غير عمد أو بسهو وغفلة.

أفعال الحق كلها بعمده، ولا يعجزه شيء، لأنه قادر مطلق، وليس فيه مجال للنقص أو العجز.

وإن كانت قدرته أزلية، فإن حكمته في الخلق تفتح المجال لإرادة الإنسان واختياره، وهذا سر البديعة وبهجة الوجود.

فالخلق عمدي، ونظام منظّم ومدروس، وليس فيه ما هو مكروه أو بعيد عن الخير.

وهذه البديعة يجب أن يدركها الإنسان ويغمر نفسه في نور الوجود، ولا يغرق في الشقاء والحرمان الأبدي، بل يواكب الدنيا الإرادية بالانتباه الصحيح والتأمل الإلهي والمعرفة التوحيدية، ويسلم نفسه للحق ويبتعد عن الباطل.

لذلك فإن القول بأن:

«كل هذه الظواهر — التي هي حقائق محسوسة — تدل على عدم وجود مدبّر حكيم وخير واجب الوجود خارجي»،

قول لا أساس له، إذ كل الأدلة الحسية والعلمية تدل على مدبر عليم قادر حكيم، وفهمه يحقق السعادة.

وبانتباه حر وإدراك سليم ونفس خالية من الحسد والعناد، يمكن مشاهدة الصنع البديع والنظام الكامل والنظام الأحسن، ومن خلال ذلك يمكن الكشف عن العيوب وتصحيحها، وتيسير المشاكل الخلقية، وتنقية القلب من الأدران.

كيفية الجزاء

يَطرح السؤال هنا: إذا كان كل العوامل العددية والأساسية تدخل في تحقق فعل كلٍّ من الأفراد، ولا يُنظر إلى أي إنسان أو فعله كفعل مباشر مستقل دون تسبّب، فكيف يُحتسب جزاء الأفعال للأفراد بصورة مستقلة؟

كما يدلّ على ذلك قوله تعالى:
(اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)[32].

في الجواب، نقول: لا يوجد فعل مستقل مباشر بمنأى عن التسبب إطلاقًا، ولا يتعارض عنوان (اقرأ كتابك) مع هذا المعنى، ولا تتناقض الفردية مع التسبب الجمعي. حساب كل فرد في تحقق فعله هو نسبي وتبعي وعام، كما يقول الحق سبحانه في الآية الكريمة:
(يومئذٍ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم)[33].

فالتجميع الجماعي للناس لرؤية أعمالهم وتحقيقها هو في سياق الظواهر وعلاقاتهم مع بعضهم البعض وتسببهم المتبادل، لأن أساس العدل الإلهي هو فعل الأفعال وجزاء العباد بطريقة تسببية، مباشرة، ومشتركة، ولا توجد عملية منفصلة ومستقلة في الخارج تستدعي حسابًا فرديًا مستقلاً؛ إذ إن أفعال الإنسان تتأثر بالظروف الوراثية والبيئية والعديد من الحيثيات الأخرى التي لا تسمح بتحقق استقلالي تام.

بعبارة أخرى، يظهر فعل الإنسان في الدنيا بمظهر مباشر أكثر منه تسببيًا، وإن كان يمكن تمييزه في ظرف المباشرة، إلا أن من منظور الحقيقة، وفي ظرف الجزاء والمكافأة والهوية الظاهرية والمظاهرية، فإن أفعال الإنسان وأثرها وصفاتها وعواملها المختلفة في الدنيا وخاصة في الآخرة تتخذ مظهرًا تسببيًا أكثر، والمباشرة تتسم بنمط أقل وضوحًا.

لذلك، فإن آثار أفعال الإنسان الوضعية في الدنيا أو جزاؤها الأخروي تُحتسب بمعيار تسببي أكثر، ورغم أن الاتجاه التسببي للأعمال يحمل أولوية على الاتجاه الصوري والالتزامي أو العناوين العقلائية، إلا أن المعايير المباشرة لها قوة وظهور أكبر.

عندما يُنظر إلى معيار الجزاء الأخروي ويصدر الحق بين العباد:
(إن الله قد حكم بين العباد)[34]، يكون الحساب بالأفعال بشكل مشترك، ويُؤخذ بعين الاعتبار الفاعل المباشر والتسبب وجميع العوامل العددية والأساسية — من النفس إلى الشيطان ومن الحق إلى الخلق —، ولا يمكن تحقيق مثل هذا الحساب للوصول إلى عمل من ذرّة واحدة في الظواهر إلا من عند الله تعالى، إذ أن إدراك العقل البشري لا يفي بذلك.

الله وحده هو الذي يحاسب جميع العباد والظواهر الإرادية وغير الإرادية — من الحيوان والإنسان إلى غيرهما من الظواهر والذرات والأجسام والنباتات — بهذا الشكل، ويحقق قوله تعالى:
(فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره)[35]، ويحسب أفعال كل ذرّة، التي لا تتعلق بـ”أنا” و”ما” مع أن جميع الظواهر تنطبق عليها “أنا”، ويُظهر ثمرات وأثار الأعمال للجميع، فيدرك كلٌّ عمله وخصوصيته الفردية والنوعية ويكتشف هويته وهويات الآخرين؛ في حين أنه في الدنيا لا يمكن لأي محكمة أن تعرض أو تنفذ مثل هذا النوع من المحاسبة حتى ولو بصورة ناقصة.

المحاكم البشرية، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، تحكم في نطاق القرب المباشر والتسبب، وبالطبع مع آلاف الأخطاء والسلبيات التي هي من طبيعة عالم الكثرة والحال والنفوس، ولا مفرّ منها. لذلك، كل الأحكام القضائية في المحاكم العادية والشرعية تكون بحكم ظاهر وصوري، ويكون اعتبارها في الدنيا فقط، وتفقد قيمتها القانونية مع ظهور الحقائق الخفية. وفي الآخرة، تُراجع جميع الأحكام الصادرة من المحاكم والأفراد من قبل الله تعالى، وتُستعاد الحقوق بالكامل.

أي حكم أو علاقة أو استيفاء حقوق في الدنيا هو حكم مؤقت قابل للمراجعة النهائية، حيث يُعاد النظر والتصحيح، تمامًا كما في حالة القروض التي تُصرف قبل استيفاء كامل الحقوق ويتم التسوية بعد انتهاء المدة.

النتيجة والتوصية

من كل ما تقدم، نستنتج أنه لا ينبغي أن يُفهم نظام الخلق بمنظور محدود سطحي أو ينكر بلا تفكير بأدوات الإلحاد والعناد. كما لا ينبغي أن يُحصر الوجود في العوالم المادية والدنيا الطبيعية فقط، فالنظام الكوني أعقد مما نتصور، ووجود العوالم أوسع من عالم الناسوت الذي نعيشه.

يجب أن نعلم أن عالم الناسوت المباشر، المليء بالوعي والجمال، هو من خلق الفاعل الواجبي والوجود الربوبي، الذي يُجدد الوجود في كل لحظة ويأخذ حقوق جميع الكائنات في جميع الظروف، ويشمل الوجود بامتنانه وعطاياه الربوبية، وهو حامي عباده، وبنى نظام الطبيعة وأحسن تكوينه على أساس الشورى، والوعي، والحكمة، والعدل، والإحسان.

بناءً على ذلك، يجب اليقظة والابتعاد عن الغفلة والعناد، وعدم تبديد السعادة الأبدية بالانحراف في حياة ملوثة بالذنوب. يجب ألا نحتجز أنفسنا في عالم الناسوت والمادة المليئة بالغفلة واللوثة، بل يجب أن نسلك طريق الوعي والطهارة ونمضي بخطى ثابتة نحو السعادة الأبدية.

النشوء والهبوط في الطبيعة

ما تمَّ ذكره باختصار حول أشكال المطالب، كان بلغة الشوق والحب، وهو قصة الوجود التي تتشكل بصمتٍ وبوضوح. والآن يتابع هذا الأمر بمنهج برهاني ليكون أكثر وضوحًا.

بالطبع، العالم الدنيوي والكون المادي نظامٌ متحركٌ ومتغير، ولا يتحقق الوجود المادي أبدًا بدون حركة وسير في الطبيعة، وإذا فرضنا مستحيلًا أن تُنتزع الحركة الطبيعية من الوجود الدنيوي، لا يبقى منه سوى وجودٍ ميت؛ لذلك، الطبيعة وحداثتها وإنتاجها وبقاء نوعها وفردها تعتمد على هذا السير والحركة.

تحقق الحركة والصفات والعناوين الأخرى مرتبطٌ بالصراع، والتناقض، والتعارض، والمنافسة، والتساقط، والصراع، والنشوء والهبوط، والموت والحياة، ولا يمكن تصور الوجود المادي أو ظهوره بعيدًا عن هذه الأوصاف. والنتيجة النهائية، الثمرة الرئيسة، الغاية الحقيقية من السير والحركة والنشوء والهبوط في الطبيعة، ليست سوى تحقق البقاء الأبدي والوصول الدائم إلى حضرة البقاء ـ وهي نهاية السير وقرب جميع الظواهر.

النتيجة هي: حقيقة الطبيعة المادية وغايتها النهائية تختصر في ثلاثة مبادئ: “السير والحركة”، “النشوء والهبوط”، و”تحقيق الأبديّة”. والطبيعة والإنسان والكون، بعيدًا عن التضييقات الخاطئة، جميلة وممتعة، ويجب اعتبارها تجلِّي العلم والحكمة واللطف والدقة الإلهية، وحماية القلب والنفس من كل اضطراب ونقص.

المشكلة العاطفية

ما يزعج المنكرين والعقول الساذجة ويجعلهم يغرقون في انحراف ونقص وانحطاط، هو أمر عاطفي فقط. هؤلاء يرون، وسط كل هذه الجمالات وعلى كل شلالات اللطف والوجود، الألم والمعاناة والظلم والاضطهاد للأفراد والظواهر، ويكبرونها دون أن يسترجعوا سياقاتها وعلاقاتها، ولا يرون كل الذرات والظواهر والأفراد في دائرة واسعة وسير عظيم من الأزل إلى الأبد.

لذلك، لتصحيح الفكر وصلابة العقل ونقاء الذهن، يجب رؤية جميع الميادين الأزلية والأبدية للوجود في كل ذرة من الظواهر، والإدراك أن لا ذرة تُحاسب بدون حساب ولا فرد بدون أبدية، ولا شيء يُفقد أو يُنقص؛ سواء كانت في أمور لها جوانب إرادية أو طبيعية، أو في إطار العقاب أو الابتلاء أو الكرامة والرفع. في كل حال، لكل صحة أو نقص أو إخفاق أو خلل حسابه ونهايته الخاصة.

لذا، كلٌّ يلقى ما صنع؛ سواء كان خيرًا أو شرًا، فهو يصنعه لنفسه. إذا ظلم، يجد القسوة والشقاء، وإذا تعرض للظلم ولم يردع أو يقاوم، يجد عبرات جديدة وسعادة أبدية. التقصير والكسل لهما نتائج وأحوال خاصة، وليس صحيحًا أن هناك ألمًا لا علاج له أو هجرًا لا نهاية له.

يجب أن يُفهم جيدًا أنه في النهاية، لا يبقى تردد ولا حيرة، ودنيا الجميع هي مرحلة مؤقتة واضحة في مسار الأبديّة والآخرة؛ دون أن يبقى أحد في الطريق أو تتخذ الاضطرابات الدنيوية شكلاً كاملاً صحيحًا، دون أن يظهر لهم الراحة الأبدية أو الحرمان.

الإنسان وحده هو الذي يجب أن يجد صفاء القلب وينقي فكره، ويدرك أن الراحة والسعادة مرتبطة بالمعرفة والإيمان والعمل الصالح.

وإنما المؤمن والموحد فقط هو الذي يستطيع أن يرى جمال الطبيعة بسهولة، ويجد في وسط كل شقوق النقص خاصية حقيقية، والآخرون بحسب مدى معرفتهم وإيمانهم وأعمالهم الصالحة يمكنهم التناغم مع هذه الجمالات. أما الغافل الضال والمعاند المنقطع عن الحق، فلا يجد أبدًا طبيعة سليمة ليحصل على الخير.

اللطف والصفاء

بعد العرض الروحاني والدليل الفلسفي، يمكن فهم أن العالم المادي والنظام الكوني الموجود ـ الذي هو وجه الخير الكثير مع شر قليل وهو مهيء للأبديّة ـ يتمتع برقة وجمال وكمال وانسجام، وخالٍ من كل عيب ونقص، ومليء باللطف والصفاء.

النظام الجزئي في العالم الدنيوي محسوس وجذاب، ونظامه الكلي أبهر فكر وقلب كل عاقل وعارف. حرمانه حكمة، وسعادته صفاء. خطر الدنيا دقة، والذبح قربان ووصل، ومع هذا لا مكان لكلمات القسوة والهلاك والدمار. صراع الدنيا إنتاج، وأخذها وتمزيقها وعضّها وأكلها وصول، والموت لقاء أبدي، رغم أن هذا الوصول ليس بعيدًا عن الألم والمعاناة والموت والحرمان.

النشوء والصراع المستمر للظواهر

“عملية نمو الظواهر، ساحة صراع دائم وميدان ألم وموت مستمر، لأن وجودها مرتبط بصراع البقاء عبر نفى الآخر. ولكلٍّ من أجل حياته المحدودة يجب أن يدمر العديد من القريبين، وقد يتطلب الأمر أحيانًا التضحية بحياة أبويه أو أبنائه.”

وبالإضافة إلى ذلك، بعض الأنواع تنقرض نتيجة هذه الحقيقة، ويتجاوز الأمر التهام الفرد، إذ يضحى نوع من أجل بقاء نوع آخر، وأحيانًا الضعف النوعي يؤدي إلى انقراضه.

النمو هو ساحة نزاع دائم، لكنه ليس ألمًا وموتًا دائمين، بل ألمه حلو ومماته حياة وتجدد.

صراع البقاء في الدنيا هو تصالح الحياة وحب الوصول الأبدي الذي يغمر الطبيعة، ورغم أن حياة فئة وموت أخرى ظاهرًا مرتبطان، إلا أنه لا يوجد هلاك أو دمار، بل حياة متجددة وبقاء أبدي.

الرفض والقلق

“كل فرد لا محالة يموت؛ والموت غالبًا ما يكون مصحوبًا بعذاب وألم مباشر ناتج عن الحرمان الطبيعي وغير الطبيعي. لا يمر يوم أو ساعة من عمر الدنيا إلا ويعاني ملايين الأفراد من الألم والحرمان، ويموت كثير منهم، دون ضمان بقاء فردي.”

لا أحد له ضمان أو أمان لمستقبله، ويؤرق القلق من احتمال الموت والتلاشي تفكير الإنسان وباطن كل كائن.

هذا هو ما يشغل تفكير المنكرين والملحدين ويزعجهم، بينما المؤمنون وأهل الدين لا يشعرون بهذا القلق والرعب، ويعيشون دنياهم بطمأنينة وسكينة ونشاط.

المؤمن في مأمن إيمانه وتحت ظل ربه يعيش بطمأنينة وسهولة، ولا يدخل إليه الحزن والهلاك ولا يزرع هذه المفاهيم في نفسه.

استنتاج المؤمن والكافر من نظام الوجود

في المجمل، كل ما ورد هو من خصائص الكفر والالحاد والعداوة، وأهل الإيمان بعيدون عنها، ولا يرون الوجود بهذه النظرة.

الكافر والملحد يظنان الموت هلاكًا، ويرونه مصحوبًا بالعذاب والألم والحرمان، والحزن على الهلاك يغمر حياتهم المادية بالظلام. بينما المؤمن يرى الموت وصولًا والسعادة الأبدية، ولا يشعر بالحزن عليه، بل يذكره بسرور.

الادعاء بأن ملايين الأفراد يعانون الألم والحرمان والموت دون ضمان بقاء فردي، هو فكرة القلق الداخلي لدى الكافرين والملحدين الذين يرون الوجود بهذه النظرة، ويعتقدون أن كل الكائنات مثلهم.

كما يُقال: “النملة التي يغمرها الماء تظن أن الدنيا كلها قد غمرت بالماء”، وهم لا يعلمون أن الدنيا باقية وهم فقط في الماء الضائع.

المؤمن لا يشعر بالحزن على العدم، ولا يزرع الهمّ حول الوجود، ويقبل الحياة بثقة، ولا يرى الدنيا نهاية طريقه، بل في هذا العالم الطبيعي يحقق خلوده ويتعلق به.

المؤمن يرى الحياة حلوة، والشر والألم والفراق يراه خيرًا، وفي كل الأحوال متعلق بالحق، يرى الله معبوده ومراده النهائي.

البَأْسُ بِالاضْمِحْلَالِ وَ التَّفَكُّرُ فِي الهَلاَكِ يُثْبِطُ الكَافِرَ وَ المُنْكِرَ، وَ يُمْرِرُ حَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَيْهِم مُرَّةً وَ مُؤْلِمَةً؛ فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَسْتَقِلُّ عَنْ كُلِّ كَلِمَاتِ الجَفَاءِ، وَ يُحْيِي فِي نَفْسِهِ شَوْقَ الحُبِّ الأَبَدِيِّ وَ العَتِيقِ، فَيَجِدُ نَفْسَهُ وَ قَلْبَهُ مُطَهَّرَيْنِ وَ مُنْعَشَيْنِ، وَ مَسْرُورَيْنِ مَعَ وُجُودِ الوُجُوبِ وَ البَقَاءِ الدَّائِمِ، مَسْرُورًا وَ ذَوَاقًا لِحَلَاوَةِ الحَيَاةِ.

فَالحَقِيقَةُ فِي الوُجُودِ وَ الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ وَ الأَبَدِ وَ السَّعَادَةِ وَ الخَيْرِ هِيَ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَ الفَهَامَاتُ الغَيْرُ مَسْنُودَةِ وَ المُنْكِرَةُ أُمُورٌ أُخْرَى لا يَجِبُ أَنْ تُخْلَطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ، بَلْ يَجِبُ فَصْلُ الحُدُودِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَ الخَطَإِ، وَ تَخْلِيَةُ القَلْبِ لِلصَّحِيحِ دُونَ تَلَوُّثٍ أَوْ عَكَارَةٍ فِي نَفْسِيَّتِهِ وَ مَصْدَرِ وُجُودِهِ.

البَقَاءُ المَحْدُودُ وَ الهَلاَكُ الضَّعِيفُ

“المَوْتُ وَ الهَلاَكُ، بِشَكْلٍ كَامِلٍ، يَخْتَطِفُ ضُعَفَاءَ وَ مَحْرُومِينَ، وَرَغْمَ أَنَّ القُدْرَةَ وَ البَقَاءَ لِلأَفْرَادِ القَوِيِّينَ مَحْدُودَانِ، فَالأَلَمُ وَ المَصَابُ وَ المَوْتُ وَ الهَلاَكُ وَ غَيْرُهَا مِنَ الظُّرُوفِ السَّيِّئَةِ هِيَ خَاصَّةٌ بِالأَفْرَادِ الضُّعَفَاءِ وَ العَاجِزِينَ. وَالطَّبِيعَةُ الخَائِنَةُ، كَالسَّيِّدِ الظَّالِمِ، تَغْتَالُ الضُّعَفَاءَ، فَتَقْتُلُ مِلْيُونَاتٍ كُلَّ لَحْظَةٍ بِقَسْوَةٍ وَ بَرْدِ قَلْبٍ.

كَأَنَّ جَمِيعَ المُتَجَبِّرِينَ وَ الظَّالِمِينَ فِي الكَوْنِ هُمْ وَجُوهُ الطَّبِيعَةِ القَسِيَّةِ، الَّتِي تَفْصِلُ عَنِ الْخَلِيقَةِ بِسَبْعَةِ أَسْلِحَةِ: الحِيلَةِ وَ الكِبْرِ وَ الشَّرِّ وَ القَذَارَةِ وَ الغُرُورِ وَ الرَّذَالَةِ وَ الأَنَانِيَّةِ، وَ تَغْمِرُهُمْ بِالمَاءِ وَ النَّارِ وَ الدُّخَانِ وَ الأَلَمِ وَ الحَسْرَةِ وَ المَوْتِ وَ الحِرْمَانِ، وَتَمُرُّ عَلَيْهِم بِلا مَخَافَةٍ وَ بِسُهُولَةٍ. وَكَأَنَّ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ الخَائِنَةَ تَعْتَبِرُ كُلَّ الهَلاَكِ شَيْئًا عَادِيًّا، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَقِفُ لِدُعَائِهَا المُخْلِصِ، وَتَغَنِّي لَهَا بِفَرَحٍ وَ تَتَنَاوَلُ لِبَاسًا جَدِيدًا، وَتَسْكُنُ فِي قَلْبِ العَدَمِ بِرَاحَةٍ.”

القُوَّةُ وَ الطَّاقَةُ بِنَفْسِهَا مَحْبُوبَةٌ، وَتُشَكِّلُ جِسْمَ كُلِّ ظَاهِرَةٍ، وَتَحْمِيَهَا مِنَ الحَوَادِثِ، وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ بَقَاءَ كُلِّ ظَاهِرَةٍ يَعْتَمِدُ عَلَى قُوَّتِهَا وَ طَاقَتِهَا، وَالمَوْتُ وَ الهَلاَكُ يَأْخُذُ ضُعَفَاءَ وَ مَحْرُومِينَ. وَهَذَا يُظْهِرُ جَمَالَ وَ نِظَامَ هَذِهِ الكَوْنِيَّةِ.

وَيَجِبُ أَنْ نَذْكُرَ نُقْطَتَيْنِ:

أ) بَعْدَ نِهَايَةِ العُمْرِ الدُّنْيَوِيِّ، لَا تَنْقَطِعُ ظَاهِرَةُ الظَّاهِرَاتِ، وَكُلُّ خَيْرٍ وَ شَرٍّ وَ جَمَالٍ وَ قُبْحٍ يَبْقَى مَعَهَا.

ب) أَنَّ القُوَّةَ وَ الضَّعْفَ هُمَا أَسَاسُ البَقَاءِ وَ المَوْتِ لِلظَّاهِرَاتِ، وَمُخْتَلِفٌ عَنْ أَنَّ كُلَّ ظَاهِرَةٍ مِنَ الوُجُودِ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ تُحَاسَبُ وَ تَنَالُ جَزَاءَ أَعْمَالِهَا، وَعِنْدَ الإِنْسَانِ يَكُونُ ذَلِكَ بَوُضُوحٍ وَ إِدْرَاكٍ.

فَالْقَوْلُ: “الأَلَمُ وَ المَصَابُ وَ المَوْتُ وَ الهَلاَكُ لِلضُّعَفَاءِ وَ العَاجِزِينَ فَقَطْ”، هُوَ أَمَلٌ يَحْثُّ عَلَى السَّعْيِ وَ الذَّكَاءِ لِتَنْظِيمِ الحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَتَجَنُّبِ الضَّعْفِ وَ الهَلَاكِ.

فَلا يَجِبُ أَنْ نُسَمِّيَ الطَّبِيعَةَ الجَمِيلَةَ، الَّتِي تُحَافِظُ عَلَى جَدِيدِ الوُجُودِ وَ تَرْبِطُ الظَّاهِرَاتِ بِالبَقَاءِ الأبَدِيِّ، خَائِنَةً أَوْ ظَالِمَةً، بَلْ هِيَ جَمَالُ الطَّبِيعَةِ الَّتِي تَبْعِدُ الظَّاهِرَاتِ عَنِ القِدَمِ وَ الضَّعْفِ، وَتُشَجِّعُ نَمُوَّ الحَيَاةِ فِي التَّحَوُّلِ الدُّنْيَوِيِّ.

وَمَا يَبْقَى هُوَ العُدْوَانُ وَ الظُّلْمُ الَّذِي يَتَفَرَّقُ فِي الطَّبِيعَةِ بَيْنَ الفِرَقِ، وَهُوَ أَيْضًا يُحَاسَبُ فِي البَرْزَخِ وَ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَا يُتْرَكُ شَيْءٌ مِنَ الظُّلْمِ وَ الظُّلْمِ بِدُونِ حِسَابٍ.

وَيُعْتَبَرُ الخَيْرُ الكَثِيرُ فِي المُقَابِلِ مَعَ الشَّرِّ القَلِيلِ — وَهُوَ مَظْهَرُ الطَّبِيعَةِ — تَبرِيرًا لِكُلِّ العُدْوانِ وَ الظُّلْمِ، دُونَ أَنْ يُنْقَضَ جَمَالُ الطَّبِيعَةِ وَ خَلْقُهَا الحَسَنُ.

فَإِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ مِنَ العَدْلِ وَ الحِكْمَةِ وَ الفَهْمِ تُوَجَّهُ وَ تُفْهَمُ بِعَقْلٍ وَ وَعْيٍ، وَالدُّنْيَا لَيْسَتْ نِهَايَةَ ظَاهِرَاتِ الوُجُودِ، وَالآخِرَةُ مَأْوَى البَقَاءِ الأبَدِيِّ، وَتَجْدِيدُ الطَّبِيعَةِ مَعَ قَلَّةِ الشَّرِّ هُوَ مَا يُوَجِّهُ كُلَّ الفِعْلِيَّاتِ.

الجَمَالُ وَ الحُسْنُ

هَذَا هُوَ جَمَالُ الطَّبِيعَةِ، الَّذِي بِرَغْمِ الكُلِّ مِنَ السَّلْبِ وَ الغَارِمَاتِ وَ العُدْوَانِ وَ الهَلاَكِ، يَبْقَى دَائِمًا جَدِيدًا وَ نَشِيطًا وَ مُزْدَهِرًا، وَلا يَقْبَلُ أَنْ يَقْصُرَ عَنِ الحَيَاةِ وَ الجَدَةِ، وَيَثْبُتُ وَ يَصْبِرُ عَلَى المَوْتِ وَ التَّحَوُّلِ، وَيُحَافِظُ عَلَى مَقَامِهِ الطَّبِيعِيِّ، كَأَنَّ الوُجُودَ دَائِمٌ وَ الظَّاهِرَاتُ الطَّبِيعِيَّةُ مُتَشَابِهَةٌ وَ مُسْتَقِرَّةٌ.

وَمِنَ المَهَمِّ أَيْضًا فِي مَوْضُوعِ السَّعَادَةِ الأبَدِيَّةِ هُوَ مَسْأَلَةُ “الشُّرُورِ وَ الآفَاتِ”، فَالشُّرُورُ وَ الآفَاتُ فِي العَالَمِ الطَّبِيعِيِّ حَقِيقَةٌ وَ ظَاهِرَةٌ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا أَوْ تَأْوِيلُهَا بَسُهُولَةٍ. وَهِيَ مَوْجُودَةٌ كَالخَيْرَاتِ، وَحَقِيقِيَّةٌ، وَلَوْ أَنَّهَا تُؤَلِّمُ وَ تُذِلُّ أَبْدًا وَ تَضْطَرِبُ، فَهِيَ مِنْ عَادَاتِ الوُجُودِ وَ النَّظَامِ.

فَهَذِهِ القَضِيَّةُ لَا تُنَافِي السَّعَادَةَ وَ البَقَاءَ، بَلْ تَكْمُلُهَا وَ تَثْبُتُهَا. وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ فَهْمُهَا بِتَرَتِيبٍ وَ حِكْمَةٍ.

الأمر الأول: الوجود والظهور

جميع الظواهر هي تجليات للوجود والكيان، والعدم هو مفهوم مجرد ذهني فقط.
الوجود الحق تعالى هو الوجوب والسبب في وجود الموجودات، فجميع الظواهر تجليات وجوبية للوجود الإلهي ولا وجود إلا لله.
بناءً على ذلك، لا شيء من الظواهر عَدَم، بل كلها تجليات فعلية لأسماء وصفات الله تعالى، التي هي في ذاتها عين الذات الربوبية، ولكنها محددة وجوبيًا وربوبيًا. مظاهر هذه الصفات من مجردات عقلية ونفسية إلى عالم المثال والطبيعة.

جميع تجليات الحق الفعلية، رغم تفعيلها في ظهور الخلق، هي موجودة في دائرة العلم والقدرة والإرادة والمشيئة الإلهية، وهي مستقلة في الوجود ومحددة في الظهور بخصوصية وجود الحق.

الأمر الثاني: الاقتضاء والعلية

من الضروري التنبيه إلى أن مصطلح «العلية» لا ينبغي أن يُخلط مع «الاقتضاء».
ما يُؤَصِّل ظهور الإنسان هو الاقتضاء لا العلية أو الجبر.
الله تعالى أراد أن تكون جميع مظاهر ذاته غير الإنسان ظهورًا جبليًا، وظهور الإنسان اختيارًا.
لذلك، اختيار الإنسان هو ظهور لإرادة الله وإرادة العبد الفعلية.
لا تفويض هنا ولا جبر، بل كل مرتبة ظهورها اقتضائي، والاقتضاء هو الظهور الربوبي ووجه الاختيار والإرادة عند العباد.

الأمر الثالث: محاسبة العباد

محاسبة العباد تتم على هذا النحو، فجميع الظواهر والأسباب تتحقق لكل إنسان بشكل مشاع، وكل فرد يدرك ما هو في دائرة اختياره الظاهري، وبقية الأمور التي هي في دائرة السبب الوجوبي تقع على أصحاب الأسباب.
من الحق تعالى إلى المخلوق، من النطفة إلى الطفل، من الأب إلى الأم، ومن البيئة إلى المعلم، جميعهم مسؤولون عن ظهورات الأسباب المباشرة والغير مباشرة.

جميع درجات الاقتضاء والعلية قائمة على الحكمة، والاقتضاء يفضي إلى الوجود والعلية تدفع إلى إدراك ظهور الحق والعبد.

الأمر الرابع: النظام الأحسن

نظام الخلق هو النظام الأحسن، وله وصف الجمال الشامل والفردي.
النظام الأحسن يستلزم وجود أهل الشقاء، وليسوا من الأشخاص المحددين سلفًا، بل الشخصية الوجودية للأفراد هي التي تحدد علّيتهم والظهور الاختياري لهم يلعب دورًا بارزًا في تفعيل الوجود.
الله تعالى أراد الإنسان أن يكون صاحب إرادة واختيار، وهذه الإرادة تكون قائمة على الأسباب العقلية والنفسية، لكي يلعب الإنسان دورًا في تحقُّق مصيره.
بسبب ذلك، يصير بعض الناس في مرتبة ظهوراتهم الفعلية أهل شقاء وحرمان أبدي.

الجمال هنا، بالإضافة إلى كونه وصفًا عامًا للنظام الطبيعي، هو وصف فردي لكل جزء من أجزاء الطبيعة والإنسان.
أهل الشقاء أيضًا لهم وصف الجمال، لأن طبيعة الإنسان والظهور الاختياري للإرادة يستلزمان هذا.
الإنسان يظهر قدراته من خلال نشاطه واختياره، بدون إهمال أو جبر.

خصائص الاقتضاء

قد يحدث أن من هو مستعد للشقاء يقع في السعادة، ومن هو مستعد للسعادة يقع في الشقاء، وقد تتغير مراتبهما.
كما في دعاء إبراهيم عليه السلام:
(واجعلني من ورثة جنّة النعيم)
أي الله اجعلني من ورثة أهل النعيم، وليس من المنتكسين منهم.

الاقتضاء وحده لا يسبب العلية، والاستعداد لا يؤدي بالضرورة إلى العلية.
عدم الاختلاف في النتائج يكون جبرًا، والإمكان في الاختلاف يُمهِّد للاقتضاء.
لذا لا يجوز تجاهل التمييز بين الاقتضاء والعلية.

أهل الشقاء لهم دور فعلي واضح في حرمانهم الأبدي، وهذا يتفق مع الحكمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره.

نقد المثال والممثل

لا يصح القول بأن الأرض مخصصة دائمًا لمكان معين مثل المِخْمَرة أو المسجد، فالتناسب والاقتضاء مختلف عن الضرورة والحتمية.
ما يحتاجه المنزل من مِرافق ضروري، لكن تخطيطه يمكن أن يتغير. الأرض تحتمل البناء والهدم، فلا تبقى على شكل واحد دائمًا.
هذا الأمر ينطبق على الممثل أيضًا، فالإنسان له وجوه كثيرة وسلاسل متجددة من التجليات، ويصمم مصيره بنفسه مع إرادة صلبة وبدون جبر أو إهمال.

قول الله تعالى: (ليس بظلام للعبيد) صحيح بلا تأويل، ولا يتعارض مع وصف إضلال الله، لأن مقام الإضلال مقام القدرة، ومقام العدل والرحمة مقام الفعل، وتحقيق العبد لا يتعارض مع ظهور الحق.

العالم النفسي والاختيار

الشكّ في قبول التوحيد الفاعلي فقط دون تفسير غائي لا يصح، فلكل فرد جزاءه وعقابه العملي.
لا يُحاسَب أحد على استعداداته فقط، بل على ما يظهر من أفعال، والعالم النفسي مجال للقيام بالاختيارات.
كل شيء من الحق إلى المخلوق يرتكز على الحكمة ويُظهر نظام الأحسن، والاختيار الفعلي للإنسان يدفعه نحو نتائج أفعاله.

الإنسان والاختيار

الإنسان مختار وله قدرة، وهذا ممكن رغم محدودية علمه وقدرته، لأن الاختيار مرتبط بعلمه وقدرته الفعلية.
الاختيار متناسب مع إمكانيات الإنسان، ولا يكون مضطهدًا لجبر.
المسؤولية والجزاء على ما في دائرة إمكانيات الإنسان.
الحرمان الأبدي أيضًا قائم على هذا الأساس، وليس جبرًا قسريًا، بل حرية اختيار حقيقية تظهر في نظام الأحسن.

نفي مبدأ الفاعل

«مما يستفاد من جميع الأفكار السابقة أنّ مبدأ فاعل خاص وخير ووجب الوجود غير موجود، وأنّ الطبيعة نفسها تسير سيرًا جزئيًا ونظامًا نسبيًا مع كلّ المشكلات والنقائص التي تتخلّلها، وأنّ الفاعلين الجزئيين، كلّ حسب قدرته، يسعون لتذليل الطريق أمام أنفسهم. إنّ هذه الطبيعة الخادعة هي التي تُعدّ الهلاك للجميع، وتظهر بطبعها الحاقد، وتجعل جميع أفرادها يعانون الألم، وتمضي بهم إلى الهلاك، وتُباد الضعفاء والمحرومين في قبضة الأقوياء.

وإن قيل: إنّ الشرور والآفات من الخلق، يُقال: الخلق لا يمتلك وجودًا ذاتيًا، ويجب أن يكون أصلها من فاعل خارجي ووجب الوجود؛ وإذا كان الفاعل الوجوبي هو الذي يخلق هذه الشرور، سواء كان ذلك نتيجة قدرة أو عجز، فإن الانتقام من المخلوق هو نتيجة ضعفه. وإذا كان ذلك من قصور إدراكي الفاعل أو من إبليس، فالمشكلة تبقى؛ لأنّ الثنائية تتعارض مع فرض الدين.

وبالتالي، يمكن القول بسهولة إنّ الطبيعة هي الفاعل الحقيقي للشرور والآفات، وهدفها هو الإجرام، وهذه الطبيعة على ما هي عليه، دون وجود مبدأ خارجي أو غاية ربوبية.

ما طرحه الفكر الإلحادي الذي تقدّم هو أن مبدأ فاعل، وفاعل وجوبي وإلهي، غير موجود، وأنّ الطبيعة، مع أنّها تسير سيرًا جزئيًا ونسبياً، لا تدلّ على وجود منظّم ومُدبّر وجوبي، وأنّ جميع نقائصها تنشأ من ذاتها وداخلها.

وفي الرد على هذه الأفكار كلها، ينبغي القول: إن الطبيعة، مع أنّها تسير نظامها الجزئي والنسبي، ليست بعيدة عن النظام الخاص، والحُسن، والحكمة، وليست خالية من منظّم ومدبّر وجوبي، وأنّ جميع نقائصها لها أسس معرفية، وأسبابها وعللها ليست خارجة عن الفكر والإدراك العقلي.

الطبيعة لا تسعى لهلاك الجميع، بل تسعى لوصولهم إلى الكمال والخلود الحقيقي، وإن بدا الأمر ظاهريًا كقتل ونهب، فإن حكمتها تشير إلى الصلاح والصفاء والقوة، وإنّ الشرور والآفات والأنين المؤلم فيها تمهّد وتبيّن الظواهر، دون أن تكون هذه الشرور والآفات عدمية أو خارجة عن قدرة الحقّ والخلق، أو أن تكون الطبيعة هي الفاعل الحقيقي في كل الأمور.

الملحدون، بفرض صحة كل ادعاءاتهم وإنكار وجود الله، تحدثوا عن منشأ أسطورة الآلهة، وطرحوا كثيرًا من الفرضيات حول الأسباب التي أدّت إلى ترسيخ هذه الأفكار الدينية بين الشعوب.

وهم يرون أهمّ أسباب ظهور التصورات الدينية في النقاط التالية:

  • حكّام دينيون: أول سبب هو وجود وكلاء ومروّجون من المدّعين بالنبوة، الذين يستفيدون من مناصبهم وامتيازاتهم، وهذا يدفعهم إلى تدعيم مبدأ هذه الأفكار.
  • مصالح الطامعين: سبب آخر ذو أهمية هو المصالح المتنوعة والعوائد المالية التي تعود على الحكّام الدينيين، مما يهيئ لهم عوامل دعم هذه الآلهة لتحقيق مصالحهم.
  • جهل الجماهير: الجهل وقصر النظر لدى عامة الناس يعدّ سببًا رئيسًا في نمو وانتشار هذه الأساطير.
  • ضعف الناس: ضعف وفقر الطبقات الشعبية واستغلالهم من قبل الظالمين، دفع الناس إلى الإيمان بإله قوي يحميهم من الظلم.
  • التسلية الوهمية: يوفّر الإيمان بالآلهة طمأنينة وهمية، حيث يشعر المؤمن بالراحة، معتقدًا أنّ الإله الحكيم والقدير يدافع عنه.
  • كبح تمرد المظلومين: يستخدم الظالمون الدين لتهدئة غضب المظلومين ومنعهم من الثورة، حيث يدعو الإيمان إلى الصبر والتسليم.
  • تبرئة الظالمين: الإيمان بأنّ الله هو الذي يسير الأمور يدفع إلى تبرئة الظالمين واعتبارهم مجرد أدوات في يد الإله، مما يقلل من رغبة المظلومين في الانتقام.

التاريخ البشري يشهد على صحة هذه الأسباب. وبالرغم من وجود أسباب أخرى كثيرة، إلا أنّ هذه الأسباب مبرهنة تاريخيًا ونفسيًا وفلسفيًا.

ومن المهم أن نُشير إلى أنّ غالبية المتدينين من الفئات الضعيفة والمظلومين والأبرياء، وليسوا من العلماء أو الأقوياء. وهذا الاستضعاف الظاهر يعكس استضعافًا باطنيًا، كما أنّ القوة الظاهرة تتصل بنوعيتها بالقدرة الباطنية.

مكانة قصة الآلهة

من كل ما سبق، يمكن الاستنتاج بأنّ أسطورة الآلهة قصة طويلة لا تثبت واقعًا، ولا دليلًا واضحًا على صحتها، فلا يجب الانشغال بها أو الركون إليها.

بعد عدم إثبات وجود الله، أو عدم القدرة على تقديم دليل إثباتي عليه، يصبح عدم وجود الله هو الفرضية السائدة، ولكل عقلٍ هذا الدليل، حيث أنّ عدم إثبات الله مساوي لإثبات عدمه من حيث النتائج العملية، لأن إثبات وجود الله موضوعي ويحتاج إلى دليل، وعند عدم إثباته أو تحققه، يصبح الشك في وجوده مساويًا لليقين بعدم وجوده، على الرغم من وجود اختلافات وصفية بينهما.

في التاريخ، قلّما حصل أفراد على يقين ملموس بالله، وإن ادعوا ذلك، فإنّ خلف هذا الادعاء كثيرًا من الخيال والاختلاق الذي انتشر بين الشعوب.

لذا، سواء ثبت عدم وجود الله، أو لم يثبت، فإنّ النتيجة العملية واحدة، وهي عدم تحقّق المعرفة الحقيقية به، ونادرًا ما كانت لدى المؤمنين معرفة واضحة، سوى الأوهام والخيالات.

هذا مع وجود اختلافات كثيرة بين المؤمنين في تصوّرهم لله: من آلهة مجردة إلى آلهة مادية، ومن أصنام إلى إله واحد، ومن الأشكال المختلفة، وكلها تعبيرات خيالية وذاتية لمريدي هذه الآلهة، رغم تقديمهم أدلة كثيرة للدفاع عنها، والذين بذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيلها، ما يدلّ على بساطتهم وتزييف هذه الأفكار.

قبل نقد هذه الأسباب، يجدر التنويه أنه بعد رفض هذه الادعاءات، لا مجال لنقاشات جدلية وترويج دعاية معادية، لأنّ التوحيد وحقيقة الله ليست أسطورة كبيرة أو صغيرة، بل هي سبب ظهور الوجود، وكما أنّ الفيض الإلهي بلا بداية، فإنّ الربوبية والحق الإلهي بلا بداية وزمان، والكون تاريخيًا قائم على التوحيد والربوبية، مع ارتباط كامل به.

رغم تنوع الأديان وتفاوت مراتب المعرفة، لم يكن هناك تشتت في الأصل الإلهي، ولا وجود لآلهة متعددة في إطار ديانة الأنبياء الحقيقية، إذ أنّ التعددية في الآلهة ناشئة عن الجهل أو مؤامرات استعمارية شريرة، تحاول زعزعة العقيدة.

لذا، لا يجب اعتبار “الأديان” و”الآلهة” على حد سواء، فهما مختلفان؛ الأديان تمثل طرقًا تربوية وروحية متعددة، أما ظهور الآلهة فله أسباب أخرى مختلفة.

الأديان والمنهج التربوي

الدين مسؤول عن الحياة الفكرية والعقائدية والسلوكية للإنسان، ويؤمن بالدين من اتّفق فكره وعمله مع ديانة معينة. ولا يمكن أن يُنظر إلى الدين ككيان جامد أو محدود، بل هو دين يتميّز بالديناميكية، والنمو، والتطور، وفتح الأبواب للمعرفة والعمل في كل المجالات.

تعدد الأنبياء والأديان السماوية

لقد جاء كل نبيّ في أزمان مختلفة ببرامج متعددة، وهذه البرامج، بالرغم من تجانسها الحقيقي في الجوانب الأساسية والمحورية، تحمل فروقات كثيرة تتناسب مع ظروف كل عصر. وكان لكل منها أساس تربوي راسخ ونمو متوازن ومعتدل يسعى لتحقيقه. لذا فإن تعدد الأنبياء والأديان السماوية يدل على مراحل تربوية مختلفة للأمم، حيث كانت المجتمعات والناس في كل فترة زمنية يقبلون دينًا خاصًا.

وكما كان تعدد الأنبياء ضرورة حتمية، فقد قبلت الأديان أيضًا – تبعًا لتفاوت الأزمنة – التعددية، وبالمثل كانت للأنبياء حملات استقلالية وتبعية، رغم أن كثيرين منهم تبعوا بعضهم البعض، كاتباع النبي للرسول، والرسول لأولي العزم من الأنبياء.

وكما أن في تحصيل العلم وبلوغ المراتب العليا مراحل متعددة لا يمكن تجاوزها فجأةً، كذلك الدين الحق قد قاد المجتمعات والناس عبر فترات مختلفة مع فروق خاصة، مع أن الأديان السماوية وجميع الأنبياء متوحدون في المبادئ الحقيقية للحياة والكمال.

الشوائب الزائفة

يجب التنويه أولًا إلى أنه لا يجوز أن يُنظر إلى الأنبياء والأديان السماوية وأتباعها الحقيقيين في أزمانهم الخاصة على أنهم متساوون مع الشوائب الزائفة والتحزبات الباطلة التي ظهرت في عصور لاحقة، إذ أن تعدد الأديان عبر الزمن يعكس أسلوبًا تربويًا صحيحًا، في حين أن تعدد الأديان المتزامن لا يحمل أي حكم أو مبدأ تربوي سليم.

فلا يوجد في زمان واحد ومكان واحد تشريع لشرعين إلهيين مختلفين. وحتى في الوضع الراهن، حيث توجد أديان بأتباع متعدّدين يدعمون أديانهم السابقة، لا يمكن لأي دين أن يكون ذا أساس علمي، ديني، تربوي وأخلاقي صحيح. واستمرار هذه المفاهيم يؤدي إلى نتائج سلبية تتناسب تمامًا مع آلهة مختلقة سنتناولها مستقبلًا.

في تحقيق الأديان والمعرفة الصحيحة لها، يجب مراعاة ثلاثة أمور رئيسة:

أ) الأزمنة، والأمم، والفروق الملائمة؛
ب) التجانس المحوري بينها؛
ج) الشوائب الزائفة والمصطنعة التي ظهرت في زمن البعثة أو بعدها.

المسألتان الأوليان تدلان على وحدة المنهج والمنشأ الحقيقي للدين، رغم تعدده الذي ينشأ لأسباب طبيعية، وهو من فعل المبدأ الواجبي الذي بعث الأنبياء وأرسل الأديان وفقًا للحكمة واللطف، حيث أُعلنت الأحكام والمبادئ الدينية في فترات مختلفة وبثوابت ثابتة وبأشكال متنوعة تناسب الزمان والمكان.

أما المسألة الثالثة فهي غير طبيعية وضارة ومُدمّرة، ويجب إبعادها تمامًا عن دائرة الأديان والأنبياء، واعتبارها من أهم معوقات التقدم والارتقاء بالإيمان والتوحيد.

تعدد الآلهة

يعود تعدد الآلهة بين الشعوب إلى أسباب متعددة، منها:

أ) الاختلافات في التصورات:
لا يمكن إنكار أن تصورات البشر عن المعبود تختلف حسب الفكر والثقافة العامة وخصوصيات الأفراد، وكل هذه العوامل تؤثر في إطار الإدراك المعرفي. ولذلك، لا يمكن أن يكون لدى البشر تصور موحد عن مسألة بهذا القدر من الأهمية والعظمة.

ب) عظمة الربوبية:
تزيد عظمة الله وصفاته الجمالية والجلالية من حيرة الإنسان، فكلما ازداد سعيه في المعرفة، ازداد ارتباكه، وهذا أمر طبيعي نظرًا لعظمة الربوبية التي تشمل كل شيء وهي في ذات الوقت متجاوزة لكل تصوراتنا.

ج) الجهل العام:
السذاجة والجهل العام يُبعدان الإنسان عن إدراك الصفات والأحكام الربوبية بشكل صحيح، وهذا يؤدي إلى كثرة العقائد وتعدد الآلهة الزائفة حتى أن بعض الماديين والملحدين يصدرون أصواتًا دينية على نحو متناقض.

د) مؤامرة المستغلين:
توهمات وأكاذيب مستمرة من أعداء الحق الذين يحاولون صرف الناس عن المعرفة الحقة، مسببين تشتت العقائد وإدخال الشرك في التوحيد.

كل هذه العوامل مجتمعة تساهم في انتشار تعدد الآلهة والاختلافات في التصورات، لذا يجب على الإنسان أن يسعى بنهم وفهم عميق لتقوية معرفته الربوبية لتجنب الوقوع في هذه المشاكل.

الآلهة المختلقة

تعدد الآلهة والاختلافات التصورية لا أساس علميًا أو فلسفيًا لها، بل هي نتاج نواقص الإنسان وأوهامه، والتي تخلق بيئة للشرك والكفر.

وبعد نقد الأدلة الإلحادية وإثبات بطلانها، لا يبقى مجال لطرح سؤال عن أسباب تعدد الآلهة، فالألوهية الربوبية هي الحقيقة التي ينبثق منها كل شيء في الوجود.

البشرىة، والناسَ، خلافًا لما يُفهَمُ في أذهانِ المُدّعين من هذه العناوينِ، فإن ما لا يتحصّلُ من هذه المناصبِ والدوافعِ الإلهيةِ هو الدنيا، والطلبُ العافية، والاستغلال، والأنانية، والمنفعة، والتمكّنُ المادّي.

وإن كان المراد منكارُ هذه العناوينِ والمناصبِ هو الطموحاتُ والأنانياتُ والمكاسبُ التي رُصِدَت في أتباعِ الدياناتِ الزائفةِ والمُدّعين على مرِّ التاريخِ الإنساني، فمع أن وجودَ هذه الظواهرِ في التاريخِ لا يمكن إنكاره، فإنَّ هذا أمرٌ آخرٌ لا صلةَ لهُ بأصلِ الدينِ، وهو بعيدٌ عن حُرمةِ طُهّارِ أهلِ الدينِ.

يجبُ القبولُ بأن كثيرًا من أيدِي الشيطانِ والمُدّعينَ الكذبةِ للدين، الذين تلبّسوا بأسماءٍ وألقابٍ دينيةٍ مزيفةٍ، قد أسقطوا المجتمعَ البشريَّ في دماءِ وحروبٍ، وغطّوا الكفرَ والشركَ بأفعالهم.

ولا ريبَ أنَّ هؤلاء الظلمةَ عديمي الدينِ، كانوا في الحقيقةِ أدواتٍ وعواملَ الشيطانِ والكفرِ والشركِ، يختبئونَ وراء أقنعةٍ دينيةٍ ليحصلوا على شرعيةٍ مقبولةٍ من الناس، ويسعون وراء أغراضهم الشيطانيةِ.

وهنا ينبغي التفريقُ بين المُدّعينَ الكذبةِ وأولياءِ اللهِ الحقيقيين، وألا يُعتَبَر الادعاءُ والمظهرُ معيارًا لكلِّ لقبٍ أو منصبٍ، بل يجب السعي إلى التمييزِ الدقيقِ بين الحقائقِ والنقائصِ، لكي تُفضَحَ الأباطيلُ وتُطهَّرُ السمعةُ الحقّةُ لأهلِ الحقّ.

  1. مصالحُ الطامعين

إذا كان المقصودُ من «القادة والأيادي اللاحقةِ للحضراتِ الأنبياء» هم أولياءُ اللهِ الذين يستحقون بحقّ النيابةَ وتولّي هذا المنصبِ والأمانة، فإنَّ نجاحهم هو في تحقيقِ الدينِ.

فهم يكرّسون حياتهم كلها في هذا السبيل، ولا يبالون بالمنافع المادية أو الطمعِ الدنيويّ، مثلَ أصحابِ الدينِ الحقيقيين والأنبياءِ، يضعون وجودَهم في سبيلِ تحقيقِ الدين، دون أن يبتغوا أي مكاسبَ مادية.

أما إن كان المراد من الأيادي اللاحقة هم المدّعونَ الكذبةُ الذين أقاموا مناصبَ بالمكرِ والمالِ والقوةِ، وجعلوها مبررًا لتحقيق مطامعَ شيطانية، فهذا صحيح، لكن هؤلاء لا يُقارنون بالدين ولا بأصحاب المناصب الدينية الحقيقية.

لا ينبغي مساواةُ الطامعينَ الذين يتخذون مظهرَ التدين من أجل المصلحة المادية بالمؤمنين المخلصين الذين يضحّون بكل شيء من أجل رفعة المجتمع وسعادته.

عدمُ التمييزِ بين هذين الفريقين إما من حقدٍ أو جهلٍ، وهو أمرٌ يؤدي إلى اختلاط الحق والباطل، وحرمانٍ أبدي لا يُعَوَّضُ إلا بترك العناد والجهل.

هذا الادعاء بأن مصالحَ هؤلاء الأيادي هي سببُ دعمِ الآلهةِ لتحقيق مصالحهم، كلامٌ مبهمٌ وناقصٌ؛ لأن أولياء الله الحقيقيين لا يسعون لمصالح فردية، وإن دعمهم هو تثبيتُ الدينِ.

أما المدّعون الكذبةُ، فمصالحهم مرتبطةٌ بدعمٍ ظاهري، وهذا الدعمُ إن لم يكن مضراً للدين فهو غير مفيدٍ له، لأن أفعالهم السيئة تولّد نفور الناس من الثقافة الدينية.

الناسُ الفهيمةُ تميّزُ بين المدّعين الكذبة وأولياء الله المؤمنين، ولا تتورط في هذه التشويهات؛ لأن أصحاب الدين الحقيقيين لهم صفاتٌ تميزهم عن الأدوات الزائفة.

  1. جهل الجماهير

لا شك أن الجماهيرَ غالبًا ما تكونُ عرضةً للانحرافات الفكرية والعملية، ولكن ليس صحيحًا أن جهل الناس هو السبب في ظهور فكرةِ الله أو انتشارها.

في الأصل، هذا الموضوع الذي ورد في النصّ فيه خللٌ في الإثبات والنفي، وسنُشير إلى بعض نقداته:

دليل الإقرار والإنكار

يجب أن ننظرَ إلى سببِ إنكارِ الناس أو إقرارهم، فكما يمكن القول «سبب إقرار الناس جهلهم»، يمكن أيضًا القول «سبب إنكار الناس استكبارهم وجهلهم».

لذا لا يجب أن يُعتَبر إنكارُ أو إقرارُ أي فردٍ أو مجتمعٍ دائمًا نتيجةَ العلم أو الجهل، ولا يُحكم على الناس بكونهم علماء أو جهلة فقط بناءً على إقرارهم أو إنكارهم.

الجهل هو أن يكون الإنكار أو الإقرار بلا دليل أو برهان.

إذا كان الإقرار بالتوحيد أو غيره بدون دليلٍ ووعي، أو كان الإنكار بلا تفكير، فهذا هو الجهل.

أما إذا كان الإقرار أو الإنكار نتيجة علمٍ ومعرفة، فلا يُقال إن صاحبه جاهل.

لذلك، لا يمكن القول إن سبب إيمان الناس العاديين هو جهلهم، كما أن القول إن سبب نشوء فكرة الله هو جهل الناس كلامٌ خاطئ.

الإيمانُ عند أهل المعرفة هو طريقُ سعادتهم الأبدية ونماء الدين.

أما إنكار المنكرين للتوحيد في التاريخ، فسببُه أن الدين والتوحيد يهددان مصالحَهم غير المشروعة ويعرّضون معتقداتهم وأفعالهم للسقوط.

المنكرون وأهل العناد والكفر والشرك والالحاد يروّجون للشكوك والكفر للحفاظ على مصالحهم ومكانتهم.

أما الجماهير البريئة، فترتبط بطبيعتها الفطرية وترحب بالدين عند ظهوره دون أغراض.

بُساطة الجماهير وابتعادهم عن الطغيان والكبر يسرع إيمانهم بالحق، بينما ينسى المستكبرون أنفسهم ويتمادون في العداء.

  1. ضعف الجماهير

الظلم والاستبداد من قِبل القوى الاستكبارية والمستكبرين تجاه الناس الضعفاء حقيقة تاريخية مؤلمة لا تنكر.

الناس الضعفاء يطلبون ملجأً قويًا من الظالمين، ومن الطبيعي أن يزيد اهتمام الإنسان بالله في أوقات الضيق.

لكن هذا لا يعني أن هذه الموانع هي سبب وجود الله، بل هي حواجز تُرفع في سبيل المعرفة والقرب من الله.

الله تعالى هو السبب الحقيقي لكل شيء، وهو سبب تحقق كل الظواهر.

كما أن تربية الأنبياء توجه الناس للهداية، فإن ظلم الظالمين يدفع الناس إلى اللجوء لله.

المعرفة والإيمان أسبابها مميزة، وموانعها لا تمس حقيقة الله.

  1. الطمأنينة الظاهرية

يرى المنكرون أن الإيمان هو راحة ظاهرية تدعو الناس الوهميين لأن يشعروا بالاطمئنان عبر عبادتهم.

لكن الحقيقة أن الاعتماد على الحق وظهور الأنبياء والمعجزات هي حقائق تثمر نتائجها الإيجابية للمؤمنين.

الكرامات والإعجاز من نعم الله التي تظهر للمؤمنين، فتجعلهم أقوياءً وراسخين.

المؤمن لا يتزعزع مهما كانت ظروفه، سواء كان قويًا أو مظلومًا، حيًا أو شهيدًا.

الله لا يطلب زمانًا ولا مكانًا، فالمؤمن دائمًا في حضوره.

لذلك فإن الطمأنينة والإيمان ليستا مجرد ظاهرة ظاهرية، بل حقيقة عميقة تُثبت المؤمن.

البند السادس
الإيمان بالله؛ عامل كبح جماح المظلومين

المُدّعي من خلال طرح هذا العامل، بعيدًا عن التناقض والتعارض مع الادعاء السابق (الإيمان بالله كعامل أمل) في سياق تعارضهما، يُظهر صورة غير متناسقة ولا أساس لها، وهو ما سنعرضه هنا بإيجاز.

سبق وذكرنا أن الإيمان بالله يؤدي إلى طمأنينة المؤمنين، فهم يلجؤون إلى الله العليم القدير ليتحرروا من ظلم الظالمين، ليُبعد الله عبر قوته الخفية ومن خلال المعجزات والدين عدوان المتسلطين ويكون سبب نصرهم.

كما ذكرنا سابقًا أن الله العليم القدير هو معين ومنصف للمظلومين، ويدافع عنهم ضد الظالمين. هذا الإيمان يُنبت بذور الأمل والاجتهاد والدافع القوي للثورة، لا أن يكون سببًا للركود والضعف.

فكيف يُمكن الإيمان بالله أن يكون عاملًا لكبح جماح المظلومين، في حين أنه دافع الأمل والجهد ضد الظلم والاستكبار؟ وكل مظاهر الاستكبار والظلم رغم أنها تجلت عبر التاريخ في صورة الكفر والشرك والعداوة والإلحاد، إلا أنها كانت دومًا في خوف ورهبة من هذا الدافع الإلهي عند المؤمنين.

الاستكبار وطبيعة المؤمن الموحد

الإيمان بالتوحيد والتوكل على الله وتسليم الأمور إليه والصبر والجلد لا يتناقض مع الثورة والانتفاض والتحرك ضد مظاهر الكفر والشرك والاستكبار والإلحاد، بل على العكس فإن هذا الإيمان هو الذي مول ويحفز الحركات والثورات تاريخيًا.

فكيف يمكن اعتبار الإيمان بالله عاملاً لكبح جماح انتفاضة المظلومين ضد الظالمين المشركين والمعتدين الكفريين، في حين أنه الدافع لتحقيق الأمل والجهد والتمرد لدى الجماهير المؤمنين بالله؟ خصوصًا مع حقيقة أن كل مظاهر الاستكبار والظلم تظهر في صورة الكفر والشرك والإلحاد والعداوة والفجور، بينما المجتمع الديني والثقافة الدينية والناس الموحدون والمؤمنون الحقيقيون بعيدون عن كل مظاهر العدوان والظلم، ودائمًا ما تتقابل هاتان الثقافتان بخصائصهما المتباينة وجهاً لوجه.

المقتضى والمعوق

ما يجب اعتباره إشكالاً في هذا المجال هو أن الاستعمار والتخطيط الاستبدادي وأفكار السياسيين الشيطانيين قد تؤدي إلى انحراف المجتمع الديني عن صفات الإيمان الحقة وأهداف الدين، كما حدث في بعض المجتمعات الدينية التي تسيطر عليها قيادات دينية مزيفة، ما يشكل عائقًا أمام نمو الدين، لكنه لا يستطيع المساس بمقتضى الدين نفسه.

مقتضى الدين الإلهي شيء، والعوائق الداخلية والخارجية لنمو الثقافة الدينية شيء آخر؛ فلا ينبغي خلطهما، إذ أن هذه العوائق نفسها مظاهر من العداء والإلحاد والاستكبار والكفر والفجور التي تنمو نتيجة مشاكل في المجتمع الديني وتظهر بشكل خداع وتظاهر في مواجهة الأديان الإلهية والدين الحق. يجب على المجتمعات الدينية الواعية والمتطورة أن تتعرف على هذه العوائق وتتخذ خطوات لإزالتها، وإلا فقد تتحول الدين بفعل مخططات شيطانية إلى أداة لقمع وسكون المجتمع الديني وحتى نمو الطغيان والاستكبار داخله، لصالح الأقوياء المستكبرين.

هذا كله بدأ بعد الأنبياء وفي عهد الحكام الدينيين المزيفين والمدعين المذهبيين. فالدين في زمن الأنبياء لم يكن يهيئ هذه الأرضية لنمو الاستكبار، وإلا لكان محكومًا عليه بالزوال، والتاريخ خير شاهد على ذلك.

ادعاء المنكرين عن العامل السابع: الإيمان بالله

قالوا:
“عندما يؤمن الفرد أو المجتمع بالله العليم القدير، ويعتبره خالق كل شيء ومدبر الأمور، فلا يرى أي أحد أو شيء آخر مؤثرًا بشكل كامل غيره، وهذا يعني تبرئة الظالم.

فالله هو الذي يفعل كل الأمور، وهو الذي جعل القوي قويًا والمحروم محرومًا. يجب أن نقبل أن الظالم والقوي ليس لهما تأثير في مجريات الأمور، بل فقط الله هو الذي يهيئ أسباب الأشياء ويقضي على كل شخص بمصيره. هذا الاعتقاد يقلل غريزيًا من غضب المظلوم تجاه الظالم ويمنعهم من الانتقام، لأنه في هذا التصور لا شيء ولا أحد مؤثر إلا الله، وهذا هو أهم عامل لراحة الظالمين وتبرئتهم.”

نقد هذا العامل

هذا الفصل مخصص لنقد هذا العامل نظرًا لأهميته، ويجب التنبيه قبل توضيح علاقة الإرادة وتأثيرها على أفعال الإنسان إلى أن اعتبار هذا العامل جزءًا من الدين هو أعظم انحراف فكري وعداوة جاهلة. كيف يمكن أن يكون الإيمان بالله الدافع إلى مقاومة الاستكبار والجهاد والشهادة ودمار أعداء الله سببًا لتبرئة الظالمين؟ خاصة وأنه يحمل آثارًا كثيرة ومحفزات للاستكبار ويُستخدم لتخدير المجتمع المؤمن!

عناية الله واختيار الإنسان

الإيمان بعلم الله وقدرته وخلقه لا ينفي اختيار الإنسان ولا يلغي المسؤولية والجزاء على أفعال العباد، رغم أن لا شيء مؤثر بشكل كامل إلا الله، لكن هذا لا يعني أن الأفراد غير مسؤولين عن أفعالهم. فسلطان الله لا يتعارض مع اختيار العباد، بل هو ذاته الذي خلق الإنسان مسؤولًا وموكلًا مختارًا.

رغم أن قدر الإنسان كما كل الموجودات بيد الله، وأن الله بفضل حكمته ومن خلال النظام الأكمل منح لكل كائن القدرات اللازمة والمسؤوليات حسب طاقته، إلا أن الإنسان ليس مجبرًا في كل جوانب نموه وحركته، ولا يغيب عن أفعاله الإرادة والشوق والحب والتأثير.

اللوحة التي رسمها الخالق تعكس نظامًا متكاملًا تترافق فيه الآمال والعشق والهدف والجهد، وكل هذا مرتبط بعلم وإدراك واختيار وإرادة العباد. فكل واحد يظهر نفسه بمقتضى عناية الله واختياره، ويعبّر عن هويته بسلطان وإرادة.

الحرية والجبر والتفويض

رغم أن موضوع الجبر والتفويض معقد للغاية، وأن قليلين يفهمونه فهمًا صحيحًا، فإن هذا لا يعني أن إرادة العباد مهددة وأن الإنسان بلا حرية فعل، فكل عاقل يمكنه إدراك حريته المحدودة في حدود قدرته وإدراكه، وأن أفعاله تعود له دون إنكار قدرة الله.

الدعاة الملحدون وقادة الاستكبار، رغم محاولاتهم تخدير المجتمع ونشر الانحرافات العقائدية، لا يمكن أن نجمع سلوكهم الاستكباري المتنكر بالدين مع معتقدات المؤمنين الصحيحة، ولا نجعل الوجوه المزيفة متطابقة مع الحقائق الإيمانية.

في نقاش الجبر والتفويض يجب الانتباه إلى ثلاثة أمور متفق عليها:

  1. الله تعالى عالم وقدير لا شك في علمه وقدرته؛
  2. الله لا يظلم عباده مطلقًا؛
  3. الإنسان ليس خارجًا عن إرادته واختياره، وهو يعي ويشعر بإرادته وحرية الاختيار.

القوة الإلهية لا تلغي قوة العباد

قوة الله لا تلغي قوة العباد، كما أن علم الله لا يمنع علم العباد. فكما أن علم الله ذاتي، فإن علم العبد من فيض ربوبي. كذلك الإرادة والقدرة الإلهية والعبادية تتضافر، ويكتسب العباد قوتهم من الله.

مسألة الفاعل الواحد والفعل الواحد

هل من الممكن أن يكون هناك علم وقدرة وإرادة من اثنين على فعل واحد؟ فإذا كان الفعل من الله فقط، فالفعل ليس من العبد، وإذا كان من العبد فكيف يُطبق فاعلية الله عليه؟ وإذا كانا يفعلان فعلين، فالنتيجة مركبة وليست فعلًا واحدًا.

إجابة الكاتب

الكاتب يرى أن العبد هو ظهور من الله تعالى، والله هو الفاعل الحقيقي، والعبد هو تجلٍ وإظهار لفعل الله. لا يوجد انفصال بين الفاعل الحقيقي والفعل، فالعبد هو تجلٍ لسلطان الله والفعل ذاته متعلق بقدرة الله وعبد.

بمعنى آخر، علاقة فعل العبد والله ليست علاقة تحكم وامتلاك، أو عرض وذات، أو طول وعرض، بل هي وحدة غير منفصلة ولا متشابكة، تجتمع في اتحاد فريد.

مثال: حبّة قمح في كومة

لو كان شخص يملك كومة من القمح وشخص آخر يملك جزءًا منها شراكة، حتى لو كانت الحصة صغيرة كحبّة قمح واحدة، فإن كل شريك له الحق في تلك الحبة، ولا يحق للشريك الكبير منع الآخر من التصرف فيها، لأن الملكية مشتركة وليست مفصولة.

كما لو كان شخصان يملكان بيتًا، أحدهما مالك لأكثرية والآخر لجزء صغير، فكل منهما يملك كل أجزاء البيت بشكل مشاع، ولا يستطيع أحدهما منع الآخر من التصرف المعقول.

وهكذا، فالملكية المشتركة تُحافظ على الوحدة، رغم تعدد المالكين، والعلاقة ليست تقسمًا بل وحدة مشتركة.

الحق والظهورات الفعلية

علاقة فعل الحق بالعبد في مجال تكاليف العباد هي كما يلي: فالعبد ليس إلا ظهورًا فعليًا للحق، وفعلُه كذلك كذاته تعالى، فجميع الأفعال والمظاهر والنماذج الفعلية لذات الحق. كلُّ أفعال الظواهر هي وجهٌ من العلم والقدرة الإلهية التي وُضِعت تحت علم وقدرة العبد، وطلبه، وإرادته، وهدفه، وغاياته، دون أن يحصل انفصال أو ازدواجية أو جبر أو تفويض.

لذا، ليس الأمر بأن يكون العبد بلا نصيب من العلم والقدرة، أو أن يكون الحق بعيدًا عن فعل العبد. بل الحق هو الذي في أساس النظام الأحسن الفعلي قد جعل أفعال الإنسان تحت علم واختيارٍ معطى له، وأقام التكليف، والثواب، والعقاب، والمكافأة، دون أن يُنسب الفعل كله للعبد وحده. فلكل فعل أسباب متعددة مباشرة وغير مباشرة، فلا يستطيع أحد أن يرتكب جريمة قتل يكون كل عناصرها من عنده وحده، إذ أن الفعل مرتبط بعدة عوامل، وفي النهاية يكون الفرد هو العامل المباشر للظهور.

الأفعال الجماعية والبعث العام

عند التدقيق يتضح أنه لا أحد يمتلك أفعاله بالكامل، فكل فعل له أسباب وعوامل متعددة، سواء كانت مباشرة أو سببية.
ولتأصيل كل فعل، هناك عوامل كثيرة كالوجوب الإلهي، والعوامل الخلقية والعبدية، والعوامل الطبيعية والقصورية. الفعل من الناحية الظاهرة يُنسب للفرد المباشر فقط، بينما الفاعل الحقيقي هو مجموعة من العوامل التي كانت موجودة سابقًا حتى يمكن للفرد أن يكون فاعلًا.

الأب، الأم، الغذاء، البيئة، الزمان، الأسباب، الصفات الفردية والجماعية، المجتمع، الناس، القوم، الأمة، الجنس، إلى ما هو أعلى كذات الحق، جميعها تلعب دورًا في حدوث حتى أصغر فعل.

علم الفرد، إرادة العبد، طباعه، صفاته، خصائص الزمن الماضي، الروح والنفس، وآلاف العوامل الظاهرة والخفية تسبق الفرد وتؤثر في تحقيق الفعل.

لذلك، لا يمكن القول بأن الفعل صادر من فرد واحد فقط، بل هو نتيجة تفاعل جميع العوامل، وعلى الرغم من أن الفعل يُنسب للفرد في ظرف حدوثه، فإن الفاعلية تمتد إلى جميع الأسباب.

فعل واحد وعدد لا يحصى من الفاعلين

هل يمكن القول إن لفعل واحد فاعلين لا يحصون؟ مثلاً، شخص يسرق ويُحاسب قانونًا ويتم اعتباره “لصًا” بعد إثبات فعل السرقة، دون النظر إلى الأسباب والعوامل المتعددة التي أدت إلى حدوث الجريمة، ولا يستطيع القاضي فعل ذلك. في العالم الدنيوي، لا يمتلك القاضي القدرة على تحليل كل العوامل، فهو يكتفي بتوصيف الفاعل المباشر فقط.

لكن في الآخرة، حيث يتم الحكم الإلهي بين العباد (﴿إِنَّ اللَّـهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾)، تُؤخذ جميع الأسباب والعوامل في الاعتبار. هناك يُبيّن كيف يمكن للفعل أن يكون له عدد لا يحصى من الفاعلين. في ذلك اليوم تُفحص أسباب الجريمة، وكل العوامل القسرية والطبيعية والعبدية والإلهية، وتُوزَّع المسؤوليات بحسب القدر.

ويُعرض استعداد الفرد، فطرته، خلْقه، الطعام، النطفة، الوالدين، البيئة، الزمان، المعلم، المتعلم، وكل العوامل الخفية والظاهرة، وتُحاسب الأفعال ويُعاقب أو يُثاب كل بحسب نصيبه. والحق يوجه كل فرد قائلاً: “عليك أن ترى نصيبك في الفعل مشاعًا، وكذلك ينبغي للآخرين أن يروا نصيبهم، وكذلك ينظر الحق إلى ما وُضع في كل فرد في نظام الأحسن.”

ليس محاكمة الحق كمحاكمة الدنيا

ليست محاكمة الحق كحكم قاضي الدنيا، فالدنيا ظرف صغير، والقاضي محدود القدرة، وحتى هذا مع صعوبته. والحق وحده القادر على الحساب الكامل، كما قال تعالى:
(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7-8].

الحق يُظهر أفعال الناس أمام أعينهم، يُحاسبها جميعًا ويبيّنها. يقول الحق في الوحي:
(يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) [الزمر:69].

ليس أن يُقرأ الكتاب على أساس الأفعال المباشرة فقط، بل تُؤخذ كل الأفعال السببية والإرادية والقسرية في الاعتبار بدقة.

الحكم بين الجبر والتفويض

من هنا يتضح أن الفعل لا يصدر من فاعل واحد أو اثنين، ولا هو جبر ولا تفويض، بل هو “أمر بين الأمرين” وهو التعبير الأبلغ لفهم هذا الواقع، فلا جبر من جانب الحق، ولا إجبار للعباد في إرادتهم، ولا إطلاق للعباد، ولا حبس للحق. الحق والعبد وكل الموجودات – لا أحد منفردًا – هم أوعية الظهور والتحقق، ولا يوجد فعل إلا كظهور فعلي للحق.

صورة الدين والانحرافات العامة

يجب التنبيه إلى أن هذا النقاش عبر تاريخ الإنسان، خصوصًا في الإسلام، كان عرضة للغلو والتفريط، وأضفت عليه أفكار شيطانية وأهداف مغرضة من بعض الجماعات دون وعي أو بنقص في المعرفة أو بغرض سيء. هؤلاء قادوا النقاش نحو الجبر أو التفويض، وتبنوا مواقف خاطئة بعيدًا عن العقيدة الصحيحة.

هذه الانحرافات ليست جزءًا من الإيمان الصحيح، وإن كان لها أثر سلبي على صورة الدين ووعي المؤمنين، إلا أنه لا يجوز تحميل هذه الانحرافات للدين ذاته، بل هي من عوامل عرقلة الهداية.

الرد على إنكار وجود الله بسبب استضعاف المؤمنين

ينقل الإنكار أن غالبية أتباع الأديان من الضعفاء والمحرومين، ويستدلون بأن استضعافهم ظاهريًا يدل على ضعفهم باطنيًا وبالتالي عدم صحة الألوهية.

الرد هو أن الاستضعاف المادي أو القوة له أسباب مختلفة لا ترتبط بالضرورة بالدين أو الإلحاد. قد يعيش أناس محرومون أو أقوياء ماديًا على اختلاف معتقداتهم. كذلك، لا يعني الاستضعاف الظاهري ضعفًا باطنيًا بالضرورة، فالكثير من الأغنياء ضعفاء داخليًا، والكثير من الفقراء متدينون صابرون وشجعان.

العوامل الخارجية مثل الاستكبار والشرك والعداوة هي التي تضع الناس في هذا الوضع، والدين الحق يدعم الفقراء والمظلومين ويهيئ لهم سبل التحرر.

الخلاصة النهائية للمدعين

بعد عرض الحُجج الإلحادية، يستنتج الإنكاريون أن وجود الله أسطورة لا دليل عليها، وأنه لا جدوى من التمسك بها، وأن الشك في وجود الله يساوي يقين عدم وجوده.

يُرد عليهم بأن عدم الإثبات ليس إثباتًا للنفي، وأن غياب دليل ما لا يعني بالضرورة عدم الحقيقة، كما أن الدين حقق حضورًا حقيقيًا وشرعيًا رغم ادعاءات التشكيك.

إنّه ما دام لم يثبت وجودُ اللهِ، ولم يُثبت عدمُ وجوده، ولم تُقدَّمْ مفاهيمُ واضحةٌ وملموسةٌ عن حقيقة الإله، فإنّ النتيجةَ العمليةَ في كلّ هذه الحالاتِ واحدةٌ، وهي عدمُ تحقّقِ معرفةٍ خارجيةٍ أو علمٍ يقينيٍّ بهذه الكلمةِ. وهذا ما ظهر عمليًّا لدى أتباعِ الأديانِ الذين قلَّما كانت لديهم معرفةٌ حقيقيةٌ بهذا الأمر، وكان ما لديهم في الغالبِ صورةً وأوهامًا تُشكِّلُ تصوّراتهم.

وفي الوقتِ نفسهِ، فإنّ المؤمنين باللهِ اختلفوا اختلافًا واسعًا وكبيرًا في تصويرِ اللهِ، من آلهةٍ مجردةٍ إلى مادية، ومن صنمٍ إلى إلهٍ واحدٍ، ومن تمثالٍ من تمرٍ إلى تمثالٍ من ذهبٍ، ومن الجزئيِّ إلى الكليِّ، ومن كلّ ما يمكن أن يُتصوّرَ أو يُقالَ بشأنِه.

كلّ هذه التصوّرات كانت نتيجةَ خيالٍ وأحلامٍ ورغباتِ النفسِ لدى أتباعِ تلك الآلهةِ، وإنْ كانت كلُّ فرقةٍ وطائفةٍ قد أقامتْ أدلّةً وبراهينَ كثيرةً للدفاعِ عن إلهِها، وقد بذلوا في سبيلِه النفوسَ والأموالَ، مما يدلُّ على بساطةِ هؤلاءِ وملابساتِ ذلك الأمر.

أسطورةُ الإلهِ والحقيقةُ الإيمانيةُ بالله:

لا يمكن اعتبار هذا النصَّ سوى حربٍ نفسيةٍ من الإنكاريينِ وابتكارٍ لفظيٍّ جدليٍّ بعيدٍ عن الدليلِ والبرهانِ. لكنَّ المدّعي رغم تقديمه لحقيقةِ الربوبيةِ كـ«أسطورةٍ»، لا يستطيعُ تجاهلَ أهميتها، فهي تبيّنُ قيمةَ الربوبية، وبالرغم من قِطاعته عن الدينِ وجهله بالربوبية، لا ينفصل عنها، بل تعكسُ ضميرهُ اللاواعي، كما يقولُ: قصةُ الإلهِ طويلةٌ وعميقةٌ حتى داخلَ النفسِ والذراتِ.

ومع أنه يقولُ: لا ينبغي التمسكُ بها ولا الارتباطُ بها بجدّيةٍ، إلا أنه لا يستغني عنها لحظةً. هذا الجوُّ يعكسُ إيمانًا ضميريًّا غير واعٍ يُهزّ اللا إلهيةَ داخلهِ قسرًا.

الإنكارُ الذاتيُّ ومفارقةُ إثبات النفي:

يدّعي الإنكارُ أنّ «عدمَ الإثبات» يترتبُ عليه بالضرورةِ «إثباتُ النفي»، أو على الأقلّ أنّه عمليًّا ملازمٌ له. وهذا يستوجبُ توضيحًا منطقيًّا لهذه العلاقة.

المقصود بـ«عدم الإثبات» هو عدمُ وجودِ دليلٍ كافٍ قبل تقديم البرهان أو عند ضعفِه، مما يمنعُ قبولَ الكلامِ بلا دليل.

أما «إثباتُ النفي» فهو مبدأٌ يستندُ إليه الملحدونَ لإثباتِ استحالةِ وجودِ وجودٍ مطلقٍ أبديٍّ. وإذا ثبتَ استحالةُ المبدأ الوجوبي بشكل مستقل، فلا حاجة إلى مبدأ «العدم»؛ لأن إثبات النفي بحد ذاته برهانٌ وجوديٌّ على النفْي، في حين أنّ مبدأ «العدم» يمنعُ الادعاء بلا دليلٍ ولا يثبت النفْي.

نقد العلاقة بين «عدم الإثبات» و«إثبات النفي»:

لا توجدُ علاقةُ لازمةٍ منطقيةٍ بينهما، لأن مبدأ «عدم الإثبات» عامٌّ ويشيرُ إلى حالةِ الشكِّ، بينما «إثبات النفي» خاصٌّ ومقتصرٌ على حالةِ البرهانِ على عدمِ الوجود. كما أنّ التطبيقَ العمليَّ لا يعني بالضرورةِ وجودَ علاقةٍ منطقيةٍ بينهما.

خلاصة:

  1. لا يثبت مبدأ «عدم الإثبات» بالضرورة مبدأ «إثبات النفي» من الناحية المنطقية.
  2. لا دليلَ عقليًّا أو عمليًّا يُثبتُ استحالةَ وجودِ الربوبيةِ.
  3. الفطرةُ والعقلُ والتجربةُ البشرية تدلّ على وجودِ ربوبيةٍ حقيقةٍ في الكون.
  4. منطلقُ الشكّ والإنكار غالبًا ما يكون غفلةً ومنازعةً للحقّ.
  5. الباب السادس: الإيمان بالله؛ عامل كبح جماح المظلومين
  6. يدّعي بعضهم بطرح هذا العامل، وبعد أن يعرضون به تشويشاً وتناقضاً مع الادعاء السابق (الإيمان بالله كعامل للأمل)، يبرزون صورة مشوهة وغير مؤسسة لأنفسهم، وهو ما سنتناول في هذا المقام بإيجاز.
  7. لقد بيّنا في السابق أن الإيمان بالله يبعث الطمأنينة في نفوس الموحدين، فيلجأون إلى الله العليم القدير للخلاص من ظلم الطغاة، حيث تبعد قوة غير مرئية وعن طريق الإعجاز والدين ظلم المتجبرين وتذلهم، فينتصر بها المظلومون.
  8. وكذلك بيّنّا أن الله العليم القدير هو ناصر ووكيل للمحرومين، ويدعمهم ضد الظالمين. هذا الاعتقاد يزرع بذور الأمل، والاجتهاد، والدافع للثورة، لا أن يكون سبباً للركود والضعف.
  9. فكيف يمكن الاعتقاد بأن الإيمان بالله هو عامل كبح جماح المظلومين، بينما الإيمان بالله هو دافع الأمل، والجهد، والمقاومة ضد الظلم والاستكبار؟! فكل مظاهر الاستكبار والظلم عبر التاريخ تظهر في صورة الكفر، والشرك، والعناد، والإلحاد، ومع ذلك فإنهم يخافون من هذا الدافع الإلهي في نفوس المؤمنين.
  10. الاستكبار والمنهج التوحيدي
  11. العقيدة التوحيدية، والتوكل على الله، وتفويض الأمور إليه، والصبر والتحمّل لا تتناقض مع الثورة، والانتفاض ضد مظاهر الكفر والشرك والاستكبار والإلحاد؛ بل إن هذه العقيدة كانت عبر التاريخ سبباً في الحركات والثورات.
  12. فكيف يمكن الاعتقاد أن الإيمان بالله يقيّد ثورة المظلومين ضد الظالمين المشركين والمعتدين الكفار؟ مع أن دافع الأمل والجهد والقتال ضد الاستكبار هو إيمان الجماهير بالله، في مقابل مظاهر الاستكبار والظلم التي تظهر في صورة الكفر والشرك والإلحاد والعناد والفجور، والمجتمع الديني والناس الموحدين الحقيقيين بعيدون عن مظاهر الظلم والتجاوز، ودائماً هناك مواجهة بين هذين المنهجين.
  13. الاقتضاء والمانع
  14. ما يجب قبوله كإشكال في هذا المجال هو أنَّ بتدبيرات استعمارية وتصاميم المتجبرين في المجتمع، وأفكار السياسيين الماكرين، قد تتهيأ الظروف لانحراف المجتمع الديني عن صفاته الإيمانية وغاياته الإلهية، كما حدث في المجتمعات الدينية حيث خلق رجال دين مزيفون مواقع انحرافية، وهذا بحد ذاته مانع لنمو الدين، لكنه لا يمس اقتضاء الدين نفسه.
  15. اقتضاء الدين الإلهي شيء، والعوائق الداخلية والخارجية لنمو الثقافة الدينية شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما، لأن هذه العوائق هي في الواقع مظاهر عناد وإلحاد واستكبار وكفر وفجور تنشأ نتيجة مشاكل داخلية في الوسط الديني، وتتظاهر بمظهر التظاهر الظاهري، ويجب على المجتمعات الدينية الواعية أن تتعرف على هذه العوائق وتتخذ إجراءات لإزالتها، وإلا فإن الدين قد يصبح أداة للسكوت والسكون وحتى لنمو الطغيان والاستكبار داخله، ويخدم مصالح المتجبرين.
  16. وقد ظهرت كل هذه المشاكل بعد أنبياء الله، في زمن الحكام المزيفين ورجال الدين المدعين، أما في زمن الأنبياء فلم يكن الدين يتسع لمثل هذه الظواهر التي تؤدي إلى نمو الاستكبار وإلا كان الدين محكوماً عليه بالزوال، والتاريخ شاهد على ذلك.
  17. نقد المتشككين على العامل السابع
  18. الملحدون عندما يتحدثون عن العامل السابع لظهور الإيمان بالله يقولون: «عندما يعتقد الفرد أو المجتمع بالله العليم القدير، وأنه خالق كل الموجودات ومدبر الأمور، فلا يؤثر أحد ولا شيء غيره بشكل كامل، وهذا يبرئ الظالم.
  19. فإذا كان الله هو الذي يفعل كل الأمور، فهو الذي يقوي القوي ويضعف الضعيف، فيجب قبول أن الظالم والقوي لا تأثير لهما في مجريات الأمور، بل الله هو الذي يهيئ الظروف ويقدر الأقدار، وهذا الاعتقاد يقلل من غضب المظلوم تجاه الظالم ويمنعه من الانتقام، لأن لا شيء مؤثر إلا الله، وهذا أهم عامل لراحة المتجبرين».
  20. هذا الفصل مخصص لنقد هذا العامل نظراً لأهميته.
  21. ضرورة الإشارة إلى إرادة الله وتأثيرها في أفعال الإنسان
  22. يجب التأكيد قبل شرح كيفية الإرادة وتأثيرها في أفعال الإنسان أن اعتبار هذا العامل من الدين هو أعمق انحراف فكري وعنادي جاهل.
  23. فالإيمان بالله يدعو إلى مقاومة الاستكبار والجهاد والشهادة ونصرة الله، فكيف يكون سبباً لتبرئة الظالم؟ وكيف يحمل ثماراً وأسباباً للاستكبار، بل ويخدر المؤمنين؟
  24. العدل الإلهي والاختيار البشري
  25. الإيمان بعلم وقدرة الله تعالى لا ينفي اختيار الإنسان، ولا ينفي التكليف والمسؤولية والعقاب، فالله وحده هو المؤثر الكامل، لكن الإنسان مسؤول عن أفعاله.
  26. وقد خلق الله الإنسان مكلفاً مختاراً، مع وجود النظام الأمثل في الكون الذي وهب لكل مخلوق القدرة والطاقات اللازمة، ولا يعني هذا أن الإنسان مقهور أو مسلوب الإرادة، بل هو مختار إلى حد قدرته.
  27. الصورة النهائية للوجود تم رسمها على أساس النظام الأحسن، مع وجود الأمل، والحب، والهدف، والسير نحو الكمال، وكل ذلك لا يتعارض مع علم وإرادة الإنسان.
  28. الحرية والإجبار والتفويض
  29. رغم تعقيد نقاش الجبر والتفويض، إلا أنه لا ينفي حرية الإنسان في العمل، وكل عاقل يدرك حرية عمله المحدودة.
  30. المؤمنون والصالحون الذين يخدمون الاستكبار بإدعاءات دينية لا يمثلون الحق، ولا يجب مساواة معتقداتهم مع الإيمان الصحيح.
  31. ثلاثة مبادئ عامة متفق عليها:
  32. أ) الله عالم وقادر بلا شك،
  33. ب) الله لا يظلم عباده،
  34. ج) الإنسان ليس خالي الإرادة، وله علم وإرادة فعلية.
  35. وهذا يعني أن قدرة الله لا تمنع قدرة الإنسان، وعلم الله لا يمنع علم الإنسان، فالله عالم بذاته، والعبد عالم من عند الله، وهكذا في الإرادة.
  36. تساؤل مهم: كيف يمكن لعلمين وقوتين وإرادتين أن تفعلا فعلًا واحدًا؟ إذا كان الفعل لله، كيف يكون للعبد؟ وإذا للفعل للعبد، كيف يتم لله؟
  37. الرد الخاص للكاتب
  38. الكاتب يجيب بأن العبد هو ظهور الله تعالى، والله هو الفاعل الحقيقي، فلا انفصال بين الفعل والفاعل الحقيقي، فالعبد هو ظهور فعل الله، والفعل الإلهي هو محل قوة عبد.
  39. بمعنى آخر: فعل العبد والفعل الإلهي ليسا منفصلين، بل مرتبطان بطريقة غير قابل للتمييز.
  40. مثال: حقل قمح مشترك
  41. إذا كان شخص يملك حقلاً للقمح وجزء منه ملك لشخص آخر بموجب مشاركة، فلا يملك الأول أن يمنع الثاني من التصرف في نصيبه، حتى لو كان نصيبه صغيرًا جداً، لأن الملكية مشتركة، وهذا لا يمنع وحدة الحقل، ولا يفقد كل منهما حقه في التصرف، سواء كانت المشاركة متساوية أو متفاوتة.
  42. وكذلك لو كانا يملكان منزلاً مشتركا، فللصغير الحق في التصرف في نصيبه، ولا يملك الكبير أن يمنعه ما لم تكن المشاركة تفصيلية منفصلة.
  43. وبذلك، على الرغم من تعدد الملاك، تظل الوحدة قائمة ولا يكون التصرف مقيداً بملك أي طرف إلا في حدود نصيبه.
  44. الحالُ أنَّ ما يُنْتَقَدُ ويُرَدُّ مِنَ المُدَّعِي هو الأصلُ الكليُّ لهذا الأمر، إذ إنَّ كثرةَ المصاديق أو الخطأَ في المصاديق لا يَضُرُّها، وما يُعابُ في هذا المقام هو كثرةُ المصاديق التي هي في ذاتها دليلٌ على ثبوت الأصل الكليِّ ودفعُ التوهُّمِ لدى المُدَّعِي، لأنَّ هذا التشتّتَ يدلُّ على حقيقةٍ ربوبية، وإنْ كانت في سبيل بيان ذلك الكليِّ كثيرٌ من المصاديقِ بعيدةٌ عن الواقع، وقد وَقَعَ أتباعُها في مشكلاتٍ.
  45. إنَّ كثرةَ وتعدُّدَ المصاديق، والتي تدلُّ على وحدةِ الأصل الكليِّ للدين، تُعَدُّ سببًا للاهتمامِ والاحتياطِ الأكبرِ لدى أصحابِ الشكِّ والحيرةِ كي لا يُنكِروا الأصلَ الدينيَّ ولا يُعادُوا المؤمنين به. والنتيجةُ أنَّ هذا التشتّتَ يثبّتُ وجودَ اللهِ، لا يسيءُ إلى الإيمان به.

عواملُ التشتّت:

  1. يجبُ أن يُؤخذ في الاعتبار أنَّ كثيرًا من كثرة المصاديق وتشتّتِ التصوراتِ عن الدينِ والحقيقةِ الربوبيةِ ناتجٌ عن جهلِ الإنسانِ وقلةِ معرفته، وهذا ما أدّى إلى انحرافاتٍ عن الحق، مع أنَّ العواملَ الخارجيةَ، والمعوّقاتِ الجانبية، وأصلَ الحريةِ في التفكير، واختلافَ الأفكار البشرية، ساهمت أيضًا في نشوء هذه الخلافات. وعلى كلِّ حال، يجبُ رفعُ الجهلِ وتثبيتُ الفكرِ الصحيحِ الإنساني، وإزالةُ العوائقِ الخارجيةِ والجانبيةِ، ورسمُ مفهومٍ صحيحٍ للحرية في التفكير، كي تُهيأَ الأرضيةُ لوحدةِ الدينِ وقوّةِ الربوبيةِ الحقيقيةِ في المجتمع البشريّ بأفضلِ صورة، وليتمَّ تطهيرُ الدين من هذه التعدّدات والتشتّتات، وليكن ذهنُ الإنسان وقلبُه صافياً بحيث لا يبقى مجالٌ لظهورِ الشركِ والكفرِ والإلحادِ. فإنّما كثرةُ هذه الظواهرِ ناتجةٌ عن وجودِ هذه العواملِ في المجتمع البشري، وبطهارةِ ذهنِ الإنسانِ وصفاءِ باطنِه ومعرفته الصحيحة بالربوبيةِ تختفي هذه الظواهرُ تدريجًا.

أصلُ الفاعليةِ في الخلق:

  1. ما تمَّ بيانهُ من نقدٍ وتحليلٍ حول أصل الفاعلية في الخلقِ ومكانة التوحيد والدينِ بلغَ حدَّ الإنكار والإلحاد، قد أوضحَ أنه لا يوجد دليلٌ أو برهانٌ على نفي الدينِ أو إنكارِ التوحيد، بل إنَّ جميعَ المظاهرِ المعرفيةِ والظواهرِ الكونية تدلُّ على الذاتِ الأزليةِ الإلهيةِ، وتُثبِتُ الحقيقةَ الربوبيةَ، وتدعو إلى الالتزامِ والانقيادِ لها. عسى أن ينتبهَ الضميرُ الحيُّ للإنسانِ لهذه الحقيقة، ويزيلَ الحجبَ المتراكمةَ والمتعددةَ للغفلةِ والحرمانِ عن نفسه، ويُسكنَ النفسَ المضطربةَ في ظلِّ تلك الذاتِ المطمئنة، ويجدَ سعادته الأبديةَ تحت رايةِ التوحيدِ والدين الحق.

خاتمة:

  1. ما ورد من الشكوكِ والتردُّداتِ على لسانِ المنكرين كان من أهمِّ ما يمكنُ طرحُه في موضوع أصل الفاعلية ووجهة نظر نهاية الكون، ونسألُ الله أن يكون هذا البحثُ سببًا في بيانِ الحقائقِ الإلهيةِ، وفتحِ المجالِ لمراجعة النقدِ وتقديمِ الردودِ في هذا المجال الفكري.
  2. ومن خلال الصفحات التي كتبها الأستاذُ أزل، يَظهرُ جليًا أن الإنسانَ يجبُ أن يستعيدَ حقيقته الإنسانية وأبديته الحقيقية، ويصدحَ من قلبه بحبٍّ ولهفة، ويرددَ هذه البيتين من غزل الحق:
  3. “شهد الله أنه لا إله إلا هو
    والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط
    لا إله إلا هو العزيز الحكيم.”

ملاحظة حول الرواية:

  1. يجدرُ بالذكرِ هنا استشهادٌ بروايةٍ يوردها بعضُ المثبتين لعجز العقل البشري عن إدراك تصورٍ دقيقٍ للحق، حيث تنصُّ على:
    «أخرجوه من الحدّين: حدّ الإبطال وحدّ التشبيه، فقولوا حيث ما شئتم»؛ أي اجتنبوا القول بأنه لا وجود لله، ولا تشبيهُه بغيره، ثم تفكروا وناقشوا ما شئتم، شرط أن تكون الأقوالُ بعيدةً عن النقصِ. هذه الروايةُ تؤكدُ أن الحقّ لا يُمكنُ إثباتُهُ أو فهمُهُ بالعقل البشري المباشر، لأنه موضوعُ إدراكٍ بلا تمثيلٍ أو تشبيهٍ، فلا يمكن للإنسان فهمُه إلا في حدودِ إمكانياتِ إدراكهِ.
  1. [2] ـ مصباح الشريعه، ص 7.
  1. [3] ـ بحار الا، ج 67، ص 186.
  1. [4] ـ كافى، ج 1، ص 82.
  1. [5] ـ آل عمران / 182.
  1. [6] ـ ق / 29.
  1. [7] ـ ملك / 3.
  1. [8] ـ فاطر / 8.
  1. [9]  ـ بقره / 7.
  1. [10] ـ تين / 5.
  1. [11] ـ مائده / 17.
  1. [12] ـ مائده / 17.
  1. [13] ـ بقره / 271.
  1. [14] ـ مائده / 50.
  1. [15]  ـ تحريم / 6.
  1. [16]  ـ رعد / 18.
  1. [17] ـ بقره / 39.
  1. [18] ـ آل عمران / 182.
  1. [19] ـ ملك / 3.
  1. [20] ـ انفال / 51.
  1. [21] ـ بحارالا، ج77، ص411.
  1. [22] ـ بحارالا، ج70، ص225.
  1. [23] ـ نگارنده در اين زمينه نوشته‌اى تفصيلى به نام «خلود دوزخ و عذاب و آتش جاويد» دارد. دراين كتاب، نظريه‌ى جناب محى‌الدين به گونه‌ى مبسوط و مستدل بر اساس ادله‌ى عقلى وبرون دينى و گزاره‌هاى درون دينى و آيات و روايات بررسيده شده است.
  1. [24] ـ زلزال / 7 ـ 8.
  1. [25] ـ آل عمران / 182.
  1. [26] ـ غافر / 48.
  1. [27] ـ خداوند بر همه‌ى هستى افراد و پديده‌ها اشراف و احاطه‌ى كامل دارد. بروج / 20.
  1. [28] ـ بگو: همه‌اش از نزد خداست. نساء / 78.
  1. [29] ـ ما راه هدايت را به انسان نشان داديم. انسان / 3.
  1. [30] ـ يا شكر مى‌گذاريد و در آن راهى كه نشانتان داديم گام مى‌نهيد و يا كفران و ناسپاسى كرده و بهبيراهه مى‌رويد. انسان / 3.
  1. [31] ـ سپس آدمى را به پايين‌ترين مراتب وجود سوق داديم. تين / 5.
  1. [32] ـ نامه كردارت را بخوان، تو خود در حق خويش براى حسابرسى كافى هستى. اسراء / 16.
  1. [33] ـ قيامت روزى است كه مردمان گروه گروه براى ديدن رفتار و كردارشان ]از درون قبرها [خارجشده و در صحنه‌ى قيامت محشور مى‌شوند. زلزال / 6.
  1. [34] ـ حكم خداوند ميان بندگان قطعى است. غافر / 48.
  1. [35] ـ هر كس ذرّه‌اى كار خير و يا شر انجام دهد، همان را به عيان خواهد ديد. زلزال / 7 ـ 8.
  1. [36] ـ آفرين بر قدرت كامل بهترين آفريننده. مؤمنون / 24.
  1. [37] ـ در نظم آفرينش خداى رحمان هيچ بى‌نظمى و نقصانى نخواهى يافت. ملك / 3.
  1. [38] ـ او از هرچه مى‌كند بازخواست نشود ]چرا كه جايى براى پرسش باقى نيست[ ولى اين خلقاست كه از كردارشان بازخواست مى‌شوند. انبياء / 23.
  1. [39] ـ پس چشم بگشا و به‌ديده‌ى عقل در نظام مستحكم آفرينش بنگر، هيچ سستى و خللى در آنتوانى يافت؟ ملك / 3.
  1. [40]  ـ پس دوباره چشم بگردان و در نظام آفرينش بنگر. ملك / 4.
  1. [41] ـ همه از طرف خداوند است. نساء / 78.
  1. [42] ـ خداوند بين بندگانش حكم مى‌كند. غافر / 48.
  1. [43] ـ توبه / 115.
  1. [44] ـ آل عمران / 29.
  1. [45] ـ انعام / 18.
  1. [46] ـ تحريم / 6.
  1. [47]  ـ رعد / 18.
  1. [48]  ـ فتح / 6.
  1. [49] ـ بقره / 39.
  1. [50] ـ شعراء / 85.
  1. [51] ـ هر كس ذرّه‌اى عمل خوب انجام دهد، آن را مى‌بيند و هر كس ذرّه‌اى عمل بد انجام دهد، آن رامى‌بيند. زلزال / 7 ـ 8.
  1. [52] ـ آل عمران / 182.
  1. [53] ـ تين / 5.
  1. [54] ـ بقره/ 7.
  1. [55] ـ تين / 5.
  1. [56] ـ آل عمران / 12.
  1. [57] ـ فتح / 6.
  1. [58]  ـ بقره / 257.
  1. [59] ـ «وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ». آل عمران / 182.
  1. [60] ـ در قيامت، حق با همه‌ى اسما و صفات، نسبت به بندگان خود حكم مى‌كند. غافر/ 48.
  1. [61] ـ زلزال / 7.
  1. [62] ـ زلزال / 6.
  1. [63] ـ اسراء / 14.
  1. [64] ـ كافى، ج 1، ص 160.
  1. [65] ـ احتجاج، ج 2، ص 336.
  1. [66] ـ مفاتيح الجنان، دعاى جوشن كبير.
  1. [67] ـ آل عمران / 18.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V