صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

علم الحياة

نشر في آذر 13, 1404 في

علم الحياة
()
الآية العظيمة حضرة آية الله

المؤلف: ، ، 1327 هـ ش
العنوان: علم الحياة /
مكان النشر: طهران: ، 1399 هـ ش
المواصفات: 357 صفحة
الرقم المعياري الدولي للكتاب (ISBN): 978-600-397-066-3
حالة الفهرسة: فيبا
الموضوع: الفقه الشيعي – القرن الرابع عشر الهجري
تصنيف المكتبة: 1399 9ب93ك / 8362PIR
تصنيف ديوي: 62/1فا 8
الرقم الوطني للمكتبة: 5233279

مقدمة

علم الحياة هو رحلة الإنسان في الحياة، وسرد لما يمر به من أحداث ومواقف يمكن أن تواجه أي فرد يسعى إلى بلوغ كماله الأمثل، وذلك حسب خلفيته ومستواه. وهو تحليل عقلي شامل لهذه التجارب.

الكتاب الحاضر يعرض فلسفة وأسلوب الحياة الصحية بصورة علمية ومنهجية، مستنداً إلى مبادئ معرفية صحيحة، وفلسفية، ونفسية، وإنسانية، واجتماعية وتجريبية، وهو ثمرة جهد نقي، بهدف توفير الخطاب الضروري لمواكبة الباحثين العقلانيين. وتتمثل خصوصية هذا البحث في أنه يأخذ في الاعتبار كافة جوانب الحياة وأبعاد الإنسان عند صياغة علم الحياة، مدعياً الالتزام بالحياد وعدم التحيز.

الحيادية في علم الحياة

الحيادية تعني المعرفة الدقيقة للموضوع. يوصي علم الحياة متعلميه بمعرفة المواضيع المرتبطة بالحياة، خصوصاً المواضيع الحديثة. لا يُتقن علم الحياة إلا من عرف موضوعه بعمق. المعرفة الموضوعية لا تقتصر على حل المشكلة، بل على إدراك صورة المشكلة نفسها. إذا عرف الباحث صورة الموضوع، وجد الإجابة ضمن الموضوع ذاته.

وفي المنطق: “التصديق فرع على التصور”؛ فلا تصديق صحيح بدون تصور كامل، وإذا لم يكن التصور دقيقاً، فلا يصح التصديق الكامل. ولهذا السبب، كثير من الأسس والمعتقدات التي يزعمها بعض العلماء تفتقر إلى القيمة العلمية، لأنها مبنية على تصديقات بلا تصور صحيح.

معرفة الموضوع تتطلب إتقان علم النفس وعلم الاجتماع. على الباحث فهم مراتب النفس الإنسانية وتعقيداتها النفسية، ومعرفة الشرور في العالم ومراكزها لتشخيص الأمراض النفسية للمجتمع، كما يفعل الطبيب الذي يعرف الأمراض دون أن يُصاب بها. يجب على عالم الحياة أن يميز الأمراض النفسية والروحية دون أن يتأثر بها، مثل الطبيب الذي يعقم يديه.

ويجب أن يكون لديه أدوات للحماية الذاتية، لأن كل فرد يحتاج لمعرفة المفاسد والآفات والذنوب لتجنب الأذى.

موضوع الإنسان في علم الحياة

الإنسان، موضوع علم الحياة، يعيش مع ذاته بكل صفاتها وأحوالها، لكن العلم التجريبي لم يزوده بعد بالأدوات الكافية لفهم أبعاده العميقة وزوايا حياته الحقيقية. يظل الإنسان يبحث عن ماهيته وحقائق داخله التي تحافظ على حياته.

الإنسان بوعي ذاته يسعى إلى حياة معقولة ومنظمة، تنسجم مع فكره، ويعمل على وضع قواعد حياتية وتنظيمية، ويبني حضارة قائمة على ذلك. الإنسان اهتم بحقيقته؛ أحياناً استند إلى المادة المحسوسة، وأحياناً إلى الروحانيات التي ينشدها من فطرته وتجارب باطنية.

رغم التقدم العلمي، لا يزال الإنسان “مخلوقاً مجهولاً” بالنسبة للعلم التجريبي، الذي لم يستطع تفسير أدمغته وأنشطته النفسية بشكل كامل وواضح. يظل الإنسان معقداً، وهذا الجهل يسود حياته وجوانبها كافة، مما يجعلها ظاهرة غامضة بلا أسلوب حياة واضح.

ضرورة التوازن وعدم التحيز

الخطأ الأكبر في دراسة الإنسان هو التخصص الأحادي، الذي يختزل الإنسان في بُعد واحد فقط، مثل تعريفه كـ”حيوان إرادي” أو “حيوان سياسي” أو “حيوان غريزي”، ما يجعل وحدة الشخصية والحياة الاجتماعية مستحيلة المنطق.

التخصص الضيق والتعصب الفكري يولدان الجهل ويؤديان إلى تضخيم الادعاءات الكاذبة. الفكر المتوازن قادر على الحوار ونقد الآراء الأخرى. فلسفة وعلم الحياة يحتاجان إلى منظور شامل، وتعاون بين المتخصصين من مختلف التخصصات، مع مراعاة جميع الأبعاد.

تعريف الاحتياجات الإنسانية في علم الحياة

الإنسان كائن متعدد الأبعاد وذو احتياجات متنوعة، ويجب إشباع هذه الاحتياجات بطريقة شرعية وبنور علم الحياة. كل فرد ومجموعة تسير في طريقها الخاص دون عائق، ولا يجب إجبار أحد على تغيير مساره إلا بالاقتناع والتفاهم.

الهيكلة التنظيمية للحياة

لصياغة علم الحياة بشكل مناسب، يعتمد على هيكل تنظيمي قائم على بنوك معلومات حاسوبية ضخمة. الهيكلة تساعد على تقدم العالم وبالتالي تقدم علم الحياة.

كما يحرص التجار على تحديث بضائعهم، كذلك يجب على علم الحياة أن يكون متجدداً ومبتكراً.

بدون تنظيم وتعاون بين الخبراء، يفقد العلم حيويته ويصبح معزولاً.

الوعي بالحياة والعبودية

علم الحياة يدرس موضوعاً هاماً هو “عمر الإنسان” ومراحله. يعلّم الفرد أن يعي كل لحظة من حياته، إما بالتفكير والورع، أو بالعبادة والخدمة الاجتماعية.

ما يبقى حقاً هو الحكمة في الحياة والعبودية، لأنهما يؤديان بالضرورة إلى نفع المجتمع. العمر ظاهرة تكتسب قيمتها بالوعي بها.

فعلى سبيل المثال، إذا حسب الإنسان عدد أنفاسه في دقائق أو عدد نبضات قلبه، يكتشف أن الحياة ليست قصيرة جداً، لكننا نهدرها بسهولة.

علم الحياة يمنح الإنسان القدرة على التحكم في عمره وجعله مرغوباً، فالحياة بكل صعوباتها ومشاكلها حلوة ومحببة، ولا يرضى أحد بالتخلي عنها إلا أولياء الله.

إذا لم يعرف الإنسان علمَ الحياةِ، فإنه يحرق ويهدر كثيرًا من النعم المادية والمعنوية التي يمتلكها، وذلك لمجرد أنه أحيانًا يلجأ إلى الاعتماد على شخصٍ آخر. كثيرًا ما يُهلك الناس أنفسهم ولا يصلون إلى مبتغاهم لأنهم لا يعلمون علم الحياة. ويتضح هذا الأمر خصوصًا حين لا يبقى سبيلٌ للعودة أو التقدم، فينكسر الإنسان في منعرجات الحياة. في حين أن من يمتلك علم الحياة ويعرف قواعد التحكم في أحداثها، فإن منعرجاتها تصقل جوهر ذاته. أما الأفراد الضعفاء والجاهلون بعلم الحياة، فهم في مثل هذه الأوقات يتحطمون ويفقدون أنفسهم.

علم الحياة يُعلّم الإنسان البصيرة والإدارة والسياسة. والسياسة هي التعامل الصحيح مع كل قضية، ويجب أن يؤخذ هذا التعامل الصحيح من الدين، إذ إن الدين هو منهج الحياة السليم. وتنظيمية الدين هي أعظم ميزاته، حتى يُقال إن الطبيعة ذاتها تمتلك دينًا ومجموعة من القوانين المنتظمة والكونية التي تُلزِم الظواهر الوجودية بالامتثال لها. وإذا أردنا بيان أهم خصائص معنى الدين، فهي “تنظيميته”، وعلم الحياة يسعى لتنظيم حياة كل فرد بما يتناسب مع قدراته وميوله وخلفياته. وبما أن السياسة تعني المواجهة الصحيحة العميقة، فإن علم الحياة هو سياسة قائمة على الدين، فالدين وعلم الحياة يعبران عن نفس المعنى الذي تعبر عنه السياسة الرشيدة المتبصرة.

عناوين الحياة

كما ذكرنا، يسعى علم الحياة إلى التعرف على فصول ومراحل الحياة الحساسة لكل إنسان، التي تحظى بأهمية خاصة، سواء كانت أيام ألم وحزن ومصائب أو ليالي فرح وسرور. على الرغم من أن الأولياء لله يرون كل ما في الحياة من حزن وألم وفرح هبة إلهية، ولا يفرقون بين الفصول المختلفة لحياتهم، فالفرح والحزن لديهم سواء. هذه الفصول المهمة في الحياة ثابتة ومعروفة ومتجانسة، لكنها غير متوقعة لمعظم الناس، وكأن القدر يلعب مع الإنسان بحيث توضع له الأمور شيئًا فشيئًا وتنهال عليه بهدوء. ورغم أن نظام القدر عالم بكل شيء، إلا أن باطن الإنسان غالبًا ما يكون على علم بما يجب أن يحدث، وإن لم تدرك العقل والذاكرة والذكاء الظاهر هذه الحقائق، إلا أنه يمكن للإنسان أن ينتبه لها بلمسة داخلية ويتنبأ بها.

تعليم كيفية العيش ضروري لكل إنسان، رجلاً كان أو امرأة، حتى يعرف كل منهم كيف يواجه مشكلات كل مرحلة من مراحل حياته ويحلها، ويجب أن ينتشر هذا التعليم في المجتمع. للأسف، بسبب غياب التعليم الصحيح والإرشاد للمرأة والرجل في الحياة وعدم اطلاعهم على كيفية التعامل، نشأت فوضى كثيرة. وإذا زالت هذه الفوضى، يتضح قيمة طاعة الزوجة لزوجها وتآزرها معه، حينها يفهم الرجل أنه لا ينبغي أن يقوم على القهر والظلم والعنف، بل يستطيع بالحب والصدق أن يجعل المرأة طائعة ومتجانسة معه تمامًا.

امتلاك علم الحياة يفوق كل عمل. هذا العلم والوعي يجب أن يسبق أي عمل في كل مرحلة، وإلا فإن الأعمال تلغي بعضها البعض ولا تؤدي إلى نتيجة. من يعرف تحديات وأضرار الحياة لا يخاف من المشاكل ولا يرهبها، بل يحصل على أدوات السيطرة والخروج منها. يجب أن يكون للإنسان معرفة عقلية تمكنه من تصور نفسه كما هو، فلا يقلل من نفسه ولا يبالغ في تقديرها.

علم الحياة يجمع الأفكار المتفرقة في هيكل منطقي ومنظم وشامل، ويتجنب التفاصيل التي قد تفقد جزءًا من المعرفة، ليكمل دائرة كونية متكاملة. في هذا النظام تُحفظ صلات كل مكونات هذا العلم.

هذا العلم لا يقتصر على الحاضر فقط، بل يفكر مسبقًا في المستقبل ويخطط له، ويرسم معايير جديدة في جميع المجالات ذات الصلة، ويعرض نموذجًا بسيطًا يستند إلى آيات القرآن الكريم والثقافة الشيعية.

علم الحياة يُبيّن ضرورة التعرف على الأضرار والعقبات والأعداء، ويرسم خارطة المواجهة والصمود ضد المخاطر. ينظم أفضل الطرق لكل أمر. واستراتيجيته هي تعليم الفرد داخليًا بناءً على نقاء ذهنه، إذ إن التنقية والتزيين من الداخل أفضل من التغيير الخارجي.

مراتب الحياة

علم الحياة يعلم أن حياة الإنسان ليست متساوية في القوة والضعف، تمامًا كما أن طاقة الكائنات المختلفة تختلف. فالحياة قد تكون نورًا أو نارًا، حلوة أو مرة، والصفات والأخلاق والطبائع تختلف باختلاف حياة الإنسان. الحياة المتنوعة هي مظاهر من أسماء وصفات الله تعالى، التي كلها جمال وكمال، ولكل منها مظاهر مختلفة. فمثلاً، من يظهر فيه صفة “المضل” يختلف عن من يظهر فيه “اللطيف”، ومن يظهر فيه “القهار” و”الجبار” يختلف عن من يظهر فيه “الودود” و”الرحيم”. ومن يظهر فيه “اللطف” يختلف عن من يظهر فيه “العطوف” و”الرفيق” و”الشفيق”. يمكن للإنسان الحكيم أن يتعرف على هذه الاختلافات ويقرأ ظواهر الناس، لأن الظاهر يعكس الباطن.

من لا يعرف علم الحياة يرتكب ظلمًا كبيرًا لأسرته ومجتمعه دون أن يشعر، والعلم والوعي هما السبيلان لمنع الإنسان من الظلم اللاواعي. لعلم الحياة مراتب متعددة (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، وليس من السهل الوصول إلى عمق هذا العلم، ويجب تحديث المعرفة باستمرار. والكتاب الحاضر هو محاولة جديدة وموثوقة ومدعمة بأدلة عقلية وتجريبية في هذا المجال.

علم الحياة يقول إن الإيمان بالحياة علمٌ. الحياة ذات مراحل ومراتب وقوانين، ومن لا يعرفها يعيش حياة مضطربة مليئة بالمشاكل، وقد يموت موتًا سيئًا. من لا يعرف متى يلين ومتى يستخدم “إكسير الحب”، متى يغضب ومتى يتسامح، ومتى يكون جادًا، يخلط كل شيء بجهله. من يملك علم الحياة يعرف تحدياتها ويملك إدارة صحيحة لها، فيقود حياته بأقل أضرار وأفضل خطط. يعرف كيف يوازن بين حب الأم والزوجة، ويخفف النزاع بين حماته وزوجته، ويحول الزوجة المكلفة إلى زوجة متفاهمة. يفرق بين المهم والثانوي، ويعرف ماذا يجب أن يفعل وماذا يترك.

علم الحياة في بعض المجالات الاجتماعية لا زال غائبًا، مثل تنظيم العلاقات بين الرجل والمرأة وأخلاقها وعلاقات الأسرة، وهذه مسائل تحتاج إلى تحليل وفتح صحي، وعلم الحياة هو الثقافة التي تستطيع معالجة هذه القضايا.

بداية الحياة

كل حياة تبدأ باسم “الحي” لله تعالى، وهو أول اسم من أسماء الله العظيمة التي تعبر عن حياة الله ووجوده. العلم والقوة وغيرها من الأسماء تتبعها. الله يملك الحياة، والعلم، والقوة، والإرادة، والإنسان حين يكون حيًا يستطيع أن يصل إلى المعرفة والكمال. من يملك جسدًا حيًا فقط دون أن يعي حياته الروحية فهو ميت روحيًا. الميت لا يصبح إنسانًا حقيقيًا، رغم أنه قد يشغل منصبًا أو يعمل، لكنه بلا حياة حقيقية.

الفلسفة وعلم الحياة يرتبان سير الطبيعة مع حركة الله، والقدر، والإرادة. لكن سير الأولياء محبوب الله يختلف عن حياة الناس العاديين. علم الحياة يوضح كيفية السير على هذا الطريق الطبيعي ويبين العقبات والطرق اللازمة للتغلب عليها. الدين الإسلامي يهدف إلى تحقيق الكمال المطلق.

علم الحياة يريد أن يعرف الإنسان بالولاية والعصمة والطهارة، وبصحة الطريق، وكفاءة العمل، والإيمان بالتوحيد، حتى يشعر بأنه ابن روحي للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ويكون له أب روحي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأمه الروحية فاطمة الزهراء عليها السلام.

قيمة الحياة الدنيوية

علم الحياة يقول إنه لا ينبغي التقليل من قيمة الحياة الدنيوية. فالحياة الدنيوية تتطلب حسن البصيرة في الإدارة من الدولة إلى الأسرة. الحياة الصحية والسعيدة لا تتوافق مع الفقر. الفقر لا فخر فيه، والمال لا يمنع الكمال ما لم يصحبه تكبر وغرور. هناك دول فقيرة وشعوب بائسة، ودول متقدمة وشعوب تعيسة، المشكلة في الأولى هي الفقر وفي الثانية الغرور. الدنيا ليست بلا قيمة، بل قيمة لحظة واحدة فيها تعادل ثواب آلاف السنين في الآخرة. الدنيا دار العمل والاختيار، والآخرة دار الجزاء، والإنسان يحصد عمله. علينا أن نستثمر عمرنا الدنيوي لأن نتيجته أبدية.

نسأل الله أن يوفق الإنسان لتعلم علم وفن الحياة. فالحياة صعبة، وإدارة البيت أحيانًا أصعب من إدارة دولة، لأن الدولة تعمل وفق قوانين محددة، أما البيت فيحتاج إلى إبداع للحفاظ على النظام والراحة النفسية. علم الحياة يمنح الإنسان القدرة على هذا الإبداع.

التعليم والتعلم في الحياة

يجب تعليم علم الحياة منذ مرحلة الطفولة وحتى المرحلة الجامعية. كما هو الحال في كثير من الأعمال التي تحتاج إلى تدريب، فلا يبدأ الفرد عملاً دون تعليم، ولا بد من الحصول على الشهادات والمؤهلات اللازمة لدخول العمل، كذلك يجب أن يتلقى الإنسان تعليمًا للحياة. فالحياة علم يجب تعليمه في المدارس والجامعات. والحياة تحتاج إلى كتاب يوضح كيفية العيش. ومن العوامل التي تؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق هو أن تأسيس الحياة الزوجية لا يتم بوعي، ولا يتم تعليم كيفية العيش بشكل شامل. وفي هذا السياق، توجد ثقافتان خاطئتان حول الحياة، خاصة الحياة الزوجية. فالحياة يجب أن تكون عفيفة، لكن بعضهم يخلط العفة بالجهل، ويرى تعليم المسائل الجنسية بشكل صحيح ومناسب على أنه وقاحة وضد العفة، أي أن العفة عندهم تتحقق على حساب الجهل. أما الثقافة المقابلة فتربط التعليم بالوقاحة، وهي ثقافة تهين الروحانية البشرية بذريعة التعليم. والمجتمع الإسلامي يرغب في الجمع بين الوعي والعفة، ولا يضحّي أحدهما بالآخر.

يجب أن يكون علم الحياة من المواد الأساسية للطلاب، ليعرفوا من خلاله الحياة وعلمها والطرق التي تؤيدها العلوم النفسية والتعليمات الدينية للحياة الصحية. من يملك علم الحياة يعرف مثلاً كيفية التواصل مع المسافر، والأسئلة التي يجب طرحها، والمظاهر الجسمية التي يجب إظهارها ليحصل على رد إيجابي، وبعبارة أخرى، يعرف مهارات التواصل. تعليم مهارات الحياة علم ضروري لكل فرد. فإذا لم يتلقَ هذا التعليم، لا تعرف الفتيات الطهي والخياطة، ولا يعرف الأولاد الأعمال الفنية الأساسية، ولا يتم تعليمهم شيئًا عن الزواج وتربية الأطفال. علم الحياة يتحدث عن مهارات إقامة التواصل الصحي، ويشرح طرق اختبار مهارات الفرد والتعرف على اهتماماته ومجالات نموه وكماله. عندما تُقام مباراة كرة قدم، يعلّق خبراء كثر على أداء اللاعبين ونقاط القوة والضعف لديهم. في علم الحياة، يُقاس التزام الفرد بالمعتقدات الدينية، واهتماماته، والنتائج العملية لذلك، وكذلك مجالات النمو والكمال، وتُكشف مواهبه. من يملك علم الحياة يكتسب القدرة على تشخيص التوافقات والانسجام، وبناءً على العقلية والقضايا النفسية لكل فرد، يستطيع أن يكون مستشارًا واعيًا وأمينًا يوجههم لاتخاذ القرارات الصحيحة.

منطق علم الحياة

علم الحياة يحتاج إلى منطق راسخ لقياس فرضياته. المقصود بالمنطق هنا هو المعايير المدروسة والمقبولة عالميًا. لقد جمعنا هذا المنطق في مجموعة من الكتابات التي تناولت ثلاث مجالات: العلوم المعرفية مثل اللاهوت وعلم النفس، والعلوم التطبيقية مثل الفقه والقانون واللغويات، والعلوم الاجتماعية مثل السياسة والاقتصاد. هذه الكتابات تشمل أهم المجالات اللازمة لصياغة فلسفة وعلم الحياة بكل أبعاده الواسعة، بحيث أن دراستها تغطي أهم جوانب الحياة وتضيء عليها، ولكن ينبغي على القارئ أن يكتشف الترابط الداخلي بين الأفكار لكي يستفيد منها بشكل أكبر وأكثر فعالية. الكتاب الحالي هو نموذج صغير ومقدمة لعلم الحياة، ونأمل أن يكون منطلقًا مباركًا للبحث الواسع في هذا العلم المنسي وغير المهندس، وأن يلفت الانتباه لأهميته.

هذا الكتاب يعرض حقائق الحياة الإنسانية بأسلوب حر وعلمي، ويؤمن بأن التفكير الحر العلمي والمنهجي يعزز الفكر ويطوره. يحتوي الكتاب على حقائق قد تتعارض أحيانًا مع آراء بعض السطحيين. إذا لم يُحفظ مجال التفكير الحر لنشر مثل هذه الأعمال العلمية والمنهجية، وإذا سيطر الفكر الاستبدادي على المجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى جمود وضعف الثقافة، والأهم من ذلك، إلى منع المثقفين من معرفة الحقائق والحرمان من العيش الصحي.

لا يمكن كشف الحقائق في بيئات استبدادية، ولا في فضاءات يسودها النفاق والزهد الكاذب والرياء والرهبانية والخداع، بينما يمكن من خلال الابتعاد عن هذه الأمور بيان جماليات الحياة الدنيوية الدقيقة التي تؤدي إلى صحة النفس والجسد وتنشيط الروح.

بما أن الوجود حركة، فإن السياسة والتدبير والفلسفة وعلم الحياة والعدل أيضاً موجودة. الوجود نظام ميكانيكي، ومن هذا المنطلق لا يمكن للفيلسوف أن يغفل السياسة أو فلسفة الحياة أو تدبيرها، أو أن يكون بدون علم الحياة. الفيلسوف الذي لا يهتم بفلسفة وعلم الحياة هو مثالٍ على المثالية الخيالية التي تحكي قصصًا بلا أساس. الفيلسوف هو من يفكر في وجود العالم وطريقة العيش والازدهار فيه، ولا يمكنه أن يرى الوجود مجزأً أو جزءاً منفردًا، بل يؤمن بوحدة النظام الكلي للوجود، ولا يستطيع تجاهل مجتمعه وشعبه وحياتهم، ولا إهمال مشاكلهم وإصلاح بنية المجتمع وحياة البشر. عندما تأخذ الفلسفة الوجود موضوعًا لها وتصل إلى مراتب الوجود، فإن العالم والحياة البشرية يكونان النص الأساسي لها. يرى الفيلسوف سعادته الأخروية مرهونة بصحة دنياه، ويسعى لبناء دنيا مزدهرة ولديه نظريات وتصاميم للحياة الدنيوية. هو يرى الأساس الأخروي في هذه الدنيا، التي يمكن أن تكون مزرعة صالحة أو مزبلة للأخرة. لا وجود للإنسان في الآخرة دون المرور بحياة دنيوية صحيحة وصحية. الفلسفة تعني تفحص المجتمع بناءً على معرفة الوجود. كل مشاكل مجتمعنا تنبع من غياب الفيلسوف، وعلم الحياة من العلوم التي يجب أن يخطط لها الفلاسفة المهندسون. الفيلسوف في الحياة هو من يفكر في صحة الدنيا وسعادة الآخرة، ويحوز على رموز المجتمع، ويعرف الشريعة كفلسفة جيدة. عليه أن يكون أعيناً وأذاناً مفتوحة أكثر من الجميع، ومنسقًا بين البشر والعلوم، وليس غريبًا عن مجتمعه أو دنياه أو آخرة. هذا هو الفيلسوف القادر على كتابة علم الحياة. فيلسوف الحياة هو الذي يؤلم معاناة مجتمعه وشعبه ودينه وثقافته وحياة الناس، ويشكل نص كتابه بناءً على مجتمع وحياة الإنسان المستحقة. هذه هي مهمة الفيلسوف والعارف، أن يتحدث عن علم الحياة وكيفية إدارته وسياساته، لأن الحياة والوجود مرتبطان. لا مكان في الوجود يخلو من الحياة.

الفيلسوف الذي يريد تصميم علم الحياة وإدارته، ويطمح إلى حياة صحية وعادلة، يجب أن يعرف علم الإنسان وعلم النفس ليتمكن من التعامل مع المجتمع دون ظلم أو أذى، ويحفظ نفسه من أذى الأشخاص المنحرفين. يجب أن يعرف كيف يتعامل مع نفسه وزوجه وأولاده وأفراد المجتمع، وكيف يكون رحيمًا معهم، وكيف يفهم المناسبات، وكيف يخطط لحياته ويقدر مستقبله ويعرف عواقب قراراته. من يملك علم الحياة لا يصل أبدًا إلى مرحلة الشكوى أو الغضب من الناس أو الله، ولا يعاني من التوتر والقلق، لأن ذلك يحدث لمن يواجه مشاكل في عقلانية حياته وعلمها. من يدرك علم الحياة يمتلك عقل الحياة والأساس الضروري له، ويحرص على الصحة والعفة والكفاية والكرامة، ويبعد الإنسان عن التطرف والتفريط، ومنع النقص أو الزيادة في حياته. علم الحياة بعلمائه يجلب العفة والكفاية، وصحة الروح وطيبة المال، وأولادًا صالحين، ويبعد الإنسان عن الطمع والإيذاء والتوتر النفسي من أجل زيادة المال.

العلوم المؤثرة في علم الحياة

من العلوم الفعالة في تحسين الحياة «علم أسماء الله الحسنى» و«علم الذكر». يشرح هذا العلم خصائص الأسماء وآثارها وبركاته التي تعتبر قمة أهل المعرفة. هذه الحقيقة لها أبعاد واضحة، وعند تحقيقها، تسهم في حل كثير من المشكلات النفسية والنقص لدى الإنسان في عصرنا الحالي. كيف يعقل أن يكون للدواء والحقن مفعول ويكون للأسماء والصفات، تجليات الله الظاهرة، بلا أثر؟ ولكن لا يجب خلط هذا بأوهام وأساطير الدجالين والكذّابين الذين يستخدمون هذه العلوم في خداع الناس، وهؤلاء كثيرون، وهم مدانون من قبل أجهزة الأمن، ويجب على كل مسلم محاربتهم.

لا ندعو في هذا الكتاب أحدًا إلى التصوف، بل نقدم علم الحياة بمداخل ومخارج واضحة. التصوف ليس طريقًا عامًا، وإن كان يتم تحت إشراف شيخ محبوب وولي، فهو شاق ومرهق، ويترك أثرًا عميقًا لا يزول. التحركات السريعة وغير المحسوبة في طرق التصوف تؤدي إلى أذى نفسي وروحي كبير، ولا ننصح أحدًا باتباع هذه الطرق خاصة في الظروف المعاصرة.

علم الحياة قائم على علوم متعددة، وهو الطريقة التي تجعل تعليم العلوم الإنسانية والدينية بشكل سهل وميسر، ويعزز نمو الناس في هذه العلوم، وفي هذا الطريق يتحقق حرية الفكر والأمن المجتمعي.

في هندسة علم الحياة لا يمكن الاعتماد الكلي على علوم المتخصصين التجريبية، خصوصًا الطب، فهي متخصصة فقط في تربية وعلاج الجسد، وبطريقة طبية وليست حكيمة. كان الأطباء السابقون حكماء، كانوا يستمعون للمريض بانتباه، ويراقبونه بدقة، ويشخصون الأمراض دون الحاجة لفحوصات معقدة، لأنهم تعلموا الطب الفلسفي الحكيم. اليوم، العلوم التجريبية لا تستطيع استعادة هذا العلم لأنه موهبة الرجال المتفانين والمخلصين الذين تنقى أرواحهم.

علم الحياة يصنع أسلوب الحياة ويوجهها. هو أفضل مجال، مع تقدم العلوم التجريبية، أن لا تتخلف العلوم الإنسانية، وإلا يتعطل التوازن، ويواجه المجتمع خطر العلمانية العملية. هذا المجتمع يصبح كآلة متطورة لكنها بلا مكابح، مما يؤدي إلى الضرر أو الهلاك.

اليوم، يتقدم العلم التجريبي والتكنولوجيا بسرعة، ويبدو أن كل شيء ممكن، لكن ما ينقص هو النقاء، الصدق، طهارة الروح، وباختصار علم الحياة الصحيح. العلم التجريبي اليوم مع غفله عن علم الحياة أصبح سببًا لأزمة الروحانية، ولا يمكن نسب ذلك إلى الجهل فقط. يوصف آخر الزمان بأنه مكان مليء بالظلم، والإمام المهدي سيحول العالم من ظالم إلى عالم عدل. وما يلفت الانتباه هو أن العلم في كلا العالمين يمكنه أن يسبب كلاً من الظلم أو العدل، ولا مكان للجهل في أي منهما.

الدين والحداثة

إنَّ علم الحياة يأخذ شكله ومضمونه من الإسلام، ويجب أن يُراعى التوافق بينهما. فلا يجوز أن يكون شكل الحياة مختلفًا عن مضمونها المستمد من الدين، وإلا تحولت الشريعة من حكم واعتقاد إلى مجرد حكمة، ولم تعد دِينًا بمعنى طريقة حياة. كما أنَّ كلمة الدين تعني المنهج، وأبواب الفقه الواسعة تبيّن كافة أشكال وأساليب الحياة.

يعلّم علم الحياة كيف أن الحداثة لا تنفصل عن التدين، وكيف يمكن جمع الصفاء والحب مع التدين والوعي. هندسة علم الحياة هي من الأعمال الفكرية والثقافية والبحثية التي تشكل رأس الهرم، كما أنها تصنع الهرم نفسه، ومن هذا المنطلق تتضح ضرورة الاهتمام بهذا العلم.

يقول علم الحياة إنه كلما ازداد عقل الإنسان وفهمه، ازداد حاجته إلى الدين والشريعة. فالأشخاص المتميزون كالابن سينا، أو أصحاب السلطة والثروة، هم بحاجة أكبر إلى الدين والتدين، لأنهم بلا ضوابط دينية يمكن أن يحولوا المجتمع العالمي إلى مستنقع، كما أن زيادة سرعة السيارات تستدعي وجود فرامل أقوى.

يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار أن الاقتداء بسيرة الأئمة المعصومين يتطلب اجتهادًا دقيقًا، والانتباه لكافة الخصوصيات والجوانب، والإحاطة بمقتضيات الزمان والمكان ومعرفة المواقف، فلا يكفي الدراسة السطحية أو التفكير البسيط لجعل سلوكهم نموذجًا لحياة سليمة.

يطرح علم الحياة أسس الحياة السليمة التي يجب أن تقوم على مبادئ منطقية هامة. ولا يقبل علم الحياة آراء أي شخص، بل يسعى لاختيار فقط الأقوال الصادقة من كل علم. فالقول بأن «رأي كل شخص صحيح بالنسبة له» هو اعتقاد ذهني لا قيمة له من حيث الحقيقة، فالحقيقة واحدة، ولا قيمة لأي رأي ما لم يتطابق مع الواقع. مثلاً، إذا وُجد معدن تحت الأرض، فالقول الصحيح هو الذي يطابق نوع المعدن، وتعدد الآراء لا يجعل المعدن من أنواع متعددة.

يستلزم علم الحياة معرفة أسس العلوم لاستخلاص الأقوال الصادقة. فقد تعرض الدين والعلم عبر الزمن، وتحت حكم السلاطين والخلفاء الظالمين، إلى تحريفات كثيرة، رغم مجهودات العلماء الدينيين والتجريبيين للحفاظ عليهما. وكان ذلك كإنسان وسيم لم يغتسل أو يلبس جديدًا فترة طويلة، فإذا استحم وتأنق، لم يُعرف على أنه نفسه السابق القذر. لهذا عندما يظهر صاحب الدين، الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، ويكشف عن دين جده، يقول كثيرون إنه دين جديد ويرفضونه، في حين أنه يبين الدين غير المحرف لجده.

لقد عانت الثقافة الشيعية من التقيّة والغربة عبر تاريخها بسبب جور الخلفاء، مما أدى إلى إخفاء بعض حقائق ثقافة التشيع عن التاريخ والمجتمع. مجتمعنا اكتفى بمحبة أهل البيت دون معرفة عميقة بولاية أوليائهم، ونعرفهم بالأسماء فقط دون التمعن في مقامهم النوري والولاية. نحن أقوى من الفرق الأخرى ثقافيًا، لكن المسألة ليست في التفوق، بل في مقارنة ما نحن عليه اليوم بالثقافة التي كان يمتلكها الأئمة الأربعة عشر (ع). ابتعادنا عن الثقافة الأصيلة لأهل البيت جعلنا في مجالات العلوم والفنون، لا سيما علم الحياة، في مستوى بدائي، ومصيرنا أن نتأثر بتحريفات.

لو نمت شجرة علم الحياة على هذه الثقافة الغنية، وبخاصة في ظل فقه الاقتصاد الإسلامي، لتحسن وضعنا الاقتصادي، وسيُعرف الإسلام في المستقبل بالتشّيّع العلمي والعقلاني.

إذا تولى علم الحياة قيادة المجتمع بأدوات فنية وطاقات الشباب، واعتُبر علمًا اجتماعيًا عامًا، فسوف يظهر تأثيره الإيجابي سريعًا، كما ستتكشف التحديات الناتجة عن سوء الفهم والتفسير الخاطئ. وإذا لم يُدار اجتماعيًا، فلن يكون له اختبار عملي، ويشبه «وضع حجر أو ذهب»، فلا يُعرف تأثيره الحقيقي. عندما يستوعب المجتمع هذا العلم، ولن يقتصر تطبيقه على الكتب أو الأشخاص، فإنه يصبح معيارًا للاختبار والتأثير.

في العصر الحاضر، حيث نخبنا مطلعون على الفلسفة الوجودية الغربية التي تحاول تفسير القضايا الإنسانية وتخفيف القلق النفسي، ينبغي لعلم الحياة أن يقدم فلسفة صحيحة تستطيع تحليل هذه القضايا تصميم حلول عقلانية. وهذا ما نحاول تحقيقه في هذا الكتاب.

علم الحياة علم حقيقي وحكمي، وليس صورياً. فالعلم الحقيقي يمنح الروح حياة، أما العلم الصوري فيثقل الروح ويجعلها أسيرة الأرض. العلم الاصطلاحي هو صورة العلم فقط، وليس له دور في الإرادة والروح الداخلية للإنسان. عالم تفسير القرآن، أو الفقيه، أو الفيلسوف إذا تعلق بالعلم الصوري، فلن يتحقق لديه تجديد داخلي، بل يصبح العلم أداة لا أكثر.

من يعاني مشكلات نفسية واجتماعية وعائلية وقومية لا ينبغي أن يتوقع أن تحلها العلوم الصورية، فهذه تزيد فقط من قدراته على تطبيق القوى، لكنها لا تحدث تحولًا حقيقيًا. العلوم الصورية أدوات وتقنيات تُستخدم كما يُستخدم الأدوات اليدوية، ولا تبني الإنسان أو تضمن له آخرتًا، وإنما فقط تعطي أثرًا ماديًا ومظهريًا.

العلم الحقيقي يمنح القوة، والعدل يقوم على علم بالعدل وقدرة على تطبيقه. لا يكون الإنسان عادلاً ما لم يكن لديه علم بالعدل وقوة على تطبيقه. مفاهيم العدل في الثقافة الشيعية تشمل الجميع، حتى رب الأسرة، الذي يجب أن يكون عادلًا بمعنى أن يملك علم الحياة وقوة تطبيقه. العدل أمر ثقيل، وقليلون من يمكنهم الوصول إليه.

علم الحياة من مسؤولياته تربية الفرد العادل، الذي يعرف ما يجب فعله في الحياة ويمتلك القدرة على تنفيذ معرفته. الحياة علم، والعلم مرتبط بالقوة، وعلم بلا قوة خيال. الذهنيات التي لا تمكن الإنسان من السيطرة وإدارة حياته ليست علما.

علم الحياة هو قوة الوجود، والوجود لا يتجزأ. وهو حياة متحركة، لأن الحركة علامة على الحياة، وكل شيء في حركة مستمرة.

الحياة لها حركة أيضًا، ونحن نظنها ساكنة، مثل طائرتين تزوّدان الوقود في الجو، فمن بداخلها يظن أنهما بلا حركة. كل الوجود يتحرك معًا. الكون كله له وحدة وزن وتجانس. في العالم لا يوجد اتصال بل ترتيب مراتب. لا موت في العالم، فالعمل لا ينتهي بالانتقال إلى الآخرة والقيامة.

علم الحياة، بما هو علم حقيقي وحكيم، علم ديناميكي ومتجدد لا يمكن حصره في زمن معين، وهذه الديناميكية تمنحه صفة السيولة والقدرة على التحديث. علاوة على ذلك، يجب أن يكون علم الحياة ديناميكيًا؛ لأن وصفة الحياة لكل فرد خاصة به وفي زمنه، ولا يوجد إنسانان متساويان في المستوى، وكل ظاهرة قائمة في مرتبة معينة. الشكوك الطولية التي تخلق المراتب تسود كل الموجودات. لا يمكن إيجاد شخصين يقفان جنبًا إلى جنب في المرتبة نفسها. الناس، وبصفة عامة كل الظواهر، تُرتب حسب أفعالهم، ولا يمكن أن يكون ناتج عمل شخصين متساوياً ليجعلهما في رتبة واحدة. لا وجود للمساواة في العرض مع وجود ترتيب ودرجة.

القاعدة الصوفية المشهورة «لا تكرار في التجلي» تشير إلى هذا المعنى. والأمر العجيب هو أنه رغم أن كل شخص في مرتبة معينة، فإن التبدلات لا تجعل اثنين في نفس المرتبة. لكل شخص دورة زمنية، والجميع يتبدلون، فاليومين يحل محلهم آخرون كما حل اليوميون محل السابقين. خلاصة القول، لا روح ولا جسد يشبهان بعضهما البعض.

ومن الجدير بالاهتمام أن القرآن الكريم وأحاديث الأئمة المعصومين (عليهم السلام) – نظرًا لكونهم فوق الزمان – خاصة القرآن الذي هو بطاقة تعريف الوجود وظواهره، يحتوي على وصفة حياة كل شخص.

محورية الأستاذ في علم الحياة

بعد تأليف كتاب «حوليات»، يحتاج علم الحياة إلى أستاذ ماهر ومحنك يستطيع إنتاج فلسفة وعلم الحياة. هذا الكتاب لا يعلّم الحياة بمطالعة فحسب، بل يجب اقتباس الحياة من أستاذ باحث. التهاون في إيجاد أستاذ مناسب وطلب العافية لا يؤدي إلا إلى الاستياء والملل من الحياة وعلمها. من لديه أستاذ مجرب يستطيع تحديد ضروريات وأولويات حياته وترتيبها حسب أهميتها، فلا يضيع الوقت والجهد في أمور غير ضرورية، ويزيل أسباب الاضطرابات مثل الخجل، الكسل، عدم احترام الآخرين، ضعف الإرادة، الفوضى، التهيؤات غير الواقعية، الهروب من المشاكل، وغيرها، ليصبح واعيًا وصادقًا وثابتًا.

علم الحياة ليس قراءة كتب فحسب، بل يجب أن يمتلك الشخص قوة تفكير حياتي، وأن يتدرّب عمليًا تحت إشراف مدرب مجرب. القراءة دون تأمل تؤدي إلى تعطيل الفكر. يتطلب دراسة علم الحياة الوحدة والخلوة خصوصًا في الظلام والحياة الليلية ليصبح من الذهن إلى الواقع محسوسًا.

بالطبع، ليست كل مدارس التدريس مقبولة، بل ينصح بالطريقة الولائية؛ لأن الحقيقة ليست إلا طريق التلمذة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). أي مسلك خارج هذا الإطار لا يحمل إلا المرض والنقص، كما أن الحقيقة لا تُنال بمجرد الكتب، بل بالسعي بالقلب والمعرفة. أصحاب المعرفة هم الباحثون عن الحقيقة والموصولون بالأساتذة الولائيين الذين يستطيعون تجاوز الكلام النظري والقيود ليجدوا الحقيقة.

من يطلب صحة الحياة من الكتب والمناقشات فقط لا يصل، ومن يتبع الأساتذة الأكفاء يحصل على روح وجو مختلف ويصبح قولهم وفعلهم ونفسهم مختلفًا عن غيرهم.

علم الحياة يهدف إلى بيان مسار الصعود والطريقة للوصول إلى الكمال الطبيعي والاختياري للإنسان، وكشف البراءة الفطرية التي اختفت تحت ستار الأنانية والنسيان. معلم هذا العلم هو القرآن الكريم والأئمة المعصومون، وفي عصر الغيبة يتولى العلماء الربانيون هذا الدور لدعم الإنسان، وتنمية الكمالات النفسية التي تشمل الظن، الشك، الخيال، والاعتقادات غير المستندة إلى دليل، ليصل إلى العقل والعلم وخصائص الظواهر في الفكر. كما يصلون المريدين إلى المعرفة الحقيقية والروحانية بالتقوى والإرادة.

الأولياء الإلهيون الذين يقدرون على المعونة هم أولياء محبوبون لديهم معرفة موهوبة وعلم فوق زماني. من يطلب كماله الإنساني الحقيقي تحت إشراف أستاذ محبوب ويهدف إلى القرب من الحق يتلقى في طريقه الألم والفراق والابتلاء، فإذا اشترى هذه الآلام بالحب وقف بثبات وتقدم حتى يزول عنه كل شيء.

طريق الحب يجب أن يُسير بنعمة الله، والله يحب عبده جدًا ويقربه إذا رأى الاستعداد لديه.

لإيجاد معنى الحياة السليمة يجب العودة إلى النماذج التي عاشت حياة صحيحة، ودراسة أسباب نجاحهم، مثل سلمان الفارسي الذي شرفه أهل البيت بالإيمان والمقامات الروحية.

علم الحياة مسؤول عن بيان هذا المعنى وضمان صحة الحياة التي تتحقق بالكمال المطلق، ويجب تقديم النفس في هذا الطريق الذي سلكه الأنبياء والأولياء.

السير في هذا الطريق ليس سهلاً، لأنه يتطلب تحويل الشعور الديني إلى معرفة دينية، والمحبة القائمة على معرفة صحيحة والتي لا تعني إلا الخدمة مع الحق، وهي عرض للعشق لله تعالى ولأوليائه الذين يرعون الناس إلى الكمال والصفاء.

نظرًا لأن علم الحياة يحتاج إلى معارف كثيرة إسلامية وإنسانية، يجب أن تُعتمد صحة الحياة وتنظيمها على نظام روحاني صالح وقيادة المجتمع وإرشاد الأفراد أولا وأساسًا على أستاذ مناسب، ومن ثم على دور الأم في تربية الأسرة التي تعتبر أساس المجتمع.

علم الحياة هو علم محوري للأستاذ، ويجب أن يُدار بالاقتداء بعالم رباني له ولاية أو ملكة قدسية، وكذلك دور الأم الواعية في تربية الأطفال وصلاح الأسرة.

حتى تأخذ روحانيّة النظام دورها الصحيح في قيادة الناس كوارث للأنبياء، يجب أن يتعلموا علم الحياة بشكل عملي مع الأستاذ، لأن الدراسة النظرية وحدها لا تكفي.

القيادة لا تعني فقط الحكم السياسي، بل القيادة الفكرية والسلوكية، وتوجيه المجتمع نحو كمال كل فرد.

علم الحياة هو علم عملي وتجريبي لا يكتفي بالنظريات، وأستاذه هو من يحوّل هذا العلم إلى تطبيق عملي. إذا لم يُتابع التطبيق العملي، تفقد الدافعية للتعلم.

الحياة هي نسج يصنعه كل إنسان، وإذا لم تكن محورية للأستاذ، قد ينسج الإنسان ما هو أقل جودة.

علم الحياة يحتاج إلى تصديق ومعايشة، ليس مجرد تصور أو حفظ. التصديق هو الذي يخرج العلم إلى العمل والمهارة، وبمساعدة الأستاذ المتمرس يتمكن الإنسان من إدارة حياته بعد فترة.

الأستاذ، بخلاف الكتاب، له نفس (روح) وهو الذي يغير نفس الإنسان بتأثير كلامه وطريقته. لذلك يجب أن يُختار الأستاذ المناسب بعناية لتجنب التأثيرات السلبية.

في ظروف الحرب الثقافية الحالية، ترك الميدان للعدو يعني تدمير الدين، ولذلك يحتاج الناس إلى علم الحياة بقيادة الأستاذ.

مما ورد في هذا الكتاب يجب أن يُمارس تحت إشراف أستاذ مجرب لأن علم الحياة تربية كاملة، وليس مجرد تعليم نظري، وهو تحقق قول الشعر:

العلم كلما قرأته أكثر، إن لم يعمل به فيك، هو جهل

العنصر الأهم للنجاح في الحياة هو «الولاء»؛ فمن لا يقدر أستاذه لا يحقق النجاح، وكذلك من لا يؤمن بالكتاب لا يستفيد من قراءته.

المعلومات التي تُكتسب بدون ولاء تتحول إلى مجرد حفظ لا علم، فلا يُنتج الإنسان منها شيئًا.

أما من له ولاء، فهو يتابع ما يفهم، ويجد إرادة قوية لتجاوز العقبات.

الولاء يولد الإرادة والثقة والاتصال القوي مع من يولي له الولاء، وبدون تناسب طبيعي لا يوجد ولاء.

سنشرح أهمية الولاء لأصحاب الولاية في تسريع سير الحياة الطبيعية.

اكتساب وتعليم علم الحياة

يجب تعليم علم الحياة منذ مرحلة الطفولة وحتى المراحل الدراسية الجامعية. كما أن العديد من الأعمال تحتاج إلى تعليم مسبق، ولا يمكن للفرد أن يبدأ عملاً ما دون امتلاكه المؤهلات اللازمة والشهادات المطلوبة، كذلك ينبغي تعليم مهارات الحياة. فالحياة علم ينبغي تعليمه في المدارس والجامعات. الحياة تحتاج إلى كتاب يوضح كيفية العيش. ومن أسباب ارتفاع نسب الطلاق أن تأسيس الحياة الزوجية لا يتم بشكل واعٍ، كما أن كيفية العيش لا تُعلَّم بشكل شامل.

في هذا السياق، هناك ثقافتان خاطئتان حول الحياة وخاصة الحياة الزوجية؛ الأولى تربط العفة بالجهل، فتُعتبر تعليم الأمور الجنسية في الإطار الصحيح نوعاً من الفجور ومعادٍ للعفة، أي أن العفة عندهم تتحقق بالجهل. والثانية تربط التعليم بالفجور، حيث يتم انتهاك القداسة الروحية تحت شعار التعليم. المجتمع الإسلامي يريد الجمع بين الوعي والعفة، ولا يضحي بأحدهما من أجل الآخر.

ينبغي أن يكون علم الحياة من المواد الأساسية للطلبة، لكي يتعرفوا من خلالها على الحياة وعلمها، وعلى الأساليب التي تؤكدها علوم النفس والتعليمات الدينية للحياة الصحية. الفرد الذي يمتلك علم الحياة يعرف مثلاً كيف يتواصل مع شخص مسافر، ما الأسئلة التي يطرحها، وكيف تكون هيئة الجسم والمظهر التي تدعو إلى إجابة إيجابية، أي مهارات التواصل الصحي. تعليم مهارات الحياة علم ضروري للجميع. بدون هذه التعليمات، لا يعرف البنات الطبخ والخياطة، ولا يكتسب الأولاد المعرفة الفنية الأولية، ولا يعلمون شيئًا عن الزواج وتربية الأطفال. علم الحياة يشمل تعليم مهارات إقامة العلاقات الصحية، وأيضاً اختبار مهارات الفرد، واكتشاف ميوله ومجالات نموه وتكامله.

عندما يقام مباراة كرة قدم، هناك خبراء يعطون آراءهم حول أداء اللاعبين، يبيِّنون نقاط القوة والضعف. في علم الحياة، يتم تقييم مدى التزام الفرد بالمعتقدات الدينية، وميوله العملية، وفرص نموه وتكامله، ويكتشف مواهبه. الشخص المتمكن من علم الحياة يستطيع تشخيص مدى توافق الأشخاص مع بعضهم، ويصبح مستشاراً واعياً وأميناً يساعدهم على اتخاذ القرارات الصحيحة بناءً على فهمه لذهنية النفس وقضاياها النفسية.

منطق علم الحياة

علم الحياة يحتاج إلى منطق راسخ لقياس فرضياته. والمنطق هو المعايير المعنوية والمبنية على الدليل التي يقبلها البشر. وقد عرضنا هذا المنطق في مجموعة من الكتب التي تناولت ثلاثة مجالات: العلوم المعرفية مثل اللاهوت وعلم النفس، والعلوم التطبيقية مثل الفقه والقانون واللسانيات، والعلوم الاجتماعية مثل السياسة والاقتصاد. هذه الكتب تحتوي على أهم الأسس اللازمة لوضع فلسفة وعلم الحياة بأبعادها الواسعة، بحيث يشكل قراءتها إضاءة على زوايا الحياة المختلفة، لكن القارئ مطالب بفهم الروابط الداخلية بين هذه المواضيع لكي يستفيد منها بشكل فعّال.

هذا الكتاب يُعد مدخلاً صغيراً وعلمياً لعلم الحياة، ونأمل أن يكون بداية جيدة للبحث الموسع في هذا العلم المهجور وغير المصمم.

الكتاب يعالج الحقائق الإنسانية بحريّة علمية، ويؤمن بأن التفكير الحر العلمي يساهم في تطور الفكر. يضم الكتاب حقائق أحياناً تختلف مع آراء ظاهرية، وإذا لم يُحفظ مناخ حر للنشر، وإذا سيطر الفكر الواحد، سيؤدي ذلك إلى جمود الثقافة وضعفها، كما يحرم المثقفين من معرفة الحقائق ومن عيش حياة صحية.

ختاماً

العالم والوجود متحركان، ولهما سياسة وفلسفة وحكمة تدبير وحياة عادلة. الوجود منظومة ميكانيكية، والفيلسوف لا يستطيع تجاهل السياسة وفلسفة الحياة، ولا يمكنه أن يغفل عن المجتمع والناس وحياتهم ومشاكلهم. الفيلسوف هو الذي يصمم نظريات للوجود والحياة البشرية. الفلسفة حين تركز على الوجود، تصبح الدنيا وحياة الإنسان موضوعها الأساسي. الفيلسوف يرى سعادته الأخروية مرتبطة بصحة دنيوية، ويسعى لبناء الدنيا من أجل حياة صالحة. الدنيا قد تكون مزرعة للآخرة، أو مزبلة لها. من دون حياة دنيوية صحية، لا وجود للإنسان في الآخرة. الفلسفة تعني دراسة المجتمع بناءً على فهم الوجود.

كل مشكلات مجتمعنا تنبع من غياب الفيلسوف الحقيقي، وعلم الحياة من العلوم التي يجب أن يصممها الفلاسفة العلميون. الفيلسوف الحقيقي هو الذي يفكر في صحة الدنيا وسعادة الآخرة، ويكون عارفاً بالشريعة كفلسفة، ويكون العين والذن للأمة، متواصلاً مع كل العلوم، ولا يكون غريباً عن المجتمع. هو الذي يؤلم قلبه هم المجتمع والدين والثقافة والحياة الإنسانية. وهذا هو شأن الفيلسوف والعارف، أن يتحدث عن علم الحياة وإدارتها، لأن الحياة تعني الوجود، والوجود لا يخلو من الحياة.

البقاء في الحاضر

النِّعمةُ هي وصفُ الحياةِ الطيبةِ الحاضرةِ والمُدركةِ. النعمةُ هي حالٌ واقعيةٌ وزمنٌ حاضرٌ. له نعمةٌ من كان له حالٌ وصِفَ حياةَ الحاضر، دون أن يُغْرِمَ بالحُزنِ على الماضي أو يُشغل ذهنه بالمستقبل.

النِّعمةُ تعني الراحةَ الناتجةَ عن حياةٍ صحيةٍ ومُنعشةٍ. في مقابل النعمة، توجد “البؤس”. شدةُ الضيقِ، والضيقُ النفسي، والصعوبة، والقلق، والنقص، والاضطراب، والاحتقانُ كلها نقيضُ النعمةِ. الإنسانُ المعاصرُ يعيشُ في بؤس، ومع أن لديه إمكانياتٍ وتقنياتٍ كثيرة، فقد فقد راحته في الحياة. جولةٌ افتراضيةٌ في مواقع الإنترنت وصفحات الناس وشبكات الأقمار الصناعية تؤكد هذا الواقع. في حياةِ الذين تُعرضُ أمامنا، كل شيءٍ موجودٌ إلا الراحةُ واللذةُ الحقيقية.

الذين يعيشون من أجل الغد أو يفكرون في الأمس، يغفلون عن الحاضر، ويفقدون نعمةَ الحياةِ الطيبةِ التي هي في أن تكون في اليومِ الحاضر.

لا يصل الإنسان إلى الراحة والطمأنينة في الحياة إلا إذا بلغ مرتبة اليقين والرضا. اليقينُ في صحةِ المعتقدات والرضا بأن تعيش في الحاضر وأن تفرح باللحظة الحالية هو معنى الراحة والسكينة.

الحياة الإيمانية

صفة الحياة الطيبة خلوها من القلقِ والتوتر وكل أشكال الاضطراب. السكينةُ والبعدُ عن القلق من شروطِ المعرفة والإيمان والاتجاه إلى الحق. لا يَقلق أحدٌ ولا يرضى بحياته إلا من كان له معرفةٌ صحيحةٌ وإيمانٌ راسخ. لذلك، فإن الحياة الطيبة تُكتسب فقط في سياق الإيمان. النعمة الحقيقية هي الإيمان، وهذه نعمةٌ ظاهرةٌ عامةٌ تشمل الجميع.

الإيمان هو التصديق، والتصديقُ هو العلم، والعلمُ هو كمال القوة النظرية وتفعيلها، والعمل الصالح هو ثمرة القوة العملية التي بلغت كمالها، والتي ترفع الإنسان وتعلوه. العلمُ يكون حقاً عندما يكون نوراً للنفس وطعاماً للروح، ويحول الإنسان من القدرة إلى الفعل، ويصل به إلى المعرفة، ثم إلى التواصي والتذكير بالحق، وإلى الصبر والرضا في كل شؤون الحياة تحت هداية القيادة الولائية التي تُعدُّ زاد الإنسان الأبدي للمجتمع. الإنسان لا يترك المعرفة والعلم في العالم الدنيوي، بل يأخذهما معه إلى الأبد، فتصبح هذه المعرفة جوهرة جوهر ذاته التي ترافقه أبد الدهر. الحياة الأبدية في العوالم الأخرى تُبنى على المعرفة الدنيوية والاختيارات الإرادية التي قام بها الإنسان.

صحة الحياة في الظواهر الطبيعية

قلنا إن جميع الظواهر تمتلك حياة. الطبيعة والعالم المادي لهما حياة، ولكن ما ينبغي الانتباه إليه أن حياة الظواهر الطبيعية صحيحة وسليمة. الطبيعة تملك حياةً صحيةً، ونمطُ الحياة الطبيعي سليم، ولا فساد ولا اضطراب حتى في حياة الحيوانات، فكل منها يسير في مساره الطبيعي السليم، وهي ظواهر حية مفعمة بالنشاط والفرح. إذا أصابت الظواهر الطبيعية أمراضٌ وفسادٌ غير طبيعي، فهو نتيجة تدخل الإنسان السلبي واختلال التوازن الطبيعي. الظواهر الطبيعية وحيوانات الغابة، في ظل قانون الغابة، تعيش حياة صحية وسعيدة إلا حيث يتدخل الإنسان بطريقة غير مناسبة ومفسدة.

بما أن الظواهر طبيعية وصحية، فهي تستطيع أن تكون معلمًا للإنسان ليكتسب حياة صحية. دراسة حياة الظواهر يمكن أن تساعد الإنسان في اكتساب المعايير الطبيعية والمقاييس للحياة الصحية.

المقصود بالحياة الصحية هو إيجاد أقصى تناسقٍ وتوافقٍ وتآلف. كلما ابتعد الإنسان عن الأرض أكثر، استطاع أن يخلق هذا التناسب والانسجام؛ كما يظهر النظام بين الكواكب والنجوم والشُّهابات والمجرات والظواهر السماوية الأخرى، حيث يتفاعل بعضها مع بعض بتناسق عالٍ.

الصحة في الحياة لا تعني فقط استغلال الموارد الدنيوية. نحن نعلن شعار الصحة للعالم، ونسمي السعادة حكرًا على الآخرة، ونتحدث عن نعيم الآخرة. اللذات الدنيوية تحمل في طياتها ألمًا لا يمكن أن يُرضي طبيعة الإنسان، ولكن يمكن بلوغ أقصى درجات الصحة من خلالها.

الله عز وجل يُدير خلقه بنظام ونظام مستمد من رحمته وحكمته وعدله، يمنح الطبيعة آليةً تجعل عملها تلقائيًا ويمنحها فيزياءً خاصة.

الحياة الصحية تبنى على اكتشاف الأنظمة الطبيعية والعمل ضمنها، وإلا فإن التوهم والتخيل والاعتماد على الحظ لا يؤدي إلى أي نتيجة. حتى التشجيع والتهديد إذا جاءا في إطار نظام تربوي لهما تأثير محدود، ولا يُتوقع تأثير أكبر. كذلك النظرة الإيجابية أو السلبية للحياة، والكلمات التي تُضعف أو تقوي الإرادة وتزرع الشعور بالضعف أو القوة في النفس تؤثر بشكل نسبي وليست السبب الوحيد. هذه الأمور نابعة من الجهل، فالإنسان بدلاً من أن يعترف بجهله، ينسب الظلام الذهني إلى أوهام لا وجود لها. كذلك، نظام العالم يُدار بطريقة مشتركة، فلا يُعزى فعل إلى السبب المباشر فقط.

إدارة الطبيعة النظامية المشتركة تمنع الإنسان من الهروب إلى الذهنية المثالية، بل يجب أن يأخذ الأنظمة على حقيقتها ويقرر الحياة الصحيحة بناءً على فيزياء العالم المعروفة وعلى الحقائق الملموسة.

مَسْتَوى الحياة

حياة الإنسان تتشكل في وسط الدنيا، والعالم المادي هو مكان إقامته وفضاء تصرفه واختياره. حياة الإنسان في العالم المادي مجموعة من المعتقدات والصواب والخطأ والحزن والفرح والتوتر والضمير الحي والتشابكات والبشائر واليقظة والأحلام والرؤى والمخاوف والآمال والآلام والكفاح والثبات والصداقة والعداوة والصفاء والصدق والحسد والعشق والاهتمام والهموم والقلق والنجاحات والإخفاقات. هذا الإنسان عليه أن يكون بطل الحق أو يختار هدفاً آخر. الدنيا هي الوسط الذي تكشف هوية الإنسان الأزلية وتحدد كماله الأبدي. العالم المادي وما يحويه من تغيرات طبيعية كليلة ونهار وفصول وتغيرات إرادية هي مدخل الراحة ومهد كمال الإنسان.

سبق وأن قلنا إن عمر الإنسان في الدنيا قصير وعابر، لكنه ينبغي أن يرى بدايته الأزلية ونهايته الأبدية من هنا، وأن يوجه نظره إلى الأبد لا إلى الزائل.

الدنيا متغيرة من لحظة إلى أخرى، لا شيء فيها ثابت. تمر اللحظات، وتُمحى آثار الأوقات الصعبة أو السهلة، والجميلة أو السيئة. فرح الدنيا هو في أنها تمضي، والإنسان يحمل مسؤولياته إلى الدار الأبدية، ويظل ضيفًا على نفسه في تلك اللحظة الأبدية.

لكن يجب أن ننتبه إلى أن الإنسان يعيش بأفعاله الثابتة، ويُحاسب على سوء أفعاله الدائمة. الإنسان يجلس على مائدة أعماله الدائمة، والأفعال الجيدة والسيئة الدائمة هي التي تحدد سلامته وسعادته أو حرمانه وشقائه، وليس الآداب أو المظاهر الخارجية أو العادات.

في مقابل الدنيا، هناك الآخرة التي تتسم بالعظمة التي لا تقاس، وهي أبدية مقارنة بالدنيا. الآخرة هي نتيجة اختيار الإنسان في الدنيا. بالرغم من أنها أبدية، فهي حية ومتجددة. في الآخرة لا تكليف ولا عبء، بل كمال وتألق وظهور حقيقي، وليست حياة مكررة ورتيبة. الجنة والنار تجعل أفعال الإنسان أبدية، وتعطي صورةً حقيقية لحقيقة الإنسان الإلهية. الآخرة هي داخلية الدنيا التي تظهر بضبط النفس. أجواء ذلك العالم خاصة، لا تُدرك بالحواس العادية، وإنما تحتاج إلى فهم خاص، ولا يستطيع الوصول إليها إلا من يتأمل بقلوب يقظة ويجتاز عوالم الربوبية. فقط هؤلاء يمكنهم في الدنيا أن يتجولوا في الآخرة ويروا وجوهها، أولئك الذين تمكنوا من تجاوز الحجب المادية والظلمانية. على الإنسان أن يفكر جيدًا في مقامه الأخروي، وأن لا يضيّع مصيره النهائي بالتعلق بالدنيا والمادية، مع العلم أن الجسد فانٍ والعناية به لا تبقى، وما يبقى هو النفس وما يراه الإنسان أبديًا.

يرجى الانتباه إلى أن الممتلكات النفسية تختلف عن الحالات النفسية. في تقلبات الحياة، يعم الإنسان الفرح أحياناً والحزن أحياناً، يكون مقيدًا أحيانًا وحراً أحيانًا، ويشعر أحيانًا بأن العالم ضيق جدًا وأحيانًا بفرصة واسعة، وكل هذه الحالات مؤقتة وعابرة، ولا تدوم. من الغريب أن هذا المرور، رغم كونه حقيقيًا، يُغفل عنه ولا يثير القلق، لكنه يولد ممتلكات أبدية تحدد مصير الإنسان وسعادته وشقائه، وتجعل له هوية تدوم ولا يفقدها أبدًا، إما منتصرًا دائمًا أو مهزومًا دائمًا. المشاكل الأرضية مهما صعُبت تمضي بالصبر والصمود ومساعدة الله، وما يبقى هو طريقة تعامل الإنسان مع الأحداث والاختيارات التي يقوم بها. السعيد من يختار الصدق والنقاء في كل حادث. من الغريب أن الإنسان يعتبر مشاكله الدنياوية مؤلمة، ويسعى لتجاوزها بسرعة، لكنه يغفل عن مشكلته الأبدية.

الدنيا وجهة عابرة، وهذه العبور يخلق الزمن والحركة المتدفقة. العبور هو تعبير عن وجود ثابت يدوم ويتجدد. الوجود في العالم المادي له وجهان، وجه ثابت وواقعي، ووجه زائل ومتغير تدريجيًا. الزمن والحركة تجدد الحياة باستمرار، وتبعد اليأس والجمود، وتخلق تجددًا دون تكرار. حركة العالم المادي تحرك حياة الإنسان باستمرار، وتمنحه النشاط والصبر والوعي، ويمكن أن تكون تاريخًا للأجيال القادمة، وتأخذ منهم الصمت واليأس والشك والخبث، وتعطيهم الأمل والثقة بالنفس. هؤلاء الناس يندمجون في جمال الخلق واكتشاف تجديده، وتصبح حياتهم مليئة بالحب والكفاح والحيوية، لأن هذه المعرفة تُنَفخ الروح فيها، وتجعل الإيمان والروحانية محسوسين، وتبعد عنهم الضعف والانهزام.

كل هذا لا يحدث إلا بإذن الله تعالى، فلا تحقيق دون وجوده. الكون كله يصرخ شعورًا وحضورًا لله، وكل الوجود ينطق “شهد الله أنه لا إله إلا هو”.

خصائص وجوه العالم المادي العابرة أن النظر إليها أشد لذةً من الوصول إليها، إلا في الحب الذي له وجه الوفاء والبقاء، وفي نعم الآخرة التي وصلها أحلى من وصفها. الاستماع لوصف اللذات المادية أو رؤية جمالها يفتن الإنسان، لكن الوصول إليها لا يحمل اللذة. الوصول إلى مظاهر الكمال الأخروي التي توجد ضمن المجتمع الحي تسعد الإنسان وتفتنه، ولا يمكن معرفتها إلا بالتجربة، لا بالكلام. الثروات والشهرة والسلطة كلها ممتعة عندما تكون قليلة، لكن امتلاكها بالكامل يفقد طعمها، وإذا كانت النقص أو الوفرة تجعل الإنسان سلبيًا أو مغرورًا أو مخمورًا منها، فذلك لا يجلب إلا البُعد عن الحقيقة والوجود المطلق. الدنيا كليلة مظلمة، ومن يندم على ما ليس لديه أو يغر بنفسه لا يعلم كم تهدر هذه الظلمة من قوة ووقت.

في هذا الكتاب، كلما ذكرنا “العالم المادي” نعني العالم الطبيعي، الأجسام، المادة، الزمان، المكان، وكل ما يُطلق على العالم المادي بأشكاله المختلفة. في مقابل ذلك، هناك عالم اللاهوت بمعنى عالم الأمر والعالم الغيبي الذي هو ما وراء الطبيعة. عالم الغيب أوسع من اللاهوت، واللاهوت هو أحد عوالم الغيب. اللاتيوتيون هم الكائنات المجردة…

البيئة الحياتية

تعيش الإنسان على سطح الأرض وفي نطاقها المرتبط بالغلاف الجوي المحيط بها، وهذا النطاق يُطلق عليه مصطلح البيئة.

الأرض والفضاء المحيط بها، الذي يشكل الغلاف الجوي للأرض، والسموات والظواهر التي تحويه، هي ملك لجميع طبقات البشر. فالأرض للإنسان والإنسان يعتبر الأرض ملكه ويمكنه الاستفادة منها ومن ظواهرها. مع تقدم الصناعة، يمكن للإنسان الاستفادة من خيرات الأرض وتلبية احتياجاته من خلال الاستخدام المتنوع لمخزونها ومواردها. ومن الطبيعي أن تجمع البشر وتعايشهم، وهو أساس الاجتماع المدني، مع هذا الاعتقاد بأن كل فرد يعتبر الأرض وظواهرها ملكًا له، يؤدي إلى التعارض والاصطدام بين الأفراد. فكل شخص بسبب حاجته يمتلك شيئًا، ويرى الآخرين كمزعجين لحريته وراحته، ولا بد له من منعهم للحفاظ على حياته واستقرارها.

لهذا السبب، تُعتبر قاعدة “التخصيص” مهمة لمنع التعارضات والصراعات الاجتماعية. وبناءً على هذه القاعدة، يعتبر الإنسان كل ما يحصل عليه بالجهد والمثابرة قبل الآخرين ملكًا له، ولا يحق للآخرين الطمع فيه أو إزعاجه.

بعد ذلك، تأتي القاعدة الثانية المسماة بـ”الملكية”، التي بموجبها يمكن للإنسان التصرف في الأشياء التي حصل عليها بعمله أو ميراثه ضمن إطار القوانين الإلهية. وبناءً عليه، تثبت الملكية بطريقتين: العمل والوراثة. أما الملكية عن طريق العمل فتستلزم القيام بالفعل، في حين أن الملكية بالوراثة لا تحتاج إلى عمل، لأن ممتلكات الميت تنتقل إلى ورثته وفقًا للأحكام الشرعية.

في الواقع، تُكمل قاعدة الملكية قاعدة التخصيص، إذ تمنع قاعدة التخصيص كل أنواع الإزعاج من الآخرين، بينما تجعل قاعدة الملكية التصرف في الممتلكات قانونيًا ما لم يتعارض مع الشرع والمصلحة الاجتماعية، كما تلغي النظام الطبقي. وبموجب قاعدة الملكية، لا يجوز للمالك أن يتصرف بما يضر بالإسلام أو المسلمين، ولا أن يهدر ماله بالتبذير، أو يختزن الذهب والفضة ككنوز في المجتمع ويمنعها من التداول.

تؤدي قاعدة الملكية إلى تحقيق الأماني الاقتصادية للفرد وتوفر الحرية الشخصية ضمن حدود الشرع. وبالتالي، كلما قلَّت سيطرة الإنسان على ماله واختياره لعمله، نقصت حريته واستقلاله الشخصي، وإذا فقد السيطرة كليًا، فقدت الحرية وأصغر خاصية للحياة.

قد تتعرض سيطرة المالك على ملكه وحرية تصرفه المشروعة للخطر نتيجة اعتداء الآخرين، ولهذا وُضعت قاعدة “الضمان” لمنع هذه المخاطر وضمان حماية الملكية، بموجبها يجب على من يستولي على مال غيره أن يعيده إلى صاحبه، وإن تلف، عليه تعويض قيمته أو مثله. كما تنص قاعدة “لا ضرر” على عدم تنفيذ أي حكم يسبب ضررًا ماليًا أو جسديًا.

البيئة الحياتية (تابع)

الظواهر التي يمكن تملكها هي تلك التي تكون في البداية ذات فائدة واضحة وحلال، ويجوز تخصيص استخدامها لفرد أو لأفراد معينين. على هذا الأساس، إذا كان للحشرة قيمة منخفضة أو معدومة، فهي غير قابلة للملكية والشراء والبيع. أما أدوات القمار وآلات الموسيقى وغيرها التي لا تحقق منفعة حلال، فهي لا تصبح ملكًا لأحد. كذلك، المساجد والطرقات العامة وغيرها التي تخص جميع أفراد المجتمع ولا يمكن تخصيصها لشخص بعينه، فلا يمكن امتلاكها أو عرضها للبيع.

طرق الحصول على الملكية متعددة، لكن بعضها لا يرضي الله تعالى ويؤدي إلى الفوضى، مثل القمار والربا والرشوة، حيث يُعدّ الكسب بهذه الطرق كسبًا محرّمًا وضررًا بالمجتمع. في المقابل، هناك طرق مثل البيع والإيجار والهبة والجعالة والصلح، التي تعود بالنفع على المجتمع، وتُقبل بشروط معينة مع الحفاظ على الضوابط.

أما النوع الثاني من الملكية فهو الوراثة. موضوع الوراثة في عالم الطبيعة قانون عام في الخلق، وفطرة تساعد على بقاء الأنسال وتقوية المحبة بين النوع الواحد. بموجب الوراثة، يرث الجيل الجديد بعض خصائص أجداده ذاتيًا، ولهذا السبب يشعر الإنسان بصورة طبيعية بمودة خاصة تجاه أقاربه، وخصوصًا أبنائه الذين يراهم خلفاء له ويفترض بقاءهم استمرارًا لبقائه.

في هذه الحالة، من الطبيعي أن يعتبر الإنسان ما حققه بعمله وتخصيصه لنفسه ملكًا لأبنائه، وقبلهم لذويه. احترام هذا الشعور الفطري يجعل مال الإنسان بعد موته ملكًا لأقاربه، ويشمل الزوجين الذين يؤسسان النسب والشراكة الحياتية معًا، حيث يُطلق على الأولين “الوارثون بالنسب” وعلى الزوجين “الوارثون بالسبب”.

تُقسّم أموال الميت بين الورثة بالنسب والسبب وفقًا لقوانين المواريث. وبموجب هذا القانون، يُحرَم قاتل المورث والكافر من الميراث. كما أن نصيب المرأة في الميراث نصف نصيب الرجل. ورغم أن الرجل يرث أكثر، إلا أنه يشارك في العيش مع أسرته وزوجته، وينفق من ميراثه عليها، فيعود المال إلى المرأة مجددًا. ويحقق هذا القانون توازنًا بين قدرة الرجل على الإدارة العقلانية والقدرة الاستهلاكية العاطفية للمرأة، حيث يجب على الزوج توفير النفقة ومصاريف الحياة لزوجته، ويعوض هذا النقص عن طريق الزوج.

كل ثروات وأموال الأرض مخصصة للجيل الحاضر وفي المستقبل تنتقل هذه الثروات بالوراثة إلى الأجيال القادمة للاستفادة منها. وبالتالي، يعني تقسيم الوراثة بأن رجلًا يملك ثلثي ثروات الأرض وامرأة تملك الثلث، لكن لأن مصاريف المرأة تقع على عاتق الرجل، فإن نصف نصيب الرجل يُصرف على المرأة، والنصف الآخر من نصيب المرأة يمكنها التصرف فيه بحرية، مما يحقق في النهاية توازنًا عادلًا.

الرجل هو تجسيد العقل والإرادة والتدبير، والمرأة تجسيد الشعور والعاطفة. ولذلك، من ناحية الملكية والإدارة، تكون ثلثا ثروات الأرض تحت يد العقل والتدبير، وثلثها تحت يد العاطفة. ومن ناحية الاستهلاك، يكون العكس: فثلثان الاستهلاك للعاطفة وثلثه للعقل. من الواضح أن العقل أقوى في إدارة الثروة، والعاطفة تحتاج إلى العقل لتوجيهها في الاستهلاك. هذا التقسيم عادل ومعقول، ويوزع ثروات العالم بين قوتي العقل والعاطفة، اللتين يكوّنان الحياة الصحية، لتحقيق توازن في الإدارة والاستهلاك.

بجانب العمل والوراثة، هناك طرق أخرى للملكية تتمثل في الدعم الاجتماعي، ويُسمى ذلك بالضرائب. نظرًا لأن بعض أفراد المجتمع يملكون أكثر من حاجاتهم، وبعضهم يحتاج إلى الدعم بسبب المشكلات والقيود، فتهدف الضرائب، كخمس وزكاة وضرائب حكومية، إلى تحقيق التوازن الاجتماعي ومنع تراكم الثروة في يد واحدة وفقر آخرين، مما يؤدي إلى فساد المجتمع. وتُستخدم هذه الضرائب لتأمين نفقات الإدارة المدنية ورعاية الرفاه العام وفق القوانين.

الإنسان الحديث، في بداية العصر الصناعي، غلب عليه غرور الصناعيين الذين انصرفوا عن الأمور الروحية وتجاهلوا الأحكام الإلهية والقيم الأخلاقية، فبدأوا في استغلال العلم كسلاح للسيطرة على الطبيعة وإشباع غرورهم الدنيوي، فابتعدوا عن الرحمة بالطبيعة وبدأوا حربًا ضد البيئة الطبيعية. وبنوا عالماً جديداً من الحديد والفولاذ والآلات الصناعية. اليوم، تسبب النفايات النووية، الميكروبية، الغازات الدفيئة، والمواد غير القابلة للتحلل مثل البلاستيك مشاكل كثيرة للأرض، وتضررت طبقة الأوزون الواقية. بينما يواصل أصحاب النفوذ التدمير والتلوث، يعبر الأشخاص الأحرار والواعون عن قلقهم.

لإصلاح البيئة، يجب أولاً تصحيح العقول والأفكار، وإرجاع الناس إلى الدين والأخلاق والروحانية، ولكن مع تجريدها من الخرافات والتعصب والجمود والخلط الأعمى، وإعادة الدين إلى طريق علمي خالص لا يخدم الاستعمار أو يبرر مصالح اقتصادية خفية. إن تلوث الفكر يؤثر على جميع جوانب الحياة بما فيها البيئة. تصحيح الفكر، وتلبية الحاجة إلى الروحانية، وتحقيق الأمن خاصة الأمن الحكومي لوقف الحروب ودمارها، وإعلان جرم العدوان من أي جهة كانت، هي من الحلول التي قد تساهم في صحة البيئة.

في هذا السياق، يمكن للحكومات أن توجه ميزانيات التسليح نحو إزالة التصحر، وضبط العمران والاستهلاك، والبحث الجاد عن حلول لأزمة البيئة، دون أن تعارض الصناعة المتوافقة مع العلم. فالصناعة ضرورية ولكن يجب أن تكون علمية لتخضع للطبيعة ولا تدمرها.

يُودَع الإنسان إلى أمه (الأرض)، والأم هي التي تحتضن جسده. الأرض تؤثر في الجين البشري وكذلك في الروح (النفس). من جهة أخرى، لكل أرض تأثير مختلف عن غيرها حسب المنطقة الجغرافية. بعض الفروق الجوهرية بين الناس تعود إلى نوع الأرض التي عاشوا عليها. الوادي، الجبل، القمة، وكذلك رطوبة أو جفاف أو اعتدال المناخ، كل منها له تأثير مغاير على السكان. على سبيل المثال، أهل جنوب إيران الذين يعيشون في مناخ حار يتميزون بالقساوة والصعوبة والخشونة، على عكس أهل الشمال الذين ينعكس عليهم الطقس الرطب والجمال. سكان الأودية يكتسبون صفة الانضباط والانكماش، بينما سكان السهول يتسع نظرهم.

على كل حال، يجب اعتبار أم الإنسان هي الأرض التي وُلد عليها ونشأ فيها. كلمة “أم” تعني الجذر، ولذلك سماه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم “أمي” وأطلق على وطنه (مكة) لقب “أم القرى”.

الأرض والجغرافيا هي أصل كل دولة وجذر شعبها وحكومتها. من بدأ النقاش من الحكم وانتهى إلى الأرض الجغرافية قد خالف تسلسل المنطق، إذ إن النظام الطبيعي أو التاريخي يتطلب بداية بالاهتمام بـ “الأرض” لأن الجذر الحقيقي للدولة هو التراب. ثم يأتي “الشعب” الذي هو نتاج الأرض وتجليها، فإذا كانت الأرض تحتوي على معادن كالذهب يصبح سكانها استثنائيين ونادرين، وإذا احتوت على الملح يصبحون أحفوريين.

“أُمّ القرى”

الأرض والوطن الجغرافي أصل كل دولة وجذر شعبها وحكمها. الذين بدأوا النقاش من جانب الحكم ثم انتهوا إلى الأرض – من الناحية الجغرافية – لم يحترموا التسلسل المنطقي للنقاش. والنظام الطبيعي أو التاريخي للنقاش يقتضي أن تبدأ بـ «الأرض»؛ لأن جذور الدولة تكمن في الأرض. ثم يأتي دور «الشعب» الذي هو تابع للأرض وظهورها؛ بحيث إذا كانت الأرض تحوي مناجم ذهب، يصبح سكانها استثنائيين ونادرين، وإذا كانت تحتوي على ملح، يصبحون متحجرين.

بعد الأرض، يجب أن يُعطى الجانب «الشعب» اهتمامًا، لأن الشعب يسبق الحكم، ولا يُمكن أن يوجد حكم بدون تجمُّع الشعب معًا. الأصل أن الناس خلقوا أحرارًا، ولا لأحد سيطرة على آخر، ولكن الشعوب التي تتقدم وتتطور وتكتسب نظامًا مدنيًا بعد أن تبتعد عن الحياة الطبيعية، تشعر بالحاجة إلى الحكم والإدارة، وتوافق عليه.

الغرض من الحياة

الغرض هو أقصى أمنية وقدرة الفاعل، التي من أجلها يقوم الفاعل باتخاذ إجراء لإنجاز عمل ما. العلم بالغرض هو الدافع للسبب الفاعل، ويدفعه إلى الحركة بناءً على ذاته، بحيث يُقال: السبب الغائي هو في الحقيقة نفس السبب الفاعل.

تحديد هدف وحياة الإنسان يلعب دورًا فعالًا في صحة الحياة من خلال العلاقات الطبيعية غير المنتهية. الإنسان يحتاج إلى حياة هادفة، ويجب أن يعرف علاقاته الطبيعية ليخطو بوعي في مسار حياته. هدف حياة كل إنسان تابع لطبيعته ومساره الطبيعي ويُعرف بناءً عليه. كل إنسان خُلق لشيء يتوافق مع طبيعته. من يجد غاية حياته هو من يسير في مسيره الطبيعي الذي لا نهاية له. هذا المسار الطبيعي هو الذي يحدد دافع كل فرد للحياة، وهي دوافع تختلف بين الناس.

السؤال عن الغاية يعني: ماذا يريد الإنسان أن يصبح؟ وأين يريد الوصول؟ هذا السؤال حتى بالنسبة للأمور الجزئية لا ينبغي أن يُستهان به، لأنه نابع من المسار الطبيعي للفرد. والأهم أن يُعرف موقع المسار الطبيعي لكل فرد في نظام الخلق، وعندها يتصل الإنسان بهدفه الصحيح، وهو مساره الطبيعي.

من يقول: أريد أن أكون مثل فلان أو كذا، في الحقيقة يغفل مساره الطبيعي الذي هو غايته، ويقيد نفسه، لأن التشبه يسبب التقييد. يجب أن يكون الإنسان ذاته، وغايته أن يكون نفسه وبقدر ذاته.

الطريق الطبيعي للحياة

الطريق الطبيعي لكل إنسان هو أمر كيفي، محتواه هو المعرفة، وليس له نهاية للتحول، ويتغير بقدرة لا نهائية على أساس تناسبات فطرته وأفعاله، ويتحول ويقبل في كل حين مقامًا مناسبًا، دون أن يحصل أي اضطراب أو هلاك.

سير الظواهر خاصٌ بوصفين: المعرفة والقدرة على التبدل. التبدل يجعلها لا تصل إلى طريق مسدود ولا يُمكن وضع هدف نهائي لها، لأن الطريق الذي يمتاز بقدرة لا نهائية على التبدل لا يمكن أن يكون له نهاية، بل هو طريق لا نهاية له.

من يرى نفسه والعالم جامدين ومتكررين، مشاعره محدودة، وغفل عن مساره الطبيعي. المسار الطبيعي للظواهر يمتلك قدرة التبدل، بحيث يمكن للفرد أن يعيش في الدنيا، ويسير في العوالم الأخرى، ويشاهد نفسه في محضر أسماء الله، حتى يصل إلى مقام بلا اسم أو صفة.

غاية الحياة هي أن يكون الإنسان في الطريق الطبيعي الأبدي للحياة. دخول الطريق ليس نهاية، بل بداية لحركة دائمة في طريق لا نهاية له. المهم هو السير في هذا الطريق، وليس الوصول إلى هدف معين، فلا هدف أو غاية نهائية للطريق.

لا يوجد توقف أو حد لأي ظاهرة، وكل ظاهرة تمر بمراحل ظهور واختفاء داخل وجودها الدوري، وهي مستمرة في الوجود ولا تصل إلى العدم.

الحياة في الأرض

الحياة على الأرض، رغم ملايين السنين، ما زالت في بدايتها. آدم عليه السلام هو بداية الجنس الحالي المسمى «الناس». قبل الناس كان هناك «النسناس» الذين انتهى تاريخهم، وذكر القرآن أنهم كانوا أناسًا سفاحين.

الإنسان في بداية طريقه في «الناسوت»، وعصر الظهور ليس قريبًا كما يظن البعض، بل سيحدث بعد آلاف السنين. الحياة للبشر هي مستقبل يشكل حضارة دائمة.

المسار الطبيعي ومقصد الحياة

الله مع كل الظواهر في قبضته وقوته في مساره الطبيعي. كلما قطع الإنسان الطريق، هو في البداية فقط، لأن الطريق لا نهاية له. كل ظاهرة، بما فيها الإنسان، نقطة في محيط لا نهائي من الظواهر.

يجب توسيع الفكر إلى هذا المحيط، وإبعاد ضيق الأفق. الحياة واسعة جدًا، والإنسان يضيقها بفهم خاطئ. الحياة لا نهائية، وكل الظواهر لا نهاية لها. الكمال والضعف وصفان لا نهائيان.

الفرق بين الناس في درجات الكمال والضعف ناتج عن المخلوقين، والله لا يفرق بين مخلوق وآخر.

الطريق السليم للحياة

الإنسان مكلف بأن يسلك الطريق الصحيح، ونتيجة العمل تتولاها حكمة الله، وهو الذي يدير الأمر. الطريق الصحيح هو طريق الإيمان والولاية (ولاية الأولياء الأربعة عشر). الغي يملك نظامه الخاص أيضاً، لكنه بلا عدل ويؤدي إلى الفشل.

الكمال الطبيعي والإرادي للظواهر

كل الظواهر تنفق طاقتها في شوق الوصول إلى كمال نسبي أو مطلق. الكمال إما طبيعي وجبلي أو إرادي وقسري.

الكمال الإرادي خاص بالإنسان والجن، لأن لهما القدرة على تغيير أفعاله وأفكاره. أما الكمال الطبيعي فهو قهري، ويحصل للظواهر بدون إرادة.

الكمال الحقيقي للإنسان هو الوصول إلى الله والتخلق بصفاته وأسمائه، وهو سير في درجات القرب من الله.

النَّموُّ لا يتحقق إلا بترك الشهوات والنَّفوس، ولا يتقدم الإنسان في هذا الطريق إلا بقدر نجاحه في ذلك، والسرُّ الوحيد للنَّصر في هذا المسار هو التَّرك؛ وترك جميع الأهواء النَّفسانية وما سوى الحق. وبهذا القدر من التَّرك يظهر بلوغ الحق.

الترك والتَّخلي، وإن كان من أصعب الأعمال وأشقِّ الطُّرُق، هو السبيل الوحيد للوصول إلى الكمال، والتقدّم في طريق تحصيل الكمال يتناسب مع مقدار التَّرك. وإلّا فلن ينتج عن المسعى إلا نتيجة جزئية محدودة.

معيار معرفة الكمال والقرب لأي موجود هو مقارنة صفاته مع صفات الله تعالى. فإذا كانت صفة موجودة في ذلك المخلوق ومرتفعة أيضًا في الحق تعالى، فهو في مرتبة قرب، وإن ظهرت صفة لا تكون في الحق تعالى، فهو بالقدر نفسه في حالة انحطاط.

كل صفة من صفات الحق تعالى والوجود المطلق، إذا تجلّت في المخلوقات المحدودة والمقيّدة، فهي كمال وخير لتلك المخلوقات، وإلّا كانت نقصًا وشرًا. شخصية كل كائن تتحدد بمقدار كماله، ويُقاس خيره وشره على أساس ذلك.

الكمال المطلق محصور في الحق تعالى، فلا يوجد مخلوق يحمل الخير المطلق، ولا يوجد مخلوق يظهر الشر المطلق، ولا يمكن أن يُنكر أحدٌ مطلقًا. كذلك، يجب أن يكون الاعتماد على كل مخلوق بحسب كمالاته، فلا يمكن الوثوق التام بالمخلوقات التي ليست خيرًا مطلقًا ويظهر منها شر.

وتنظم العلاقات وفق كمالات الكائنات، ويُجاز حفظ المعلومات والسرية بطريقة لا تتعارض مع صفاء الباطن.

مبدأ الخبرة والتصميم بقيادة الأستاذ، ومبدأ حماية العمليات ووجود أكواد سرية، ومبدأ عدم الثقة المطلقة، هي مبادئ تحكم الحياة كلها، ويجب تطبيقها بدقة كاملة تجاه الجميع، من الأصدقاء والأقارب والزوجة والأبناء، ضمن إدارة كاملة لاختيار الأشخاص في التوزيعات المناسبة والطبيعية.

في كل الأحوال، لا يجوز تجاهل احتمال الشر في أي كائن بسبب كماله، ولا ننسى خيرات كماله بسبب خطئه أو شرّه. فلا النظرة السلبية المطلقة صحيحة، ولا التمحور حول الأشخاص والمبالغة في المحبة خارج الحدود.

لا يمكن رؤية نصف الكأس الممتلئ فقط، ولا نصفه الفارغ فقط، بل يجب النظر إلى كلا النصفين معًا.

بالطبع، من بين جميع الكائنات، الأربعة عشر معصومين هم أول تنزيل من الحق تعالى، وهم بموهبة العصمة للنيَّرين خير، وللظالمين وخبث النفس خسران.

الحق تعالى يُمارس مكرَهُ بحكمته معهم، وهذا أيضًا خير، ولا يُطلق عليهم شرًّا، لأن كمالهم الاقتضائي كذلك، وهم يسحبون الشر بذات إرادتهم واختيارهم.

الإنسان يطلب الوصول إلى الكمالات التي يجد فيها القدرة، ولا يتحقق ذلك إلا بالإرادة الصحيحة ومعارضة الهوى.

في طريق الحياة، إما أن يترك الهوى بإرادته وحسن اختياره ويتجه إلى الحق، أو يختار طريق الهوى والشهوات والشيطان والباطل، أو يكون خليطًا من الحق والباطل.

من يختار طريق الباطل هو من لا يطلب الكمال، يكبت ضميره، ولا يلتزم بالتكليف، ولا يتألم من ألمه، ويملك القدرة على إنكار الحق والكمال كله، ولا يعتبر له آخِرة، ولا يخاف من عقاب الدنيا ولا الآخرة، ويقبل العذاب، ويجد عذاب النار أهون من قبول الحق.

الذي لا يستطيع ذلك إما أن يلتزم بالحق كله، أو يختار مصلحته الخاصة، ويعمل بناءً على ميله، ويسعى لأن يُحقق ما يفيده ويتجنب ما يضره.

هؤلاء رغم مظهرهم الزاهي، ليس لديهم طهارة القلب، ويغلب عليهم الأنانية لا طلب الحق، ويدّعون القرب ظاهريًا لتحقيق راحة النفس ورضا النفس.

ويُظهرون الصدقات، ولا يقلقهم الحرام، لأن فيه منفعة. هؤلاء درجاتهم مختلفة، لكنهم مشتركون في تذبذبهم في الدنيا، وبسبب نفاقهم الخفي، ينتظرهم برزخ مؤلم.

الخير والشر في جميع المخلوقات يعتمدان على مظاهرها، وفي النهاية يصل الجميع إلى ربوبية، ويجد كل منهم مصيره الأبدي، سواء كان جميلًا أو جلاليًا، محدودًا أو جمعيًا أو كاملًا.

حركة الكائنات في الكون تدور بين النزول والصعود نحو معبودها الحق والمطلق، وهم جميعًا يلهثون وراء محبوبهم الحقيقي، رغم أنهم لا يصلون إلا إلى ظهور ذواتهم.

يجدون معبودهم الحقيقي في سيرهم الطبيعي، وإن وجدوا الحق فليس إلا في ذاتهم، ولا يجدون محبوب الأزل بلا واسطة، رغم أن الحق تعالى يُحيط الوجود بلا واسطة، وظهور الدور هو ما يسمى بـ “المخلوق”.

المخلوقات على الرغم من ظهورها، ومطالبها بالحق، إلا أنها محاطة بعديد من الحجب والنور والظلمة والسر والعلانية، ويظل العطش والوحدة يلازمها، وكل وصول يحمل هجرًا وكل هجر يحمل وصولًا.

الوجود المطلق هو عين الوصول، والوصول عين الوجود، ولا ثنائية ولا غيرية بينهما.

كل ما يبحث عنه الجميع هو ما هو كامن فيهم. الوجود هو طلب للظهور، والطلب هو طلب الوصول، والوصول هو وجود مطلق بلا قيد، والظهورات والوصولات هي تجليات مطلقة.

من يبلغ الكمال المطلق لا ينتظر شيئًا من أحد، ولا يطلب شيئًا، بل يقوم بما هو موجود بالفعل، وهو في فقره وذوبانه يبقى لله وحده.

تميّز العبد الواصل هو أن له كل الكمالات من الحق، ولا يملك شيء لنفسه.

من له طلب من غير ما تحقق، فهو غير واصل، أما من هو في حالة “النقد” فلا وصول له، الوصول هو في حالة “النسيئة”.

الواصل لا يتسكع ولا يتمشى بلا هدف، بل يقف بحزم على واقعه ويعمل بما أراده الحق.

الطبيعة خير بطبيعتها، فلا شيء فيها ضار بشكل كلي، حتى السموم تستخدم في الطب.

المنتجات البشرية مثل الخمر غير منتجات إلهية مثل العنب، فلا يجوز إنكار الفائدة الكلية من المنتجات الإلهية، حتى النجاسات كالمني والتماثيل لها منفعة، ويجوز البيع والاستخدام بشرط أن يكون ذلك حلالًا.

الحياة الواعية وصفاء الباطن:

صفاء الباطن يعني صفاء القلب والنفس، والصدق مع النفس والآخرين، وأن يكون الإنسان ذاته الحقيقية، لا يلعب أدوارًا.

لكي يكون الإنسان ذاته، يجب أن يعرف نفسه جيدًا، نقاط قوته وضعفه، ولا يخفي شيئًا.

من له صفاء باطن، يملك فهماً حادًا ودقيقًا، ويرى الأشياء كما هي، وتصبح حياته واعية قائمة على الحقائق لا الأوهام.

من يتعامل بالمكر مع الناس، تُدخل الطبيعة والكتب المقدسة مثل القرآن معلومات خاطئة في ذهنه، فتغسله وتمنعه من الفهم الصحيح، كما جاء في القرآن:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾

فالقرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، وخسارة للظالمين.

لذلك، القرآن، بحكمته ووعيه، يتعامل مع الناس بحسب قلوبهم ونياتهم.

يعلم الله تعالى بنيّة الإنسان وإرادته القلبية، وعلى هذا الأساس، من وضع نفسه بخشوع وإخلاص تحت ظل القرآن الكريم وباتقوى الله، مؤمنًا بأن القرآن هو الهادِي والمُرَبِّي والمعلّم والطبيب لجميع الآلام، فإن القرآن المجيد سيُرشدُه إلى طريق الهداية المستقيم. أما من تعامل مع القرآن بنفاق وشك، فإن القرآن يعيد إليه نتيجة عمله. فالقرآن الكريم، مع أنه يهدي العباد بلطف وفضل الله، إلا أنه مخصص لحياة المؤمنين حيث يحمل أثر الشفاء، ولحياة الظالمين لا يحمل سوى الخسران والتبعية الثانوية. كما أن الأنبياء والكتب السماوية لهم شأن الهداية ذاتياً وأصلياً مع المتبعين، ويصبحون سبباً للضلال مع المعاندين، وليس لعدم وجود نية الخير لهم. القرآن الكريم يجمع بين شأني الهداية والخسران التبعي، ومن ثم لا ينبغي التعجل في التعامل مع القرآن أو التوجه إليه بلا إخلاص، أو بدافع الرياء والتظاهر، لأنه كما هو شفاء ورحمة للأخيار، فهو سبب للضلال لمن يريد أن يستغله بخداع ومكر: (وَلاَ يزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارا).

الارتباط بالقرآن الكريم وأصحاب الولاية مرتبط بنقاء الباطن، حيث ينشأ تناغم بين باطن الفرد وباطن القرآن أو أصحاب الولاية، مما ينظم ويوافق بين باطن الفرد وباطن القرآن، ليصل إلى معانيه الخفية ويتقبلها.

فإذا لم يكن النفس نقياً انشغل بالملوثات، وحتى عبادته قد تكون سبباً للشقاء.

ومن له نفس نقية تتسم أفكاره بالرقة والتأمل العادل، والنفس السليمة ذات ضمير فكري لا تسمح بالغلو أو التفريط، ولا بالحب أو البغض بلا مبرر، وتسعى وراء الحق والحقيقة، لا لما هو نافع أو ضار له. صاحب النفس السليمة لا يطلب المنفعة الذاتية، وبقوة تفكيره يدرك الأمور بسرعة. فهمه وذهنه صافيان وسليمان، فيفهم ما يصعب على الآخرين، ويعبر عنه بسهولة. نقاء الباطن يظهر في التعبير والنطق أيضاً، فهو كما يفهم بسهولة يعبر ويكتب بسهولة. أما من لا يملك نقاء الباطن، فإنه يواجه صعوبة في الفهم والتعبير ويشعر بالمعاناة لأن ذلك ثقيل عليه. لذلك، يجب أن يكون التعليم على يد معلم نفسُه نقيّة، يمنحه ذلك ذهناً حاداً ويجعل إيصال المعاني سهلاً دون خوف أو تعب، فيطمئن الطالب ولا يهرب من العلم.

الرزق وحاجات الحياة

الرزق هو ما ينظم حاجة الإنسان للحركة في مساره الطبيعي، ويشمل الرزق المادي للحياة في العالم الدنيوي، والرزق المعنوي للحركة في العوالم كافة التي لا نهاية لها. على هذا الأساس، رزق كل شيء لا نهائي، والإنسان العاجل الطماع قد ينزعج أحياناً من الرزق الدنيوي، بينما ينتظره رزق لا نهائي بلا حدود. تختلف أنواع الرزق بتفاوت المسارات الطبيعية للناس والأشياء، ولكل فرد بحسب مساره الطبيعي وميوله وقدراته وحاجاته الروحية والمادية، نصيب في الرزق. وإذا لم يكن الرزق المادي والمعنوي متوافقاً مع مسار الإنسان الطبيعي، فإنه يتحول إلى عبء وخسارة. يجب أن تتناسب الإمكانيات والممتلكات مع طبيعة الفرد. لذلك، من له قدرة على الأمور المعنوية يجب أن يلتزم بالقناعة التي تعبر عن العفاف والكفاية، ويحذر بشدة من تجاوزها، فهذا سبب النجاح في المسير الروحي والنمو الروحي. الطمع والجشع أو الفقر والضعف الزائدين، كلها أسباب للفشل. العلم والثروة والسلطة والجمال يجب أن تكون أسباب نمو وترقي في مسار الإنسان الطبيعي، وإلا فستكون أسباب هزيمته.

المتابعة ضرورية.

الانسجام في الحياة الزوجية وتوافق النفوس يتطلب وجود تفاوت نوعي وضروري. من الأفضل أن يكون الرجل متفوقًا على المرأة في مستويات العلم والمعرفة، وكذلك في العمر والقدرة المالية. والقول بأن هذه الأمور ظرفية يعني إمكانية وجود استثناءات، إذ قد تتناسب امرأة ذات قدرة مالية كبيرة مع رجل فقير، ويكوّنان زوجين متوافقين. عمومًا، يُفضّل أن تكون الفجوة العمرية بين الزوجين أكثر من خمس سنوات، لأن ذلك يُسهل فهم كل منهما لروح الآخر. فالنضج الجنسي لدى الرجل يتأخر عن المرأة بعدة سنوات، فإذا كانت المرأة في ذروة نضجها الجنسي والرجل لم يصل إليها بعد، لن يتمكن من فهم مشاعرها، ولن تتكون بينهما علاقة عاطفية سليمة.

لتقييم التوافق، والندرة، وفهم بعضهما البعض، ينبغي التركيز على المناسبات الحقيقية والجوهرية، وعدم الانشغال بالأمور العرضية. كذلك، لا يجب اعتبار الخلافات العرضية سببًا للتمييز والافتراق.

من طرق معرفة مواهب وباطن الأفراد النظر إلى أحزانهم، فالحزن هو حالة نفسية وروحية تظهر في ظروف خاصة. ومن خلال الحزن يمكن استنتاج بعض الصفات والطبائع الظاهرة، مثل التمييز بين من يحب الدنيا ومن يحب الآخرة، وكذلك أهل الكمال والمعرفة. حزن أهل الدنيا ينشأ عن نقص في المتع الزائلة أو فقدان اللذات النفسية، وحزن أهل الآخرة يكون بسبب الذنوب والحرمان من نعم الجنة. أما أهل الله، فحبهم وشغفهم بالوصال الإلهي يملأ قلوبهم بالحزن والهم. وأهل الولاية يذرفون الدموع عند تذكر قتل أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) والمآسي التي ألمّت بهم، وهذا يدل على طهارة نفوسهم.

بعض الأحزان ليست نابعة من الذات، بل هي وراثية أو نابعة من نظام مشاع في الأفعال والأحداث، فتجد أشخاصًا يشتركون في حزن مشترك بسبب تاريخ مشترك أو روابط قوية.

كما أن الحزن نابع من الباطن ومرتبة الظهور، هناك أمور أخرى كذلك، مثل النسب والجيل، التي تؤثر في الصفات الجميلة كالوسامة والشجاعة والقدرات، بينما الجيل الآخر قد يكون مليئًا بالصفات السيئة. الحياة والموت، وتيسير الرزق وضيق العيش كلها من الأمور المقدرة. قد يحصل أن ينعم أحدهم برزق وفير دون جهد كبير، بينما يعاني آخر من ضيق الرزق رغم جهوده.

التبذير وعدم الاعتدال في الرزق من القضايا الأساسية للحفاظ على صحة الفرد والمجتمع. التبذير ناتج عن نقص في الشخصية العلمية والعملية، وضعف في الوعي بالصفات الباطنية والضرورات الذاتية. التبذير يؤدي إلى الهلاك التدريجي، إذ يعاني الكثيرون من سوء التغذية بسبب الجهل بقوانين الطبيعة. الطبيعة لا تعطي أحدًا أكثر من حاجته، والثروات الوفيرة لا تتجمع إلا مع وجود تضييع للحقوق والظلم.

تراكم الثروات في بعض الأسر، رغم ظاهرها الطاهر، قد يرتبط بظلم وقتل وفقر في الطبيعة بأكملها، وهذا يحمل صاحبه وزرًا كبيرًا، ومثل هذه الحالات تؤدي إلى بلايا كثيرة في الحاضر والمستقبل. قد يملك شخص ثروة ظاهرة في مكان مشرق، بينما يظهر أثر ظلمها في مناطق مظلمة.

من لا يعرف ذاته الظاهرة ويستسلم للتبذير لا يصاب بالتبذير فقط، بل تتزايد أنانيته، إذ يلاحق منافع نفسه بشدة ويصبح بخيلًا تجاه الآخرين، أي متبذّر فيما يخص نفسه وبخيل فيما يخص غيره. هذه الصفة تنبع من خلقه وأنانيته، وهي مصدر الكثير من الذنوب التي تضر بالرزق الطبيعي للآخرين وتدفعهم إلى الفقر والفجور والفسق وغيرها من المفاسد الاجتماعية غير الطبيعية. هؤلاء المفسدون في غفلة عن عواقب أفعالهم.

من يترك خلقه الأناني يكتفي بالضروري، وينال مرتبة الكفاية، فالقناعة بالضروريات تخفف التعلقات وتمنح راحة وسعادة. لمن يحافظ على خلقه الأناني يجب أن يحرس ممتلكاته، وهذا يولد ضغوطًا ومسؤوليات. القناعة تحث على تجاوز هذه الأمور، ومن يرمي خلقه ويتركه يصل إلى الكفاية التي تعني عدم الحاجة والرِضا بما هو موجود.

كلما غمر الإنسان هوسه الأناني، زادت حاجته وكبر حب الذات والاستكبار. وكلما اقترب الإنسان من الله، نقصت حاجته إلى كل شيء، حتى يصل إلى الغنى التام بلا احتياج. في المسائل الروحية، الحصول على بعض المقامات لا يتم إلا بالابتلاء والتضحية.

مقام الكفاية يقتضي أيضًا تقبل الوحدة، فمن يصل إليه يصبح فردًا قائمًا بذاته لكنه مجتمع في ذاته، وهو تجسيد للمجتمع الكامل.

فيما يخص الرزق، فقد وضع الله نظامًا لنقله بين الناس عبر الزكاة والخمس والأعمال الخيرية، لأن بقاء الرزق عند بعض الناس قد يؤدي إلى فساد المجتمع، مثلما يضمن الشخص صحته بالتبرع بالدم. الدولة يمكنها عبر هذه القنوات تحقيق توزيع عادل يضمن حقوق الجميع. ويجب التنويه إلى أن مفهوم الرزق لا يعني الملكية الحقيقية، فالله هو المالك الحقيقي لكل شيء، ولا يملك أحد شيئًا إلا بمشيئة الله وضمن قوانين خاصة.

العفاف والكِفاف وتراكم الأمراض

تحتوي التكنولوجيا، والعلم بمعناه من معرفة ومعلومات، على تراكم متزايد. فقد استولى تراكم المعلومات، مع ظهور وسائل الإعلام الجماهيري والتقنيات الحديثة للاتصال، على كل جوانب الفكر والحياة والشؤون الإنسانية، من الصحة إلى المرض، ومن الولادة إلى الوفاة. وقد شمل النمو المتسارع للمعلومات كافة فروع العلوم التجريبية والعقلية مثل المنطق والفلسفة، وكذلك الحقوق والفنون والحرف والتقنيات، ولم يعد بالإمكان الاقتصار على العلم بفروعه الدينية والجسدية فقط، بل باتت المعرفة المتعددة الفروع تتطلب علماً مستقلاً، كما تحوّل أسلوب تحصيل العلم من فردي إلى شبكي وجماعي.

رغم اعتبار تراكم العلم ونموه السريع من مؤشرات التطور المجتمعي الهامة، إلا أن هذا الأمر قد أدى إلى تدهور الحياة وصحة الأفراد الذين يسعون إلى توسيع معلوماتهم وذاكرتهم وجمع المعلومات الحديثة. إن تراكم المعلومات يُعدّ أحد أضرار المجتمع المعاصر، حيث أن كثيراً من الشواذات الاجتماعية والاضطرابات النفسية والانزعاجات ناتجة عن تراكم العلم والمعرفة. لم تقتصر التكنولوجيا والعلم على جلب الراحة والطمأنينة للبشر، بل سرقاهما وتسبب له بأنواع من الاضطرابات والخلل.

في عصرنا الحالي، تعتمد الثروة والسلطة على المعرفة والمعلومات، وقد بات الحفاظ على النفس مرتبطاً بهما، ولذلك يلجأ كثيرون إلى تعلّم العلوم بغية زيادة الدخل والثروة، كما أدّى التوجّه نحو الشهادات إلى إخضاع السلطة تحت مظلة القوة العلمية. الوصول إلى العلم والتخصص العلمي بات هدفاً للكثيرين، حيث أصبح الكسب المادي والحياة المرفهة مرتبطة بالعمل، فلا يمكن تحقيق حياة كريمة دون وظيفة. ولهذا ازداد التوق لجمع المعلومات والاشتياق لأن يكون الفرد عالماً في أحد فروع العلم، مما أصبح يؤرق عدداً كبيراً من الناس. وفي الوقت ذاته، فإن عدد المتعلمين والمتخرجين يفوق الحاجة، ولا يوجد طلب كافٍ لهم، إذ إن نسبة البطالة بين الحاصلين على شهادات عليا مرتفعة، ولم تستطع النزعة العلمية تلبية تطلعات هذه الفئة الكثيرة، التي ترى آمالها محطمة، دون وجود فرق بين الدول الغربية والشرقية.

كل المتعلمين منحوا العلم الأولوية في حياتهم المحدودة، وبذلوا أفضل أيام طاقتهم في السعي خلفه لتجنب الأعمال الدنيئة في المجتمع، مع أن العلم السائد لم يكن أساس صحة الحياة وسعادتها، ولا بد من البحث عن الحقيقة في أمر آخر.

لكل إنسان طبيعة فطرية، وإن التوافق مع هذه الطبيعة هو الذي يضمن سلامة حياته. لذلك ينبغي أن يكون التوجه إلى التخصصات والوظائف مبنياً على طبيعة الفرد، وليس بالضرورة أن يكون كل علم مفيداً للإنسان. فالعلم يكون مفيداً حين يتناسب مع طبيعة الفرد وقدراته، وإلا فإنه ينال من صحته وحياته. في العصور الماضية، كان اكتساب العلم مقصوراً على النخبة، إذ كان يُقال إن ليس كل من يجب أن يقترب من العلم، بل يجب أن يسعى إليه فقط الأذكياء والمفكرون الأهلون، ويجب أن يكون العلم متناسباً مع طبيعتهم، ولا ينبغي للأفراد ذوي القدرات المحدودة أن يضيعوا حياتهم في دروب علمية معقدة لا يستطيعون فهمها بشكل كامل.

لكل طبيعة وقدرة علم مناسب، وإن لم يتعلم الإنسان العلم متوافقاً مع طبيعته وقدراته، كلما بذل جهداً أكثر كان نفعه أقل. ويجب الإشارة إلى أن العلوم الأولية والمعارف العامة ضرورية لكل فرد، سواء كان ضعيفاً أم قوياً، أما تخصصه في مجال معين فهو موضوع نقاشنا.

كل نفس إنسانية لها كمال خاص ومتفرد، فالكمال يتمثل فيما يتفوق فيه الفرد على الآخرين ويبرز فيه ميوله وقدراته. وكل كائن يجب أن يسير في مسار طبيعته، وهو «طريق التميز» الخاص به، ويسعى لتحقيق كماله المنشود.

تميز الإنسان وكمال نفسه هو «النطق» والمعرفة، وهو جوهر نوراني له. لذلك، يجب على الإنسان أن يلاحق هذا التميز والصفة. يُعرف النطق الإنساني بصفة عامة بوصفين: التفكير والعاطفة. قوة العقل والتفكير، وكذلك قوة القلب والمشاعر الداخلية الخاصة، تميز الإنسان عن غيره من الكائنات كالحيوان والملائكة، وتشكل جوهر وجوده. العقل والقلب، وصفاتهما وأحكامهما، هي ما يجعل الإنسان إنساناً. من لا عقل له ولا قلب، ولا يفكر ولا يشعر، فلا نفس له، إذ أن النوم والأكل والشهوة واللذة ليست خصائص حصرية للإنسان، فكل الحيوانات تمتلك هذه الصفات بكمية ونوعية أعلى، وإن كان الإنسان يتميز في نوعية وكمية هذه الصفات بمكانة خاصة. كذلك المزاج والقدرات العامة ليست حقيقة الإنسان، وإن كانت تؤثر فيه، فالتميز الحقيقي هو في الفكر والشعور. من لا يفكر ولا يعقل، ولا يتصرف بعقلانية، أو عواطفه ونواياه فاشلة، فهو ليس إنساناً حقيقياً، رغم مظهره الخارجي وإن أطلق عليه الناس إنساناً. دماغ وقلب بلا إدراك وبعيد عن الوعي، بعيدان عن معنى الإنسان. وهذا أمر علمي صحيح، فمن كان محصوراً في الصفات الحيوانية فهو حيوان في هيئة إنسان. إذا اقتصر الوجود على الجانب الحيواني فقط وافتقر إلى الروحي، يفقد الإنسان هويته، وتؤدي الحرمانات والاضطرابات النفسية إلى الغلو أو التفريط. إذا التزم الإنسان بمبدأي الروحية والمحافظة على نقاء الباطن وضرورة العفاف والكِفاف، فإن حياته تسير على طريق الصحة، وإلا فإنه يواجه الحرمان الأبدي.

تحقيق الصحة يرتبط بالعقل والعلم والقوة والإرادة والحرية والقدرة على الحب والانسجام، والصحة هي التي تمنح الإنسان القدرة على المحافظة على ذاته، وتمكنه من السيطرة الصحية على الظواهر الطبيعية وغير الطبيعية، وتقليل الاحتكاك والاستهلاك في عالم الطبيعة، وتأمين الأمن والطمأنينة. إن الإنسان اليوم في خطر على الصعيدين الصحي الجسدي والنفسي، والإحصاءات العالمية مقلقة، وهذه المخاوف نابعة من النمو المتراكم والسريع للعلم، وهو نوع من الجهل بأسلوب الحياة. النمو العلمي سبب فقدان الحرية وحق تقرير المصير، وأدى إلى الفقر والاستبداد. العلم بكافة فروعه ليس بالضرورة مصلحاً للصحة. فالعلم يتطلب شروطاً صحية لكنه لا يضمن الصحة.

التراكم خطر ليس فقط في العلم، بل في أي مجال آخر. فمثلاً، امتلاك السلطة السياسية يسبب فقدان الحرية والطمأنينة. اجتماعياً، هناك مجموعتان لا تعرفان الطمأنينة إلا إذا انتقلا إلى الضد: الأولى الفقراء الذين تتعرض حقوقهم للانتهاك بسبب ضعفهم المالي، ويجب عليهم السعي للوصول إلى الكفاف والعفاف مالياً. الثانية السياسيون الذين لا يملكون طمأنينة نفسية ولا يحظون بشعبية، ويتوقعون دوماً هجمات الأعداء، ويعيشون في قلق دائم للحفاظ على مواقعهم، وقد تتحول المنافسة بين زملائهم إلى صراع وحذف قاسٍ. هذه هي خاصية العالم الدنيوي، حيث يؤدي التراكم إلى المرض والاضطراب. حتى الرياضيون المحترفون الذين تتراكم قدراتهم الجسدية، يفقدون صحة حياتهم، ويصابون بالتوتر والاضطرابات العضلية، وكذلك الحال بالنسبة للمشاهير في السينما والنجوم، حيث يسبب تراكم الشهرة اضطرابات في حياتهم. أصحاب الثروات يعانون من توتر الحفاظ على أموالهم، وغالباً ما ينزعجون حين يطلب منهم الآخرون شيئاً. كذلك الجمال المفرط، خاصة للنساء، يعرض أمنهن للخطر.

بعض الذين يصلون إلى العلم والعمل والثروة وأحياناً السلطة، لا يشعرون بالرضا عن حياتهم، ولا يمتلكون السعادة والنشاط، ولم يستطع العلم أن يمنحهم «حياة صحية»، لأن العلم مرتبط بالتراكم. العلم ذاته بحاجة إلى معيار علمي يحدد مقدار العلم اللازم لكل فرد، وهو أمر نسبي، كي يحافظ على صحة حياته القصيرة في هذا العالم القيم، ولا يمرض جراء استهلاك زائد للمعلومات. يتعرض الأمن النفسي والأخلاقي للأذى من تراكم العلم. «علم أسلوب الحياة» يولي اهتماماً للتغيرات الجسدية والطبيعية والطابع الفكري والعاطفي والاجتماعي والأخلاقي والنفسي والروحي، ويمنح الفرد القدرة على التخطيط وإدارة حياته بما يتناسب مع هذه التغيرات. يرسم هذا العلم نموذجاً فعالاً وموضوعياً للحياة، ليضمن صحة وسعادة الإنسان. وقبل تعلم أي علم، يجب امتلاك هذا العلم، وإلا فإن نقص المعلومات والمهارات الحياتية مع تراكم المعلومات والبيانات غير المفيدة يعطل الطمأنينة النفسية.

تراكم المعلومات، الذي هو هدية عالمنا اليوم، خطر يستهدف نفوس البشر. الإنسان الفضولي والطماع يريد معرفة كل شيء، وتسلق قمم المجهول، والتقصي في أصغر الذرات، لعلّ قلبه يهدأ ويجد راحة، لكنه مع كل اكتشاف يصاب بالإحباط، فيلجأ إلى كشف أسرار أخرى، دون أن يسيطر على نفسه، أو يضع خطة، فيخسر مكانته وأموراً كثيرة أخرى. إنه قلق وملهوف، لأنه لا يعرف مهارات الحياة أو أسلوب العيش، سواء كان مؤمناً متديناً، أو باحثاً عن المعنى، أو عقلانياً، أو ساخرًا. قد يكون العلم قد منح بعض الجماعات عافية، لكنه لا يملك قلباً متعباً متروكاً، ولا يملك الأغنياء السعداء إلا آلام رغباتهم الطبيعية غير المشبعة، ولا يجدون من يشاركهم مشاعرهم وعواطفهم. وقد تحدثنا عن أصل الألم في فصل «علم الحياة».

من مظاهر تراكم الحياة أيضاً الانشغال بالكثير من البرامج الزائفة في وسائل الإعلام الجماهيرية، والتكدس السكاني، والتعددية المفرطة، والنقاشات العقيمة، والانشغال بزينة وزخارف الدنيا الصناعية، والتسلية غير المناسبة وغير الصحية، والرياضات المزيفة، والفنون عديمة الجدوى وغير المفيدة، والألعاب الحاسوبية المضرة، والتنوع الكبير في البيانات غير الدقيقة على شبكات الإنترنت، وكلها أمثلة واضحة على التراكم والغفلة عن الآلام والمشاكل، والهرب من مواجهة آلام الذات الحقيقية.

يجب أن تخلو حياة الإنسان الصحية من التراكم في كل مظاهرها المادية، وأن تكون الوظيفة محترمة وبسيطة لتوفير العيش بالكفاف والعفاف، مع الابتعاد عن الفقر والتطرف في أي جانب، وأن يكون للمرء زوجة تلتزم بالمعايير اللازمة بشكل معتدل ومتوازن، فتكون دعم الرجل وراحة قلبه ومصدر حبه، وهذا هو الضمان لحياة صحية، والراحة الحقيقية في العالم تكون بحياة كهذه، لا بحياة الأحلام في الثراء أو السلطة. فقد ضل الإنسان طريقه في فهم الحياة الصحية، وأنشأ أنظمة غير صحية بوهم أن الراحة والعافية وتراكم القوة تجلب الطمأنينة. يجب على الإنسان أن يسعى لوضع علم الحياة واكتساب مهاراتها، ولتصميم أسلوب حياة صحي ولطيف، لا أن يطمع في المناصب والوظائف العليا حتى يصل إلى ثروة وسلطة وشهرة لا تضبط.

العمل من أجل الحياة

في الحياة الدنيوية يجب العمل، والتحرك، والاجتهاد، لكن يجب أن يكون العمل مبنياً على نظام طبيعي لكل فرد ووفقاً له. فالعمل بمعنى الحركة والاجتهاد يخدم الحياة الطبيعية. لا يوجد كائن طبيعي بلا نشاط، والبطالة تعادل الموت. من لا يعمل ولا يجتهد ولا يصارع، محكوم عليه بالفناء. في الدنيا، على كل شخص أن يحمل حمله بنفسه، ومن يثقله بحمله على الآخرين ويفتخر بذلك، يخدع نفسه، لأن نظام الطبيعة الذكي يرفض هذا، فقد يكون له طبيعة تتناسب مع حمله، ومن يحمل عنه قد تكون له طبيعة مختلفة لا

ChatGPT said:

تلائم هذا الحمل، وهذه «الدهاء» تنقلب إلى ضرر عند التضارب في الموارد.

الفرد العاطل عن العمل والذي لا يتحمل المسؤولية، إذا خالط الآخرين، فإنه يؤذيهم.

ومعيار طعام الإنسان هو عمله، فالعمل يغذي النظام الطبيعي. يقول القرآن الكريم: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعملون﴾. أي أن الإنسان يجب أن يستهلك ما هو نتاج عمله، لأن كل عمل يتناسب مع طبيعته، وعلى الإنسان أن يحصل على رزقه وفقاً لطبيعته، وإلا فلن يكون الغذاء الذي يحصل عليه رزقاً له، ولن يُشبع جوعه أو حاجته، ولن تهدأ نفسه أو تشبع عينه أو قلبه. فإن التناسب بين العمل والغذاء وسائر شؤون الحياة يجعل الإنسان يتذوق لذّته وينقلها إلى الآخرين، ويجعلها نعمة ومصدر سكينة له، وإلا فإن استهلاك الموارد دون إنتاج، حتى مع وفرتها، يجلب القلق، والثروة لن تكون نعمة بالمعنى الحقيقي، أي مصدر طمأنينة.

الحياة إذا سارت في مسارها الطبيعي فهي «نعمة» وطيبة. الطِيب هو وصف الحياة الصحية. الحياة الحالية تكون طيبة فقط عندما تقترن بالإدراك والمعرفة، وهذا مما يميز الإنسان. الكائنات غير البشرية قد تملك الصحة والحياة، لكنها لا تملك إدراك النعمة، فصحتهم طبيعية بلا شعور بها، وليس لديهم القدرة على إدراك الطيب، بينما الإنسان يملك هذه القدرة، وهو ما يجعل الحياة نعمة حقيقية له.

البَصْرُ والصَّبْرُ والتَّكَيُّفُ

يُعَدُّ الصَّبْرُ والتَّكَيُّفُ مِنْ مَؤَشِّرَاتِ الصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالسَّكِينَةِ، وَالثَّبَاتِ، وَالتَّلَاؤمِ. فَصِحَّةُ الحَيَاةِ تَبْقَى ثَابِتَةً وَمَحْفُوظَةً إِذَا اسْتَطَاعَ الإِنْسَانُ أَنْ يُظْهِرَ أَعْلَى مَدَى مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّكَيُّفِ مَعَ الصّعَابِ وَالأَعْدَاءِ، وَيَحْفَظَ طُمَأْنِينَتَهُ. وَمَنْ يَفْقِدُ الصَّبْرَ عَلَى السُّوءَاتِ وَالتَّكَيُّفَ مَعَ الأَعْدَاءِ، وَيَسْتَعْجِلُ الحُزْنَ، أَوْ يَغْضَبُ وَيُظْهِرُ العُنْفَ، وَيَفْقِدُ قُدْرَةَ التَّحَمُّلِ وَالصَّبْرِ، وَيَسْرِعُ إِلَى الاِثَارَةِ، فَهُوَ فَقَدَ الصِّحَّةَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّدْبِيرَ، وَيُصْبِحُ عُرْضَةً لِمَكْرِ الأَعْدَاءِ وَعَدَاوَتِهِمْ.

وَالصَّبْرُ عَلَى الصُّعُوبَاتِ مَوْجُودٌ حَتَّى فِي النَّبَاتَاتِ وَالحَيَوَانَاتِ، فَهُمْ يَحَاوِلُونَ أَنْ يَحْفَظُوا دَوْرَةَ طَبِيعَتِهِمْ وَلَا يَغْضَبُوا أَوْ يُهَاجِمُوا إِلَّا إِذَا أَحَسُّوا بِخُطُورَةِ مُهَاجِمٍ لا يُمْكِنُ التَّكَيُّفُ مَعَهُ، فَيُشَنُّونَ الهُجُومَ. وَالنَّمْلُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ الْمُتَحَلِّيَةِ بِالصَّبْرِ الكَبِيرِ. وَبَعْضُ النَّبَاتَاتِ تَسْتَعْمِلُ الإِشْعَاعَاتِ لِلدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِهَا. وَالإِنْسَانُ أَقَلُّ تَحَمُّلًا، فَيَلْجَأُ إِلَى العُنْفِ وَالقَسْوَةِ فِي الدِّفَاعِ وَالمُكَافَحَةِ.

وَالصَّبْرُ وَالصُّمُودُ فِي الإِنْسَانِ يَكُونَ أَكْثَرَ عِنْدَ مَنْ تَعَرَّضُوا لِظُرُوفِ الحَيَاةِ القَاسِيَةِ، وَهُمْ أَشَدُّ قُوَّةً وَثَبَاتًا وَصَلَابَةً. وَمَن يَحْيَا فِي الرَّخَاءِ يَنْحَدِرُ إِلَى الضَّعْفِ وَالهَشَاشَةِ وَالتَّرَقُّقِ.

فَمَثَلُ شَجَرَةِ الغَزّ فِي الصَّحْرَاءِ يَبْرُزُ كَمِثَالٍ عَلَى الصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ، فَهِيَ نَبَاتَةٌ مُهَدِّئَةٌ. وَالأَشْوَاكُ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى العِلَاجِ وَالشِّفَاءِ، وَرَغْمَ ظَاهِرِ غَضَبِهَا وَقُوَّتِهَا، فَإِنَّ بَاطِنَهَا أَهْدَأُ.

وَالتَّكَيُّفُ وَالْمَرُونَةُ الَّتِي تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَاللُّطْفِ فِي الظَّوَاهِرِ، هِيَ الضَّمَانُ لِبَقَاءِ أَغْلَبِهَا. وَالأَشْيَاءُ الَّتِي تَتَخَلَّى عَنْ تَكَيُّفِهَا تَكُونُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلْخَطَرِ وَالْفَنَاءِ.

وَالتَّكَيُّفُ مَعَ البِيئَةِ هُوَ أَمْرٌ ضَرُورِيٌّ جِدًّا لِلْإِنْسَانِ، وَفِي الدِّينِ وَصَفَهُ بِمَصْطَلَحِ “التَّقِيَّةِ” كَسُنَّةٍ مَحْمُودَةٍ. وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَرْضَى عَنْ أَفْعَالِ عِدَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، لَكِنَّهُ يَتَحَمَّلُهَا وَيَصْبِرُ عَلَيْهَا، وَيَتَغَاضَى عَنْهَا وَيَغْفِرُهَا، فَاللهُ كَرِيمٌ وَجَوَادٌ وَالتَّكَيُّفُ مِنْ صِفَاتِ الكِرَامِ.

وَالتَّكَيُّفُ صِفَةٌ إِيجَابِيَّةٌ تُحَقِّقُ القُدْرَةَ عَلَى الصَّمُودِ وَالمُوَاصَلَةِ. فِي صِرَاعِ البَقَاءِ، يَبْقَى الظَّاهِرُ الأَكْثَرُ تَكَيُّفًا وَتَنَاسُبًا مَعَ الظُّرُوفِ، وَيَتَطَوَّرُ أَكْثَرَ.

وَأَصْلُ التَّكَيُّفِ يَتَجَلَّى عِنْدَ دِرَاسَةِ الطَّبِيعَةِ وَنِظَامِهَا الشَّامِلِ، وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكَرُّسِ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ لِلْمُدَنِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّوَاصُلِ بَيْنَ الأَفْرَادِ.

وَكُلُّ إِنْسَانٍ يَحْتَاجُ إِلَى التَّكَيُّفِ مَعَ الآخَرِينَ لِيَحْيَا وَيَكُونَ فَعَّالًا، وَالمُتَكَيِّفُ هُوَ مَنْ يُحَافِظُ عَلَى الحَيَاةِ وَالنَّفْسِ، وَيَكُونُ قَدْرُتُهُ عَلَى التَّخَاطُبِ وَالتَّوَافُقِ مَعَ الجَمَاعَةِ مِقْيَاسًا لِحَيَاتِهِ.

وَالصَّبْرُ وَالتَّكَيُّفُ وَاجْتِنابُ النِّزَاعَاتِ الغَيْرِ مُبَرَّرَةٍ وَغَيْرِ مَوْقُوتَةٍ، وَغَيْرُهَا مِنْ كَمَالَاتِ الإِنْسَانِ، قَدْ تَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ طَبِيعِيَّةً وَغَيْرَ وَاعِيَةٍ، وَنُسَمِّي ذَلِكَ “اقتضاء القُرْبَى”، أَمَّا غَالِبِيَّةُ النَّاسِ فَيَحْتَاجُونَ إِلَى الجُهْدِ وَالتَّدْرِيبِ وَالْمُجَاهَدَةِ لِكِسْبِ هَذِهِ الكَمَالَاتِ.

وَالتَّكَيُّفُ وَالصَّبْرُ يَتَطَلَّبَانِ خُلُقًا حَسَنًا وَرِقَّةً وَتَرَافُقًا، وَالشَّخْصُ الَّذِي يُحِبُّ جَمِيعَ الظَّوَاهِرِ كَتَجَلِّي لِلْحَقِّ الْعَلِيِّ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَكَيِّفٍ.

وَفِي غِيَابِ التَّكَيُّفِ، يُصْبِحُ الإِنْسَانُ مُشَوِّشًا عَلَى الآخَرِينَ وَعَاقِبَةُ ذَلِكَ تَوَقُّفُ حَيَاتِهِ وَفَشَلُهُ.

وَالقَلْبُ الَّذِي يَحْمِلُ الحَقَّ وَيَكُونُ سَعِيدًا وَسَامِحًا هُوَ القَلْبُ الَّذِي يَتَّسِعُ لِلْحَيَاةِ وَالنَّاسِ بِكُلِّ أَحْوَالِهِمْ، وَلَا يَكْتَنِفُ بِالغَضَبِ وَالضَّغِينَةِ وَالكَرَاهِيَةِ، وَهَذِهِ السِّمَاتُ تُسَمَّى الأَدْوَاءَ النَّفْسِيَّةَ الَّتِي تُفْسِدُ القَلْبَ وَالنَّفْسَ.

وَالعَدَاوَةُ وَالضَّغِينَةُ، وَرَغْمَ أَنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ وَأَحْيَانًا ضَرُورِيَّةٌ، تَتْرُكُ آثَارًا سَلْبِيَّةً عَلَى الإِنْسَانِ وَتُفْسِدُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ تُلْحِقَ الضَّرَرَ بِالآخَرِينَ.

وَشَخْصٌ يَمْتَلِكُ قُدْرَةَ التَّكَيُّفِ وَالصَّبْرِ الْمُطْلَقَةِ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْمِلَ قَلْبَهُ بِلَا حَقْدٍ، وَحَتَّى إِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ، فَلا يُب

مشاكل العالم الدنيوي والابتلاء بالبلية

إنّ من خصائص العالم الدنيوي أن الألم يتعاقب فيه دون انقطاع، وحتى الأثرياء الطامعون في الدنیا لا يخلو عيشهم من المشقات. وتتضاعف المصاعب عند المؤمنين، حتى من لجأ منهم إلى الكهوف هربًا من المشاكل، فإن الله يكلفه بأساً أو بلاءً ليبقى في الهمّ والوجع، مصاحبًا لآهات القلب.

علاوةً على المصاعب، فالإيثار والتسامح والصبر والتكيّف مؤلم، إلا أن لكل ألم ضرورة أخرى متلاحقة هي التفكير الخلاق والقُدرة على إنتاج العلم. فالصبر والتسامح يمهّدان لصناعة الفكر والابتكار. ومن يترك مسيره الإنساني ويصقل قلبه بالحق، يمر بالخسارة ذاتها – لكنها خسارة يكتنفها انتصار الحق.

ألم الصادقين والحس بالمسؤولية

ومن أخطر أنواع الغفلة: الانعزال عن المعاناة الجماعية وعدم الانخراط مع المحزونين. فمن لا يذق الألم بنفسه ولا يواسيه مع المحرومين لا يدرك حقيقة المعاناة، والرُّوح تترنّح، والحياة تضيع كما تضيع الأذهان في خلوات الغفلة.

لذلك، إن مسؤولية المؤمنين تكمن في الإحساس الجماعي بالألم، والتعرّف على آلام المجتمع بوعي، ثم السعي الجماعي لمعالجتها. وهذا يتم عبر تنمية التفكير النقدي، وتحفيز السؤال والمساءلة، وإذكاء روح الحراك العلمي في المجتمع.

النقد كمفتاح للإبداع

لقد نادت روح الأمة بـ:

  • الشكّ الجماعي البنّاء، كدعوة للتحرر من المسلمات.
  • التدقيق في التفاصيل ونهج الاستقراء.
  • تعزيز بيئة نقدية تشاركية في إطار شبكة اجتماعية آمنة.

ففي ظل مجتمع يتّسع للنقد المحترم، يزدهر العلم، ويعلو صوت العدل، وتموضع كل مصطلح في مكانه. الناقد الحقيقي لا يخشى التفكيك العلمي، بل يُمجّد بمن يحافظ على ثباته الواعي.

العمل الجمعي وتنظيم الموارد

لنجاح أي مشروع جماعي، لا بدّ من:

  1. تشكيل فرق عمل متخصصة قابلة للتجديد.
  2. تثبيت عناصر ثابتة ترافق المسيرة.
  3. ضمان مصالح المشاركين مادياً أو معنوياً لتأمين استمرارية العمل.
  4. الامتناع عن أي تصرف مخالف للقانون أو القيم.
  5. احتواء المؤثرين (ذات النفوذ) واستثمار قدراتهم بشكل واعٍ.
  6. أضرار الحياة
  7. الجهل، الفقر والاستكبار مثلث شرير يشكل أصل جميع الشرور والفساد. هذه المفاسد تنبع في الغالب من الحكام ومنفذي القوانين، الذين ينقلونها إلى جسد المجتمع وأفراده. الحياة المعاصرة قد تداخلت مع الحياة الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا، والأنظمة الاجتماعية تستولي على جميع جوانب الحياة. في الحياة النظامية اليوم، قد كُتبت قوانين ممتازة للحكم وضمان حقوق الإنسان، ولكن ما هو مهم حقًا هو سلامة منفذي القانون التي تضمن التطبيق الصحيح له.
  8. مشكلات المجتمعات ليست في القوانين ذاتها، بل في منفذيها الذين يفتقرون إلى الوعي والقدرة على ضبط النفس، فيؤدون بالمجتمع الإنساني إلى شتى الأمراض والفساد لتحقيق أهوائهم وأنانيتهم. لا يمكن تحقيق حياة صحية إلا بوجود منفذين صالحين؛ إلا إذا كان الفرد قادرًا على تقليل علاقاته الاجتماعية بحيث يبتعد عن الأنظمة الاجتماعية ويتجنب تأثير المنفذين الفاسدين ولا يسمح لتلك الأنظمة بالتدخل في حياته.
  9. إلى جانب الأنظمة الاجتماعية الدنيوية، هناك ظواهر غير مرئية تؤثر في صحة الحياة ولها دور فاعل. بخلاف العالم الدنيوي، توجد عوالم تجريدية كثيرة وظواهر مثالية، نورية، ومجردة متعددة، يملك بعضها القدرة على التدخل في حياة الإنسان وبيئته. عدد هذه العوالم وظواهرها كثير لدرجة أن حتى أذكى الباحثين لا يمكنهم إدراكها كاملة.
  10. الشريعة تشير إلى بعض هذه العوالم باسم الملائكة والجن بشكل عام. العقل والفلسفة يستطيعان إثبات وجود هذه العوالم بشكل كلي، ولكن إثبات خصائصها الخارجية وتفاصيلها يتجاوز قدرة العقل الذي يختص بإدراك الكليات، ولا يمكن التعرف عليها إلا من خلال الوحي (القرآن الكريم) والروايات الصحيحة لأهل البيت عليهم السلام أو من خلال شهود أهل الوصول والمعرفة.
  11. من أعظم أعداء الله والأذى للإنسان من الجن هو إبليس. إبليس هو من وقف بوعي في وجه الحق، ولذلك يجب أن نقول: لعن الله إبليس. الإنسان العادي الذي لا يملك قوة كبيرة وضعيف أمام إبليس لا ينبغي أن يواجهه مباشرة ويلعن بنفسه إبليس، بل يجب أن يطلب لعن الله عليه. من يقلل من شأن الدنيا والشهوات والمعصية والشيطان، فهو في الحقيقة لا يعرفها، ومن يقلل من شأن العدو بالتأكيد سيهزم.
  12. من الأمور المؤثرة في صحة الحياة «النَفَس»؛ فالجن أحيانًا يقومون بأعمالهم عبر النفخ والتأثير في الإنسان. بعض الناس يعانون من مشاكل بسبب نفخ الجن. ومع ذلك، فإن هؤلاء الجن الذين يفعلون ذلك يخضعون للمحاسبة، وإذا لم يكن لديهم مبرر معقول لأفعالهم يُحكم عليهم بالإعدام. لذلك لا يجب على الإنسان أن يخاف من الجن، لأن عالم الجن منظّم بقوانين صارمة. نعم، إذا آذى الإنسان الجن فإنهم قد يعتدون عليه، وهذا الخطر يكون أكبر بالنسبة لمن يريدون اقتحام حرم الجن؛ أما إذا كان الجن موجودين في مكان ما، فلا ينبغي للإنسان أن يخاف منهم، فالخوف منهم يدل على الجهل.
  13. الجن هم مخلوقات نارانية وجلالية، والجلال الإلهي يجعلهم لا يتجاوزون حدودهم، لأنهم إذا خالفوا النظام أو أذوا الناس يحترقون فورًا. في هذه المسألة، لا فرق بين الجن المؤمن والكافر. يمكن تشبيه الأمر بنحل العسل؛ من الصعب جدًا إغراء النحل للدغ لأنه يعلم أنه سيفقد حياته. الجن كذلك لا يعملون خارج القانون لأنهم يعلمون أن العقوبة ستكون شديدة عند مخالفة النظام.
  14. ولكن في بعض الحالات، قد يعتدي الجن على عِرض الإنسان، وقد يكون هذا الاعتداء محسوسًا أو غير محسوس، في اليقظة أو في النوم.
  15. إذا أراد الشيطان مسّ إنسان ما، فإنه يستطيع أن يمسّ جميع جسده في لحظة واحدة لأن له جسمًا مثاليًا. وإذا تم مسّ الإنسان من قبل جن معين ونفخوا فيه، تترك آثارًا شريرة تدل على فقدان غيرته.
  16. يجب على الإنسان أن يبتعد أولاً عن هذه الجماعة التي تفتقر إلى الباطن وتعاني من الإهمال، ثم يبعد الشرور والانحرافات عن نفسه، ويلتحق بأهل الصلاح الذين يطلبون سبيل الحق، حتى بفضل الاستمرار والمراقبة يصبح من أصحاب العزيمة والاهتمام، ويبلغ السعادة الأبدية والوصول الحقيقي.
  17. إنّ الاهتمام بمظهر الذات له تبعات نفسية كثيرة، فـ«الثقة بالله تعالى» مثال على ذلك، وهي تحل محل النقاش النفسي الشائع تحت عنوان «الثقة بالنفس» الذي يهدف إلى تقوية الروح المتزعزعة لدى الأفراد في الاطمئنان إلى ذواتهم، وتمكينهم من خلال الإيحاء، والتعديل، وتهدئة الجهاز العصبي بالعقاقير. هذه الثقة بالنفس، التي نشأت في فضاء الغفلة عن المظهر الحقيقي، تؤدي إلى أعراض مثل الغرور، والرياء، وحب الذات، مما يتيح للشياطين والوساوس فرص النفوذ.
  18. إنّ الاهتمام بالمظهر الحقيقي الذي يؤدي إلى الثقة بالله تعالى يمنع كثيراً من الاضطرابات النفسية والروحية، لا سيما الشعور بالضعف والنقص والهشاشة. ويمكن الاستفادة من هذا المبدأ في العلاج النفسي.
  19. منطق الولاية
  20. يرى بعضهم أن جميع الكمالات تُمنح حقاً دون أي تدخل من أي أرضية اكتسابية، وأنها تنزل على أصحابها بعناية أزلية أبدية من الله تعالى، بحيث يقيم الحق بكامل هيئته فيهم. هؤلاء هم المحبوبون.
  21. ينقسم المحبوبون إلى فئتين: أصحاب العصمة ومن لا يملكون العصمة. العصمة الكاملة خالية من جميع الجوانب المادية والدنيوية، ولا دخل فيها للعبودية والخلق بأي صورة، وإلا لثبت وجود كيان مستقل في نظام العبادة، وكان ذلك شركاً واضحاً. الأرضية والقدرة على العصمة، التي لا تحمل أي زيادة مادية أو خلقية، لم تستفد مطلقاً من أي زيادة خلقية، بل هي فقط من عطية الله تعالى، وبهذا تكون الجوانب الربانية هي الكاملة الفاعلة فيها. نفس الأرضية والقدرة هي فعل من الله تعالى، وهم في هذا مرتبون تحت الضرورة الربانية.
  22. إن اختيار الله تعالى هو الذي يمنح هذه الكمالات بالفعل الكامل، ولا تدخل لأي جهد بشري في ذلك، بل هي فقط عناية من الله تعالى.
  23. الله تعالى لم ينقص أحداً في المظهر، ولم يجزّ نقصاً في شيء، لكن عطايا الله ليست متساوية، بل أعطى كل واحد حسب حاله، وفعل ذلك بمقتضى علمه وعنايته الربانية، بحيث أعد لكل فرد المجال لتحقيق ما هو مستحق له.
  24. ونتيجة هذا الاعتقاد أنَّه ينبغي اليقين بكل ما يرد عن المحبوبين أصحاب العصمة العطائية، والاعتراف به وطاعته. إذا أخبر صاحب العصمة عن حقائق العالم، يجب على كل أحد التصديق والاقتناع التام بذلك، ولا يجب السماح لأي شك أو توهم في هذا المجال. إن رفض قول وتقارير أصحاب العصمة يعد رفضاً للحق، لأنهم في مقام القرب الكامل من الله تعالى، والحق يظهر فيهم بأكمله.
  25. العصمة العطائية تجعل أصحابها معياراً لصحة أو خطأ النظريات العلمية، فالعلوم خاصةً المستندة إلى البرهان والكشف، تحتاج في النهاية إلى مقام العصمة والوحي المعصوم، لأن الإنسان العادي معرض للخطأ، ولتفادي الأخطاء يجب الالتزام بمنهجية العلوم، وخاصة في القيم العلمية، مع الاعتصام بعصمة وولاية المعصوم.
  26. جذر العصمة العطائية هو الولاية العطائية.
  27. الولاية هي الوجه الباطني للأشياء التي تعود في الله تعالى إلى ذاته، وفي المخلوقين إلى الحق. الولاية هي العلاقة الباطنية بين الظواهر والحق تعالى، والتي تقوم على القرب والمحبة والعشق. وهذه الحقيقة رغم نسبيتها وتنوع مظاهرها، فإنها في الله تعالى تتمتع بالمطلقية والوجوبية، وهي منزهة عن أي قيود نسبية.
  28. الولاية في مقام الوجوب والاطلاق محصورة في الله تعالى وحده.
  29. الولاية تعني حذف المسافة البشرية والارتباط بالقرب والعناية الإلهية والاتحاد مع باطن الحق. ولاية أصحاب العصمة عطائية من الله تعالى، ولا تدخل فيها أي أرضية خلقية.
  30. كل ولي له في نطاق ولايته تفوق طبيعي وتكويني على المولى عليه، وهذا التفوق مبني على الحب والقرب، وهو الذي يبرر الحكم والسيادة التكوينية والتشريعية.
  31. في زمن الغيبة، ولاية الفقيه الذي يتمتع بالشروط وخاصة الملكة القدسية التي تعد مرتبة أقل من الولاية العطائية، أمر مسلم به ولا يحتاج إلى إثبات، لكن إثبات مصداقه يحتاج إلى تحقيق حقيقي، لأن مجرد لباس العلماء وعمامتهم لا تكفي لمنح الصلاحيات، وإلا ستضيع جهود الصالحين.
  32. الشروط الدينية والعلمية والاجتماعية والسياسية اللازمة يجب أن تكون واقعية، فلا يكفي اللباس أو معرفة لغات قليلة لإحراز مثل هذه المراتب.
  33. الديناميكية في زمن الغيبة تسمح للباطل بإظهار وجهه كاملاً، وهو أعلى مراحل التاريخ الإسلامي، ويُعد ميداناً لظهور الحق في عصر الظهور. الغيبة تُمكّن الباطل ليكشف عن نفسه تماماً، وتعتبر فترة اختبار مستمرة للبشر لمعرفة أعدائهم، فتقوي الإنسان وتمنعه من السذاجة والتسرع في القبول.
  34. روحانية العلماء مع رمزها العمامة معجزة دائمة في زمن الغيبة، ومن يعارضها يُدمر وينعشها في الوقت نفسه، وهذه من مشيئة الله تعالى لحفظ الإسلام الحقيقي.
  35. لرفع مستوى الروحانية، أهم ما يجب نشره هو روح «التسامح» و«الإيثار»، وهما يتفرعان إلى الزهد وتجنب دنيا الدنيا، والتفاهم وتجنب التفرق.
  36. التسامح بهذا المعنى يغطي جميع الاحتياجات الأخلاقية والاجتماعية ويصحح النظام الروحي.
  37. الخاتمة:
  38. العصر الغيبي يشكل اختباراً صعباً للبشر، ويجب أن يبقى قائد الدين واعياً، عادلاً، صادقاً وذا سلطة تنفيذية وعلمية واجتماعية، وإلا يفسد النظام كله.
  39. قانون «العفو» يُهيئ الأساس لتنظيم كامل للعلماء ويُرسّخ الوحدة والودّ والمحبة بين المجتمع الشيعي. ففي هذه الحالة، يمكن للعلماء باتحادهم وتماسكهم وتوافقهم أن يؤدوا واجبهم في مقاومة الظلم والطغيان حسب قدرتهم ونفوذهم، ويسلموا سفينة الإنسان المضطربة إلى صاحب الراية لتحقيق السلام النسبي في زمن قريب، إن شاء الله.
  40. قانون العفو قائم على فرعين: الزهد والتفاهم، ومبني على أسس نفسية. حياة الإنسان تمر بثلاث مراحل: الطفولة والمراهقة، والشباب، والشيخوخة. الطفولة فترة الأحلام والأوهام واللعب، إذ لا يفكر الطفل في حل مشكلات الحياة، بل غالبًا ما يكون مصدرًا لها. وإذا عجز الطفل عن خلق مشاكل لأهله والمجتمع، فهذا علامة على نقص نفسي ومرض يستوجب العلاج.
  41. اللعب في الطفولة، وخاصة حتى سن الخامسة، مهم جدًا، إذ من خلاله يُمكن استشراف شخصية الطفل ومستوى ذكائه وكفاءته المستقبلية. فالطفل عندما يلعب يستعين بخياله، وهذا الخيال مع الحماس المتراكم لديه يُخرج منه “عملاً” في هيئة لعب. هذه القدرة الخيالية مع الشوق المكثف تدفعه للمتعة والسرور من أفعاله، وما يُنتج في هذا المستوى هو “اللعب”. ويجب التمييز بين السرور والرغبة؛ فالسرور هو من باب الميل، والرغبة أمر مختلف عنه.
  42. مثلاً، الطفل عندما يبني برجًا من الطوب، فهو يجسد ما بداخل نفسه من قدرات مستقبلية، وسيواصل نفس السلوك في الكبر. الطفل الذي يفكر دائمًا بضرب صديقه أو قتل الحيوان يصبح عند كبره جزارًا محبًا لقتل الأغنام وتناول اللحوم. هؤلاء غارقون في خيالهم وشوقهم، وينفذون هذه الأفعال، مستشهدين بعبارة “المأمور معذور”.
  43. اللعب جزء من طبيعة الأطفال، ومن يمنع طفله من الحركة واللعب يخطئ كثيرًا ويفسد مواهبه. لكن اللعب يجب ألا يتحول إلى شقاوة تُسبب إزعاجًا لأفراد الأسرة. اللعب مطلب ضروري للطفولة، ومن لا يلعب في طفولته يكون مريضًا ويحتاج للعلاج، وإلا أصيب في شبابه بمشكلات أخلاقية مثل العنف والغرور.
  44. اللعب يخص الطفل حتى الأنبياء، فقد ورد في الحديث أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يلعب مع أبنائه وأحفاده، وهو أمر طبيعي وحسن للطفولة.
  45. من المشكلات المعاصرة ضيق المنازل وكثرة السكان، مما يؤدي إلى مشاكل نفسية، إذ يعيش الناس بين جدران عالية تضيق على النفس. اللعب والفرح مطلوبان للأطفال والكبار بنسب مناسبة، والتمتع بالخروج إلى الطبيعة والسهول والبادية ضروري للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية.
  46. الطفل هو مصدر حلاوة الحياة، ويعطي العائلة النشاط والأمل والدفء. الألم الناتج عن عدم إنجاب الأطفال مؤلم جدًا ويضعف قدرة الإنسان على مواجهة المشكلات، إذ يتحول إلى شخص باهت وذابل. لذا يجب تقدير وجود الطفل ورعايته بالشكر والتربية السليمة.
  47. تربية الطفل تحتاج إلى ضبط وتمرين تدريجي منذ الطفولة ليكتسب القدرة على السيطرة على نفسه، ومن يكثر من دلع الطفل يجعل الطفل متسلطًا عليه. التمرين يجب أن يكون تدريجيًا وبطريقة لطيفة، يشبه تدريب الفارس على الحصان الجامح.
  48. مرحلة الشباب هي فترة الحماس والعاطفة والرغبة، حيث يتركز تفكير الشباب على تلبية الحاجات النفسية والجنسية، وقلما يفكرون في السياسة والقيادة. في مرحلة النضج، تقل هذه الحماسة، ويبدأ الإنسان في الاهتمام بالرياسة والطموح والسلطة.
  49. في مرحلة الشيخوخة، يقل نشاط الشغف، ويبحث الإنسان عن إشباع جوانب أخرى، وينمو لديه ميل للكبرياء والحب للبقاء والاستمرار، مما قد يؤدي إلى حب الذات والغرور.
  50. هذه المراحل هي التيار الطبيعي للحياة، لكن التربية والموهبة قد تغير هذا المسار، فيصبح الطفل مفكرًا، والشاب مهتمًا بالخلود، والكبير منزهًا عن الشهوات.
  51. للعفو، يجب وجود الزهد، وهو ابتعاد عن الدنيا وزخارفها، والاقتصاد في المعيشة بعفاف وكفاف. حياة العلماء يجب أن تكون بسيطة مثل عامة الناس، حتى لو حصلوا على مال من الإرث أو بيت المال، لأن المال الحلال لا يعني الإنفاق الزائد.
  52. لا ينبغي أن تكون حياة العلماء مرفهة أو مزينة بزخارف الدنيا، لأن ذلك يقلل من قدرتهم على توليد العلم الديني ويضعف دورهم في قيادة المجتمع، إذ لا يمكن لمن يحب الدنيا أن يشعر بمعاناة الفقراء ويكون قدوة للناس.
  53. العالم الزاهد هو من يستطيع تحمل مشقات الناس وعيش حياة متواضعة، ويجب أن يكون شريك حياته كذلك، لأن الزوجة الدنيوية قد تشغل العالم عن طلب العلم وتغرقه في الدنيا.
  54. الغالبية العظمى من فساد بعض المتدينين ينبع من تعلقهم بالماديات، وإذا امتنعوا عن ذلك، تمكنوا من تجاوز كثير من المشاكل. في كل زمان، هناك علماء قليلون متميزون بسلوكهم وأعمالهم التي تأسر قلوب الآخرين.
  55. التفاهم والتواضع والابتعاد عن النزاعات أهم عوامل ثبات العلماء. الخلاف بين العلماء يضعفهم ويضر بالمجتمع الشيعي، وهذا ما يسعى إليه المستعمرون بإثارة النزاعات بينهم. مكافحة هذا الشر تستوجب الوحدة والتفاهم والتعاون، والبعد عن الأنانية والغرور والتعصب.
  56. حين يكون العلماء متحدين، يمكنهم تولي قيادة المجتمع الإسلامي بفعالية، واختيار القائد الذي يجمعهم على مبادئ دينية شرعية، فيتمكنون من حل مشاكل المجتمع والتخطيط لمستقبله بشكل عملي. بدون سياسة الوحدة، تبقى مشاكل المجتمع قائمة، ولا يمكن الحديث عن حياة صحية حقيقية.
  57. التفاهم مشتق من الفهم، وهو ليس مجرد معرفة أو علم، بل هو استنتاج عقلي من ظاهرة خارجية، سواء كانت كلامية أو غير ذلك. الفهم يختلف بين الناس حسب التربية والبيئة والتاريخ والدين والقدرة العقلية.
  58. التفاهم يتطلب تبادلًا وفهمًا متبادلًا بين الأفراد، وهو أساس نشوء المجتمع وتطوره. دون تفاهم، لا يوجد اجتماع حقيقي بل مجرد أفراد متعصبين منعزلين.
  59. التفاهم يرفع مستوى المجتمع ماديًا وروحيًا، ويمكن أن يصل لدرجة التناغم مع الطبيعة، كما في قصة داوود مع الجبال والطيور.
  60. أكبر عائق للتفاهم هو الجمود والتعصب الغير منطقي، والسيطرة العاطفية على العقل. التفاهم مبني على العقل وليس العاطفة فقط. إذا غلبت العواطف بلا عقل، يصبح المجتمع هشًا ومستعدًا للانفجار بأي لحظة.
  61. الشعور والتفاهم المتزن يمكن أن يقود إلى التضحية والشجاعة، لكنه إذا تجاوز الحد، يتحول إلى عواطف غير عقلانية تؤدي إلى النزاعات والصراعات.
  62. إن الاختلاف في الفكر، والنقاش، وموضع النقد، يُفضي إلى الارتقاء الفكري، ونمو الروحانية والاجتهاد يعتمدان على هذا البحث والدقة والنقد والقبول والرد. ولكن لا ينبغي أن يُخطأ في أن قيمة هذا الارتقاء تستمر طالما بقيت هذه الخلافات في مرحلة الفكر والتأمل، ولم تتحول إلى التطبيق العملي، وأن تكون دقة النظر والتفكير لأجل تطوير الأسس وإتمام المعاني. أما إذا ظهر الخلاف في العمل، وتغلغل في أساليب إدارة المجتمع، فإنه يؤدي إلى الفوضى والمشكلات. وعندما يصاحب الخلاف في العمل سوء الظن، وقصر النظر، والجمود، والصراع، لا يبقى للعقل والفكر مكانٌ للنمو والارتقاء. وإذا كان الاختلاف نتاج تعصب أعمى غير مستند إلى دليل، وبرز في الواقع العملي، فإنه يعمي ويسمع صاحبه، حتى يدفعه إلى اللجوء إلى القوة والفرض وتلبية الأهواء.
  63. إن ضرورة التسامح لدى رجال الدين تشمل جميع مراحل الشباب والكهولة. فالشخص في شبابه يميل إلى دنياوية الحياة، وفي فترة النضج والشيخوخة يميل إلى حب القيادة والإدارة. فالشاب غالباً ما ينخرط في الانحرافات المادية، والشيخ الكبير في طلب القيادة؛ حتى إن الشباب الذين كانوا بالأمس أصدقاء محبين، إخواناً متحابين، وزملاء دراسة ونقاش، فجأة في فترة تولي المسؤوليات، يتحولون إلى أعداء، ويصير كل منهم للآخر كالسكاكين والجبن، وتزداد المسافات بينهم يوماً بعد يوم.
  64. وفي مرحلة النضج والكهولة، رغم أن غرائز الشباب من حيث الكم تقل وتنخفض، إلا أنها من حيث الجودة تشتد وتزداد حدة وتميل إلى الإفراط لتعويض النقص الكمي. إضافة إلى ذلك، هناك من يدور حول الإنسان كمنافقين يسعون لمآرب دنيوية، فيصيرونه أسيرًا لهم. هؤلاء، رغم عدم وجود ألم أو اهتمام روحي خاص، يرافقون أهل الكمال أحياناً ليدعوا الكمال والفضل، ويجعلون منه ذخراً دنيوياً لهم، ليحمّلوا على الآخرين أعباء حياتهم القاصرة. كل فضائلهم وكمالاتهم إنما هي في سبيل دنياهم، وهم في الأصل يسعون إلى تحصيل الدنيا، ويضعون بقية الأمور في مرتبة ثانوية. وهم انتهازيون يغتنمون الفرص لبناء شبكة واسعة لمصالحهم الدنيوية. علاقاتهم غالباً شكلية، وليس بينهم انس حقيقي، ولا يمكنهم فهم حضور بعضهم البعض بصدق. إنهم يظهرون أكثر مما هم عليه فعلاً، وتكشف حيلهم الماكرة بسهولة، وأعمالهم تفتقر إلى الصفاء والصدق، ويتصرفون كالتجار الباحثين عن فرص الكسب.
  65. ومع ذلك، فإن العناية الربانية ورعاية أولياء المعصومين هي الضامن لبقاء الروحانية. بقاء الروحانية عبر التاريخ وحياتها الخصبة، وابتعادها عن أي شوائب أو انحراف أو ضعف، يُعد معجزة وكرامة، حتى أن العقل يصاب بالدهشة أمام هذه الشخصيات العظيمة، ويخشع بتواضع، ويرى فيها ضماناً إلهياً وكرامة ولاية. المجتمع دائماً بحاجة إلى العلماء الورعين، فهم كالمساحات الخضراء التي تضمن صحة ونقاء النفوس، ولا يمكن صحة المجتمع بدون مثل هؤلاء. لكن إذا لم ينمِ المجتمع علمه، يصبح مجرد مدعي للعلم، ويحصل البعض على مكانتهم الاجتماعية بناءً على ادعاءاتهم وليس علمهم، فيتواجد المجتمع، بدلاً من العلماء الحقيقيين، إلى جانب المطالبين الكاذبين وعلماء الزيف الذين لا يمثلون الدين الحقيقي.
  66. القوى النفسية والروحية
  67. من الأمور التي يمكن للنفس أن تمتلك قوة التصرف فيها، مادة الوجود. التصرف في مادة الوجود يمكن أن يتم إما بالسحر أو بالمعجزة. السحر من صفات الإنسان الفعلية ويحتاج إلى فعل متكرر أو شائع، حتى يُصدق الساحر وصفه. السحر فعل له أثر، وهو إما ضار أو نافع، وتأثيره ليس بالسحر ذاته بل بقدر إرادة الفاعل. السحر نوع من التصرف الحقيقي في مادة الوجود ويشمل الفعل الفردي، ويقسم إلى ضار وغير ضار. السحر المحرم هو التصرف في مادة الوجود بطريقة تضر المسحور، حتى لو بإذنه، أو إذا كان يؤدي إلى بدعة أو فساد اجتماعي، بحيث يحقق وصف المفسد والكافر، فيترتب عليه أحكام الكفر والقتل واللعن. كما أنه إذا كان الساحر يتصرف في شخص دون إذنه، حتى وإن لم يكن ضاراً، يُعد محرماً بسبب انتشاره وتكراره.
  68. موضوع السحر هو التصرف في مادة الوجود، ولكن ليس كل أنواع السحر تصرف حقيقي في المادة، فقد يكون عبر التأثير في الخيال والحواس. النفس القادرة على التصرف في مادة الوجود كمال يستحق الإشادة، لأن الكمال الذي لا يؤدي إلى فساد ولا يستلزم مقدمات فساد، هو جدير بالتحقق. بالإضافة إلى أن تعليم وتعلم أي كمال طالما لم يصاحبه حرمة، هو أمر محمود. بناءً على ذلك، يجب الحكم بالمثل على الكهانة والخداع وأحكام النجوم.
  69. قلنا إن النفس والجسد مرتبطان، والنفس تؤثر في الجسد. مثلاً، الخوف يُغيّر لون الوجه، والحياء يجعل الإنسان يحمر، والخيانة تزعزع بدن الخائن.
  70. بعض النفوس تمتلك ملكة وقوة تؤثر على الجسد، فتبدو كأنها نفس العالم كله، وتستطيع التأثير في كل شيء، كما أنها تؤثر على الجو والمطر بإرادتها، ولا شيء يصعب عليها، خاصة إذا تغلبت على شهواتها وغضبها. فالتصرف في مادة الوجود من أبسط قوى النفس، وخلف هذه القوى توجد قوى القلب والروح. ما ذكرناه حتى الآن ينتمي إلى مرتبة النفس، والعديد من الخوارق التي تُنسب إلى بعض العارفين ليست إلا نزعة نفسية، ولا تحمل غرضاً إلهياً حقيقياً، فلا ينبغي الانبهار بها.
  71. الإنسان يمتلك مرتبتين أسمى من النفس: القلب والروح، ولا يستطيع التحرر من دوافع النفس إلا بالوصول إلى القلب أو الروح. من لا يصل إلى هذا، يظل أنانياً مهما فعل من أعمال حسنة. أسوأ مثال هو النفس القوية الشريرة التي توجه طاقتها نحو الشرور، مثل السحر الضار، أو الغرور والتكبر الذي يضل صاحبه.
  72. ومن القوى النفسية أيضاً العين الحاسدة (الحسد)، التي توجد في أصحاب الوجوه القبيحة، وتتعلق بقوة النفس. العين الحاسدة تؤذي بمجرد النظر والتعجب، وقد تقتل، فهذه العين تدمر الشيء من خلال النظرة فقط، دون حاجة إلى ملاقاته. العين الحاسدة حقيقة مؤكدة، لكن من يمتلكها بالضبط غير معروف على وجه القطع. نزلت آية (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا…) للدلالة على حماية المؤمنين من هذه القوة.
  73. الحوادث الخارقة التي تؤثر في صحة الحياة لا تقتصر على قوى النفس مثل السحر والعين، بل هناك أجسام خاصة مثل بعض الأحجار وقوى سماوية ترتبط بأحوال معينة، كما في بعض الطلاسم، التي تسبب أحداثاً خارقة.
  74. من القوى الأخرى للإنسان “المعجزة”، وهي القدرة على تحقيق ما يعجز عنه عامة الناس، وهي ليست قوة عادية، بل هي منبعها القوة الإلهية اللامتناهية. وعندما يشاء الله، يتحقق الأمر سواء عبر نفس النبي، أو عصا موسى، أو أي وسيلة أخرى. المعجزة تحدث عند الحاجة وتثبت صدق الرسول، وهي ظهور الباطن على الظاهر. المعجزة من خصائص الأنبياء وتحدث استجابةً لطلبهم، وهذا يميزها عن الكرامات التي يمنحها الله لأوليائه.
  75. يمكن للإنسان بفضل النمو الروحي أن يسيطر على مادة الوجود ويتصرف فيها تصرفات عقلانية، لكنه لا يظهر شيئاً بدون سبب أو مناسبة، ويستخدم ذلك غالباً لإثبات الحق أو هداية الآخرين. تحلل المعجزة على عدة مقدمات فلسفية، منها وحدانية المادة وقدرة النفس المجردة، وثبات العقل، وسيطرة الإرادة، بحيث يصير الكون كجسد يتصرف فيه الإنسان كما يشاء.
  76. وبالتالي، المعجزة ليست خارقة للعادات، بل هي ضمن قوانين الطبيعة مع تسريع في التغير. الذي يستطيع المعجزة يكون صادقاً، لأن الكذب مستحيل على من يملك هذه القدرة، ولا يتوافق مع مقامه.
  77. إذا أردنا الحديث عن قوة الإنسان من وجهة نظر فلسفة العملية، ندرس شخصيته في بُعدين: الأخلاق والآداب. الأخلاق تعني القوة النفسية، والآداب تعني ضبط الجسد. من يراقب نفسه من الكذب والغيبة، فهو متخلق، ومن يتحكم بعينيه ويديه فهو مؤدب. يجب أن يكون الجسم قوياً كي يستطيع التحكم بالنفس، كما أن النفس تحتاج إلى غذاء لطيف، وبالمقابل الجسم الضعيف يضعف النفس. لا نقبل الفصل بين النفس والجسد ككيانين مستقلين، بل هما متداخلان في درجات التجرد والمادة.
  78. الشخص القوي جسدياً وقادراً على السيطرة على أعضائه، له قوة روحية متناسبة معها، ويستطيع الحصول على القوة من الحب والصفاء والتجرد. وقد سبق أن ذكرنا أن الحب يمنح الإنسان قوة نفسانية مضاعفة.
  79. الاقتدار الإنسانی واسعٌ جدًا. في تاریخ البشریة، جرت الخوارق عن العادات من الإنسان بأشكال متعددة. على سبيل المثال، يمكن أن يكون الإنسان محصناً ضد قوة الكهرباء والقوة الحرارية التي قد تقتل إنسانًا بقليل من طاقتها، ومن خلال المثابرة يمكنه التعامل مع الكهرباء دون أي خطر، أو أن يتألف جسده مع الأفاعي والعقارب بحيث يصبح سمها بلا تأثير على العامل، أو أن يمتنع عن الطعام والنوم لمدة ستة أشهر ويبقى هادئًا ومستطيعًا التحكم بنفسه.
  80. بالطبع، الاقتدار النفسي يختلف عن القيام بأعمال جسدية شاقة تقع ضمن قدرة المادة مثل تمزيق الحديد، رفع حصان مع فارس، أو كسر خرطوم فيل بضربة يد، والتي تُعد من القوة البدنية أو الفروسيّة ولا تُعتبر أمرًا غير عادي. العمل غير العادي المرتبط بالاقتدار النفسي هو مثل إيقاف القطار بقوة النظر فقط ودون استخدام الجسد.
  81. الشخص الذي يحطم حجارةً بضربة يد يستخدم التقنية والسرعة وقوة الضربة، وهو لا يعتمد على قوة غير مادية أو اقتدار نفسي. لكن إذا كسر الحجر بنظرة، فقد استفاد من قوة معنوية وغير جسدية.
  82. يمكن للإنسان أن ينجز مثل هذه الأعمال بالاقتدار النفسي. يجب الانتباه إلى أن هذه القوة ليست خارجة عن القوة الطبيعية، رغم أنها ليست قوة جسدية ولا تتدخل المادة فيها مباشرة.
  83. تجدر الإشارة إلى أن القوة النفسية عند الراجز والمتصوف هي واحدة، فكلاهما يبعد عن المادة وتقوى النفس لديه؛ لكن الفرق بينهما هو أن الراجز لا يبتغي الحق، بينما أهل المعرفة يسعون إليه ويبتغونه. الساحر له نفس قوية، والمعجزة تنبع من نفس ذات اقتدار، لكن الساحر يستمد قوته من ظلم الشيطان، أما النبي فيمتلك نورًا رحمانيًا. وكلاهما يعود إلى النفس.
  84. لا بدّ أن نُعيد التأكيد على أنَّه لا يمكن الوصول إلى حقيقة الإنسان من خلال أفعاله فقط. فعلى سبيل المثال، بعض المنسوبين إلى التصوف أو المتصوفين (المرتاضين) قد يقومون بأعمال غير عادية، ولكن شرط قيامهم بهذه الأعمال ليس الإيمان والمعرفة بالحق، وقد يتمكن المرتاض غير المسلم أو الكافر من القيام بها. الهدف من هذه الأعمال ليس إلهياً، كما أنها لا تدل على المعرفة الحقة أو قرب الإنسان من الحق تعالى والكمالات الإلهية، ولا يمكن الحكم على باطن الفرد بمجرد سماع هذه الخوارق والغرائب. هذه النقطة مهمة جداً في فهم الكثير من الأشخاص الذين يُعرفون بالتصوف والمعرفة، لكنهم لا يمتلكون باطن ولاية أو توحيد، وإنما يعيشون على شهرتهم الزائفة فقط دون أن يقولوا شيئاً أو يكتبوا كتباً تكشف عن فراغهم، بل إن الآخرين هم من يتحدثون عنهم ويكتبون في شأنهم.
  85. من المهم أن ننتبه إلى أن الباطن وطريقة ظهور الظواهر ومسارها الطبيعي هي أمور تكوينية لها وجهان: وجه حق ووجه خلق. لكل منهما تأثير مباشر على قلب وعقل الإنسان. الوجه الحق يمكن أن يكون مصدر إلهام للقلب، أما الوجه الخلقي فهو قد يكون مجرد ذكرى أو وسوسة. وإذا غرق الإنسان في جهته البشرية وانشغل بنفسه الأمارة، فإنه يكون عرضة لسهم وساوس الشيطان، ويصيب قلبه وعقله ضرر من هذا النمط، فيفقد صفاء وسلامة باطنه. وعلى العكس، كلما ضعف الجانب البشري وبرز الوجه الحق، تصل الإلهامات والإشراقات الربانية إلى النفس الملهمة. وكلما قويّت النفس الأمارة ضعفت النفس الملهمة، وكلما ضعفّت النفس الأمارة قويت النفس الملهمة.
  86. النفس، بكل مراتبها، حقيقة تمتد من المادة إلى التجرد، وتكتسب خصائص مختلفة، وتختلف في الظهور والقوة والفعل. وكلما كان القلب أكثر صفاءً ونورانيةً، ازدادت قدرته على إدراك الأمور الغيبية، ويمكنه بلوغ النفس المطمئنة، والناشطة، ثم المرضية التي هي أعلى مرتبة قرب ووصول إلى الحق، وحصول على شرف إدراك جميع الحقائق الجارية في مجرى الوجود، ويقين كامل بحيث لا يبقى له حجاب. النفس الراضية مقام رضا وهي مقام فناء الإرادة البشرية في الإرادة الإلهية، فتكون كل أفعال النفس الراضية مقبولة ومرغوبة من الله، فتُصبح نفساً مرضية.
  87. وبعبارة الفلاسفة، يتحقق صحة النفس وصفاؤها حين توازن جميع قواها وتطمئن، وتكتسب ملكة العدل. النفس المطمئنة تنأى عن حدّة الذهن (العجلة في الفهم وعدم التأمل الكافي)، وعن الغباوة والبلادة (بطء الفهم)، وعن الجُرأة في التلذذ التي تؤدي إلى سيطرة الشهوة، وعن الخمول والظلم (الظلم على الآخرين)، وعن الانظلام (قبول ظلم الآخرين)، وتتصف بالحكمة والعفة والعدل.
  88. وفقًا لتفسير الفلاسفة، تتحقق صحة النفس وصفاؤها عندما تستقر النفس في اعتدال جميع قواها وتطمئن، وتستطيع أن تؤسس ملكة العدل في ذاتها. فالنفس المطمئنة تنأى عن سرعة الذهن (عجلة في الفهم وعدم تأمل كافٍ)، وعن الجهل والبلادة (بطء الفهم)، وعن التهور في الاستمتاع (الشراهة) التي تؤدي إلى سيطرة الشهوة، وعن الكسل فيها، والظلم (الاعتداء على الآخرين)، والظلم الواقع (قبول الظلم من الآخرين)، وتتصف بالحكمة والعفة والعدل.
  89. إذا استولى الشهوى واللذات النفسية على النفس كلها، فإن ذلك يحول دون السير في سائر الكمالات، ويؤدي إلى الغفلة عن الباطن والمسير الطبيعي. فاللذة والشهوة من صفات كمال الإنسان، ومن لا يتمتع بلذة ولا شهوة، فلا كمال إنساني له، ولكن هذا ليس وحده كمال الإنسان، بل يجب تحصيل الكمالات الأخرى كذلك. والكسل والركود نقص، والعفة وطهارة النفس حد وسط بين الشراهة والكسل. فالكسل والركود يمنعان النشاط الضروري للسير في الكمالات.
  90. في تربية النفس والروح البشرية، يحتاج الإنسان إلى مربٍّ بصير وكامل يستطيع أن يؤسس الاعتدال والثبات في نفس الإنسان، ويمنعها من النمو الكاريكاتوري.
  91. كما ذُكر، نهاية الحديث هي في القوة في الحكمة العملية، والوصول إلى العدل وتحقيق النفس العادلة. ومع كل صعوبات الطريق، فإن العدل الفعلي وصف قسري قد يزول بسرعة، وهذا هو غاية المدرسة وأقصى كمال صورة الإنسان. لذا يجب على الإنسان أن يطلب ما لا يزول بسهولة ولا بسرعة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التصوف، لا البرهان، وهو عمل رياضي، لا عقلاني، وطريق حب ومحبة لا عدل. الفرق بين البرهان والتصوف مثل الفرق بين رؤية الماء والنار والمرور بينهما. لذلك، ينبغي للإنسان أن ينتقل من صفة العدل القسري إلى صفة العدل الطبيعي، وهو الطريق النقي، وهو المحبة لله وللنفس، وليس لمحبة الأشياء، لأن العالم كله منه. فإذا أحب الإنسان الأشياء، فلا يحتاج بعد ذلك إلى العدل، لأن آفاق رؤيته تتجاوز العدل، وهذا الاكتشاف هو العصمة النسبية.
  92. فالعلوم والبرهان في نهايتها تفضي إلى العدل، أما التصوف والمعرفة فتوفر المحبة. وبذلك، يتضح معنى الصراط المستقيم بشكل أدق وأدق؛ فالمحبة تجاه كل شيء هي الصراط المستقيم، والبغض تجاه الأشياء هو الضلال؛ ومن ثم، فإن «المحبة» و«الكراهية» هما أساسا الدنيا والآخرة.
  93. للمحبة ثلاث مراتب: محبة الله، ومحبة النفس، ومحبة الخلق. وبناءً على ذلك، يجب أن تكون المحبة لجميع المخلوقات، حتى الضالين، كما يحب الأب الوالد أبناءه العاصين، فلا يتخلى عنهم ويعاملهم بمحبة، مع ضرورة عدم توفير أسباب زيادة ضلالهم. كمال المحبة هو أن تزول الكراهية من النفس حتى تحب الإنسان حتى نفسه، ولا ترى فيه سوءًا، وترى الوجود كله وجه جمال وجلال الله.
  94. المحبة لله ـ وهي المحبة الحقيقية ـ تبدأ بالتفكر في نعمه الإلهية، واستمرارها يولد الشوق والعشق لله. وهذه المرتبة بداية طريق المبتدئين، أما الطريق الأعلى فهو الحضور في محضر الله ورؤية جماله وجلاله.
  95. يجب أن يبقى الإنسان في مقام الشهود ليصبح عاشقًا حقيقيًا لمعشوقه، وهذا لا يتحقق إلا بمرور بمراحل المعرفة والتصوف ـ التي هي الشوق والعشق والمحبة لله ـ ونقطة البداية هي «الزهد» والإنابة عن الدنيا وما فيها، ثم الوصول إلى عبودية الله والبقاء في مقام العبودية، وهي عبودية للوصول إلى الله، لا لشوق إلى الجنة أو خوف من النار، فكل ما ذكر هو مقدمات طريق الوصول الكامل إلى الله.
  96. في العبادة يجب مراعاة أمرين مهمين، فبدون تحقق الأول لا تتم العبادة، وبدون الثاني لا تأخذ العبادة محتواها.
  97. الأمر الأول: أن تكون العبادة بأمر من الشارع المقدس.
    والأمر الثاني: أن تكون العبادة مرافقة ومتزامنة مع حياة الفرد الاجتماعية والشخصية.
    وبناءً عليه، فإن الصلاة الجماعية، والجمعة، والحج، والصوم، تكون عبادة إذا كانت في عمق قلب المؤمن وفي متن المجتمع، لا في زوايا الخلوة أو خانقاه، إذ إن مثل هذه الصلاة مجرد ترنيمة، ومثل هذا الحج مجرد استعراض، وهذا الصوم مجرد إضراب عن الطعام، في حين أن العبادة هي قيام في وجه المعاصي والشرور.
  98. العشق للنفس وللآخرين كذلك؛ فكل موجود يحب ذاته وكمالاته، وإن أخطأ في معرفة كمال ذاته والوصول إلى معشوقه، فعليه اللجوء إلى الحقيقة المعصومة من الخطأ، وهي القرآن الكريم والأئمة المعصومون عليهم السلام. فحقيقة الدين والإمام الحق هما مقياس معرفة كل خير وشر، لا كلام الآخرين، لأنه فيه احتمال الخطأ، وهذا هو معنى العشق الحقيقي في مذهب القرآن الكريم وعترة النبي الأكرم.
  99. تحدثنا عن مراتب كمالات الإنسان وقدراته الباطنية. من الناحية النفسية، لدى الإنسان ثلاث مراحل وثلاث محركات حركية: النفس، القلب، والروح، موضوع التصوف.
  100. النفس تدرك المحسوسات والأوهام والتخيلات، وتبدأ نشاطها في المرحلة الجنينية، وهي أدنى وأول حركة إنسانية. في هذه المرتبة يغلب على الإنسان الشهوات النفسية، ويستمتع حتى بالعبادات والحلال. إنسان هذه المرحلة إنسانيته سطحية ويكتفي بالمسائل النفسية مثل الطعام والشراب والعلم والعمل. غايته هي لذات النفس وتحقيق حاجاتها، وأقصى ما يطلبه هو المتعة والنجاح النفسي المتنوع. النفس أيضًا لها مراتب، فبعض الناس ينتفعون من اللذات أدنى منها، وبعضهم أقوى نفسياً، وهذا متاح للجميع. حتى إذا انشغل الإنسان بالعلوم الإسلامية في هذه المرحلة، تظل دروسه ضمن دائرة النفس. دائرة وجوده محصورة في الأسرة والأصدقاء بحب عادي، ومستقبله محدود بالمطالب الدنيوية أو بجزء من مطالب الآخرة. هو فقط ذاكر وواع، لكنه لا يملك القدرة على الفهم والاستنتاج والتحليل، وهو دائمًا متلقٍ ومقلد ومتشحذ. معلوماته مجرد حفظ لا فهم. إذا نما في بيئة نفسية، قد يتحول إدراكه إلى مكيدة، ويصبح عقله مقيدًا بأهواءه.
  101. من وقع في دائرة النفس لا يهم أين وماذا يعمل، المهم أن يكون الحلال والشرعي ومتوافقًا مع ميله وقدرته. النفس العادية طماعة، لا تهدأ ومريضة، وعلى الإنسان أن يعالج أمراض نفسه. الحركة النفسية هي رأس مال الإنسان الأول، وإذا لم يظل الإنسان فيها، بل جعلها وسيلة، يمكنه تشغيل المحرك الثاني وهو القلب، ويسرع نحو الكمال.
  102. القلب يصل إلى الأمور العلمية، وهو أسمى من الذكريات النفسية، ويحتوي اللذات القلبية. صاحب القلب يعاني من صعود وهبوط، ويتحول، يحيط به أوقات انتعاش وضعف. نومه ويقظته لا تهدف إلى اللذات النفسية. إدراكه ومعرفته تختلف عن الإنسان العادي، ويصبح مختلفًا قادرًا على التفكير والفهم. هو صاحب ملكة قدسية، وهو نادي الإدراك والعلم والاجتهاد. الإنسان في هذه المرحلة فهيم، وهو «ذاته» لا يقلد أحدًا، لأن الله لا يكرر خلقه، وكل مخلوق تحفة. الاجتهاد في هذه المرتبة أولى شروط الكمال.
  103. للوصول إلى الكمال والتشبه بالله ومنح الملكة القدسية من عنده، يجب أن تكون النفس طاهرة من الحقد والكراهية والبغضاء. يجب أن يكون راضياً عن الجميع، ولا يحمل بغضًا إلا لأعداء الله. من يرضى عن الآخرين لا يطلب منهم شيئًا، ولا يطلب منه الآخرون شيئًا. ويجب أن يدعو الله أن يعوضه إذا كان عليه حق لا يعلم به أو لا يستطيع أدائه. كما يجب تطهير الذهن من الشوائب والشكوك والأفكار العامة، وإلا كان كمن يرتب أثاث منزلٍ على أرض متسخة فيتسخ الأثاث. يجب تنقية الذهن والفكر والثقافة والتقاليد، وكل ما يبقى يجب أن يكون برهانيًا وواضحًا وسليمًا ويقينيًا، وإلا لن يمكن الإنسان من الطيران والسمو.
  104. محرك القلب الذي يولد الفكر والعقل يجب أن يكون مزدهرًا. جميع الناس لهم مزاج ونفس وأفكار ومعتقدات، لكن العقل والقلب مرتبتان لا يستيقظان بسهولة. لا يولد العقل والقلب في الإنسان إلا حين يرتفع. قد يكون عمر الإنسان سبعين سنة دون ولادة عقل يفكر. الذهن وقوة التصور ليست بالعقل. عندما يولد العقل، يبدأ الإنسان في التفكير في المعنويات والكمالات والخيرات والربوبيات، ويزيل شبهاته. الذهن لأمور الأرض، والعقل لأمور السماء. عندما ينطلق عقل الإنسان، يبدأ بشكوك شاملة لكنه لا يظل فيها، بل يتقدم نحو العلم واليقين ويزيل شبهاته العقلية. المجتمع إذا ازداد عقلًا أولاً يصاب بالتشكيك ويطرح شبهات كثيرة، حتى على الدين، وعلى القائمين على الدين هدايته.
  105. عندما يطمئن القلب، يعود من المادة والنفس والمزاج إلى ربه برضا وفرح، وليس بالقهر والاستبداد، ويعود بارتياح. لذا، تمضي النفس نحو الكمال إذا كانت راضية وسعيدة، بل معجبة بعملها، وتأثيرها يزداد بمقدار حبها له. وإلا لن يكون له أثر. من يطمئن ويشعر بالرضا يصبح عبدًا. لا يمكن العبودية ورؤية الله بنفس ملوثة وعقل مظلم. يجب الحركة بنقاء الباطن، عندما تستيقظ النفس على ترددات عالية من اليقظة العقلية والقلبية، ويتحقق ملكة قدسية وصفاء باطني، يصبح إنسان معرفي، ويستطيع إنتاج العلم الديني بالاجتهاد. العلم الديني علم يمكن نسبته إلى الله. من ليس له ملكة قدسية لا يحق له الدخول إلى عالم الربوبية، ويجب أن يقلد ويطيع المجتهد الكامل في جميع شؤون الحياة ليكون حياته مثمرة. هذا المجتهد له ملكة تستطيع معرفة حال كل إنسان، وتوجيهه حسب حاله. من لا يلجأ إليه يشغّل نفسه بأمور لا تناسبه وتبعده عن كماله الخاص وتوقعه في عذاب أليم.
  106. صاحب الملكة القدسية يدرك ويظهر له صفاء الباطن، ويرى كل شيء بوجه الحق. من لديه هذا الصفاء يجد النفس المطمئنة ويبلغ لقاء الله، فلا يرى آثار الدنيا في قلبه، بل يظهر له وجه الله.
  107. العدل عند المجتهد في هذا السياق يعني الصفاء الباطني، حيث يكون قلبه رحيمًا، نقيًا، ومتفتحًا مع الجميع. إذا قبل أحد يده، فلا يرضى بذلك، وإلا لم يُمنح الملكة القدسية ويظل متعلقًا بأوهام النفس.
  108. الشخص الذي يمتلك ملكةً قدسيةً موهوبةً يمكنه، بفضل قدرته على إنتاج العلم الديني، أن يتبوأ موقع المرجعية بين الناس ويكون مرشدهم. أما الاجتهاد بدون هذه الملكة، والاقتصار على تحصيل العلوم المكتسبة فقط، فلا يؤدي إلى دور فعّال، ومن يدعيه يقع في وهم وخيال لا يستند إلى فهم علمي ديني حقيقي، ولا يكتسب تصرفاته الشرعية أي شرعية حقيقية. إن الفهم الديني عند من لا يمتلك اجتهادًا بشروطه اللازمة هو فن ديني يمكن لأي صاحب استعداد ذهني أن ينجزه، حتى وإن كان ينكر الحق تعالى أو كافرًا.
  109. المقام الأسمى من مقام القلب هو مقام الروح، وهو مختص بأصحاب الولاية. إن انطلاقة محرك الروح تتم برؤية. وأصحاب مقام الروح هم الذين نجحوا بإذن الله وإرادته في السباق الدنيوي، ووصلوا إلى النهائي النهائي. هم أصحاب الرؤية، وعينهم مفتوحة أكثر من غيرهم، ورؤيتهم أيضًا بإرادة الله تعالى. صاحب النفس هو الذي يملأه الحظ والنزعة النفسية، وصاحب القلب يمتلك العلم والإدراك والملكة القدسية، وصاحب الروح هو الذي يتحلى بالمعرفة والرؤية والولاية.
  110. كمال النفس البشرية
  111. كل الظواهر تخضع لسير أبدي، والنفس كذلك. الطريق مفتوح لجميع المقامات والكمالات للنفس، ولا يتوقف سيرها أبداً. النفس تكتمل بالتفكير والإرادة. كمال الفكر وقوته يتحقق بالحكمة النظرية، وكمال الإرادة وصمودها يتوفر بالحكمة العملية. الحكمة هي المرحلة الأولى في كمال النفس، بعدها يأتي الشهود والمعرفة التي تُكمل كمال الروح.
  112. مراحل الفكر هي: الشك البدوي، الشك الحيراني، الخيال، الوهم، الظن، الجزم، العلم، الاعتقاد، اليقين، والإذعان، وهي غاية البرهان والاستدلال.
  113. وفقًا للفلسفة الشائعة، تشمل هذه المراحل الفكر الهيولي، والملكة، والفعل، حتى المستفاد. يبدأ الإنسان باستعداد وفهم البديهيات، ثم يكتسب النظريات وينظمها، ثم يصل إلى حقائق الاستدلال الحقيقية حتى مقام المستفاد، وهو غاية الوصول في الاستدلال. بعد الاستدلال والبرهان تأتي مرحلة الشهود، التي تتضمن المراتب التالية: السر، الخفي، والأخفى.
  114. مقام المستفاد هو الوصول إلى الفكر البرهاني والحكاية عن التطابق الحقيقي بحيث يتحقق اتحاد النفس مع هذه الحقيقة، وهو مقام السر، بحيث تصبح النفس نفسها الواقع الخارجي وتحقيق البرهان العيني. في هذا المقام الرابع، تجد النفس الهويات الحقيقية بالعقل والاستدلال، ولكن الواقع الخاص بها لا يمكن إدراكه بالبرهان فقط.
  115. هذا المقام يتحقق ذاتيًا حين يحصل الاتحاد والوحدة الوجودية للنفس، فتكون النفس هي الواقع المتطابق. لا يبقى بعد ذلك مستوى الفكر والبرهان المعتاد بل يكون كل الوجود في مرتبة السر. مقام السر هو بداية السير الشهودي، حيث لا يعود هناك مجال للفكر والبرهان، بل يكون الشهود والسلوك عينًا في الإنسان.
  116. السر هو قدر كل أمر، ومرتبة القدر هي نفسها من نفس النفس، بحيث يصبح العارف بقياس ونتيجة كل أمر، ويجد ذاته هي كل ذلك الأمر، وفي هذا القياس والقدر يتحقق التطابق مع الحقيقة حتى يرى نفسه في مقام وحدة الحق، حيث يصبح السر بلا سر، والقدر بلا قدر، فيأتي مقام الخفي.
  117. في مقام الخفي، يصبح القدر قضى، والقضاء رضا، والرضا بلا رضا، حتى يتحقق مقام الأخفى والوحدانية في الشهود.
  118. البرهان يستمر حتى مقام المستفاد فقط، وما بعده يجب اجتيازه بالمعرفة والشهود، حتى يتم استكمال الحضور والوصول في البرهان وال عرفان، سواء في الحكمة العلمية أو العملية التي هي الفكر والإرادة.
  119. يمكن تلخيص استكمال الفكر والشهود في سبعة مقامات هي: الطبع، النفس، القلب، الروح، السر، الخفي، والأخفى. الطبع يُعبر عنه بالحركة، النفس بالجزئية والاختيار، القلب بالكلية والإرادة والخلق والإحاطة، والسر بالسير الباطني، والخفي والأخفى بالوحدانية والأحدية.
  120. من السر إلى الأخفى لا يمكن مقارنته بالطبع إلى الروح الذي هو مقام البرهان، فهو أوسع وأعظم بكثير. وإذا قال القرآن الكريم: “وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ” فهذا يتعلق بهذا المقام، ولم يقل: ما أعطيناكم عرفانًا أو علمًا قليلاً، بل هو العلم الذي ضئل بالنسبة للمعرفة وال عرفان. الفرق بين (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ) و(شَهِدَ اللّٰهُ أَنَّهُ لَا إِلٰهَ إِلَّا هُوَ) كبير جدًّا. في الأولى دعوة إلى العلم التي تتضمن ضمير الجمع (أنتم)، أما الثانية فهي شهادة الله التي لا تتضمن ذلك، فهناك عالم ومعلوم، وهناك شاهد حق وشهود.
  121. السر، الخفي، والأخفى أو الطمس والمحوه من مصطلحات العارفين، لا يصل إليها الحاكم العقلاني، ولا علاقة للبرهان بالسر والطمس، والخفي، والأخفى، والمراتب العليا للسير العرفاني.
  122. أحيانًا يُقسّم مراحل سير الإنسان إلى علم اليقين، عين اليقين، وحق اليقين. علم اليقين هو البرهان، ولا يتعداه. عين اليقين وحق اليقين يشيران إلى مراتب السر، الخفي، والأخفى، وهي الطمس، والمحوه، والمحق. عين اليقين هو الفناء في البقاء، وحق اليقين هو البقاء بلا فناء.
  123. أحيانًا يُحدّد كمال الإنسان بأربعة أسفار هي على الترتيب: “من الخلق إلى الحق”، “من الحق في الحق”، “من الحق في الحق بالحق”، و”من الحق إلى الخلق بالحق”.
  124. السفر الأول هو قطع النفس والسير إلى الحق، والسفر الثاني هو التخلق بالأخلاق الإلهية وتحقيق أسماء الله في نفس السالك، حيث يصبح وجوده هويّة، وهذان السفران هما صعود النفس في عنقاء الروح. السفر الثالث هو السفر في الحق بالحق، وهو نفي التعيين للوحدانية والأحدية وعدم التعيين. السفر الرابع هو النزول ومساعدة الخلق، حيث يكون يد العارف يد الحق ونفس العارف نفس الحق، ويصل الخلق به إلى الحق. الحق يجعل العارف واسطة في فيضه، ويصبح عونًا للحق وناصراً للخلق، ومرتبة عالية كهؤلاء هي لمن هم من الأنبياء والأوصياء.
  125. المعتقد لدينا أن السالك في طريقه يمتلك ثلاث منازل، كلها تدور حول ترك الطمع بثلاث زوايا: طمع في غير، وطمع في النفس، وطمع في الحق. إذا استطاع القلب التخلص من الطمع في النفس، يكون قد وصل إلى الكمال الكامل.
  126. ترك الطمع في غير يعني إزالة القلب عن غير وعدم السعي إلى مصلحة من غير، وهو المنزل الأول. المنزل الثاني هو ترك الطمع في النفس، فلا يكون القلب مرهونًا لنفسه، بل يتصرف في نفسه كما يفعل مع غيره. المنزل الثالث هو ترك الطمع في الحق، أي تقديم القلب للحق، وهو شرط وصول السالك، أن يكون مع الحق كما مع نفسه، وأن يفعل مع الحق كما يفعل مع غيره.
  127. القلب لا ينبغي أن يتشبث بامتلاك الحق، بل يحب الله حبًا لا يتغير حتى لو كان الله هو الفقير في الزقاق، فإنه يعامله كما يعامله في حالة القدرة والغنى.
  128. ترك الطمع لا يعني الانفصال عن غير أو النفس أو الحق، بل هو الاتصال الكامل بكل خلق الله، بدون شائبة غيرية.
  129. بحيث ينفي الطمع ويحقق الاتصال الكامل، ويجد حب السالك وجه حب الحق، كما يظهر الحق الخلق بدون طمع من شغف نفسه، ويزور الوجود على حقيقته وليس بغيريته، ويسلم القلب للقلب ويجد المحبوب.
  130. في طريق قطع الطمع، يقال: حيثما يريد الإنسان شيئًا لنفسه، يكون ذلك بداية ابتعاده عن الطريق العرفاني. ما يبعد طالب الحق عن الحق هو الطمع في المطامع الدنيوية والخيرات، وليس الكلام عن المعصية أو الأعمال الحيوانية أو المحرمة، بل هو قطع الطمع في الحلال وفي ما يعتقد أنه يقربه إلى الحق.
  131. يجب أن نعلم أن قطع الطمع والريش لا يعني ترك الفرض المنجز، ولا يجوز ترك الواجبات الإلزامية وإلا وقع في المعصية.
  132. السير العرفاني هو أن تكون في نار تحترق وتحترق؛ حرق ينقي الجوهر ويزيل الصدأ، ويمحو كل ما يمنع من الحق.
  133. يجعل السير العرفاني الإنسان ينظر إلى ما هو غير الله بغيرة وكبرياء، ويريد أن لا يكون!
  134. في السير العرفاني، تظهر مظاهر الوجود وتكون مقبولة بفضل مقامها كمظهر للحق، لكن النظرة إلى الدنيوي من منطلق الطمع النفسي والشخصي تسبب المشاكل.
  135. النظر إلى مظاهر الحق والرؤية بوجه الحق هو السير العرفاني، وأعلى من ذلك السير العاشق، العاشق الذي يتساقط منه كل ملكوت وناسوت، ويرحب بذلك.
  136. ذروة السير العاشق كانت عند الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، حيث كلما سقط من أصحابه أكثر وأضاعوا أعز الناس، زادت نوره وجماله، واقتربت لحظة استشهاده، وكانت ملامحه تتلألأ بنور إلهي متزايد، حتى صار الحق ذاته هو الذي وقع ميتًا على أرض كربلاء بجسد ممزق ودمائه تسيل.
  137. يجب أن يرى الإنسان العرفان والحب في كربلاء ودمائها وتربتها. لا يمكن أن يكون لأحد عرفان وحب دون أن يتوق إلى ديار العارفين ومسيرتهم الدموية ويتخلق بحقائقهم، حيث الرشادة تكمن في ترك كل التعلقات والكمالات.
  138. قطع الطمع يعني الوصول إلى معنى أن كل ما هو موجود هو له، وكل كمال له، وأن أي دار عامرة تكفي، وهو إلا خراب.
  139. الفلاسفة يرون الحكمة في الجمع العقلي، والضعف في التخمين والوهم قمة الجمود، لكننا قلنا سابقًا: لا كمال للحكمة أو العرفان أو الحب، ولا انحطاط للعقل أو ضعف.
  140. بداية الكمال هي عبودية العبد ونهايته ربوبية الحق، ومكان التقاءهما هو ظهور الخلق ووجود الحق، وهما يتحدان في وحدة الهوية وتميّز الحقيقة. وهذا ما يعنيه قوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) حيث تنشأ كل الاختلافات من هذا الجانب، ولا فرق بين الصعود والنزول، فالحق يرى كلاهما في ذاته، وهذا هو معنى الصراط المستقيم، الذي هو صراط الحق، وجميع المخلوقات تسير عليه، وإن كان لكل منها صراط خاص بها.
  141. لا مهرب من حكمتك، ولا مفر إلا الخضوع بالاختيار أو الإكراه، والخلق يتبعون الحق بالحب، ويرجعون إليه بالحب، والحب ليس له جبر ولا اختيار، بل هو جذب وجهد إرادي مشاع.
  142. بناءً عليه، الطريق مفتوح لجميع الموجودات، ويمكن للجميع أن يسلكوا طريقهم بسهولة أو صعوبة، ويجدوا سر المقصد. المشكلة فقط في البطء، وهذا شأن آخر، وليس هناك حدّ للاكتمال إلا إذا حدّده الفرد لنفسه.
  143. يمكن للإنسان أن يصل إلى المقصد، ويحقق كل مقام يمكن تصوره وتحقيقه، لكن الفرد هو الذي يقيد نفسه في الوصول إلى الكمال.
  144. ينبغي التنبيه إلى أن الأمر ليس كما لو أن كل من جاء لم يُعطَ الخير والكمال، أو أن كل من وصل لم يبلغ؛ لأن هذا النقص يُعد خَلَفًا للحكمة. إذ ليس الأمر أن لا يذهب من لا يصل، ولا أن لا يصبح من لا يُعطى، وهذان الأمران مختلفان، وسرُّ الحق مخبوءٌ فيهما، ولا يجوز الخلط بين التشريع والكون، وهذا أمر لا ينبغي لعاقل أن يغفل عنه.
  145. يقول الحق تعالى: «يا عبد، اطلب مني مقام الحكم بذكر المنّة لا بالاستحقاق، وقل: اللهم أدخلني في كل خير أدخلت فيه محمداً وآل محمد، وأخرجني من كل سوء أخرجت منه محمداً وآل محمد»، إذ ما يستلزمه هذا الدخول والخروج ليس إلا طلب العصمة ومنتهى الكمال. فكيف يكون الحق تعالى مرشداً لعبد يطلب طلباً لا يتحقق؟
  146. وكذلك حين يقول: «اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك»، مع تصور معنى إحاطة علم الحق وأن الحق بمعنى الكل والكمال للخير والشر، فلا يبقى بعد ذلك مجالٌ للكلام. وتظهر لعبودية العبد حقيقتها الربوبية.
  147. كل الكمالات صفات حقيقية للإنسان، لذا ليس لها مراتب أولى وثانية. ومن جهة النزول، قد يبلغ الإنسان مرتبة لا يصح فيها أن يُقال عنه إنسان، ويصل إلى دناءة وضعة تُوصف بـ «إنهم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً»، أو يواجه نقصاناً في الإدراك وخموداً عظيماً وضعفاً في العبادة الحقة، فيصبح غير حر ويعبد الشيطان، ويصل إلى حالة لا يمكن قبولها من الجميع.
  148. التحرر من هذه الدرجة من الضعف أعظم صعوبة من التحرر من الكبائر. ويجب التفريق بين الفروق الحقيقية في جوهر النفس البشرية والفروق الزائفة التي هي من غدر أدوات الاستعمار، خاصة في لباس قادة المجتمعات.
  149. الحق تعالى لم يفرق بين أي من المخلوقات، وهو أقرب إليها من حبل الوريد، ووجوده مستمر مع جميع الموجودات، والمخلوقات هي التي ابتعدت عن الحق، فلو لم يكن الأمر كذلك لما ابتعدت أي مخلوقة عن الحق. الجهد والإنجاز من كلا الطرفين، ويجب على كل من يُعطى أن يُجيب حسب ما أُعطي، ولا أحد يطالب بغير ما أعطاه.
  150. ولهذا يشتكي المعصوم العظيم من ما أُعطيه، لأن الحق يطلب من كل إنسان بمقدار ما أُعطيه. فلا فرق بين الخلق في العطاء والاقتضاء، وكل شخص يجب أن يلتزم بإنشائه حسب مقدار ظهوره وتحديده. لم يُنقص أحد عن الآخر، وكل واحد هو ذاته في هذا الأمر، لا شريك له ولا نظير، وجميع المخلوقات تجليات لوحدانية الحق، وكلٌ منها جوهرة ثمينة له.
  151. الكلام الأول هو أسمى الكلام، والثاني هو جوهر الكلام في هذا الباب.
  152. الحياة الحيوانية
  153. لقد ذكرنا سابقاً أن مسيرة كمال الإنسان تبدأ بعد الطبيعة بالنفس. فالنفس في سعيها إلى الكمال تمر في مراحل: تبدأ بالظن والشك، ثم تجد قوة الخيال، ثم تتفتح لديها القدرة على التوهم. بعد النفس يأتي القلب حيث ينبثق العلم، والمرتبة الثالثة هي الروح التي تمنح القدرة على المعرفة والرؤية.
  154. مرحلة النفس تبدأ منذ الجنين في رحم الأم. وهذه المرحلة مشتركة بين جميع البشر، سواء كانوا كفاراً أو مسلمين، كباراً أو صغاراً. إن المعتقدات النفسية تكون خيالية أو وهمية، تتحقق دون برهان. أما العلم، فهو المرتبة الثانية من كمال الإنسان ويرتبط بالقلب، ويصف خصائص الظواهر وليس ذاتها. أما المعرفة والرؤية الروحية فتوصل إلى معرفة ذات الأشياء وذات الوجود.
  155. المرحلة الأولى هي الانشغال بالأمور الخيالية والاعتقادات المبنية على الادعاء والمحببة للنفس، وهذه الملذات النفسية تسيطر أحياناً حتى على العبادات. والحيوانات أيضًا تمر بهذه المرحلة من المعرفة الخيالية والوهمية، وأحيانًا تدرك ما يعجز الإنسان عن إدراكه.
  156. كون الإنسان حيواناً هو المرحلة الأولى له، والحيوان جنسٌ في تعريف الإنسان، ومن ثم لابد من دراسة الحيوان لفهم جنس الإنسان. لذلك نتحدث أولاً عن الخيال والوهم المختلفين في الحيوانات، ثم نتابع بعض الموضوعات التي تساعد في فهم الحيوان.
  157. نقول إن الظواهر الذهنية لا تملك صورة، وأن العلم لا ينقسم إلى صور أو حضور. لا علم، ولا وهم، ولا هويات علمية تمتلك صورة، فالصورة ليست في العقل العلمي، بل العلم من نوع المجردات والظهورات المعنوية.
  158. الخيال والوهم والعقل هي مراحل ثلاث للتصور تختلف بحسب الظواهر الواعية. لذا لا نقول إن الخيال يصنع صورة وهو جزء، والوهم إدراك لمعانٍ جزئية بدون صورة، والعقل يحقق معنى كلياً وليس له صورة. مع ذلك، نقبل هذا الترتيب، والنفس في سير كمالها العلمي تبدأ بالخيال ثم التوهم ثم العقل.
  159. مراتب الكمال تمتد من الحياة والوعي الابتدائيين إلى حياة ووعي الحق، وليس الإنسان وحده من يملك الوعي، بل كل الموجودات من المادة إلى المجرد تملك شعوراً. وليس كل الحيوانات متساوية في الوعي والإدراك.
  160. بعض الحيوانات تملك خيالاً، وبعضها أقوى في الخيال، وبعضها يمتلك وهمًا بالإضافة إلى الخيال، وفي هذين الجانبين تفاوت كبير بينهم. أما قوة العقل وإدراك العلم الكلي فهي خاصة بالإنسان.
  161. الكون والكائنات المجردة العليا تملك إدراكات كلية واسعة (سعي) مع إرادات ثابتة، وتختلف عن الإنسان في الإرادة وثبات الإدراك، الذي عند الإنسان نسبي وسببي.
  162. بعض الكائنات تملك خيالاً قوياً، وبعضها يمتلك وهمًا كذلك، وبعضها يمتلك الاثنين بمستويات مختلفة. وليس كل البشر الذين هم كائنات ذات قدمين يملكون عقلًا فعليًا، فبعضهم يمتلك العقل بشكل متفاوت ويستخدمه، وغالبهم محروم من التعقل الكلي والثابت، وبعضهم في مقام المعاني الجزئية والوهم، والعديد في مقام الخيال، وبعضهم ضعيف الخيال، وقليل منهم لا يملك حتى الخيال ويظل في مرحلة الطبيعة.
  163. معظم الحيوانات تمتلك الخيال بدرجات مختلفة، وهذا الكائن ذي القدمين لا يفعّل ذلك في الفكر والعمل.
  164. وكما قد ينمو جسد الإنسان عرضياً ويصبح سميناً مفرطاً دون أن يكتسب الطول المناسب، أو يطول ويستغني عن العرض، أو يكون طوله وعرضه مناسبين لكن هيكله عظمياً ضعيفاً، وقد لا يجد العمق والقوة اللازمة، هكذا قد ينمو الإنسان ماديًا بشكل مناسب لكن عقليًا لا ينمو أو ينمو قليلاً.
  165. وكما يجب على النطفة أن تمر بمراحل نموها حتى تصبح علقة ومضغة وعظاماً يكسوها اللحم ثم تخرج فرداً صغيرًا ومتوسطًا وكبيرًا، يجب على نطفة الفكر أن تمر بمراحلها حتى تستعد للحركة العقلية الملائمة.
  166. لذلك قد يكون الفرد كاملاً مادياً وجسدياً لكنه لا يزال نطفة في الفكر، أو لم يستعد للنمو العقلي بعد.
  167. لا يجب أن يخدع الإنسان بجمال هيئته وقوة عظامه وحسن عيونه وآذانه، لأن استعداد نطفة الفكر يحتاج إلى حركة وظروف، وهنا يظهر نمو الحيوانات مادياً وإدراكياً في فترات مختلفة، ومدة الحمل لكل نوع تتناسب مع نموه المادي، وكذلك الحركة والاستقلال في الطفولة.
  168. وكما أن اختلاف سنوات النمو في الإنسان الطبيعي ليس غريباً، كذلك نمو الإدراك عند الإنسان كذلك.
  169. قد يبدو الإنسان إنساناً، لكنه عقلياً أو عملاً نطفة، قد لا توجد صورة الفكر لديه، بينما الحيوانات ترى وتدرك نفسها إلى حد ما.
  170. الحيوانات تختلف في الإدراك، فالغنم حيوان يحتاج إلى أن يُقاد للعذاب بواسطة العلف، والحمام يدرك الأمر بحركة بسيطة.
  171. فهم هذه الفروقات يحتاج إلى تأمل دقيق، ويزيل الخيال الباطل بأن الإنسان هو الوحيد الناطق بين المخلوقات، فكل الكائنات ناطقة لكن نطق كل منها يتناسب مع مقام ظهوره وتمثله.
  172. ليس من الضروري أن يكون النطق مثل الإنسان، فبعضها يحتاج إلى طعام ليدرك، وبعضها يكتفي ذاتياً، وبعضها لا يحتاج شيئاً.
  173. كلها حيوانات، والكثير من البشر في هذه المراتب أو أقل منها في حيرة وضلال.
  174. ليس من عبث أن يُعبد في العالم حجر، تراب، تمثال، بقرة وعجل، بينما موسى وعيسى ينتظران من العامة القبول، فيُعبد العجل والبقرة كآلهة ولا يُقبل موسى وعيسى كنبيين، وهذا من محض السنخية، لأن الأنبياء يتكلمون عن الحق ويجسدونه، وهم يتكلمون عن أنفسهم.
  175. لهذا كان الأنبياء يدعون الناس بأشكالهم وأشكالهم، ولو لم يحقق الله الإرشاد بالدين والرسالة والقبلة والكعبة وحجر الأسود، لما وجدت معرفة الحق واتباعه إلا عند قلة من أولياء الله.
  176. قوة الخيال وتأثيرها في النفس والمعرفة
  177. إذا رافقت قوة الخيال قوة النفس، استطاعت أن تنظم كل من قوة التفكير وقدرة إنتاج العلم، كما يمكنها أن تخترق الغيب وترويه. وأهمية قوة الخيال تكمن في سرعتها وسعيها الدؤوب ونشاطها المستمر.
  178. فالإنسان، بحسب قوة وضعف النفس والدور الحساس لقوة الخيال، لا يكون متساويًا في استجاباته لما يجده في ذهنه ونفسه وروحه. ولهذا، قد يرى الحقيقة ولا يحفظها في ذاكرته، كما هو الحال كثيرًا عند النوم حيث يرى الإنسان أحلامًا وينساها، وأحيانًا يحفظ الحلم لكنه غير منظم، وأحيانًا يراه بوضوح كأنه نهار، بل يؤثر ذلك على حالته وهو مستيقظ، كأن يرى نفسه يبكي أو يصرخ، فتكون النفس قوية بحيث تستمر هذه الحالة أثناء اليقظة.
  179. وقد تروي القوة المتخيلة أحيانًا الهيئة الإدراكية، مثل تصوير الخير والفضائل بصورة جميلة، والشر والرذائل بصور قبيحة، أو تفسير النور بالفرح، كما تفسر العسل والتمر بالمحبة، وتصوّر المحبة بالحلوانية. وأحيانًا تحكي الهيئة المزاجية، كأن تُظهر غلبة الصفراء بالألوان الصفراء، والسوداء بالسواد، لأن للألوان تأثيرًا في المزاج وتغيّره. فمثلًا، الألوان الحمراء والداكنة تؤثر على الجهاز العصبي وتضعفه وتسبب الغضب، في حين أن الألوان الفاتحة كالأبيض تسبب النشاط والفرح. إن رؤية اللون الأحمر أو الأسود تؤثر في المزاج، وهذا يعود إلى قوة الخيال التي تنتقل بسرعة من شيء إلى آخر.
  180. هنا يجدر بالذكر أن أصحاب التخصص العلمي، بسبب معرفتهم الدقيقة بتفاصيل الحياة وفهمهم الأفضل لقضاياها، لا يتوافقون مع طبيعتهم بسهولة، بسبب توقعاتهم العالية من إمكانياتهم وبيئتهم، ويقل رضاهم مقارنة بالأشخاص العاديين الذين يعيشون دون إدراك لملذات ونجاحات أرقى. ولهذا، يحتاج العلماء والمتخصصون أكثر من غيرهم إلى علم الحياة الذي ينظم انحرافاتهم وأوهامهم، حتى لا تخرج حياتهم عن مسار الطبيعة. فالوعي العالي والسرعة الكبيرة في حركة العقل تجعلهم أكثر عرضة للانحراف المفاجئ الذي قد يضحي ببعضهم.
  181. إن قوة الخيال بحاجة إلى ضبط وتنظيم، وهذا يعتمد على قوة النفس، وإلا فإنها مع ضعف النفس تتحول إلى لهو وتسكع وتشتت. وهكذا، تواجه قوة الخيال خطرًا كبيرًا، فهي تنتقل بسهولة بين الأمور، وقد تؤدي الحوادث الصغيرة إلى اختلالها، إلا إذا كانت النفس قوية تحافظ عليها وتوجهها بإرادتها. وإن لم تكن النفس متسلطة عليها وواجهتها الضعف، تكون الخيال سريع الانتقال.
  182. من تبعات غلبة الخيال إنكار حقائق الظواهر والحقيقة، وتبريرها بأنها مجرد حلم يرى فيه الإنسان عالماً مليئاً بالشوق والعاطفة، وعندما يستيقظ يدرك أنها ليست حقيقة. أما المتكلمون عن الخيال والسفسطة فيعتبرون الدنيا مجرد خيال وحلم وصورة ونموذج، وليس لهم مواجهتنا الذين نعتقد بالواقع، إذ لا يمكن مناقشة العدم، وهم مطالبون بإثبات وجوده لنا. نحن نعتبر أنفسنا ظهورًا ووجودًا لا خيالاً أو عدماً. يجب وضع السفسطيين بين نيران الحجة، وإذا صرخوا أنهم يحترقون، نقول لهم لا نار ولا احتراق ولا صوت للصرخة ولا أذن للسمع. هذا الخيال الباطل من أشخاص ضعفاء وكسلاء، حتى خيالهم ضعيف ولا يمكنهم بناء اعتقاد سليم أو تركيز منهجي في العلم والوعي، والضعف والكسل يمنعهم من التفكير ويقودهم إلى الانكار والراحة الزائفة.
  183. السفسطيون يعتقدون أن الظواهر والوجود ليس له أصل ثابت، وأن الحقيقة تتغير حسب حالات النفس، وكل شخص يعترف بما يحسه ويتخيله فقط، فلا وجود لحقيقة مستقرة. وهذا الرأي له معنى فقط لأولئك الذين وقعوا في متاهات الخيال، لكنه لا يمكن أن يكون أصلًا ثابتًا، فلا بد من العودة إلى الحقيقة التي تناقضه. الإنسان ليس محدودًا بالخيال والوهم، بل يمكنه السيطرة عليهما بالعقل والتفكير، والوصول إلى معرفة الظواهر وخصائصها الحقيقية. الإنسان ظاهرة ذات بُعدين: ظاهري وحسي، وباطني وخفي، وله جانب علني تجاه الخلق وآخر تجاه الحق. المادية والخلقوية تجر الإنسان إلى الخسارة والبعد عن الحق، الذي يتحقق بالسيطرة على الخيال والوهم وتقوية الفكر والارتقاء إلى مقام القلب والروح، فينحرف الإنسان في الجانب الخلقي عن النفي والابتعاد، ويصل إلى التصرف العقلاني والحق المجرد، ويتزين بالإيمان والتقوى والقرب من الحق، وفي الجانب الخلقي والمادي يظهر بالعمل الصالح والسلام، ويصنع وحدة جماعية تساعد الآخرين على اتباع طريق الحق والصبر والاستقامة.
  184. تُحفظ قوة الخيال بطريقتين: إما أن تكون تحت إشراف النفس وقوتها، أو أن تأسر النفس بصورة جميلة تجذبها إلى حد الغفلة عن الجوانب الأخرى، فتقبل النفس على هذه القوة وتتحكم بها، ويحول هذا دون تشتتها. هاتان القوتان تحكمان الخيال وتحميانه من التشتت والشك.
  185. قدرة النفس تستطيع مقاومة اللهو والشتات في الخيال، وتحافظ عليه من الانحراف. فإذا ازدادت قوة النفس، تركز على ما تريد وتتبع إرادتها دون انشغال بالخارج. مثلاً، من يغوص في تفكير مهم يكون خياله معه مركزًا، ولا ينصرف إلى أشياء أخرى. أما النفس الضعيفة والخيال السائب فلا يستطيعان المحافظة على التركيز في الصلاة، فيحتاج الشخص إلى إعادة التوجيه والإنضباط. اللهو في الخيال علامة على العجز، والنفس القوية تجعل الخيال عونًا ومساعدًا.
  186. قوة النفس تجعل صور الظواهر تُنقش بوضوح وبقوة في الخيال، مما يمنع تشتته، مثل الإدراك الحسي عندما يرى حالة غريبة وغير متوقعة، فتظل صورتها في الذهن لفترة طويلة. مثال على ذلك، خيال طعم طعام مضى عليه سنوات، حيث يُعاد تمثيل طعمه ويظل يثير اللذة والتجديد، لأن القوى الجسمانية التي تمتلك إدراكًا شديدًا قد تتجاهل الإدراك الضعيف، كما عندما تغمر اليد في ماء دافئ لفترة طويلة فتفقد الإحساس بدرجة حرارة الماء العادية، أو عندما يمتلئ المعدة فلا يمكن تمييز طعم الطعام بشكل صحيح.
  187. طرق الوصول إلى الغيب
  188. بعض الصور التي ترسم في الخيال تمثل أمورًا مقدسة وغير طبيعية تظهر في النوم أو اليقظة أو في حالات الخلسة. مثل هذه الأمور تحتاج إلى التفسير والتأويل بسبب تدخل الخيال. تفسير الأحلام علم ينبثق من هذه الضرورة، مثلاً من يرى في المنام أنه يشرب الحليب يُدرك العلم، ومن يرى أسد الغابة يصاب بظلم السلطان. ما يظهر من أمور غيبية في الخيال يحتاج إلى مفسر يحول هذه الصور إلى معاني غيبية.
  189. المرحلة الأولى للوصول إلى الغيب تسمى الرؤيا، حيث يرى الإنسان العوالم العليا بنقاء نفسه في النوم، أو تُري له حقائق في المنام. للرؤيا جانب تثبيتي وآخر تحكيمي؛ حيث يبحث التثبيت في تفسير الرؤيا وربطها بالعالم الذي تنتمي إليه، بينما يناقش التحكيم ما إذا كانت ملزمة أو لا.
  190. الرؤى غير القابلة للتفسير أو المشوشة (أضغاث أحلام) لها قيمة نفسية، ويستطيع الطبيب النفسي من خلالها التعرف على مشاكل فكرية وروحية وعلاجها، كما أن القلق النفسي والأمراض الجسدية يمكن التعرف عليها من خلال الأحلام المبعثرة. أهميتها تظهر في التحليل النفسي لأن كثيرًا من الناس يخفي مشاكلهم النفسية أو يغفل عنها، لكنها تظهر في الأحلام بأشكال رمزية. في هذه الحالات يستطيع الطبيب النفسي تشخيص المرض دون الحاجة لكلام المريض.
  191. من الناحية التحكيمية، الرؤيا ليست ملزمة ولا حجية شرعية لها. كل حلم يتعلق بصاحبه فقط وقيمته مرتبطة به، ولا يُلزَم الآخرين قبوله، حتى وإن كانت رؤيا موحية. الرؤيا التي تأمر بفعل شر أو سوء هي رؤيا شيطانية ولا قيمة لها حتى لصاحبها. رؤية الأحلام الجميلة لا تدل بالضرورة على صلاح الرائي، فقد يرى الأشرار أحلامًا جميلة. الرؤيا عالم ينمو في الإنسان بغض النظر عن صلاحه، كالجبل الذي فيه ذهب. يجب أن يصل المجتمع والأفراد إلى الوعي الذي يجعلهم يقررون ويتخذون قراراتهم في اليقظة لا في الأحلام. لا قيمة للرؤيا في السياسة والاجتماع ولا بد من الاعتماد على البصيرة والعقل والتشخيص الصائب.
  192. الرؤيا هي المرحلة الأولى للوصول إلى الغيب، تُعرف الإنسان على الحقائق المثالية في العالم الأعلى أو صورها الدنيوية، وقد تحدث هذه الحالات أيضًا في اليقظة. الرؤية في اليقظة تبدأ من عالم الذاكرة وتمتد حتى الكشف والوحي، وهو أقصى درجاتها.
  193. الخيال والأفكار اللا إرادية تشكل عائقًا قويًا أمام الاتصال بالرموز الغيبية والخفايا، إذا لم يتم السيطرة عليها، وتشتت الذهن. من أمثلتها الإيحاءات الشيطانية مثل التمني، الظن السيء، والحسد. ضد هذه الثلاثة توجد الذكر، التفكر، والتدبر، وهي إيحاءات رحمانية. التدبير والحلول تجاه حسد الأعداء توجه الخيال نحو إصلاح النفس بدلاً من التخطيط للضرر.
  194. ظهور الرموز الغيبية قد يكون على شكل ظن قوي، أو خطاب يسمعه الإنسان من الجن والملائكة، أو رؤية يرى فيها حقيقة الغيب وصورة الملك.
  195. الاقتدارُ النّفسيّ
  196. الوصولُ إلى الغيبِ في اليقظةِ يحتاجُ إلى أمرين: الأوّلُ قوّةُ النفسِ، والثّاني قوّةُ الخيالِ عند الإنسانِ. فإذا كانت النفسُ قويّةً بحيث تكتسبُ اقتداراً يجعلها، بالإضافةِ إلى إدارة الحواسِ الظاهرةِ في حالةِ اليقظةِ، قادرةً على الانتباهِ الكاملِ إلى الباطنِ، بحيث لا يكونُ الظاهرُ سبباً في الغفلةِ عن الباطنِ، ولا يكونُ الانتباهُ إلى الباطنِ سبباً في الغفلةِ عن الظاهرِ، وكانت تملكُ قدرةً على إحاطةِ “البنطاسيا” و”الخيال المشترك” وإبعادهما عن الحاسةِ الظاهرةِ، فإنّ للإنسانِ في هذه الحالِ رؤيةً ومشاهدةً تذكّره بالتجربةِ الصوفيةِ.
  197. فالتوجهُ الكاملُ للنفسِ إلى القوى الباطنيةِ والظاهرةِ، وقوةُ الخيالِ في إحاطةِ “البنطاسيا” هي عواملُ تحصيلِ الغيبِ، وهذا التحصيل قد يكون ثابتاً أو آنياً.
  198. دور دور قوة الخيال في الاتصال بالغيب
  199. إذا أردنا بيان دور قوة الخيال في الاتصال بالغيب بصورة منهجية، يجب أن نقول: الوصول إلى الغيب له ثلاثة طرق عامة: البرهان، والعرفان، والشياطين، حيث تلعب قوة النفس والخيال دورًا محوريًا في كل منها. إن اقتدار الخيال يظهر في علوم الحساب، والأسطرلاب، والقراءة في الوجه، وكف اليد، والأحكام الفلكية، والخدع، والجفر، والكهانة، والنظر في المرآة، والسحر، ولعب الطاسة، واستحضار الجن، والاستعانة بالأرواح الأرضية، والذاكرة، والكشف، والشهود، والوحي، والإلهام.
  200. إذا تجلّت قوة النفس في الحواس الظاهرة، ينتج عنها “العين الحاسدة”، وإذا نزلت قوة النفس إلى الخيال، تؤدي إلى “الكهانة”، وإذا ظهرت قدرة النفس في القوة العاقلة، تولّد “العبقرية”.
  201. الفرد العبقري يدرك قوة استيعاب الغيب بصورة برهانية وبمعانٍ كلية، ونادرًا ما يكون لدى العباقرة قدرة على الخيال أو العين الحاسدة. ومن كان ظهور قوته النفسية في القوة العاقلة ولا يملك قوة خيال ونظر كبيرة، فهو من نوابغ الوصول إلى الغيب.
  202. الفرد العبقري وقوة الاستقبال الغيبيّة
  203. الفرد العبقري يمتلك قدرة استقبال الأفكار، والكشف، والإلهام، والحدس. والذاكرة فعلٌ للنفس تنبع من طهارة النفس. الكشف هو رؤية الغيب، والإلهام هو الوصول إلى المعنى، والوحي هو الوصول التام إلى الغيب. الكشف يتحقق في الصورة والمعنى، والإلهام في المعنى فقط مع قلة تحقق الصورة فيه.
  204. للكشف أنواع كثيرة: أحيانًا يكون تامًا وأحيانًا متعددًا. الكشف المتعدد صحيح؛ لأن مراتب الغيب متعددة وتتجلى بأشكال مختلفة. قد يحدث خطأ في الكشف، لكن الوحي دائمًا يصل إلى حدٍّ تامٍ ولا يتخلله تعدد أو خطأ. للوحي أنواع: إما بالصورة أو بدونها، وأحيانًا يكون فقط معناه، وقد تكون الصورة مهيبة أو لطيفة، وكل ذلك قد يكون في المنام أو اليقظة.
  205. الكهانة والتواصل مع الغيب
  206. الكاهن يستطيع من خلال إحداث اضطراب في حواس الآخرين أو نفسه، الوصول إلى اتصال بالغيب. إذا أصيب الإنسان باضطراب في الحواس وذكر أمورًا غيبية، فهو مصاب بـ”الجنون”. والمجنون إذا أدرك حقيقة ما، فإن ما يجد هو من نفسه وليس من الحواس الظاهرة، ويعبر عن رؤياه النفسية فجأة دون إحاطة بالحقيقة.
  207. فرق العرفان عن الكهانة هو أن الكاهن يتدخل في نفس الآخرين ليحدث اضطرابًا في حواسهم ويحدث لهم اتصالًا اضطرابيًا بالغيب، أما العارف فيقوي نفس المتلقي بتربيته لينال الغيب. الكاهن لا يملك قوة إعانة نفس غيره لأنه نفسه ضعيف، فقط يضعف حواس الآخر ليحصل له الاتصال بالغيب، أما العارف فيقوي نفس المتعلم فينتج غفلة عن الحواس. لهذا، أعمال الكهنة محرمة لأنها تسبب ضررًا بإحداث اضطراب في الحواس، وأعمال العارفين خير لأنها تولّد القوة.
  208. الكهانة طريق شيطاني للوصول إلى الغيب، إلى جانبها طرق أخرى شيطانية مثل النظر في المرايا، والسحر، ولعب الطاسة، وأنواع استحضار الجن والشياطين، كالعمل في تسخير الجن واستعانة بالأرواح الأرضية.
  209. الطرق الشيطانية في الوصول إلى الغيب
  210. تعلُّم هذه الطرق، إذا كانت مقدماتها أو أفعالها واهية أو تسبب أضرارًا واضحة، فهو حرام وباطل، لكن تحريمها لا ينافي إمكانية حصول الغيب لمن يقوم بها. الحصول على الغيب بهذه الطرق مصحوب أيضًا بقوة محدودة في السيطرة على بعض الظواهر. مدرّب هذه الطرق الشيطانية هو جناب إبليس. تلاميذه لا يحتاجون إلى عقل نير أو قداسة نفس أو دقة تفكير، بل الشرط الوحيد للطلبة هو توافر قوة الخيال وشدة النفس، وبوجود استاد ماهر وشرير. حتى الكفر والشرك والهروب من الدين من الأمور المفيدة لهم، وإن كانت في وحل الفساد، فهم يسيطرون على كثير من الأمور.
  211. الوصول إلى الغيب عن طريق اضطراب الحواس الظاهرة وتضعيف الخيال
  212. هذا يسبب تعبًا وتضعيفًا للحس ويوقعه في حالة من الحيرة، حتى يفقد الحس والخيال دورهما المانع، ويكتسب الإنسان قدرة توجيه انتباهه إلى مكان آخر، مثل حالة النوم، الغيبوبة، الأمراض الشديدة، الحمى المرتفعة، رقصات الضوء، وضع صور كثيرة في إطارات قليلة، والتركيب بين الماء والنار في أوعية كريستالية التي تخلط الحواس الظاهرة وتزيد من استعداد الإنسان للانكشاف على الباطن.
  213. أحيانًا يركّز نظره على نقطة معينة إلى درجة أن الحس يترك نفسه ويتهيأ لقبول الغرض.
  214. أساليب إرهاق الحواس
  215. عندما ترغب القوات المعلوماتية في أخذ معلومات من شخص، تُشغّله لتعبه، تضربه، تحرمه من النوم، وتخلط حواسه لتضعف إرادته حتى يُفصح عن كل ما في قلبه. يُعرض له أشياء شفافة كالبلور أو الزجاج تتحرك أمام عينيه لتُربك نظره، ويُرهق عينه في ضوء الشمس ليترك الخيال غير الإرادي.
  216. يمكن أيضًا إرهاق الحواس بواسطة تظليل شيء مثل السخام أو المخمل الأسود بمواد لامعة أو متحركة لإكسال الخيال وإدخاله في حالة شبيه بالنوم، فيغوص الحس والخيال في حيرة ويحدث الغلسة وفصل الحس عن الخارج.
  217. أنواع النوم والاستجابة للتأثيرات
  218. بعض الأشخاص ينامون بصعوبة، وبعضهم يغرق في النوم بمجرد إمساك كتاب أمامهم. هؤلاء الأشخاص أكثر تأثرًا، بطبيعتهم أقرب للحيرة والخوف والقلق، ويميلون إلى التقاط الأشياء المختلطة، وقد يكونون عرضة للغباء والخمول العقلي. الأطفال غير الأذكياء أو غير الحساسين ينامون بسرعة، أما الأذكياء والأقوياء فلا يمكنهم النوم بسرعة.
  219. استخدام الکلام في إحداث الحيرة في الحس والخيال
  220. يمكن الاستعانة بكثرة الكلام والثرثرة لإحداث حالة من الحيرة في الحس والخيال، مما يسهم في إضعاف التركيز وانفصال الحواس عن موضوعها، وتهيئة النفس لقبول حالات الغيب والاتصال بما وراء الحواس.
  221. الاعتماد على التوكل في غياب القدرة على الرؤية أو اتخاذ القرار
  222. إذا عجز الوهم عن رؤية أمر معين أو اتخاذ قرار بشأنه، وبعبارة أخرى فقد توكله، فإنه يتوكل على مثل هذه الأعمال التي تُحدث ارتباطًا بالتمثلات الغيبية، فيستعيد القدرة على اتخاذ القرار.
  223. مثل هذه الأعمال، التي يمارسها كل شخص حسب ذوقه، حقيقة واقعة، وحتى هناك جماعات تقوم بأعمال معينة بناءً على الخبرة لإحداث اضطراب في الحس والخيال والوصول إلى ما وراء الحواس.
  224. مثال على ذلك في الماضي:
  225. عندما كانت تحدث مشكلة، كان الناس يلجؤون إلى الكهان للتنبؤ بالمستقبل. وكان الكاهن يركض بسرعة ويصدر أصواتًا غريبة حتى يصل إلى حالة الإغماء، ثم يتكلم في حالة اللاوعي عما يتبادر إلى خياله، وكان الكاتب الخاص بالكاهن يدون أقواله بدقة، ويعتمد الآخرون على هذه الأقوال لتدبير الأمور. لكن لا يجوز اعتبار هذه الأمور اتصالًا بالغيب الحقيقي، إذ هي تمثلات فقط، وهناك فرق بين الاتصال بالغيب والتمثل الغيبي.
  226. قوة التوهّم
  227. قوة التصوّر والوهم التي تُشكل وعي النفس من نوع المعاني الجزئية وغير الصورية، مثل الخيال، تؤثر في صحة الحياة أو مرضها. فالتوهم يغير المزاج. مثلاً، من يقف على ارتفاع ويخشى السقوط، قد تدفعه قوة الوهم إلى الانزلاق والسقوط، لأنه يفضل الموت عن الخوف.
  228. النفس التي تقف على بلاطة واحدة على الأرض لا يمكنها الوقوف على عدة بلاطات في منارة مرتفعة، لأن قوة الوهم تؤثر على العقل، وتزرع الخوف وتمنعه من اتخاذ القرار الصحيح.
  229. التوهم يتبع أيضًا الاعتقادات المزروعة والتلقين، فيأخذ المعلومات غير الصحيحة كأمر مسلم به. ويمكن للوهم أن يُلقّن القوة والصحة أو الضعف والمرض للمزاج.
  230. تغير الأوهام يُغير المزاج تدريجيًا أو فجأة، فيقوي الضعيف ويضعف القوي.
  231. الرزق الحلال والطعام الطبيعي والصناعي
  232. في عالم المادة، يعتمد الإنسان على “الغذاء” ليحافظ على جسده حياً، نشيطًا وقويًا، والجسد مركب الروح، والروح بدون الجسد لا تعمل ولا تصل إلى كمالها.
  233. النباتات والحيوانات تحصل على حاجاتها الغذائية من الطبيعة فقط، وليس لديها طعام صناعي. بعضها يتحمل الجفاف والبرد في فصول معينة، فتستطيع التكيف.
  234. الإنسان يمكنه الحصول على غذائه من الطبيعة والصناعة، ويصمم تغذيته، ولكن الصناعة الحديثة، لافتقارها لمعرفة الحياة، فصلته عن الطبيعة وأعطته أجسادًا ضعيفة وأعمارًا قصيرة.
  235. الصناعة الحديثة أودت بموارد الطبيعة في وجود الإنسان، حتى سلبته النوم الكافي، والراحة، والطعام الصحي، والترفيه اللائق.
  236. الحياة الصحية تقوم على الرزق الحلال. فإذا لم يُراعَ الحلال في الطعام، تصاب النفس بالهياج، وتصبح بلا حدود في الشر.
  237. في الحلال، كفاية مراعاة مسائل الحلال والحرام، ولا يجب الوسواس، لأن النظام الإلهي يؤثر في الباطن بهذا القدر من الالتزام.
  238. في العلاقات الاجتماعية يجب ترك الشكوك، والتحلي بحسن الظن وحسن السلوك، لأن التجسس تجاوز لحرمة العباد ويؤدي إلى العقاب.
  239. التجسس مرض ويؤدي إلى عواقب وخيمة.
  240. النوم وارتباطه بالمزاج والروح الإنسانية
  241. يُهدئ النوم مزاج الإنسان ويُسكن أعصابه ويُقوي روحه، خصوصًا إذا نام الإنسان في أوقات مناسبة من الليل وفي جو هادئ وصامت، مع مراعاة آداب النوم الجيدة. النوم هو انقطاع عن الجهد اليومي والمتواصل، ويُرافق النوم والراحة الليلية حالة من الطمأنينة والسكينة. النوم المريح يُعد من العوامل الجوهرية التي تحيي النفس والروح البشرية.
  242. النوم الطبيعي لا يقتصر على الليل، مع أن الليل هو الجزء الأهم منه. لصحة النفس الإنسانية، يجب أن يكون الأصل هو اليقظة في الليل، والنوم هو الفرع. هذه القاعدة هي من المبادئ البارزة في التحليل النفسي المعرفي، لا في التحليل النفسي التجريبي الذي يتتبع حقائق النفس اعتمادًا على المعايير المادية وآثارها، مما يؤدي إلى قصور وأخطاء عديدة.
  243. الاستيقاظ ليلاً هو من أجل القيام والاقتراب من الله، والمرور بالليل عبثًا أو تضييع الوقت لا يُعتبر قيامًا. الليل يمنح الإنسان نعمًا كثيرة، يمكنه بها تنظيم فكره وثقافته العلمية والعملية، وإعادة اكتشاف ذاته، والانطلاق إلى العوالم الروحية والغيبيات. هذا البرنامج الليلي لا يتعارض مع تحصيل الراحة، إذ يكفي جزء من الليل للراحة.
  244. هذا النهج لا يحيي فقط جميع ميادين الكمال والروحانية في الإنسان، بل يضمن أيضًا راحة الجسد والروح، حيث يمكن للنوم والراحة القليلة أن تُنتج أفضل حالات الطمأنينة الدنيوية، كما تهيئ الظروف لاكتساب العديد من المعارف الروحية في النوم. فالنوم بهذه الطريقة يجعل الإنسان ينام من أجل الاستفادة من النوم ذاته، ويمكن أن يكون هذا النوم القصير مدخلاً للأحلام الطيبة وأسرار الهروب من متاهات الطريق الروحي، كما أن الطمأنينة فيه أمرٌ ضروري.
  245. مع ذلك، النوم القليل له غاية أساسية، والاستفادة الروحية منه أمر ثانوي، والإفراط في تعظيم النوم القليل هو تجاوز لا يتوافق مع الطبيعة المزاجية للإنسان.
  246. مدة اليقظة بيد الإنسان وتتغير مع حالاته المختلفة؛ فمزاج كل فرد يختلف عن الآخر، وهو قابل للتغيير. ومع اختلاف عوامل النوم واليقظة، تتفاوت قدرة الإنسان على النوم والاستيقاظ أيضًا. رغم أن مقدار النوم قابل للتغيير، وتأثير الإرادة، والزمان، والمكان، والطعام، وغيرها من العوامل الطبيعية والضرورية فيه كبير، إلا أنه بإمكان التربية والتعليم تحسين النتائج العملية للنوم، وجعل أقصر وقت ممكن يُنتج أفضل أثر مادي وروحي. هذا الأسلوب يعتمده فقط من يمتلك هدفًا ساميًا وعاليًا في الحياة ويعيش وفقه.
  247. النوم لا يقتصر على الليل، فالنهار أيضًا مهيأ للراحة والنوم، وخاصة النوم القيلولة الذي يمكن أن يكون قبل الظهر أو بعده أو بعد تناول الغذاء. في المجتمعات التي تعتمد على ثلاث وجبات (صباح، ظهر، ليل)، من المناسب أن تكون القيلولة بعد الغداء، وفي المجتمعات التي تعتمد على وجبتين فقط، قد تكون القيلولة في الصباح. إذن، ليس الليل فقط للنوم، ولا النهار فقط للعمل والجهد الدنيوي، كما يتضح من الشريعة في تنظيم العبادات والقواعد.
  248. النوم الطبيعي يختلف بين الأفراد وكذلك حسب العمر، والمكان، والزمان. نوم الشاب يختلف عن نوم الشيخ، ونوم الشتاء يختلف عن الصيف، وكذلك في المناطق الباردة يختلف عن الحارة. هذه الفروقات ترتبط بالخصائص، والظروف، والمزاج، والطعام، ونمط الحياة، مما يساعد على التمييز بين النوم الطبيعي وغير الصحي.
  249. النوم هو حالة خلقية ونقص، لكنه يدل على كمال الطبيعة المادية الحاملة للنفس. ومن الواجب الاستفادة منه مع الاكتفاء بالحد الطبيعي منه، وعدم إهمال النوم كليًا. الإنسان ليس في حالة ثبات دائمة، والإجبار على نمط واحد من النوم لا يتوافق مع طبيعة مزاجه المتغيرة. بالإضافة إلى اختلاف الأوقات والظروف، فالحرارة والبرودة تؤثران بشكل نوعي وكمّي على النوم، ويجب تكييف مقدار النوم مع هذه الظروف.
  250. كلما ازداد مقدار النوم وطال زمنه، ازداد عمقه وثقله، وهذا يسبب ضررًا للإنسان ويجعله غافلًا عن واقعه. النوم العميق والثقيل يدفع الإنسان إلى الفراغ واللاهوية والابتعاد عن الذات الفكرية والروحية، مما يقلل انتباهه الروحي ويضعف ذاكرته.
  251. النوم الطويل والمتصل مذموم، كما أن الإفراط في الأكل مذموم. وأيضًا اليقظة بلا مسؤولية والكسل وعدم اليقظة نقد أيضًا.
  252. أما النوم القصير فهو أخف، ويؤدي إلى آثار إيجابية كثيرة وجهات روحية متعددة، بخلاف النوم الثقيل. يُستحب أن يكون النوم قصيرًا ومتقطعًا، مثلاً إذا كان الإنسان يحتاج إلى ست ساعات نوم يوميًا، فالأفضل أن يوزعها على نوبتين أو ثلاث بدلاً من النوم المتواصل. النوم المتعدد يحقق راحة أفضل ولا يحمل أضرار النوم الثقيل، لأنه ينشط النفس ويجدّد الروح ولا يبعد القوى الروحية عن الحكمة.
  253. العقلاء ومن لا يمارسون السير الروحي المعتاد ويريدون عقلًا متفتحًا يجب أن يجعلوا نومهم متعددًا ومتقطعًا، ويتجنبوا النوم الطويل المتصل. أما أهل السير الروحي والمنادون للغيب، فعليهم التقليل من النوم إلى الحد الطبيعي وتجنب كثرة النوم، لأن النوم الكثير يثبط العزيمة.
  254. يجب التذكير أن النوم هو نوع من الموت المؤقت، والنوم الطويل والكثير ضار لا محالة، لذلك يجب تجنب ما يضره والاكتفاء بالقليل منه للاستفادة لا الضرر.
  255. النوم ذاته ليس مذموماً، لكنه ضرورة في الحياة الدنيوية، أما كثرته ونوم غير الضروري فهو مذموم وخطير. النوم الكثير يجعل الإنسان في حالة شبيهة بالموت، ويشبه تأثير الخمر على الأحاسيس، مما يجعله غافلًا وضائعًا، ولا يستطيع القيام بواجباته أثناء اليقظة، ولا يتمتع بوعي كاف، ولا يستطيع اتخاذ القرارات الصحيحة، ويصبح عرضة للخطأ والمعصية.
  256. الذي ينام كثيرًا يفتقر إلى اليقظة والذكاء، ويصير غير مبالٍ بالأمور الدنيوية والأخروية، ويفقد القدرة على تحمل متطلبات الحياة، ويصبح فاقدًا للوعي، كأنه في حالة سُكر.
  257. يجب إحياء الليل بالحضور أمام القرآن الكريم والذكر وعبادة الله، والسعي للعلم والتحقيق والدراسة، واحتفال الليل مع الزوجة، الذي يرضي رغبات النفس الحقيقية ويحقق الراحة النفسية والنقاء الداخلي. صوت الله والذكر ينعمان القلب، والعلم ينير الفكر، وإشباع الرغبات النفسية بحكمة وروحانية ينمي النفس ويجلب السلام الداخلي ويظهر الكمالات الخفية ويرتقي بالروح.
  258. الرائحة الطيبة أيضًا من العوامل المهمة في إشاعة النشاط. القيام بهذا الأسلوب ينقذ الإنسان من النقص والفساد.
  259. لضبط ثقافة النوم، يجب الانتباه إلى التغذية، وهو موضوع مستقل يُناقش في موضع آخر.
  260. من لا يوازن بين النوم والغذاء، ومن تربيته الثقافية غير سليمة، كيف يمكنه أن يحصل على نورانيات ومعارف عليا، أو يرى المجردات ويحظى بالأحلام النورانية والنوادر، ويحافظ على ميله للعقلانيات؟
  261. النوم مراحل في الكمال، يبدأ بالنوم الطبيعي وينتهي بالنوم الإرادي والموت الإرادي، وهو الموت الحقيقي وأعلى مراحل كمال الإنسان.

العفاف

الإنسان، قبل أن يكون رجلاً أو امرأة، هو إنسان. في مرحلة التميز، يتحدد الإنسان بإحدى الجنسين، الذكر والأنثى. الحفاظ على هذا التميز يتمثل في “العفاف”. العفاف يعني الطهارة والابتعاد عن الفساد والفحشاء. والعفاف هو أمر فطري، وكل إنسان سليم يؤمن به.

من السمات الرئيسية للإنسان العفيف، هي “الغيرة” و”الحياء”. الإنسان الذي لا غيرة له، ليس بعفيف، بل هو فاقد للحياء. العفاف في الإنسان له مركزان حساسان: أحدهما في الدماغ والآخر في القلب. للدماغ، يحتاج إلى “الفكر” والوعي، وللقلب، يحتاج إلى “الحب”. إذا حدث إفراط أو تفريط في هذين المركزين، وأصبح الفكر عن معرفة الذات جهلًا وعدم وعي، وأصبح القلب في الحب إما جافًا أو مفرطًا أو ملوثًا، فإن مرض “الحساسية تجاه الجنس” يظهر. في مقابل هذا المرض، توجد حالة التوازن والصحة. نُسمي هذه الحالة “التحرر والتقوى”. التحرر له مسار عميق في عقيدة الإسلام. لتحقيق التحرر يجب توسيع المواهب ورفع الوعي وتقليص المحرمات؛ حتى يصل المجتمع إلى مرحلة يؤدي فيها كل فعل بناءً على “العلم” و”الإرادة”. لتحقيق هذا النضج في المجتمع، يجب تقليص المحرمات غير المشروعة والاستبدادية ومنح المجتمع “الحرية” الطبيعية. تحدثنا عن الحرية وحدودها في الجزء الثاني من كتاب “حقوق النوبنياد”، الذي من الضروري دراسته لإتمام هذه النقطة. كما نقدم جزءاً من هذا النقاش في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

القانون الأساسي الذي يرتبط باستمرار صحة الحياة هو الالتزام بالعفاف والطهارة الفردية والجماعية. وكل ما يعزز هذا، فإنه يسير في طريق صحة الحياة. وكل ما يعيق العفاف والطهارة، فإنه يمرض الحياة. لا فرق في ضرورة الحفاظ على هذا المبدأ بين الرجال والنساء، ففي أي مكان يصاب فيه عفاف شخص ما، فإن حياته تتدهور وتفقد صحتها. إحدى أكبر الأضرار والأمراض المنتشرة في المجتمع اليوم هي “حساسية الجنس” وضيق الأفق. الحساسية تجاه الجنس هي نوع من الأمراض النفسية التي تتشكل نتيجة لسوء التربية. هذا المرض يرى الرجل والمرأة ليس كـ”إنسانين”، بل دائماً وفي كل مكان كـ”امرأة” أو “رجل”، ويتعامل مع الجنس، لا مع الإنسانية، ويعتبر الجنس نقطة التمييز بينهما. وعندما يُذكر اسم المرأة أو الرجل، فإن حالة دفاعية أو هجومية تحدث في هذا المريض. يشبه هذا الشخص من لديه شحنة كهربائية زائدة في جسمه، فإذا لمس قطعة قماش، فإن الكهرباء تتحرر منها.

إن الرجعية في الرجال والانطوائية في النساء، وعدم الالتزام بالحدود الشرعية في الحجاب، والمبالغة في الحجاب الذي لم يُطلب من الدين، وإخفاء الأماكن التي يجب أن تكون ظاهرة، كلها عوامل تساهم في زيادة الحساسية في المجتمع. المجتمع الذي يعاني من الحساسية يشبه شخصًا لديه حساسية تجاه الطماطم، وعندما يأكل طماطم، يتحول وجهه إلى اللون الأحمر كما لو كان مصابًا بالحصبة. الشخص المصاب بهذا المرض يبالغ في تعامله مع الآخرين. على سبيل المثال، عند التحدث مع امرأة، يتجنب النظر إليها، ويحدق في الزهور أو في لون السماء الأزرق، أو في بعض الحالات يكون مفرطًا في حديثه بحيث لا يترك شيئًا عن المرأة، حتى عدّ رموش عيونها. كما أن التملق والمغازلة من المرأة تجاه رجل أجنبي هو أيضًا من أعراض هذا المرض.

إن عدم الرضا عن الجنس الخاص بالشخص يمكن أن يؤدي أيضًا إلى الحساسية تجاه الجنس. هذا يظهر في النساء والرجال الذين يسيطر عليهم مظهر الجنس الآخر، مثل المرأة التي لها شكل ذكوري أو الرجل الذي له شكل أنثوي. أيضًا، إذا كان موضوع النقاش حول وجود النساء في الحكومة أو البرلمان يتم بناءً على جنسهن، فهذا يعد أيضًا نظرة سياسية إلى الجنس ولا يعترف بإنسانية النساء.

جهاد المرأة

تتحمل المرأة النصيب الأكبر في تأمين صحة الحياة. النساء هن كائنات يتمتعن بمقاومة وقدرة أكبر من الرجال في مواجهة العقبات والصعوبات والأمراض. كما أنهن مسؤولات عن الإنجاب وتوليد النسل. صحة حياة النساء تؤدي إلى صحة حياة الرجال. هن حاضرات في جميع جوانب الحياة. صحة المرأة هي نقطة ارتكاز لصحة كل حياة. المرأة، سواء في دور الأم أو في دور الزوجة، تتدخل في جميع شؤون الحياة من الولادة وحتى الوفاة.

صحة المجتمع وصحة حياة الرجل والمرأة تعتمد على الجهاد والجهد الصحي المستمر الذي تبذله المرأة في المنزل من أجل زوجها. صحة المجتمع – وخاصة في مجال العفة – تعود إلى صحة أداء المرأة الجهادي في المنزل. يجب أن تتزين المرأة في منزلها من أجل زوجها وأن تستخدم كل أساليبها الأنثوية لجذب زوجها، بحيث يكون جاذبًا له وتحييه بالحب والنشاط، لا أن تكون كما عابدة زاهدة لزوجها؛ وإلا فإن المجتمع يتحول إلى ساحة حرب بين الجنسين، ويصبح ميدانًا للممارسات غير النزيهة، مما يعرض الجميع للشعور بالعوز والحرمان، رغم أن بلدنا يحتوي على عدد كبير من النساء والرجال ونسل جميل، إلا أن كلا من الطرفين لا يستطيع الاستفادة من الآخر بشكل صحيح وصحي.

الجهاد الصحي للمرأة

تحاول المرأة دائمًا أن تظهر بشكل جذاب من خلال التنوع في الزينة واللباس والمكياج، وكل ذلك من أجل الحفاظ على رضا زوجها. هذه العملية تحتاج إلى جهد مستمر وعناية خاصة بصحتها الجسدية والنفسية لكي تتمكن من التعامل مع متطلبات الحياة اليومية. صحيح أن الزوج يتحمل بعض المسؤوليات، لكنه في النهاية يعتمد بشكل كبير على المرأة في إدارة المنزل والاعتناء بالعائلة.

يُعتبر دور المرأة في المجتمع لا يُقدّر بما فيه الكفاية. فالصحة النفسية والجسدية للمرأة تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الأسري والمجتمعي. إذا كانت المرأة غير قادرة على تقديم ما يلزم من الدعم والاهتمام بنفسها وبأسرتها، فإن ذلك قد يؤثر على جودة الحياة اليومية للمجتمع ككل.

إن الجهاد الصحي للمرأة يتطلب من الأسرة والمجتمع أن يوفرا لها بيئة صحية تدعمها في أداء دورها الحيوي. لهذا يجب أن نولي اهتمامًا خاصًا بما تقدمه المرأة من تضحيات وتفاني في خدمة أسرتها والمجتمع. على الرغم من كل ذلك، لا ينبغي إغفال حقيقة أن التوازن بين دور المرأة في الحياة الخاصة والمشاركة الفعّالة في الحياة العامة هو العنصر الأهم في بناء مجتمع قوي ومتطور.

التوجيهات التربوية للمرأة في الإسلام

في الإسلام، لا يُنظر إلى المرأة على أنها مجرد كائن ضعيف أو تابع، بل هي ركن أساسي في بناء الأسرة والمجتمع. جاء الإسلام ليعزز من مكانة المرأة ويوجهها نحو التوازن بين الجوانب المختلفة في حياتها. حيث يجب أن تكون المرأة قوية في جسمها، محافظة على صحتها، ومتناغمة مع دورها كأم وزوجة.

الإسلام يُشدد على أهمية العناية بالنفس والاهتمام بالجسد، ولكن دون أن يتعارض ذلك مع مسؤولياتها في المنزل وفي المجتمع. كما يُنبه إلى أن تكون المرأة متوازنة في تعاملها مع الزوج والأبناء، وأن تعزز روح العفة والحشمة في المجتمع.

ختامًا

يجب على المرأة أن تدرك دورها الكبير في بناء المجتمع والحفاظ على استقراره. إن صحتها الجسدية والنفسية، وكذلك قدرتها على إدارة حياتها الشخصية والعائلية، تشكل أساسًا لرفاهية المجتمع ككل. ومن خلال الحفاظ على توازن حياتها اليومية والاعتناء بنفسها وبعائلتها، تسهم المرأة في بناء مجتمع سليم ومتماسك.

للمرأة في حضرة المحارم
بالنظر إلى درجات المحرمية، يفرض الشريعة على المرأة في حضرة محارمها (باستثناء الزوج) أن تغطي أعضاء معينة (ويستحسن أن يكون من السرة إلى الركبة). يعكس هذا البيان سعة النظرة الدينية، حيث أن الدين يريد أن يُربي الإنسان ليكون له عين وقلب طاهرين. لكن في الواقع، نجد أن الزوج حينما يعود إلى المنزل لا يرى سوى الكساء، لأن زوجته قد غطت نفسها بالكامل، بينما عندما يخرج من المنزل، يرى العديد من النساء في الخارج اللاتي يلبسن لباسًا أقل من زوجته في المنزل، ومن الطبيعي أن الزوج لا يستطيع أن يرتبط تمامًا بزوجته.

لا ينبغي للإنسان أن يغطي نفسه أمام المحارم بطريقة تجعله يشعر بالضيق أو تعبه من كونه رجلاً أو امرأة. لقد سمح الله تعالى للمرأة بأن تكشف قدميها أمام أطفالها ليُفتح عيونهم وآذانهم لكي لا ينحرفوا عند رؤيتهم لأبسط المشاهد في الخارج. لكننا نعتقد أن من غير المناسب أن تعيش الأم أو الأخت أمام محارمها بهذه الطريقة، فما بالك بالخالة أو العمة؟ الدين يريد أن يرفع من وعي أتباعه ليقلل من القيود والمحظورات، ولكن المؤمنين قد شاقوا أنفسهم بأنفسهم وحبسوا أنفسهم.

في النظر إلى المحارم، حتى الأم والأخت، إذا كان هناك شبهة أو احتمال فساد أو إثم، يصبح النظر محرمًا ويجب سترهن. لكن تربية المجتمع ورفع مستوى وعيه لا يمكن أن يكون من مسؤولية الأم وحدها؛ يجب أن يكون هذا على عاتق العلماء والمراجع الدينية والحكام والفلاسفة والنظام المجتمعي الذي ينبغي أن يزرع هذه الثقافة. وإذا عجزوا عن ذلك، فسيضطرون إلى إضافة المزيد من المحظورات. إن الوعي هو شيء أبعد من المعرفة البسيطة، وقد يكون شخص ما قد درس لسنوات عديدة ولم يصل إلى الوعي السليم. الوعي الصحيح هو عملية تربوية، في تلك العملية، يتحمل “المجتهد الفقيه” ثم “أم الأسرة” المسؤولية الكبرى.

الستر من المنظور الاجتماعي أيضًا ضروري، لأن عدم الالتزام به يُعتبر إهانة للآخرين وإهمالًا لشخصيتهم. كما أن نوع الستر يختلف من مكان إلى مكان. فالستر في المسجد والحرم والمواقع المقدسة يختلف عن الستر في الشوارع أو مجالس الاحتفالات. تصميم أنماط الستر للنساء الشابات يختلف عن غيرهن، وكذلك بالنسبة لحفلات الزفاف، السباحة في البحر أو حمام السباحة، تسلق الجبال، الدروس الجامعية، مجالس العزاء والفرح، الميادين الحربية والأماكن الخاصة. لكل مكان وبيئة يجب تصميم عدة أنماط من الملابس بألوان متنوعة وزاهية، ومن ثم إعطاء درجات لتلك الأنماط بحيث يتم تلبية الغرض الديني مع توفير الحرية والابتكار في اختيار الأنماط، مما يؤدي إلى ظهور نماذج إسلامية متنوعه وجميلة قادرة على استبدال النماذج الغربية التي قد يقرها الغرب في نهاية المطاف بأنها أجمل وأسهل.

يجب على المرأة أن تغطي أي جزء من جسدها الذي يمكن أن يُلفت الانتباه أو يثير الرغبة، باستثناء الأجزاء التي تظهر قسريًا وطبيعيًا. وبالتالي، رغم أن اليدين والوجه هما من مظاهر الزينة وجمال المرأة، إلا أنهما مستثنيان من الستر. الزينة تشمل كل ما يمكن أن يثير الانتباه ويجذب الآخرين ويثير الرغبة، مثل الملابس والمكياج والشعر والوجه وأجزاء أخرى من الجسد والمجوهرات. كما أن الوجه واليدين في “علم الفراسة” هما الرمزان اللذان يمكن من خلالهما معرفة مكانة الشخص وشخصيته. والله الحكيم الذي خلق الإنسان في هيئة معتدلة لا يريد أن يخفي يديه ووجهه، بل يريد أن تعيش المرأة مثل الرجل في شخصيتها وهويتها، ولهذا فإن اليدين والوجه يعدان جزءًا طبيعيًا وقسريًا من ذلك.

على الرغم من أن الإسلام يعتبر الحفاظ على العفة هو المبدأ الأول في الشريعة، إلا أن الوجه يعتبر أكثر من أي جزء آخر من الجسد، طلبًا للستر والعفة. في علم الفراسة، يُقال إنك يمكن أن تعرف وضعية جميع أعضاء الإنسان من خلال وجهه، ولذلك جعل الله ذلك اختبارًا وامتحانًا للرجال، ليتم اختيار المرأة بنقاء ورغبة الرجل في حفظ العفة. ربما يكون هذا هو السبب في أن النساء في موسم الحج، الذي هو أعلى مراحل العبادة الصادقة، يُمنعن من لبس النقاب أو البرقع أثناء الإحرام.

الزينة في مرحلة أخرى هي الأشياء التي تستخدمها المرأة لتجميل نفسها. مثلًا، من المعتاد أن تستخدم المرأة الكحل على عيونها أو تقوم بالزينة التقليدية على وجهها. كما لا يوجد مانع من ارتداء المرأة خاتم أو سوار، لأنها من الزينة المعتادة التي لا تضر، كما أنه يجوز رؤيتها من قبل الرجال غير المحارم.

يجوز للمرأة أن تظهر زينتها في أجزاء أخرى من جسدها التي لا تكون مكشوفة، إذا كانت الزينة في الوجه واليدين عادية وغير مفرطة. إلا إذا كانت تلك الزينة مثيرة للفتنة أو تسبب مشاكل اجتماعية، ففي هذه الحالة تصبح غير جائزة. وكذلك، فإن استخدام المكياج الثقيل أو المبالغ فيه والذي يعطي انطباعًا غير طبيعي أو مبتذل، لا يجوز.

أما بالنسبة للرجال، فيجوز لهم أيضًا التزين بشكل يتناسب مع رجولتهم، شريطة ألا يكون ذلك مشابهًا لما يفعله النساء. الإسلام لا يعارض اللذات بكل أشكالها، بل يحدد حدودها بوضوح لحفظ العفة والطهارة في المجتمع.

الزينة هي شيء لا يمكن أن تُعتبر مصطلحًا ثابتًا في عالم متغير، فكل فترة زمنية قد تحمل معها أنماطًا جديدة من الزينة وأشكالًا مختلفة من التأثيرات المجتمعية. ومع تقدم الزمن، تتغير تفضيلات المجتمع في ما يتعلق بقبول الأزياء وأسلوب الحياة، ويجب أن يتماشى ذلك مع المبادئ الدينية التي تحرص على العفة والحياء. ولكن في ذات الوقت، لا ينبغي أن يقيد التطور الثقافي والاجتماعي من حرية المرأة في اختيار أسلوب حياتها، طالما أن هذا لا يتنافى مع القيم الدينية التي تلتزم بها.

إن المجتمع الذي لا يسعى إلى تعزيز الوعي حول مفهوم العفة والستر هو مجتمع يعاني من ضعف في التربية الأخلاقية. كما أن المؤسسات التعليمية، سواء في المدارس أو الجامعات، تتحمل جزءًا من مسؤولية نشر الوعي حول هذه القيم. إن دور الفقهاء والعلماء في هذا السياق بالغ الأهمية، فإلى جانب الجوانب الشرعية يجب أن يكون هناك اهتمام بتوضيح كيف يمكن للنساء والرجال أن يعيشوا حياتهم وفقًا للمبادئ الإسلامية مع مراعاة الواقع الاجتماعي.

التركيز على ستر العورة وحفظ كرامة المرأة هو جزء من نظام شامل يهدف إلى المحافظة على الطهارة في المجتمع. ولكن، وفي ذات الوقت، من الضروري أن تتبنى المرأة أسلوبًا يتسم بالواقعية بحيث لا يُحَمِّلها قيودًا تُلزمها بالعيش في عزلة أو تقييدها بشكل مفرط. في ظل هذا التوازن بين العفة والحرية، يمكن للمجتمع أن ينشئ بيئة تتيح للجميع ممارسة حياتهم بشكل مريح وآمن دون المساس بالخصوصية أو القيم الدينية.

إن تربية الأجيال الجديدة على مفاهيم العفة والستر ليست مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب جهودًا من جميع أطياف المجتمع. من خلال نشر الوعي حول أهمية احترام الحرمات وحقوق الآخرين، يمكن للمجتمع أن يخلق بيئة صحية ومتوازنة، يتعايش فيها الرجال والنساء على قدم المساواة في إطار من الاحترام المتبادل.

في النهاية، إن الشريعة الإسلامية ليست مجرد قوانين صارمة، بل هي نظام شامل يهدف إلى المحافظة على الفطرة البشرية وتوجيهها إلى الطريق الصحيح. الستر والعفة جزء لا يتجزأ من هذا النظام، ولا يُفترض أن يُعتبرا عبئًا على المرأة أو الرجل، بل واجبًا يحقق توازنًا بين الحياة الدنيوية والروحانية، ويمنح الفرد احترامه وكرامته.

**إذا كان الرجل يمتلك القدرة على الإدارة، فإنه يُمَكِّنُ زوجته من أن تصبح قوية. إن قوة المرأة هي رمز لقوة الرجل. وإذا كان الرجل يرغب في كسر وتقليص قوة زوجته، فإنه في الحقيقة يُضعف قوته الخاصة؛ لأن قوة المرأة هي قوة تحت إدارة الرجل. كل تهديد أو تضعيف للزوجة يعود ضرره على الرجل، لأن الزوجة هي جزء من عالم الرجل، وأي ضرر يُصِيبُها، فهو في الواقع يضر الرجل نفسه، ويكون إيذاء المرأة آفةً على الرجل، يصيبُه في كبريائه واعتزازه. إذا قلَّص الرجل قدرة زوجته، فإنه يُضعف قوته. الرجل بطبعه قوة مرتبطة بالمرأة، وإذا لم يضع يده في يد زوجته، فإنه لا يستطيع ارتقاء نفسه، ويظل عالقًا في احتياجاته وضعفاته. نعم، إذا استخدمت المرأة قوتها خارج المنزل ولصالح الرجال الأجانب، فإن هذه المرأة قد أساءت إلى نفسها، ولا يمكن الحفاظ على قوتها، بل يجب تقليصها، ولكن المرأة التي تحترم نفسها وتُحافظ على كرامتها، كلما ازداد قوتها، زادت عزة الرجل أيضًا؛ إلا إذا كان الرجل ضعيفًا في نفسه ويخشى قوة زوجته، وفي هذه الحالة يخاف من صعود زوجته. إذا كان الرجل قادرًا على إدارة حياته الزوجية بقدرة وكفاءة، فإنه يرفع زوجته وأبناءه، ويمنحهم العظمة، لا أن يحقرهم. إذ إنَّ تحقير من هم تحت سلطته هو عمل فرعوني، إذ كان فرعون يخشى من ضعفه، فكان يذل قومه ويقلل من شأنهم كي يتمكن من السيطرة عليهم.

لا ننسى أن الإدارة تعني العيش مع الآخرين بعطف ورقة، وليس استخفافًا أو تحقيرًا. إذا كان الرجل قويًا في إدارته وكان يتصرف بحكمة، فإنه يجعل زوجته مطيعة له بحب، أما إذا كانت إدارته ضعيفة وخرجت عن حدودها، وأظهر قوته بعنف، فإنه سيفقد قدرة زوجته على التحمل وستشعر بالاستغلال، فبالتأكيد تعرف الفرق بين الاستغلال والطاعة، فالمعاناة تحت ظروف الاستبداد هي استغلال، بينما الطاعة تكون في جو من الصفاء والمحبة والتواضع.

من العوامل التي تُعزز قوة المرأة، تعلمها واكتساب العلم، بشرط أن يؤدي ذلك إلى تقوية العلاقة الأسرية بين الزوجين، لا أن يجعلها متكبرة أو بعيدة عن التواضع. العلم يجب أن يُسهم في تهذيب النفس لا أن يتحول إلى طريق للغرور والتمرد. إذا تمكَّنت المرأة من السيطرة على مشاعرها باستخدام العلم، فإنها ستُوجه قوتها في مكانها الصحيح، وإن لم تفعل، قد تصبح مفرطة في استخدامها لقوتها في إضعاف الرجل واستخدام الحيل لتفوقه. لهذا السبب لا يحق للمرأة اتخاذ قرار الطلاق من تلقاء نفسها؛ إذ يتم سحب هذا النوع من القوة منها في السياقات الاجتماعية.

لكن إذا كان للمرأة السيطرة على علمها وتستعمله بحذر، فإن ذلك يُعزز مكانتها وقوتها الداخلية. نفس القاعدة تنطبق على المال، إذا تمكنت من إدارة قوتها المالية، فإنها ستُسهم في رفعة الأسرة. إذا بلغت المرأة كمالها، فإنها ترى المال أمرًا تافهًا لا قيمة له مقارنةً بمقامها، ولن تتحول إلى أداة للطمع أو الاستغلال المالي.

الرجل في إدارة المنزل يجب أن يدرك أن الإنسان عرضة للخطأ، وإذا أخطأت زوجته، فيجب أن يعاملها بحكمة وعطف، كما ينبغي أن يكون متسامحًا في تعامله مع زوجته كما يتعامل مع والديه، دون أن يظهر ضعفًا أو خضوعًا أمام عواطفها.

من القوة الأساسية للرجل في إدارة الأسرة هو أن يُشبع احتياجات زوجته بشكل صحيح. إذا شعرت الزوجة أن الرجل لا يُلبّي حاجتها، حتى لو كانت الحياة المادية في المنزل مليئة بالترف، لن تشعر بالسعادة، وستبتعد عنه شيئًا فشيئًا، حتى تُفكر في الانجذاب إلى رجال آخرين.

يجب على الرجل أن يحرص على أن تكون العلاقة بينهما قائمة على الاحترام المتبادل والعاطفة الصافية، لا أن تكون مُجرد علاقة جسدية فارغة. يجب على الرجل أن يكون قادرًا على تلبية احتياجات زوجته العاطفية والجسدية، حيث أن النساء عادةً ما يحتاجن وقتًا أطول للوصول إلى قمة الإشباع العاطفي والجسدي.

الرجل الذي يريد بناء أسرة متينة يجب أن يتمتع بالرجولة الحقيقية، ولا يكون مجرد شخص يستعرض المال والذهب لتلبية احتياجات زوجته، لأن النساء اللواتي يتحدثن عن المال والمظاهر غالبًا ما يشعرن بالفراغ العاطفي.

لقد ناقشنا سابقًا أن الرجل والمرأة كلاهما كائنات بشرية كاملة من الناحية العقلية، ولكن لكل واحد خصائصه الفطرية. من بين هذه الصفات، هناك اختلاف في الطابع بين الرجل والمرأة، حيث يُعتبر الرجل كائنًا اجتماعيًا أولًا، ومن ثم ينتمي إلى منزله، بينما يُعتبر دور المرأة أولًا داخل المنزل، وبعد ذلك يمكنها التفاعل مع المجتمع.

يجب أن تكون المرأة قادرة على إدارة حياتها بشكل مستقل، دون أن تتحمل عبء الأعمال القاسية أو طويلة الأمد. في المجتمع الإسلامي يجب أن يكون للمرأة مكانة خاصة في المجتمع بحيث تتمكن من العيش بحرية وعفاف.

فترة الإمامة التي امتدت ستة أشهر تحت قيادة الإمام الحسن (عليه السلام) كانت مرحلة دقيقة ومهمة في التاريخ. لقد برهن الإمام (عليه السلام) عمليًا على كيفية التغلب على التحديات التي كانت تواجه الأمة، وتهيئة الساحة للكشف عن وجوه الباطل. في هذه الفترة، كشف الباطل عن وجهه المزور وجوهره الخبيث، ولكن ليس بطريقة تترك أي غموض بشأن هويته. المعارضون لصلح الإمام الحسن (عليه السلام)، الذين كانوا في الغالب من بقايا الخوارج، أظهروا عنادًا شديدًا، وفي غياب الاحترام تجاه الإمام (عليه السلام)، أطلقوا عليه لقب “مذل المؤمنين”. كان هؤلاء الأشخاص الذين يفتقرون إلى القدرة على تحليل الصلح، ليسوا من أهل القتال أو التضحية أو الشهادة؛ بل كان الدافع الوحيد لهم في معارضتهم هو الحقد الشخصي والعناد. عندما تأتي مواقف الاختبار، تصبح الإيمان الحقيقي والطاعة الكاملة نادرة للغاية، إلى حد أنه من الأفضل السكوت وعدم القول.

في المرحلة الرابعة، ظهرت جميع وجوه الباطل، حتى أن الناس البسطاء في ذلك الوقت تعرفوا تمامًا على وجوه المتواطئين الذين كانوا يرتدون ثوب الدين من خلال قيام عاشوراء الحمراء؛ بحيث لم يتبق أي شك في هويتهم أمام المجتمع.

في المرحلة الخامسة، قام الأئمة (عليهم السلام) بوضع استراتيجيتهم السياسية التي كانت تهدف إلى إحداث تحول ثقافي وعلمي ومعرفي في الإسلام، ووضعوا الفكر الإسلامي العالي في إطار حدود واضحة على مدى فترة طويلة من الزمن، مما أدى إلى إزالة أي لبس أو غموض لفهم الإسلام في زمنهم أو في فترة غيبته.

كشف أمير المؤمنين (عليه السلام) في زمانه عن ثلاث صور للباطل التي كانت تدعي الحق: القاسطين، الناكثين، والمارقين. في فترة الغيبة الكبرى، كلما أذن الله لأحد أوليائه بالكشف عن علمه، ستقف هذه الوجوه الثلاثة، التي تتنكر في لباس الحق، ضده، باعتباره الحق الإلهي.

القاسطون هم الطامعون في الدنيا الذين يبحثون عن الراحة والسلطة لأغراض دنيوية، ولا يعيرون أي اهتمام للدين رغم أنهم قد يظهرون في زي الدين.

الناكثون هم كبار العلماء وخواص الدين الذين يدورون حول المال، ويطلبون حقوقًا لتسكن قلوبهم، وإذا لم يحصلوا عليها، يرفعون شعار “وا إسلاماه” ضد صاحب الدين، ويخونون عهد الدين. إذا حكم الباطل على الأشخاص الفاسدين، فإن هؤلاء يطالبون بحقوقهم.

المارقون هم الذين خرجوا عن الدين، ويشهرون أنفسهم كأتباع دين وهم يظهرون الوجه الزائف للديانة. هؤلاء هم التقدماء المتطرفون الذين يحاربون الحق وصاحب الولاية، مستغلين الشعارات الدينية للفتنة، مستعدّين دائمًا لتكفير وتفسيق من يخالفهم. يمكن رؤية أبرز هذه الوجوه في معركة كربلاء، حيث اعتبروا الإمام الحسين (عليه السلام) خائنًا للدين بناء على ولائهم ليزيد، وأصبحوا مستعدين للقتال ضده.

المارقون هم أولئك الذين يظهرون في الشكل الديني ويظنون أنهم في طريق الحق، بينما في الواقع هم يقاومون الحقيقة ويعانون من جهلهم الديني، ويستخدمون القشور والظاهر على حساب الجوهر.

لقد أظهروا التمرد والتحريف باسم الدين، وانتهجوا أساليب مغرضة للسيطرة على الناس. كانوا يعتبرون أنفسهم مدافعين عن الإسلام، رغم أن كل أعمالهم كانت ضد مبادئ الدين.

القمار كحالة نفسية و اجتماعية

القمار يثير في نفس القماربازی شعورًا بالتفاخر والتعالي، ويؤدي إلى تدفق هذا الشعور داخل نفسه بشكل مفرط. من الناحية النفسية، يبرز أفراد القمار كمثال للأشخاص الذين يندفعون للعنف والتهور، لأن هذا الشعور بالغلبة والتفوق يُغرس فيهم بشكل متطرف، مما يجعلهم عرضة للمشاكل، ويبعدهم عن الرحمة والرأفة تجاه الآخرين.

المجادلة والصراع من أجل النفس الإنسانية له مكانة هامة؛ بحيث إن بعض الأشخاص يكونون على استعداد للتضحية بحياتهم والقيام بكل شيء من أجل إثبات رأيهم وفرضه. وفي القمار، يكون الصراع لا يقل أهمية عن الحصول على الرهن أو المال، لا سيما بالنسبة للأشخاص الذين يبحثون عن الراحة والمتعة، إذ أن المال بالنسبة لهم ليس ذا قيمة. من المهم أن نلاحظ أن الكراهية ليست السبب الوحيد الذي يجعل القمار محرمًا، ولكننا نتحدث هنا عن الحكمة وراء تحريمه، باستخدام تحليل عقلي ونفسي.

حتى لو كانت المجادلة أو المنافسة جدية ومصحوبة بالعنف، فإن نتائج وفوائد تلك الصراعات تتضمن شعورًا بالقوة، فضلاً عن ظهور كفاءات وقدرات الإنسان أو مقاومته. لكن القمار لا يحدث على هذا النحو، بل يُعزز فقط التهور، والجرأة غير المحسوبة، وهو ليس قوة ناشئة عن المعرفة والشجاعة المتوازنة بين الجرأة والخوف، بل هو نوع من التصرفات اللامسؤولة.

القمار والتجارة الباطلة

القمار هو نوع من التجارة الباطلة؛ لأنه يُسبب القلق والكراهية. في حالة “قمار القاپ” الذي يشمل “الطرفين”، قد يخسر الشخص كل ما يملك دفعة واحدة، مما يؤدي إلى تدميره. لذلك، يمكن للقمار أن يُعطل النظام الاقتصادي، ويُضعف الروح المهنية، ويؤدي إلى فقدان الأمان النفسي للأفراد. من يقامر ويُلقي القاپ (“النرد”) أو يقوم بأعمال مشابهة هو “مُتطفل”، حتى وإن لم يكن يتسم بسهولة الحصول على المال، فالقمار أيضًا ليس بدون تعب كما هو الحال في السرقة؛ إذ أن اللصوص يتعلمون هذا النوع من المهن ويتدربون على ذلك.

من هذا المنطلق، لا يُعتبر العمل الشاق والتعب سببًا للحلالية في المال؛ بل يجب أن يتم انتقال المال بطرق شرعية تتفق مع الشريعة الإسلامية. وبالتالي، لا يجوز لأي شخص أن ينقل المال إلى آخر وفقًا لرغباته الشخصية دون استخدام وسائل شرعية معتمدة.

الآلات المستخدمة في القمار وحكمها

إذا تم اعتبار شيء ما آلة للقمار، فإن حكم تحريمه يكون قاطعًا، دون أي شك أو تردد. حتى لو لم يكن هناك ربح أو خسارة في اللعب، ولا كان القمار بهدف المال، فإن اللعب باستخدام آلات القمار يُعتبر نشرًا للفساد الأخلاقي في المجتمع. ومن هنا يأتي التشبيه مع زجاجات الخمر التي، على الرغم من جمالها البلوري، تبقى غير صالحة للاستخدام إذا كانت قد حملت اسم “زجاجة خمر”، ويجب تدميرها حتى لو كانت نظيفة.

في الإسلام، يُنظر إلى الأشياء بناءً على ما تحمله من معانٍ وألقاب. فالبطارية المصنوعة من زجاج هي مجرد زجاج، لكن إذا كانت تحمل اسم “زجاجة خمر”، فإن استعمالها يُعتبر نشرًا للفساد. الأمر ذاته ينطبق على آلات القمار، حيث أن مجرد كونها تحمل هذا العنوان يجعل استخدامها محرمًا، بغض النظر عن طبيعة المادة المصنوعة منها.

القمار ليس مجرد لعبة

لا ينبغي للمرء أن يظن أن القمار هو مجرد لعبة بريئة أو أن ماهيته لا تختلف عن ألعاب أخرى. الفرق بين القمار وألعاب أخرى مثل الزواج المشروع والزنا، هو في التوافق مع النظام الطبيعي والشرعي. مثلما أن الزواج يتوافق مع النظام الطبيعي للفطرة، فإن القمار يخالف هذا النظام.

الأضرار النفسية والاجتماعية للقمار

الأعمال مثل الزنا والقمار تُعتبر مشروعة في أساسها ولكنها تصبح محرمة بسبب تداخلها مع الأنظمة الطبيعية والشرعية. فكما أن الزنا يشوه النظام الطبيعي للأسرة والمجتمع، كذلك القمار يشوه التوازن النفسي والاجتماعي، ويؤدي إلى الفساد الأخلاقي والاقتصادي.

الفرق بين القمار وألعاب أخرى

فيما يتعلق بالألعاب مثل الشطرنج، فإن القمار لم يعد يتضمنها، بل أصبحت تُستخدم كوسيلة للعلم أو التفوق العقلي. لذلك، لا يُعتبر لعب الشطرنج اليوم من مصاديق القمار، بل يمكن أن يصبح وسيلة لتنمية الذكاء والإبداع.

النظرة المستقبلية للألعاب والرياضات

من الممكن أن تخرج بعض الألعاب الرياضية من نطاق القمار إذا تم تحديدها وتنظيمها وفقًا لقوانين شرعية. فالرياضات مثل كرة القدم والمصارعة تحتوي على أهداف عقلية وشرعية، ويمكن أن تساهم في بناء المجتمع من خلال المنافسة الصحية والمشروعة.

الاستنتاج

إذن، القمار ليس مجرد لعبة؛ بل هو سلوك يؤدي إلى الفساد ويعطل الأنظمة الطبيعية والشرعية. الإسلام يرفض القمار كونه يتعارض مع التوازن النفسي والاجتماعي، ويسعى لحماية المجتمع من تأثيراته الضارة.

مشاهدة الأفلام والمسلسلات

من الوسائل المهدئة الأخرى التي تُسهم في التخفيف عن النفس، الانشغال بمشاهدة الأفلام والمسلسلات. قد تحتوي الأفلام والمسلسلات على رسائل حق أو باطل. والكلام والرسالة الباطلة، سواء كانت بصوت أو بدون صوت، أو مكتوبةً بحروف أو رموز، فهي حرام. على سبيل المثال، إذا جاء يوم يتم تدريب فيه دجاجة على أن تقول “لا حق، لا حق”، يجب أن يُعتبر بيعها وشراءها غير جائز، رغم أن الدجاجة هي دجاجة، لكن بما أنها تلقت تدريبًا باطلاً وأصبحت في خدمة الباطل، فإن حكمها يختلف عن حكم الدجاجة التي لم تُدرب على الباطل. بناءً على ذلك، فإن بيع أجهزة الأقمار الصناعية، الحواسيب، واشتراكات الإنترنت، التي يمكن أن تُستخدم في أغراض حلال أو حرام، لا إشكال فيه للشخص الذي يُستخدمها في أغراض حلال، أما إذا استخدمها في أغراض حرام، فإنه لا يجوز. بما أن الأقمار الصناعية يمكن أن تُستخدم في الحلال وفي الحرام، فلا يمكن أن يكون مجرد الاستخدام ذاته سببًا في تحريمه، ولكن إذا كان الاستخدام الغالب هو الحرام، فإن حكمها يكون التحريم.

الباطل حيّ بصوته، وإذا اختفى صوت الباطل، فإن الباطل يُنكر تدريجياً؛ كما أن الشريعة إذا لم يكن لها صوت قوي، فإنها تصبح منبوذة.

اليوم، تسعى الدول الغربية لنشر ثقافتها التي تتسم بالانحلال الأخلاقي، والانحراف الجنسي، والابتعاد عن الروحانيات، من خلال الأفلام والمسلسلات السينمائية ووسائل الإعلام التي تمتلكها، لتصل إلى البلدان الشرقية. على سبيل المثال، في بعض الأماكن، يُذكر أن الحفلات المحرمة، التي تشمل الاختلاط بين الرجال والنساء والأشخاص غير المحارم، واستخدام الخمور والمخدرات، أصبحت شائعة في السراديب والحدائق والمنازل الكبرى. مثل هذه الانحلالات لا تنبع من الثقافة الشرقية، بل هي نتيجة تأثير الغرب الذي جلب هذا الجحيم إلى ثقافات الشرق. اليوم، حتى بعض النساء المتزوجات والمحسنات تأثرن بهذا الانحراف، ويُعزى ذلك جزئياً إلى الفقر والمعاناة، وكذلك الهجوم الثقافي الغربي الذي يخترق عقول الشباب الشرقيين، وأيضًا من خلال تقصير المؤسسات الأكاديمية في إجراء دراسات قوية حول هذا الموضوع وعدم تقديم حلول علمية لمواجهة هذه الأزمات.

حب الزوجين

من العوامل المهدئة والمريحة الفعالة للغاية، هو حب الزوجين لبعضهما البعض والنشاط الذي ينتج عنه، مما يجلب لهما السلام الداخلي. جزء من قوة الإنسان يأتي من الروح والنشاط الذي يتمتع به، على سبيل المثال، قوة الرجل تكون على مقدار حب المرأة له والنشاط الذي تبثه فيه. يُذكر في الحكايات أن ملكًا قويًا أراد بناء قصر عالٍ، لكن لم يكن هناك من يستطيع رفع الحجارة والطوب اللازم لهذا البناء. أعلن الملك عن مسابقة عامة، فتطوع أحد العمال لهذه المهمة. كان هذا العامل قادرًا على رفع الحجارة والطوب إلى بنّاء القصر. وكان الملك، حين ينظر إلى جسده، يتعجب كيف يمكن لشخص بهذا الحجم أن ينجز هذه المهمة. وبمرور الوقت، اكتشف الملك أن السبب وراء قوة العامل هو أن زوجته كانت تعامله بحب واحترام، وكانت تُكرمه كما يُكرم الملك. وكان هذا الحب مصدرًا لقوته ونشاطه.

في النهاية، يُدرك الملك أن الحب بين الزوجين هو ما يعزز من قدرة الرجل على العمل بشكل أكبر وأكثر فعالية. الزوجة الجيدة هي التي ترفع من معنويات زوجها وتجعله قادرًا على العمل بإرادة ونشاط أكبر.

الترجمة إلى العربية:

مشاهدة الأفلام والمسلسلات

من بين وسائل التسلية التي تسهم في تهدئة النفس، هي الانشغال بمشاهدة الأفلام والمسلسلات. قد تحمل هذه الأفلام والمسلسلات رسائل صحيحة أو خاطئة. الكلمة والرسالة الباطلة، سواء كانت بصوتٍ وصورةٍ أو بدون ذلك، سواء كانت مكتوبةً بالحروف أو بالرموز، فإنها حرام. على سبيل المثال، إذا جاء يومٌ يُدرَّب فيه طائرٌ على قول “لا حق، لا حق”، فيجب ألا يُسمح بشرائه أو بيعه؛ مع أن الطائر في ذاته هو طائرٌ، لكن الطائر الذي تم تدريبه على الباطل واستخدامه في خدمة الباطل يختلف عن الطائر الذي كان في الأصل مُباحًا شراءه وبيعه، وبالتالي بما أن الموضوع قد تغير، فإن الحكم الشرعي أيضًا سيتغير.

من بين وسائل التسلية التي تسهم في تهدئة النفس، هي الانشغال بمشاهدة الأفلام والمسلسلات. قد تحمل هذه الأفلام والمسلسلات رسائل صحيحة أو خاطئة. الكلمة والرسالة الباطلة، سواء كانت بصوتٍ وصورةٍ أو بدون ذلك، سواء كانت مكتوبةً بالحروف أو بالرموز، فإنها حرام. على سبيل المثال، إذا جاء يومٌ يُدرَّب فيه طائرٌ على قول “لا حق، لا حق”، فيجب ألا يُسمح بشرائه أو بيعه؛ مع أن الطائر في ذاته هو طائرٌ، لكن الطائر الذي تم تدريبه على الباطل واستخدامه في خدمة الباطل يختلف عن الطائر الذي كان في الأصل مُباحًا شراءه وبيعه، وبالتالي بما أن الموضوع قد تغير، فإن الحكم الشرعي أيضًا سيتغير.

بناءً على ذلك، فإن بيع الأقمار الصناعية، والحواسيب، والاشتراكات في الإنترنت التي قد تُستخدم لأغراضٍ حلال أو حرام، ليس فيه إشكال لمن يُعلم أنه يستخدمها في الأغراض الحلال أو الحرام، ولكن يُشترط أن يكون الشخص قد استخدمها في أغراض حلال. فالأقمار الصناعية يمكن استخدامها في أغراض حلال وكذلك في أغراض حرام، ووفقًا للاقتضاء في الحالات العادية، فلا يمكن اعتبار استخدامها حرامًا، لكن إذا كانت الغلبة في الاستخدام على المحرمات، فإنه يجب القول بحرمتها.

الباطل حي بصوته، وإذا اختفى صوته، فإن الباطل سيغيب تدريجيًا، كما أن الشريعة إذا لم يكن لها متحدث قوي، فإنها ستعزل. في العصر الحالي، تعمل الدول الغربية على نشر ثقافتها التي تمثل انعدام الغيرة، والجنس، والتجاهل للقيم الروحية عبر المسلسلات والأفلام السينمائية ووسائل الإعلام المختلفة التي تملكها، حيث تتسلل هذه الثقافة إلى الدول الشرقية بشكلٍ كبير، حتى إننا نشهد إقامة حفلات مختلطة محرمة بين الرجال والنساء، واستخدام الخمور والمخدرات أو الحبوب المنشطة مثل الإكستاسي في الأماكن السرية مثل السراديب، والحدائق، والمنازل الفاخرة والفلل. مثل هذه التصرفات لا تنبع من ثقافة الشرق، بل من الغرب الذي ألحقها بهم. اليوم، نجد أن انعدام الحياء قد طغى على بعض النساء المتزوجات والعفيفات أيضًا، ويعود ذلك إلى حدٍّ ما إلى الفقر، والمعاناة، والهجوم الثقافي الغربي، وغياب الأبحاث الأكاديمية المتخصصة التي تبيّن كيفية تجاوز هذه الأزمات.

صوت الباطل يستخدم أداةً مسمومة وقاتلة ضد جبهة الحق تسمى “الشائعة”، التي تُستخدم غالبًا في “تشويه السمعة”. الكلمة والشائعة، على الرغم من أنها قد لا تستهلك الكثير من الجهد، إلا أنها من أقوى الحواجز أمام اكتشاف الحقائق، وأحيانًا تؤدي إلى الحرمان الأبدي، وقد تثير الحروب النفسية والعنف والتشهير، مما يسبب صراعات مدمرة بدون أن يتعرض مخطط الشائعة للأذى. ولكن، حتى وإن لم تصب المخطط بأي أذى جسدي، فإن الشائعات تترك ألمًا نفسيًا شديدًا وتُجبر العديد من الأشخاص المحقين على العزلة، وكأنهم شهداء أحياء.

محبة الزوجين

من وسائل التسلية المفيدة والمُسكنة، هي المحبة المتبادلة بين الزوجين والنشاط الناتج عنها، الذي يجلب لهما السكينة. جزء من قوة الإنسان يأتي من روحه ونشاطه. على سبيل المثال، تكون قوة الرجل بقدر المحبة التي تمنحها له زوجته والنشاط الذي تحفزه عليه. يُروى أن ملكًا قويًا أراد بناء قصرٍ مرتفع، ولكن لم يكن هناك من يستطيع رفع الطوب والحجارة إلى البناة. فإعلان الملك عن مسابقة، فتبنَّاها رجل كان ينقل الحجارة والطوب إلى البناة، حتى كان يرفعها أعلى من رأسه. فاستغرب الملك كيف لشخصه أن يقوم بمثل هذا العمل، فتساءل عن سر قوته، واكتشف أن السر يكمن في زوجته التي كانت تعامل زوجها باحترام، وتقدم له العناية والراحة. كان هذا هو سر القوة والإنتاجية التي يتمتع بها.

الذكر وحياة الروح

الآية التي تبدأ بـ “بِسْمِ اللّه الرّحمن الرّحيم” هي آية الحياة التي تنعش القلب. يجب على الإنسان أن يداوم على تلاوة هذه الآية في اليوم والليلة، لأن فيها المعنى الكامل للوجود وكمال القوة، التي تمنح الروح الحياة والسكينة.

من يردد “لا حول ولا قوة إلا بالله” ويبدأ عمله بـ “بسم الله” ويثق في الله، فإن قوته الروحية تكون أقوى بكثير من أولئك الذين يعتمدون على المنشطات الطبيعية. هذه العبارات توجه الطاقة الروحية وتمنح الإنسان القوة التي تعتمد على معونة الله، وليس على قوى المادة.

العبادة

من الأمور الهامة التي تسهم في تحقيق “اليقين” والطمأنينة النفسية والرضا عن الحياة، هي العبادة والدعاء والروحانية. لا يصل الإنسان إلى راحة نفسية حقيقية واطمئنان داخلي إلا إذا بلغ مرحلة اليقين بحقيقة الحياة ورضاه عن حاله. العبادة، سواء كانت فريضة أو تطوعية، تمثل العلاقة السامية بين العبد وربه، وتعلم الإنسان التواضع والخشوع أمام الله، وهو لا يؤديها طمعًا في الجنة أو خوفًا من النار، بل من حب الله وعبادته.

المسجد:

إن المسجد، رغم كونه مكانًا للاجتماع، إلا أنه بما أن الوحدة تسود فيه، ويصلي الجميع جماعة، فإن السكون يعم المكان ولا يحدث ضوضاء. لذلك يجب على المأمومين ألا يرفعوا أصواتهم أثناء الصلاة؛ لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى، ويشتت تركيز الإمام، ويؤثر على النظام في الجماعة. كما يجب أن تكون الدعاء في جو من السكينة والطمأنينة والخلوت، بعيدًا عن أي نوع من الضوضاء أو الارتباك.

عندما يصلي الإنسان في جو من العزلة والوحدة ويحقق الصفاء، يكون استجابة الدعاء أكثر احتمالية، ولكن هذا لا يحدث في أجواء مليئة بالضوضاء أو في ظل تراكم الأصوات. ومن يستطيع الصلاة في مثل هذه الظروف المزدحمة، حيث يكون التلفزيون يعمل والمحيط مشوش، يكون شخصًا متمكنًا في هذا المجال. من الأفضل للإنسان أن يجد مكانًا هادئًا لقراءة القرآن الكريم وأداء النوافل بشكل منهجي تحت إشراف معلم مؤهل، حتى يصبح الصلاة والقرآن الكريم جزءًا من شخصيته، ويشعر بالعجز أمام الله ويحقق الطمأنينة الروحية، وبالتالي يبتعد عن التعلق بأي مكاسب دنيوية.

أفضل عمل في الصلاة وأفضل عبادة هي السجدة، حيث يشعر الإنسان في السجدة بتواضعه وتذلله. إذا لم يحقق الإنسان هذا التواضع، فإنه لم يدخل في معرفة الله بعد. عالم السجدة هو عالم الخضوع العارف.

القبلة:

إن الصلاة الواجبة تتطلب التوجه نحو القبلة، أي نحو الكعبة التي هي بيت الله الحرام. الكعبة هي رمزٌ عظيمٌ للعظمة الإلهية، وهي تجسد الوحدة والتعاون بين المؤمنين، وتُظهر رفض الشرك والظلم والاستكبار. مكة المكرمة هي مكانٌ آمنٌ لله، والكعبة رمزٌ للوحدة، والإحرام يرمز إلى البساطة والصفاء، والطواف يمثل السير في طريق الحب والشوق، ورمي الجمار يمثل التخلص من الباطل. كما أن القرباني يمثل التضحية، بحيث يجب على الإنسان أن يضحي بروحه لينال حياة جديدة في إطار إيماني قوي.

ما ينبغي للإنسان أن يبحث عنه في هذا المكان هو “الحق” وليس الدنيا. وما ينبغي أن يبتعد عنه هو النقائص الروحية، لا التعلق بالمنافع المادية. في هذا المكان، يتم تجديد حضور الله عز وجل وأئمة الحق والمُعصومين بشكل دائم، ليضفي على المكان عبقًا من الروحانية.

الدعاء والتوبة:

أسهل طريقة للأشخاص العاديين في سعيهم للحصول على الكمالات هي قراءة القرآن والدعاء والمناجاة. “صحيفة السجاد” هو كتاب دعائي يعزز من الروحانية، وهو من أقرب الطرق للوصول إلى الكمالات الإنسانية. هذه الطريقة يمكن أن تُستفيد في علم “الدعاء العلاجي”، الذي يمكن أن يكون له تأثير إيجابي في علاج العديد من الأمراض الجسدية والنفسية، بل وحتى الأمراض البيئية.

أكثر المشاكل الجسدية والنفسية التي يعاني منها البشر في كل العصور، خاصة في العصر الحديث، نتيجة لفقر ديني وأخلاقي، إلى جانب التعلق الزائد بالمظاهر الزائفة لهذه الدنيا. الدعاء يمكن أن يكون مانعًا وواقيا من الكثير من الأضرار. من بين هذه الأضرار، يمكن الإشارة إلى الإسراف في الطعام الذي يؤدي إلى قسوة القلب، والوسوسة الشهوانية، والأمراض الجسدية، بالإضافة إلى حقد وحسد، وكذلك التشاؤم والغم الذي يولده التعلق بالدنيا. بالمقابل، البساطة والاعتدال يمكن أن تجلب السلام النفسي والطمأنينة.

النفْس:

النفس البشرية عندما لا تواجه التحديات والمصاعب تبقى في حالة من الركود، مما يؤدي إلى تراكم الرذائل داخل الإنسان. وعندما يواجه الإنسان مصاعب أو ضغوطات في الحياة، فإن هذه التحديات تحرك هذه الرذائل وتظهرها بوضوح. إذا لم يتمكن الإنسان من تربية نفسه بشكل صحيح تحت إشراف معلم حكيم، فإنه سيتعرض للفتن ويخسر السيطرة على نفسه في المواقف الصعبة.

عندما يقوم الإنسان بتربية نفسه ويصل إلى مرحلة النفس المطمئنة، يصبح قادرًا على إدارة حياته بشكل أفضل ويكتسب القدرة على التحكم في ذاته، حتى في أصعب الظروف.

التوبة:

التوبة هي باب مفتوح دائمًا للإنسان للتطهر من معاصيه. التوبة تتحقق من خلال أمرين: الأول هو استجابة الله على توبة العبد، والثاني هو شفاء القلب الذي تلوث بالمعاصي. لا يمكن لأي معصية أن تكون أكبر من رحمة الله، لأن باب التوبة مفتوح للجميع في كل وقت. ولكن يجب أن يتم التوبة بصدق، حيث لا تكفي مجرد الكلمات، بل يجب أن تكون نابعة من القلب وتترجم إلى أفعال. التوبة تشبه الجراحة الروحية التي تحتاج إلى مهارة وظروف مناسبة حتى تكون فعالة.

الدين هو المنهج الصحيح لحياة الإنسان، وهو الطريق الذي ينقله إلى السعادة الأبدية.

النقطة المهمة في الحياة الدينية أو الحياة السليمة هي أن ننتبه إلى أن الحياة السليمة أو الدين ليس أمرًا فرديًا، بل هو ظاهرة اجتماعية تتبع الجماعة، لأن الفرد ليس منفصلًا في الخارج، وما هو موجود هو تركيب. بالطبع، غياب الفرد لا يعني رفض الفردانية. كما أن بعض الأفراد ليسوا أفرادًا بل مجتمع، ويجب ألا نغفل عن هذه النقطة. المجتمع له مقتضيات وأسس أولية لا يمكن تجاهلها، ولا يمكن للمجموعات والأسر أن تحقق الحياة الدينية إلا إذا أصبحت الحياة الدينية شاملة للمجتمع. في المجتمع الديني، النظام الديني تحت إشراف صاحب الولاية الحاكم، وهذا النظام هو الذي يمنح المجتمع الحياة الدينية.

الدين يعادل طريقة الحياة. من خلال فهم معنى الدين، نصل إلى مفهوم “الحياة الدينية” التي هي ظاهرة اجتماعية. أفضل وسيلة أو طريقة للوصول إلى القرب من الله تعالى والأنس به هي الحياة الدينية، التي تتوافق مع المسار الطبيعي لكل شخص وهي أفضل دليل وأسرع وسيلة لتمكينه من الوصول إلى الحق، وتجعل سيرته نحو العبادة والأخلاق الإنسانية واضحة، وتمنح العبد حياة حقيقية. يجب أن يُفهم أن المقصود بالدين في هذا الكتاب هو دين الإسلام. جميع الأحكام الإسلامية في طريق العبادة والقرب إلى الله تعالى، وتُفجِّرُ وتنمي اتجاه الحق في العبد تحت إشراف معلم مجرّب وتمنحه حياة حقيقية. الدين بلا “نفحة قدسية” لا يُظهر محتواه ولا يترسخ في الروح.

“الحياة الدينية” أولًا تعني الاهتمام بالمجتمع الديني، ثم الفرد الاجتماعي، وترغب في صحته عبر اهتمامه باتجاه الحق، وتوجهه نحو الأخلاق الإنسانية. بصحة المجتمع، يحقق الأفراد صحتهم وتتشكل الحياة الدينية. على كل شخص أن يسعى أولًا إلى حياة دينية للمجتمع. الحياة الدينية للمجتمع تتحقق تحت إشراف الولي الإلهي في كل زمان. تصبح الحياة الدينية ممكنة فقط عندما تجد صورتها الظاهرة وقربها إلى الله تعالى تحت إشراف صاحب الولاية، ليتمكن الفرد من تعلم طريق العبادة بشكل صحيح من جانب من هو معصوم، وإلا فإن الفرد سيبقى أسيرًا للبيانات النفسية الخاصة به وليس عبدًا لله. الحياة الدينية هي المرور عبر الأنانية النفسية والاتجاه نحو الأخلاق الإنسانية. هذا يؤدي إلى اتحاد المجتمع وتوحيده في الحياة الدينية.

الحياة الدينية تأخذ الاتجاه الفردي من الفرد وتجعل منه شخصًا اجتماعيًا. إن الإنسان الذي يعيش بدون حياة دينية، بسبب غلبة الأنانية لديه، يشبه شخصًا وحيدًا في وسط سيلٍ من المياه، لا يمتلك ملجأ ويُفقد هدوءه في زحام الأحداث. الحياة الدينية تأخذ الاتجاه الأخلاقي من العباد، وتجمع المؤمنين في مجتمع واحد يتعاونون ويؤازر بعضهم البعض. الدعاء لإخوان الدين والدعم العلمي والثقافي وكذلك المساعدة المالية لتحقيق الحياة الدينية له تأثير؛ حتى مثل الدعاء الذي له أثر خاص به، يتطلب جوًا من التعاون والتفاهم بين الجماعة. كما ذكرنا في مكان آخر، فإن العديد من مشاكل أي مجتمع، سواء كانت ناتجة عن قهر الطبيعة أو من صنع الآخرين، يمكن التحكم فيها بالدعاء، وإذا تم الدعاء بشكل جماعي وبقلب متوافق، فإنه يكون أقرب إلى الاستجابة.

في الحياة الدينية، يمكن للأفراد أن يعاهدوا بعضهم البعض ليكونوا معًا ويساعدوا بعضهم في حل مشاكلهم، ولكن إذا لم يحدث ذلك، فإن الدعاء أيضًا لا يكون له تأثير. لكن إذا وصلوا إلى مرحلة ينسون فيها أنفسهم ويصبحون اجتماعيين، ويدعون لأصدقائهم ويعتنون بهم، حينها تتحقق الحياة الدينية، ويصلون إلى قرب الله تعالى، وتكون رعاية الله معهم.

يمكن للأشخاص الذين يبرزون الحياة الدينية والقرب من الله تعالى أن يظهروا ذلك إذا كان مجتمعهم مكونًا من أفراد متشابهين ومتآلفين في الواقع، ولديهم نفس الفكر، والهدف المشترك، وتخفيض الأنانية والاتجاه نحو العبادة، مما يجعلهم يعاهدون بعضهم البعض على الدين، ويتعاونون معًا في التفكير، ويتحدون لمساعدة بعضهم البعض. إن جو التفاهم بينهم يكون بشكل يمكنهم من إخبار بعضهم البعض عن احتياجاتهم، فيقوم الآخرون بحل مشكلاتهم في أسرع وقت ممكن، وإذا كان الأمر ضروريًا أو مناسبًا، فإن مساعدتهم تكون بدون مقابل.

الحياة الدينية تأخذ الأنانية واللامبالاة والفردية، وإذا كانت هناك حالة في المجتمع حيث لا يعرف الفرد إلى أي بيت أو شخص يذهب، فإن الحياة الدينية لم تتحقق فيه، وسيكتفي بالألقاب الدينية فقط. الحياة الدينية تتطلب جوًا من التفاهم والانسجام، وتنمو وتتحقق على هذا الأساس.

يجب على كل شخص أن يولي عناية تامة لنفسه وأفكاره وأفعاله ليكشف عن باطنه بشكلٍ واضح، وألا يجعل نفسه غارقة في فوضى الظاهر والباطن. يجب عليه أن لا يعتبر سعيه وجهده بلا فائدة أو بلا ثمر، بل يجب أن يكون سعيه وجهده موجهًا نحو طمأنينة القلب والابتعاد عن جميع الأعمال التي قد تجره إلى التشتت.

الاختيار في جميع الظواهر موجود حتى في المقربين من المحبوبين الذين يتمتعون برعاية خاصة. صحيح أن المقربين في أعلى مراتبهم لديهم عصمة فعلية، ولكن هذه العصمة الفعلية تتوافق مع الإمكانية الذاتية لأي نقص أو معصية دون أن يحدث أي تعارض أو تناقض. فالإنسان، كما يمكن أن يكون معصومًا، يمكنه أيضًا أن يسعى إلى الكمال والنمو على أساس أن يكون قادرًا على التحكم الكامل في نفسه ومراقبة جميع حركاته النفسية والإنسانية. كما أن الإحتمال النفسي والقدرة الاستعدادية لأي شخص، بما في ذلك المقربين، وفقًا للهوية الإمكانية العامة، يمكن أن يتضمن أي نوع من النقص أو الخطأ.

لا أحد يستطيع الوصول إلى الكمال الحاصل ما لم تكن ذاته قادرة على تلك الإمكانية، وهو أمر يختص بالله تعالى الذي هو أصل الكمال ومصدر التحقق. أما المعصوم، فإن إمكانياته الذاتية تعني أن عصمته لا تنفصل عن نفس ذاته، لأن البعد عن النفس يعني العدم. ومع ذلك، تبقى الإمكانية الذاتية للخطأ والمخالفة في المعصوم بشكلٍ محتمل، لكنها لن تتحقق أبدًا. بمعنى أن العصمة لا تتنافى مع القدرة على الخطأ، ولكن بسبب عصمة المعصوم، لا يتحقق هذا الخطأ في أي وقت.

في الواقع، الإيمان الكامل والمعرفة الرفيعة بالله تعالى يمنع المعصوم من الوقوع في الخطأ. هو لا يشبه الشخص العاقل الذي لا يرتكب الفواحش في حضور الناس، بل المعصوم يبتعد عن المعاصي حتى في غيابه عن أنظار الناس بفضل معرفته الكاملة بالله تعالى ورؤيته للحق في كل وقت. العصيان في المعصوم يشير إلى ضعف في معرفته وإهماله للجانب الربوبي، لأنه عندما يرتكب الشخص الخطأ أو العصيان، فهو إما لا يرى الله أو لا يشعر به، أو يعتقد أنه لا يستطيع مراقبته، أو يظن أن الله ليس له قدرة على منع ما يفعل.

الخطأ والعصيان يحدثان عندما يغفل الإنسان عن الرب، لكن عندما يصل الإنسان إلى حالة من المعرفة الكاملة بالله تعالى، ويستشعر كل أفعاله تحت مراقبة الله، فإن جميع المعاصي تختفي من حياته. المعصوم يعيش في نور الله، وكل فعل يصدر عنه يتوافق مع إرادة الله.

الاختيار في هذا النظام يتعلق بكل فعل إنساني، حيث لا يُعتبر أحد مسؤولًا عن أعمال غيره إلا إذا كان له دور في تلك الأعمال. فكل شخص يتحمل مسؤولية أعماله الخاصة، ولا يمكن تحميل شخص آخر مسؤولية عمل خاطئ قام به.

نظام الحساب والتكفير في العالم الطبيعي يعمل بطريقة دقيقة؛ كل فعل يصدر عن شخص يؤثر على نفسه في الدنيا والآخرة. وأي ظلم يرتكبه الفرد يتسبب في رد فعل من هذا النظام الطبيعي لا يمكن تفاديه.

أخيرًا، الحساب الإلهي في الآخرة لا يقتصر على أعمالنا الظاهرة فحسب، بل يشمل كل تصرف نقوم به، ويعكس هذا النظام الحكمة والعدل الإلهي في كماله.

**يجب أن يُعلم أنه حتى لا يهتدي الإنسان ويصير عمله صحيحاً في الفكر والعمل، لا يمكن أن يكون للدين نفع له ولا يمنحه حياة طيبة. لأن الدين، مثل نصه المقدس القرآن الكريم وصاحب هذا النص، مقام الولاية، هو «فصل الخطاب»، بمعنى أنه للقلوب الطاهرة يكون هداية وشفاء، أما للظالمين وغير المنصفين فلا يزيدهم إلا خسارة وزيادة في الضرر. الحقائق القرآنية والتعاليم الدينية إنما هي نافعة للقلب الطاهر، المتفكر، والمنصف، ولا تضيف للجُهَّال والظالمين سوى مزيد من الضلال. طبعاً هذا الأمر يتعلق بالحقائق الباطنية والولائية، أما من حيث الإقرار بالتوحيد فإن كل من يقر به يصبح مسلماً ويحصُل على طهارة ظاهرية ويكتسب آثار الإيمان. لكن ليس من الضروري أن تتاح له الحقائق الروحية والمعاني الحقيقية دون تطهير النفس والعدل وطهارة القلب واليقين بالمعرفة.

القرآن الكريم وتعاليم الدين يشبهان الماء العذب والطاهر الذي لا يكون حلوًا ولذيذًا إلا للشخص الصحيح، أما لذائذ الشخص المريض فلا يروق له هذا الماء العذب، لأن العيب في ذائقة المريض. في الواقع، الماء العذب هو عذب وصافي، ولكن هذا الوصف لا يدركه إلا الشخص السليم. اليد التي تتسخ بالدهون القذرة لا يمكن أن تطهر إلا إذا أزيلت الدهون أولاً بمادة منظفة، ثم يمكن غسلها بالماء النظيف. وعندما يكون قلب الإنسان ملوثًا بالأوساخ النفسية والأوهام الشيطانية، كما يُقال، فإن مرآة باطنه لا تكون صافية، ولا يمكنه الاستفادة من الدين، والقرآن الكريم، وأولياء الله. الشخص الجاهل، الذي يفتقر إلى المعرفة اليقينية، والظالم الذي يمارس الظلم، لا يمكن أن يحصل إلا على المزيد من الحرمان عند التعاطي مع القرآن الكريم والدين، حتى وإن كان يدعي نفسه من أهل الدين و”حمام الحرم”.

يجب على قائد المجتمع أن يدير الأمور بشكل صحيح، ويطهر أرواح وأفكار أفراد المجتمع من الجهل والظلم بطريقة طبيعية ومنهجية، ويُقَيّم أفكار الناس ليجعل العدالة والمعرفة رائجة بينهم، ويصل بهم إلى مرحلة من الكمال التي تجعلهم يتوجهون إلى المعارف الإلهية والحقائق الروحية برغبة، دون الحاجة إلى القوة أو التهديد أو الظلم. المعرفة والعدالة لا يمكن أن تكونا كدواء يُعطى بالقوة أو بالخداع، بل هما حقيقتان علميتان وواقعتان يمكن الحصول عليهما فقط في ظل الرحمة والطهارة والرضا. القوة والتهديد فقط تجعلا الناس في حالة من الظاهرية الفارغة، وتجعل باطنهم خاويًا بل وحتى يسبب كراهية للدين. بينما الحاكم الإلهي، الذي يحكم القلوب، يَحكُم بالصفاء والصدق والحرية حتى يتبع الناس، بإرادتهم الحرة، الحقائق والبرّ ويقومون بما هو خير لهم.

**سَتَبِعَ نَصُّكُم في الاجزاء التالية.

**اللامتناهيّ وصفٌ حيث يظهر فيه جميع الظواهر، والتي لا يظهر منها سوى شكل واحد يتعين ويتحدد، ولكن في باطن هذا الشكل يختزن جميع الظواهر. والإنسان هو الكائن الذي بسبب مقامه الجمعي، يتصور ويطلب اللامحدود، وبالتالي يمكنه أن يكون المظهر الكامل لله سبحانه وتعالى. الإنسان لا يمتلك حدًّا ثابتًا أو مرجعيًا، وكل ما يُعطى له يظلّ غير كافٍ بالنسبة له. فبعد أن يشبع من الجوع، يشعر بالعطش، وبعد أن يروي عطشه، يحتاج إلى النوم، وعندها يتمنى أن يكون من الأولياء أو من الأعداء. من خصائص الإنسان أنه يمتلك اللامحدودية؛ بينما الحيوانات ليست لامتناهية، فقط الإنسان في التصور، الاستعداد، والفعل يمتلك هذا الوصف اللامتناهي. اللامتناهي هو وصف مجرد وحيثية ظهور. المطالب المطلقة في الإنسان هي حقيقة مرتبة، فمثلاً الشخص الجائع لا يطلب قبعة بل يطلب الخبز ليشبع، ثم يذهب إلى النوم، وعندما يكتمل نومه، يطلب شيئًا آخر. استعداد وفعل الإنسان لا حدود لهما، ويكمن اللامتناهي في طبيعته. الإنسان ذو طلب مطلق. السمة اللامتناهية والمطلقة في الإنسان تأتي من حيثية ظهوره. الطلب اللامتناهي في استعداد الإنسان وفعلته يعتمد على شروط خاصة وامكانيات مميزة. وإذا لم يرغب شخص في الوصول إلى مرتبة أعلى من وضعه الحالي، فهذا يعود إلى عدم استعداده لتوفير مقدماته وشروطه. لأن الإنسان عاقل يقول: “الحجر الكبير علامة على عدم ضربه”، أما الحيوانات وحتى الملائكة، فهم لا يمتلكون نفس المقام الجمعي الذي يملكه الإنسان.

الطلب اللامتناهي في الدعاء:
في الدعاء المروي: “اللهمّ أدخلني في كلّ خيرٍ أدخلت فيه محمدًا وآل محمد، وأخرجني من كلّ سوءٍ أخرجت منه محمدًا وآل محمد” يظهر الطلب اللامتناهي. وهذا الدعاء يعني: “يا الله، ما أعطيته لأهل البيت: من خيرٍ، أعطني مثل ما أعطيتهم، وما أبعدتهم من شر، أبعدني من ذلك”. إن هذا القول يأتي من الإنسان الذي يحمل آلاف الأدران، لأنه يمتلك استعدادًا لامحدودًا. ليس فقط في صلاة عيد الفطر، بل يمكن للإنسان أن يدعو بهذا الدعاء في كل وقت؛ لأنه موجود في فطرة كل إنسان. الدعاء جاء بصيغة المفرد “أدخلني” وليس بصيغة الجمع “أدخلنا” مما يعني: “يا الله، كرم بي وأدخلني في هذا المقام”.

الكمال المطلق واللامحدود يتحقق عبر ثلاث مراحل:

  1. يجب أن يرفع الطمع عن غيره، فلا يطمع الإنسان فيما يملكه الآخرون، سواء كان المال أو العلم.
  2. يجب أن يقطع الطمع عن نفسه، فلا يطمع في ما يملكه.
  3. يجب أن يقطع الطمع عن الله تعالى، ويقول: “يا الله، نحن رفاق معًا، ونحن لا نطلب منك شيئًا؛ أنت من ترزق، ولكننا لا نطمع منك في شيء”.

الإنسان في هذه المرتبة يقول: “يا الله، إذا أخذوا منك كل شيء، لا يزال حبنا ورفاقتنا قائمة؛ وإذا قيل أنك لست غنيًا وأنك لم تعد الله، نحن نكون معك كما كنا”. هذا هو كمال العبادة والصفاء، أن يصبح الإنسان مع الله لرفقته دون طمع، يحب الله ولا يطمع في عطاءاته.

البحث عن اللامتناهي في الظاهر والباطن:
يتمتع كل مخلوق بوجه للظهور وآخر للباطن، حيث إن الباطن يدعو إلى اللامتناهي واللامحدود، وفي هذه الحالة يكون الشخص مغفلًا عن ذلك أحيانًا، لكن الله يقوده إلى هذا اللامحدود عبر الأحداث.

الظواهر الكونية والعوالم الروحية:
فيما يتعلق بالعوالم الروحية مثل العرش والكرسي وغيرها، ينبغي على المؤمن أن يكون على دراية بتحقيق هذه العوالم، وألا يقتصر على التأويلات الفلسفية التي لا تقود إلى اليقين. الطريق إلى هذه الحقائق الروحية يتمثل في الوحي والاكتشاف الواقعي.

التربية الجسدية:
الجسد هو ظاهرة مادية مكونة من عناصر لا نهائية، وهذه الحركة تستند إلى حركة الإيجاد والخلق الإلهي، وتنتهي بحركة أبدية. بينما يتحد الجسد في ظاهره، فإن مكوناته هي أجزاء أولية تمتد في حركة لا نهاية لها، وتستمر اكتشافاتها بفضل العلوم التجريبية الحديثة.

[1] . شيخ صدوق، عيون اخبار الرضا 7، ج 1، ص 91.

[2] . الإسراء / 72.

[3] . الرحمن / 29.

[4] ـ مريم / 93.

[5] – طه / 55.

[6] ـ ق / 16.

[7] ـ اسراء / 82 .

[8] ـ طور / 19.

[9] ـ حديد / 23.

[10] ـ شعراء / 3 .

[11] ـ مائده / 118 .

[12] . شيخ صدوق، امالى، ص 445.

[13] ـ قلم / 51 ـ 52

[14] ـ محمد 9 / 19.

[15] ـ آل‌عمران / 18.

[16] ـ ملك / 3.

[17] ـ فرقان / 44.

[18] ـ ق / 16.

[19] . بقره / 187.

[20] . بقره / 187.

[21] . اعراف / 26.

[22] . بقره / 223.

[23] . نور/30.

[24] ـ الخصال، ص 165.

[25] ـ اعراف / 32.

[26] . ما مفهوم آزادى را در كتاب «حقوق نوبنياد» توضيح داده‌ايم.

[27] ـ حرّ عاملى، محمدبن حسن، وسائل الشيعة، ج14، بيروت، دار احياء التراث العربي(اسلاميّة)، ص123.

[28] ـ زخرف / 54.

[29] ـ نهج‌البلاغه، شرح ابن ابى الحديد، ج 1، ص 201.

[30] ـ ر. ك : بحارالأ، ج 2، ص 308.

[31] . نور / 3.

[32] ـ حاكم نيسابورى ، المستدرك ، ج1 ، ص15 .

[33] . «لوكنّا لانرجوا جَنَّةً ولا نخشى نارآ ولا ثوابآ و لا عقابآ لكان ينبغى لنا أن نطلب مكارم الأخلاق، فانّها ممّاتدّل على سبيل النَّجاح؛ اگر به فرض، نه به بهشت اميدوار باشيم و نه از آتشى هراسناك، نه به ثوابى باورداشته باشيم و نه به عذابى، باز شايسته است به دنبال فضايل اخلاقى رويم؛ زيرا اخلاق پسنديده، راهسلامت و سعادت زندگى را به انسان نشان مى‌دهد». مستدرك الوسائل، ج 11، ص 193.

[34] ـ مصباح المتهجد ، ص306 .

[35] . بحارالا، ج92، ص 198، الجامع الصغير، ج 2، ص 83،كنزالعمال، ج 1، ص 573.

[36] . شرح اصول الكافى، ج 1، ص 214.

[37] ـ ابن شهر آشوب، مناقب آل ابى طالب، ج1، نجف، حيدرى، 1376ق، ص75.

[38] ـ الخوئى، ابوالقاسم، معجم رجال الحديث، ج4، ص315.

[39] ـ شيخ طوسى، محمّدبن حسن، مصباح المتهجد، بيروت، چاپ اول، 1411ق، ص207.

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V