موعدان للحب
البيانات التعريفية
- المؤلف: (مواليد 1327 هـ ش)
- العنوان: موعدان للحب / تأليف
- الناشر: إسلام شهر، منشورات صباح فردا، 1393 هـ ش
- الصفحات: 28 صفحة؛ الأبعاد: 9.5×19 سم
- رقم الكتاب المعياري الدولي (شابك): 978-600-7347-22-5
- الفهرسة: فيبا
- الموضوعات: ذكريات ، مجتهدون وعلماء إيران – ذكريات
- التصنيف حسب تصنيف الكونغرس: BP55/3/N8D4 1393
- التصنيف حسب ديوي: 297/998
- رقم الفهرسة الوطنية: 3503096
المقدمة
التاريخ هو حركة ثابتة تتسم بالحياة والوعي الخاص في زمن متغير وسائر، يعكس ربوبية واضحة ومليء بالجدة، ويمثل نهرًا صافياً من الوجود الدائم.
في مظهر التاريخ، يمكن رؤية ثبات وعابر في الوقت ذاته، لا يقبل الزوال أبداً، فالنمط العابر فيه يظل باقياً في مظهر ثابت، حيث يمكن قراءة ماضي بعيد بوضوح من خلاله، فلا يعود الماضي بمعنى النفي والعدم، بل تظل جميع ملامحه موجودة وثابتة، ولا يعيد الماضي إلى الأذهان موتى منعدمون، بل تتحقق وجوداته في طبقات فردية واجتماعية لتتجلى أمام الأجيال القادمة.
وبناءً على ذلك، يستطيع الإنسان أن يفكر في حياته ويبدأ من ذاته، ويتابع الظهورات العابرة من خلال الثوابت، ويتحدث عن وجوده وأنساب عائلته، ويعتبر الأجداد في هذا الطريق شخصيات تشبهه ويشاهدها ككيانات واقعية.
التاريخ هو لغة الماضي التي تُدرَس في مجال المستقبل وبين أناس ذوي فكر حر، فتُوضع تحت نظر وتحليل وتمحيص وحكم، ويتم تفكيكها ونقدها بموضوعية.
الأمر المهم في جوهر التاريخ هو صحة النقل وصدق الحدث، أما في مجال علم التاريخ فالأهمية تكمن في التحليل الصحيح والنقد الراسخ المبني على الدقة والإنصاف.
خاتمة
إذا تم الالتزام بالدقة والإنصاف في النقل والتحليل، بعيدًا عن الإهمال والتزوير والكذب والتحامل، يمكن حينها اعتقاد أن التاريخ هو أثمن ميراث يتركه الأجداد للأجيال القادمة، رغم أن التاريخ قد تعرّض دائماً للتحريف والإهمال والصمت المتعمّد.
على الرغم من أن حياتي القصيرة شهدت كثيرًا من الصعوبات، أود في هذا الكتاب أن أتذكر فقط يومين من أصعب أيام حياتي، وأدعو الضمائر الحية إلى الحكم على الحدث الثاني.
اليوم الأول هو في فاطمية سنة 1398 هـ ق، حين خسرتُ أمام الحقّ بحيث شعرت أن مطالبي لا شيء أمامه. والحدث الثاني كان في فاطمية سنة 1412 هـ ق، وهو أكثر إيلامًا، إذ فقدت فيه زوجتي، تلك الذرية الزهراء الطاهرة، التي انضمت إلى جدتها زهراء مرضية عليها السلام، وبذلك كان بين الفاطميتين أربع عشرة سنة.
أورد قصة شهادة تلك السيدة الشهيدة في هذا الكتاب لكي تُسجل هذه الواقعة في تاريخ الأبد، وليأخذ منها من يشاهد التاريخ زاداً لرسم مستقبل صحيح للأحداث.
الحمد لله.
البَيتُ المُرُّ
على الرغم من أنّه كان يسعى نحو مصيره الخاص وكنتُ غافلًا عنه، إلا أنّني كنتُ أبذل جهدي كي أتوافق معه، غير مدركٍ أنَّ هذا الجهد لا يعود بالنفع إلا بأن أصل إلى سلطة الحق، وفهمتُ أنَّ كلّ شخصٍ وكلَّ شيءٍ يسير في طريقه الخاص، وأنَّه لا يوجد أدنى عائق أو مانع في الكون يمنع ذرةً من السير، وعلى كلِّ إنسان أن يسلم نفسه لمسيرته ويخطو خطواته في طريقه، دون أن يفكّر في تغيير مسار أحدٍ، سواء كان أخًا أو غيره، دون قسرٍ أو أن تُهدد الأسباب والدوافع والعوامل تلك المسيرة.
الفراق والوحدة
ألم الفراق والوحدة أغرق قلبي لدرجة أنني لم أعد أرى في نفسي سوى الحق فقط، ورأيتُ قول الحق تعالى: «العبد يُدبّر والربّ يقدّر» و «عَرَفتُ الله بفسخ العزائم». الإنسان مهما خطّط ورسم، فإنَّ الربّ هو الذي يقيس الأمور والأفعال كيفما شاء. وقال الإمام علي عليه السلام في ذلك: «عرفتُ الله بعجزي عن طلب الحق».
كأن الله قد سلّم المقياس لعباده ليقيسوا به على هواهم، ويقصّوا وجودهم على قدر ما يستطيعون، لكن المقص في يد الحق وحده، وهو الذي يقطع وجود الظواهر والأفراد كما يشاء، وبأي كمية وشكل وصفة يشاء. فإذا قيل: إذا كان مقص الحق لا يأبه بقياسنا، فما جدوى هذا المقياس؟ فالجواب أن الأمر أعقد من ذلك ولن أذكره الآن، لكن يكفي أن أقول إنّ هذا المقياس وإن كان من عند الحق، فهو لا يخلو من تأثيرنا عليه.
مراحل حساسة من الحياة
كلّ إنسان يولي أهمية خاصة لمراحل حساسة من حياته، سواء كانت أيام الألم والحزن والابتلاء أو ليالي الفرح والسرور، رغم أن أولياء الله يتلقّون الحزن والسرور والابتلاء كعطايا إلهية ولا يفرقون في سائر مراحل حياتهم بين الحزن والفرح، فتكون مشاعرهم متساوية.
هذه المراحل الهامة في الحياة لا يمكن التنبؤ بها، رغم أنها في الواقع ثابتة ومحددة ومتناغمة.
أصعب الأيام
رغم أنني عشت حياتي القصيرة بمتقلبات كثيرة، أستطيع أن أقول إن أصعب أيام حياتي كانت في فاطمية سنة 1398 هـ، عندما فقدت أخي، ورغم أنه كان على قيد الحياة، لم أعد أجده في مجال حياتي، فوجدت نفسي وحيدًا في مدينة قم، بلا أخ، بعيدًا عن أمي وكل الأقارب، وكنت كمن ضاع في وجه الحق، وكأن طلباتي أمام الحق لا شيء، لأنني كنت أريد أخي أن يبقى في عالم العلم وكان جديرًا بذلك، ولكن كلّما حاولت، قلت نجاحاتي، وبلغت نتيجة أن:
الله يوجه السفينة حيث يريد
ولو لبس الربان ثوبًا
هذه الحادثة وقعت في فاطمية 1398 هـ، دون أن أدرك أن فاطمية أخرى ستحدث لي في 1412 هـ، وهي أشد وأمرّ، حين فقدت زوجتي بطريقة ظالمة.
عندما فارقني أخي وتركني، لم أكن أعلم أن فاطمية أخرى تترصّدني بعد سنوات، ولم أنتبه لفاطمية الأولى عند حدوث الثانية.
في الفاطمية الأولى، كنت جاهلاً بالفاطمية الثانية، وفي الثانية كنت غافلًا عن الأولى وما حصل فيها. عند قتل زوجتي وشهادتها في الفاطمية الثانية، لم أكن أعرف أنني فقدت أخي في أيام الفاطمية.
بعد ذلك، حين بحثت في كتاباتي، وجدت أن أيام الحزن لي هي في فاطمية، وأن كلا الحدثين وقعا في فاطمية، لتكشف الأيام عن مشيئة الحق.
لا أدري أي الفاطميتين كان أصعب علي، لكن أعلم أنني لم أمرّ بيومين أصعب منهما في حياتي، وإن وُجد يوم، لم يكن بمثل تأثيرهما، حتى يوم اليتم وفقدان والدي، مع ما حمل من حزن عميق، لم يؤثر بي كهما.
آلام الإمام علي عليه السلام
ما أثار دهشتي هو أن هذين الأمرين وقعا بالذات في أيام الفاطمية؛ يوم فقدت سندي وأخي الذي أردت أن يكون رفيقي في العلم فلم يكن، ويوم أُذينا ظلمًا وجورًا، واستشهدت تلك السيدة المظلومة بعد أسبوع من الغيبوبة في يوم شهادة والدتها السيدة الزهراء عليها السلام، وكان استشهادها مشابهًا لاستشهاد تلك السيدة العلوية، فوجدت في نفسي وجعًا يشبه ألم أمير المؤمنين عليه السلام.
لا أعلم ما ذلك الألم وما الذي عاناه علي عليه السلام.
في تلك الأيام، وقع الإمام مولانا في حزنه، وكسر العدو الغادر باب منزله وقتل محمّله للأسرار ظلماً، ولطخة سوداء ألصقها إبليس الأكبر بقاتل الإمام.
وفي تلك الأيام، رأيت مصيبة عظيمة مماثلة، حين أغلق قطاع من الأشرار المجرمين باب منزلي، وأذوني بناءً على تحريض المعارضين والنبلاء الخائنين، وأسقطوا السيدة المظلومة التي كانت ترضع طفلها علي البالغ من العمر سنة على الأرض، وبعد أسبوع من الغيبوبة استشهدت.
مدينة في مدينة فاضلة
مع أنني كنت في مدينة قم المقدسة، موطن الكتاب والسنة، الدين والعترة، العلم والدين، وعلى مقربة من السيدة فاطمة المعصومة عليها السلام، بذلت جهداً كبيراً للتحقيق ومعرفة كيفية التعامل مع أهل العلم، وقلت: قتلوا من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن دون أن يثير ذلك حساسية أو يقظان الضمير، ولم أصل إلى نتيجة في إثبات الحق عبر الوسائل القانونية.
الحمد لله، ليكن ذلك إلى يوم الحساب حيث يُرفع اللثام عن أفعال الخائنين، ويُعرف ما حصل. ذلك ما كتبه القدر، ونحن راضون بما يريده الحق.
كانت تلك الأيام عصيبة جدًا، ولا أستطيع التعبير عن جزء من الألم والحزن الذي ملأ قلبي لفراق ذلك الرفيق، لكنني أقول فقط: لم أعش أيامًا بهذه الصعوبة في حياتي، حتى يوم يتمتي أو فقدان أخي لم يكن بهذه القسوة.
القدر يلعب بالإنسان كما لو أنّ ما يجب أن يُلقى في فمه تدريجياً، يُلقى عليه بهدوء، ومع أن نظام القدر يعلم كل شيء، فإن باطن الإنسان لا يجهل ما سيحدث، وإن لم تدرك ظاهره، فإن داخله يوقظ ذلك بقليل من التنبيه.
مثال على ذلك هو هذه القصيدة:
قصيدة الباطن
لعن الله كثيرًا
ذلك السهم المنطلق من الصياد
سرق قلبي وما زال يسرقه
فقدت وعيي وذهبت عن ذاكرتي
هذه الرباعية نقشها على قبر تلك المظلومة الشهيدة بجوار مرقد الإمام علي بن جعفر عليهما السلام، وقد وجدتها بين أشعاري منذ سنوات، دون أن أدرك موضوعها، وكأن باطني المضطرب فهم تلك الحادثة منذ سنوات قبل أن أعيها.
كيف يمكن للوعي الداخلي والضمير المقلوب أن يدركا حادثة كهذه ويعبرا عنها شعريًا سنوات قبل وقوعها ويضعاها بين القصائد بلا وعي؟
عمق الألم
طيبٌ كان لقاء الأم
وكانت أمه الزهراء الأطهر
ويلٌ على حال الصياد الجائر
الذي يقطع جناح وريحان الطير
هذه القصيدة نظمتها بعد استشهاد تلك المظلومة، ولا أدري أيّ القصيدتين تعبّر عن حزني، لكن أعلم أن كلاهما يبيّن عمق الحقيقة ويطرح حقيقة في داخله؛ رغم أن الأولى قيلت قبل الحادثة بسنوات.
القصيدة الثانية نُظمت بعد وقوع الحدث؛ كما نظمتُ غزل «غزل وغزال» في رثائه:
كان لي في الدنيا يومٌ سعيدٌ بالخبر
وكان لي حبيبٌ بسيطٌ صاحبُ نظرٍ وبصيرة
كل ما قلتُه وما قاله كان مثار حسدٍ
في أفق ظهوره كان لي فنٌ وعطاء
لحظة استعدادٍ ورقصٍ بهيٍّ كأنه الحور
وكان له في الطيّات مثل الحمام المهاجر
رحل الظالم الدنيء عني وأخذ زهرتي
فلتكن الذكرى عطرًا، فقد كان لي رفيقًا سعيدًا
اللعن والنّفير من عالميْن يا صيادُ قليلٌ
أخذتَ تلك الحورية التي كانت لي جوهرةً ثمينة
اليوم أصبح قلبي وحيدًا في فراقه
فغزال غزله كان لي نغمةً رقيقةً تنسج الحزن
أصبح قلبي حماه الطاهر فتناثر في الرياح
وكان هو بحق لطف وسماحٍ في فجر الصباح
أُستشهد في سبيل الحق، وقتله زنديقٌ
فهو في سبيل الحق كان لي أثرًا حسنًا
(٢٩)
أنا وهو، كلاهما تحقق بأمرٍ واحدٍ سعيدًا
كان بحق امرأةً شجاعةً سريةً ومُلهِمة
أصبح جيدًا، حيًا وفانيًا بقامته
وكان بحق من أصحاب الحق، كالسيم والذهب
بانتظار فاطميةٍ أخرى
هذا ملخصٌ لحالتي في ذكرى فاطميتين مليئتين بالحزن، ولا أعلم إن كان لي فاطمية أخرى أم لا. كما يُقال: «لا يكون شيءٌ مرتين إلا وكان ثلاثًا» أو ربما تكون الفاطمية الثالثة التي أمامي مساويةً لعاشوراء، ولن أجد فرصةً أخرى لمثل هذا الألم والشوق.
ما أود قوله في النهاية هو أن وجودي المضطرب لن يدير ظهره للحبيب أبدًا، ولن يخاف روحي، ولم أكن يومًا أخشى حزن العواصف ولن أخشى؛ سواء في الفاطمية الثالثة أو في عاشوراء الأولى. وأمنيتي دائمًا أن لا أموت بسلام، بل أزداد حياة، وأن أكون في البلاء بدلًا من العافية، و
(٣٠)
كما الفراشة المحترقة التي تلتف حول شمعة الحق، أقاتل وأترك، وأترك فعل الترك كما في فصل الترك.
فاطميتان امتدتا على مدى أربعة عشر عامًا.
١٣٩٨ – ١٤١٢ هـ ق
(٣٣)
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.