صادق خادمی

وب‌سایت مرکزی
وب‌سایت مرکزی SadeghKhademi.ir خانه صفحه اصلی چت آرشیو آثار منابع و تحقیقات ارتباط با ما فرم تماس
در حال بارگذاری ...
منوی دسته بندی

العقل المفهومي والاكتسابي و منطق الرموز القضائية

الوعي والإنسان الإلهي📂 بازگشت به فهرست

العقل المفهومي والاكتسابي و منطق الرموز القضائية

 

في العقل المفهومي والاكتسابي

مراتب الإدراك والوعي

يتعدد الإدراك في مراتب تشمل الحس، والوهم، والخيال، والتعقل، وكلها تُشكل أبعادًا للوعي البشري. فالإدراكات الحسية، والتصورات الوهمية، والصور الخيالية، تظل جزئية، مقتصرة على التفاصيل الملموسة، بينما يتجاوز العقل المفهومي هذه الحدود، إذ يعمد إلى فهم المعاني ضمن إطار مفاهيم كلية، وقضايا برهانية، يُخضعها للتدقيق والتحليل.

الإدراك الحسي، بطبيعته، جزئي، مرتبط بالمسمى العيني في الواقع الخارجي، أما المفهوم المستخلص منه، والذي يُنشئه الذهن الخلاق في مرتبة العقل، فيكتسب طابعًا كليًا. إذ يجرّد الخصائص المميزة للإدراك الأولي، فيصبح معقولًا، أي معنىً كليًا، له الأهلية أن ينطبق على أكثر من مصداق، ولو افتراضيًا. والجزئية والكلية صفتان عارضتان للمفهوم، فالجزئي يتطابق مع التشخص الخارجي، إذ ينحصر انطباقه على مصداق واحد محدد، فهو بهذا المعنى جزئي، بينما الكلي يتجاوز هذا القيد.

يسهم العقل المفهومي والاكتسابي في تحقيق وعي دقيق وبرهاني، إذ يمكّن الإنسان من إدراك المفاهيم وقواعد كلية تتماشى مع نظام الوجود وظواهره. ومن ثم، يتيح التعرف على الأنماط الثابتة الصادقة وراء الاختلافات الظاهرية للوقائع المتنوعة، فيُنتج رؤية عالمية صحيحة، نسبيًا، بطريقة إبداعية مستمدة من الواقع العيني. وبالتالي، يُفضي إلى علم يقيني لا يُحتمل خلافه، يُعزّزِ قدرة الإنسان على التفاعل الأمثل مع بيئته. لكن القطع، إذا لم يتحول إلى علم، لا يحمل بذاته قيمة المطابقة مع الواقع.

يُعد العقل المفهومي حجة ذهنية تُشكّلَ معيارًا لصدق الحجج الظاهرية، وتُقيّمَ صحة النبوة، وتُصدّقَ المعجزات، وتُصدرَ الأحكام في هذا السياق. وإذا ما تفتح وازدهر، يرقى إلى مقام الحكمة، فيُسلّم ذاته للحكمة، والمعرفة، والمحبة، والوحدة، محققًا كمالًا روحيًا يتجاوز حدود الاستدلال.

تُشكل القضايا الذهنية، بتكاملها، العالم العقلي للإنسان، الذي يحظى بأهمية بالغة كحجة باطنية تُميّزِ بين صحة ادعاءات الإنسان المتأله وخطئها. فهذا العالم المفهومي هو أساس تمييز الحق من الباطل في المزاعم البشرية ذات الطابع الروحي.

إذا اقتصر العقل على التفكير الحسابي، ولم يتجاوز الوعي الاستدلالي والمفهومي، فقد ينغمس في قضايا ومفاهيم كلية منفصلة عن المعنى، فيصبح عائقًا أمام الحقيقة بدلاً من أن يكون جسرًا إليها. فالمفاهيم العقلية، بذاتها، لا تُشفي علة ولا تُغني عن الحقيقة. وإذا حُصرت المعرفة في القضايا والمفاهيم المجردة، دون ارتباط بالواقع، أو دون أن تُفضي إلى إيمان وعمل، فقد تُحوّل الإنسان إلى كائن مسخ، بعيد عن إنسانيته، مناقض لجوهره الروحي.

المفهوم، والمعنى، والمصداق

في المنطق القديم، يُعد المفهوم وحدة التفكير الأساسية. فالأفكار المرتبطة بالمفهوم والمعنى تُشكل بنية الفهم، تأتي عقب الإدراك الحسي، لكنها لم ترقَ بعد إلى مرتبة العلم، إذ تظل إدراكًا مفهوميًا وذهنيًا للواقع.

يُشكل نظام المفاهيم، والقضايا الناتجة عنها، والمعنى المقصود، مرتبة متميزة عن الإدراك الحسي والاستقراء التجريبي. فالإدراك الحسي يرتبط مباشرة بالواقع العيني، في حين أن المفهوم الذهني يُوازي الواقع ويظل محصورًا في الذهن. والمفهوم، في تعريف دقيق، هو إطار يُنشئه الذهن من الواقع مع مراعاة طبيعته الذهنية، كمفهوم “الإنسان” الذهني.

المعنى هو ما يتعلق به المفهوم ويُنشأ على أساسه، كمعنى الحكمة الجمعية للإنسان، الذي يُشكل أساسًا لإنشاء مفهوم “الإنسان” الذهني. والمعنى هو الرابط الذي يوصل المفهوم بالمصداق وفقًا لدرجة الوعي الذهني، ويُعد حلقة أساسية في تحقيق هذا النوع من الإدراك. فالمفهوم يُوصف بأنه واصف للمعنى.

أما المصداق فهو الحقيقة العينية التي ينطبق عليها المعنى وتتصل به، ويُطلق عليها هذا الاسم لأنها تحمل حكمًا وتصديقًا، كتطبيق لفظ “الإنسان” على شخص خارجي هو بالفعل إنسان وعالم. والمعنى الأولي الإجمالي، الذي يتبادر إلى الذهن من اللفظ، يُسمى “المعنون”، أي المعنى المتقدم إلى الذهن، واللفظ نفسه، بناءً على علاقته به، يُسمى “العنوان”، أي الدال عليه. وإذا ارتبط هذا العنوان بالمعنى ارتباطًا صحيحًا، عبر وسيلة معتبرة كالحس، أو التجربة العلمية، أو البرهان العقلي، فإنه يُسمى واقعية، والمعنون يُطلق عليه مصداق. وإذا كانت هذه الواقعية صادقة، فإنها تُصبح حقيقة يمكن الوصول إليها بالقلب والأنس الباطني.

العلاقة بين اللفظ والمعنى، من حيث الحكاية عنه، تُسمى “الدلالة”. وتتوسط هذه الدلالة وسيلة ذهنية قد تكون مفهومًا معقولًا، أو صورة محسوسة، أو متخيلة، أو موهومة، يُنشئها الذهن. وهذا الإنشاء يحمل بدوره ارتباطًا بالواقع أو الحقيقة. فالألفاظ تُوضع لهذا المعنى لتعبر عن المعنون، أو الواقعية، أو الحقيقة. ووضع اللفظ ينبغي أن يكون حكيمًا، مستندًا إلى منطق فهم المعنى وعلم الدلالة، متجاوزًا ظواهر المصاديق والمعاني، وموصلًا إلى جوهر المعنى وروحه، أي المعنى العام الشامل، بمنهجية متناسبة. و”روح المعنى”، أو المعنى الجامع لجميع مصاديق المفهوم، يُشير إلى فعل وظاهرة وجودية تُستخلص بانتزاع الخصائص الخاصة من المصاديق المرتبطة به.

الفرد هو المصداق الذي يتقيد المعنى فيه بالتشخص والتعيّن والظهور، كالأنا المحسوس في الواقع الخارجي.

تحليل المفاهيم وعلاقتها بالواقع

في فهم الظواهر، تكمن الأهمية في تمييز الحالة الطبيعية المثلى للظاهرة عن حالتها القسرية غير المرغوبة، والانتقال من الأخيرة إلى الأولى عبر إسناد الأثر والحكم الخاص بالظاهرة إلى ذاتها. وهذا لا يتأتى إلا بربط كل مفهوم بواقعيته ودلالته المعنوية، وتعريفه تعريفًا دقيقًا وواضحًا، مع الاستناد إلى قضايا أساسية وبديهية. فالقضايا الأساسية هي القضايا الوجدانية والأولية التي تُثبت مطابقة القضايا النظرية مع الواقع ونفس الأمر، أي جوهر الشيء ذاته.

في تحليل المفاهيم، يُعد أمرًا جوهريًا معرفة مرتبة المفهوم من الواقع ومدى واقعيته وقيمة صدقه. ويتعين السؤال: هل يصل هذا المفهوم إلى تصديق أو فهم صدق القضية ببداهة تصديقية لا تعتمد على التفكير أو النظر؟ إن إنشاء المفهوم وتعريفه، إذا تم بمنهجية استقرائية وتجريبية عبر التأمل في البنية المفهومية والعناصر الجوهرية للظاهرة، يُسهم في فهم المشكلات. كما أن اكتشاف الفروق بين الظواهر من خلال المفاهيم المتقاربة والمثبتة، واستبعاد الأمثلة غير الملائمة، يُعزز طرح الحلول ضمن حدود المفهوم الذهني وقيوده.

تعريف المفهوم وتوصيفه يتضمن مرتبتين: الأولى، التشخص، أي التعرف على الظاهرة ككيان متفرد، والثانية، التمييز، أي تحديد الفروق بينها وبين نظائرها. وهذا التمييز لا يُفضي بذاته إلى التفرد، بل يهدف إلى إبراز دقائق الظاهرة مقارنةً بغيرها.

تُعد المفاهيم أدوات لتفسير التجارب الاستقرائية الجزئية، وتُنشئَ تقارنًا بين المفهوم، والتجربة، والعمل. وفي هذه الحالة، يقوم النظام المفهومي على أساس تجارب الواقع ويُنظم وفقها. أما إذا انفصل عن الواقع، فإنه يُصبح ذهنية محضة قد تُفضي إلى وهم المعرفة أو زيف العلم. وذلك لأنها منقطعة عن الواقع، فلا تتطابق مع نفس الأمر، فتُصبح جهلًا، أو كذبًا، أو تضليلًا، بدلاً من أن تكون معرفة، ولو ضعيفة.

المعرفة المفهومية هي مرتبة من الوعي مرتبطة بتعيّناته، وتنبع من الذهن المادي المتأثر بطبيعته الذهنية. لذا، لا ينبغي الخلط بينها وبين الحكمة النورانية القلبية التي تتسم بالنقاء والإشراق وتتيح الوصول إلى المصاديق والتأويلات. فالمفهوم ليس إلا ممرًا للوصول إلى المعنى. والتوقف عند المفاهيم المجردة دون تجاوزها يُفضي إلى الوهم، والتضليل، والمغالطة. فالعلم ينبغي أن يكون معنويًا، بل مصداقيًا وحكميًا وتأويليًا. وعلم الدلالة يُسلّم إلى ساحة المعرفة وإدراك المصاديق، ويُضفي قيمة الصدق الواقعي على الفكر، فيُنتج معرفة إبداعية.

مراتب العلم الحسي والمفهومي هي تعيّنات مختلفة لعلم واحد متحد في واقعيته، وليست أنظمة معرفية متمايزة تحمل واقعيات متباينة. فتكامل هذا الوعي يُفضي إلى استدلال وتفكير أرقى، ويُعزز القدرات الذهنية والعقلية. والعلم النوراني المُضيء هو إبداع الذهن الصافي، وإن كان العلم، في أي موطن، حتى في عالم المادة، من جنس النور والصفاء.

مع تطابق الوجود والظهور مع العلم، فإن توسع الظهور يرتبط بتوسع العلم. ويتطلب التوسع العلمي مطابقة الوعي مع الواقع ونفس الأمر. ومفهوم نفس الأمر ينطبق على الإدراكات الملوثة كما على الإدراكات الصافية للمعلوم في الذهن المجرد. فحتى في العلم المجرد والشهود المباشر، يبقى احتمال الخطأ قائمًا، ولا يُرفع هذا الاحتمال من أي مرتبة علمية. أما ما وراء المعرفة، وما وراء التعليل، ونفس الأمر، فسيُناقش لاحقًا.

في منطق القضايا والعقل المفهومي

منطق القضايا واللغة الطبيعية

القضية، في جوهرها، تعبير لفظي عن تصديق وحكم ذهني، خاص بالطبيعة البشرية وعالم الناسوت. إنها تُمثل وحدة التفكير الأساسية في منطق الناسوت، وتُشكل أساس الاستدلال المنطقي الذي يتيح للإنسان إدراك الوقائع في هذا العالم. أما في العوالم المتعالية، فإن المعنى، والواقعية، والصدق، والثبات هي الحاكمة.

القضية، في إطار اللغة الطبيعية التي تُشكلها قواعد يلتزم بها أفراد المجتمع بصورة تلقائية، تُعبّر عن المعاني والمصاديق بسهولة وفعالية عبر نظام الرموز اللفظية، أي اللغة. فاللغة الطبيعية، بمفرداتها وتراكيبها، قادرة على نقل معاني الظواهر المعقدة، وإخبار الآخرين بها بدقة.

تتجلى التفاعلات المفهومية في اللغة، إذ يُنقل المعنى عبر المفاهيم الذهنية والعقلية، التي هي خلق الذهن ومرآة الواقع. فاللغة تُشكل نظامًا من المفردات المرتبطة والمتناسقة، خالية من العشوائية، تعكس نظام المفاهيم المترابطة، وتُيسر التواصل بين الأذهان.

اللغة الطبيعية تُسهل التواصل عبر رموزها المفهومية، بينما يُعزز المنطق الرمزي هذا التواصل بدقة أكبر. أما اللغة الرياضية الرمزية، فتُعبّر عن المفاهيم بلا غموض، وبإيجاز ووضوح تام. وقد أُفردت تفصيلات القضية والتزاماتها المنطقية في كتاب “منطق القضايا”.

التفكير يُشيّد الواقع الذهني انطلاقًا من العالم العيني، مستندًا إلى المحاور الأساسية والبنيادية. كما يتيح استخدام اللغة للتواصل مع الآخرين، ممهدًا السبيل لمشاركة الأفكار، والتفكير الجماعي، وعمليات التعليم والتعلم. إن اللغة، والتفكير، وأدوات العقل تتكامل في إطار جماعي، مدعوم بتعاون الفرق والمجموعات، لتحقيق أفضل النتائج.

علم الدلالة وفهم المعنى

علم الدلالة هو دراسة منهجية للمعنى، تهدف إلى كشف مراد المتكلم Otra respuesta: وفهم نيته. إنه يتجاوز تحليل المفردات المنفردة، ليركز على فهم مضمون الكلام وكليته المفهومية ضمن شبكة معاني مترابطة، وليس مجرد فهم الجزئيات اللفظية في سياق قضائي أو مفهومي مجرد.

لا يمكن إدراك المعنى عبر علم الدلالة دون انسجام المتلقي مع لغة المتكلم وألفَتِه بها. فاللغة نظام يعكس رؤية المتكلم للوجود وفلسفته، ويتشكل وفقًا لتصوره الأنطولوجي ومنظومته المعنوية. لذا، يُشكل البحث في الوجود والظهور أساس علم الدلالة، إذ يتطلب تحليل القضايا المعلوماتية التي تُعبّر عن وجهات نظر الإنسان حول الوجود والظواهر.

تُعد هذه القضايا المعلوماتية أساس “مبادئ التفكير” أو “الافتراضات الأساسية” التي تؤثر في فهم النصوص. وهي تنقسم إلى افتراضات معلوماتية تُشكل أساس فهم المعنى، وافتراضات أداتية تُستخدم كأدوات للوصول إلى المعنى، مثل معرفة المفردات، والأدب، والمعاني، والبيان.

الافتراضات المعلوماتية الأساسية، التي لا تعتمد على افتراضات أخرى، تقتصر على المعارف البديهية. أما الافتراضات الأداتية فتتأثر بالخلفيات الذهنية للمتلقي وقدراته العقلية، مما يؤدي إلى تنوع التفسيرات. ومع ذلك، فإن البحث التطبيقي، والدراسات البينية، ونقد الافتراضات يُسهم في تعزيز المعرفة الراقية، مع مراعاة أن تنوع القدرات العقلية والشهود يُفضي إلى نسبية المعارف والبصائر.

من أبرز الافتراضات الأداتية وضع الألفاظ للدلالة على المعاني. بعض النظريات ترى أن الدلالة بين اللفظ والمعنى طبيعية، كالنظرية الذاتية أو التنزيلية، حيث يُوضع اللفظ بناءً على مناسبة ذاتية، أو يكون ظلًا للمعنى، فيُدرك المعنى بمجرد سماع اللفظ. بينما يرى آخرون أن الألفاظ تُوضع باتفاق بشري، إما تعييني أو تعيني. وفي النصوص المقدسة، كالوحي القرآني، تُوضع الألفاظ بحكمة عقلية، مستندة إلى الارتباط الدلالي، ومتجذرة في علم الدلالة المتعالي.

إن كلام الإنسان المتأله، في سياقه الحقيقي، يحمل معنىً حقيقيًا، لكنه قد يبتعد عن هذا المعنى كلما انحدر إلى المادة، فيصبح تمثيلًا أو مجازًا. فإذا تقيد المتلقي بالظواهر البشرية، فقد يحصل على جزء يسير من المعنى الحقيقي. وتُستخدم القرائن الصارفة والمعيّنة لفهم المعاني المجازية، إذ تربط كل لفظ وقضية بشبكة معاني تُعيّن مراد المتكلم، وتُعيد إنتاج هذا المعنى في ذهن المتلقي.

القرآن الكريم، بتراكيبه الوحيانية ونظامه اللغوي العربي الغني، يُتيح مجالًا واسعًا للدقة والتأمل. فهو ينطق من قلب الإنسان المتأله، المبيّن لأسراره، ويحمل أبعادًا معنوية متعددة تتفاوت باختلاف مستويات المتلقين: العامة تُدركه عرفيًا، والخواص يرونه لغة إشارة، والأولياء لغة لطائف، والأنبياء لغة حقائق. أما المرتبة العليا فتتجاوز هذه الأطر، غير مقيدة بلغة بعينها، إذ تحمل القضايا الوحيانية ساحات معنوية متنوعة، لكل منها متلقيها ولغتها الخاصة.

مراتب الإدراك والوعي

يتعدد الإدراك في مراتب تشمل الحس، والوهم، والخيال، والتعقل، وكلها تُشكل أبعادًا للوعي البشري. فالإدراكات الحسية، والتصورات الوهمية، والصور الخيالية تظل جزئية، مقتصرة على التفاصيل الملموسة، بينما يتجاوز العقل المفهومي هذه الحدود، إذ يعمد إلى فهم المعاني ضمن إطار مفاهيم كلية وقضايا برهانية يُخضعها للتدقيق والتحليل.

الإدراك الحسي، بطبيعته، جزئي، مرتبط بالمسمى العيني في الواقع الخارجي، أما المفهوم المستخلص منه، والذي يُنشئه الذهن الخلاق في مرتبة العقل، فيكتسب طابعًا كليًا. إذ يجرّد الخصائص المميزة للإدراك الأولي، فيصبح معقولًا، أي معنىً كليًا، له الأهلية أن ينطبق على أكثر من مصداق، ولو افتراضيًا. والجزئية والكلية صفتان عارضتان للمفهوم، فالجزئي يتطابق مع التشخص الخارجي، إذ ينحصر انطباقه على مصداق واحد محدد، فهو بهذا المعنى جزئي، بينما الكلي يتجاوز هذا القيد.

يسهم العقل المفهومي والاكتسابي في تحقيق وعي دقيق وبرهاني، إذ يمكّن الإنسان من إدراك المفاهيم وقواعد كلية تتماشى مع نظام الوجود وظواهره. ومن ثم، يتيح التعرف على الأنماط الثابتة الصادقة وراء الاختلافات الظاهرية للوقائع المتنوعة، فيُنتج رؤية عالمية صحيحة، نسبيًا، بطريقة إبداعية مستمدة من الواقع العيني. وبالتالي، يُفضي إلى علم يقيني لا يُحتمل خلافه، يُعزّزَ قدرة الإنسان على التفاعل الأمثل مع بيئته. لكن القطع، إذا لم يتحول إلى علم، لا يحمل بذاته قيمة المطابقة مع الواقع.

يُعد العقل المفهومي حجة ذهنية تُشكّلَ معيارًا لصدق الحجج الظاهرية، وتُقيّمَ صحة النبوة، وتُصدّقَ المعجزات، وتُصدرَ الأحكام في هذا السياق. وإذا ما تفتح وازدهر، يرقى إلى مقام الحكمة، فيُسلّم ذاته للحكمة، والمعرفة، والمحبة، والوحدة، محققًا كمالًا روحيًا يتجاوز حدود الاستدلال.

تُشكل القضايا الذهنية، بتكاملها، العالم العقلي للإنسان، الذي يحظى بأهمية بالغة كحجة باطنية تُميّزَ بين صحة ادعاءات الإنسان المتأله وخطئها. فهذا العالم المفهومي هو أساس تمييز الحق من الباطل في المزاعم البشرية ذات الطابع الروحي.

إذا اقتصر العقل على التفكير الحسابي، ولم يتجاوز الوعي الاستدلالي والمفهومي، فقد ينغمس في قضايا ومفاهيم كلية منفصلة عن المعنى، فيصبح عائقًا أمام الحقيقة بدلاً من أن يكون جسرًا إليها. فالمفاهيم العقلية، بذاتها، لا تُشفي علة ولا تُغني عن الحقيقة. وإذا حُصرت المعرفة في القضايا والمفاهيم المجردة، دون ارتباط بالواقع، أو دون أن تُفضي إلى إيمان وعمل، فقد تُحوّل الإنسان إلى كائن مسخ، بعيد عن إنسانيته، مناقض لجوهره الروحي.

المفهوم، والمعنى، والمصداق

في المنطق القديم، يُعد المفهوم وحدة التفكير الأساسية. فالأفكار المرتبطة بالمفهوم والمعنى تُشكل بنية الفهم، تأتي عقب الإدراك الحسي، لكنها لم ترقَ بعد إلى مرتبة العلم، إذ تظل إدراكًا مفهوميًا وذهنيًا للواقع.

يُشكل نظام المفاهيم، والقضايا الناتجة عنها، والمعنى المقصود، مرتبة متميزة عن الإدراك الحسي والاستقراء التجريبي. فالإدراك الحسي يرتبط مباشرة بالواقع العيني، في حين أن المفهوم الذهني يُوازي الواقع ويظل محصورًا في الذهن. والمفهوم، في تعريف دقيق، هو إطار يُنشئه الذهن من الواقع مع مراعاة طبيعته الذهنية، كمفهوم “الإنسان” الذهني.

المعنى هو ما يتعلق به المفهوم ويُنشأ على أساسه، كمعنى الحكمة الجمعية للإنسان، الذي يُشكل أساسًا لإنشاء مفهوم “الإنسان” الذهني. والمعنى هو الرابط الذي يوصل المفهوم بالمصداق وفقًا لدرجة الوعي الذهني، ويُعد حلقة أساسية في تحقيق هذا النوع من الإدراك. فالمفهوم يُوصف بأنه واصف للمعنى.

أما المصداق فهو الحقيقة العينية التي ينطبق عليها المعنى وتتصل به، ويُطلق عليها هذا الاسم لأنها تحمل حكمًا وتصديقًا، كتطبيق لفظ “الإنسان” على شخص خارجي هو بالفعل إنسان وعالم. والمعنى الأولي الإجمالي، الذي يتبادر إلى الذهن من اللفظ، يُسمى “المعنون”، أي المعنى المتقدم إلى الذهن، واللفظ نفسه، بناءً على علاقته به، يُسمى “العنوان”، أي الدال عليه. وإذا ارتبط هذا العنوان بالمعنى ارتباطًا صحيحًا، عبر وسيلة معتبرة كالحس، أو التجربة العلمية، أو البرهان العقلي، فإنه يُسمى واقعية، والمعنون يُطلق عليه مصداق. وإذا كانت هذه الواقعية صادقة، فإنها تُصبح حقيقة يمكن الوصول إليها بالقلب والأنس الباطني.

العلاقة بين اللفظ والمعنى، من حيث الحكاية عنه، تُسمى “الدلالة”. وتتوسط هذه الدلالة وسيلة ذهنية قد تكون مفهومًا معقولًا، أو صورة محسوسة، أو متخيلة، أو موهومة، يُنشئها الذهن. وهذا الإنشاء يحمل بدوره ارتباطًا بالواقع أو الحقيقة. فالألفاظ تُوضع لهذا المعنى لتعبر عن المعنون، أو الواقعية، أو الحقيقة. ووضع اللفظ ينبغي أن يكون حكيمًا، مستندًا إلى منطق فهم المعنى وعلم الدلالة، متجاوزًا ظواهر المصاديق والمعاني، وموصلًا إلى جوهر المعنى وروحه، أي المعنى العام الشامل، بمنهجية متناسبة. و”روح المعنى”، أو المعنى الجامع لجميع مصاديق المفهوم، يُشير إلى فعل وظاهرة وجودية تُستخلص بانتزاع الخصائص الخاصة من المصاديق المرتبطة به.

الفرد هو المصداق العيني الذي يتحدد فيه المعنى الكلي عبر اكتساب هوية متفردة (التشخص)، والانحصار في كيان محدد (التعيّن)، والظهور في الواقع الخارجي، بحيث يصبح المعنى الكلي، كـ”الإنسان”، مقيدًا في كيان بعينه، كشخص متميز بوجوده المادي ووعيه الذاتي، مثل الأنا المحسوس في العالم الخارجي. وبهذا، يُمثل الفرد تجسيدًا للمعنى الكلي في صورة وجودية محددة.

تحليل المفاهيم وعلاقتها بالواقع

في فهم الظواهر، تكمن الأهمية في تمييز الحالة الطبيعية المثلى للظاهرة عن حالتها القسرية غير المرغوبة، والانتقال من الأخيرة إلى الأولى عبر إسناد الأثر والحكم الخاص بالظاهرة إلى ذاتها. وهذا لا يتأتى إلا بربط كل مفهوم بواقعيته ودلالته المعنوية، وتعريفه تعريفًا دقيقًا وواضحًا، مع الاستناد إلى قضايا أساسية وبديهية. فالقضايا الأساسية هي القضايا الوجدانية والأولية التي تُثبت مطابقة القضايا النظرية مع الواقع ونفس الأمر، أي جوهر الشيء ذاته.

في تحليل المفاهيم، يُعد أمرًا جوهريًا معرفة مرتبة المفهوم من الواقع ومدى واقعيته وقيمة صدقه. ويتعين السؤال: هل يصل هذا المفهوم إلى تصديق أو فهم صدق القضية ببداهة تصديقية لا تعتمد على التفكير أو النظر؟ إن إنشاء المفهوم وتعريفه، إذا تم بمنهجية استقرائية وتجريبية عبر التأمل في البنية المفهومية والعناصر الجوهرية للظاهرة، يُسهم في فهم المشكلات. كما أن اكتشاف الفروق بين الظواهر من خلال المفاهيم المتقاربة والمثبتة، واستبعاد الأمثلة غير الملائمة، يُعزز طرح الحلول ضمن حدود المفهوم الذهني وقيوده.

تعريف المفهوم وتوصيفه يتضمن مرتبتين: الأولى، التشخص، أي التعرف على الظاهرة ككيان متفرد، والثانية، التمييز، أي تحديد الفروق بينها وبين نظائرها. وهذا التمييز لا يُفضي بذاته إلى التفرد، بل يهدف إلى إبراز دقائق الظاهرة مقارنةً بغيرها.

تُعد المفاهيم أدوات لتفسير التجارب الاستقرائية الجزئية، وتُنشئَ تقارنًا بين المفهوم، والتجربة، والعمل. وفي هذه الحالة، يقوم النظام المفهومي على أساس تجارب الواقع ويُنظم وفقها. أما إذا انفصل عن الواقع، فإنه يُصبح ذهنية محضة قد تُفضي إلى وهم المعرفة أو زيف العلم. وذلك لأنها منقطعة عن الواقع، فلا تتطابق مع نفس الأمر، فتُصبح جهلًا، أو كذبًا، أو تضليلًا، بدلاً من أن تكون معرفة، ولو ضعيفة.

المعرفة المفهومية هي مرتبة من الوعي مرتبطة بتعيّناته، وتنبع من الذهن المادي المتأثر بطبيعته الذهنية. لذا، لا ينبغي الخلط بينها وبين الحكمة النورانية القلبية التي تتسم بالنقاء والإشراق وتتيح الوصول إلى المصاديق والتأويلات. فالمفهوم ليس إلا ممرًا للوصول إلى المعنى. والتوقف عند المفاهيم المجردة دون تجاوزها يُفضي إلى الوهم، والتضليل، والمغالطة. فالعلم ينبغي أن يكون معنويًا، بل مصداقيًا وحكميًا وتأويليًا. وعلم الدلالة يُسلّم إلى ساحة المعرفة وإدراك المصاديق، ويُضفي قيمة الصدق الواقعي على الفكر، فيُنتج معرفة إبداعية.

مراتب العلم الحسي والمفهومي هي تعيّنات مختلفة لعلم واحد متحد في واقعيته، وليست أنظمة معرفية متمايزة تحمل واقعيات متباينة. فتكامل هذا الوعي يُفضي إلى استدلال وتفكير أرقى، ويُعزز القدرات الذهنية والعقلية. والعلم النوراني المُضيء هو إبداع الذهن الصافي، وإن كان العلم، في أي موطن، حتى في عالم المادة، من جنس النور والصفاء.

مع تطابق الوجود والظهور مع العلم، فإن توسع الظهور يرتبط بتوسع العلم. ويتطلب التوسع العلمي مطابقة الوعي مع الواقع ونفس الأمر. ومفهوم نفس الأمر ينطبق على الإدراكات الملوثة كما على الإدراكات الصافية للمعلوم في الذهن المجرد. فحتى في العلم المجرد والشهود المباشر، يبقى احتمال الخطأ قائمًا، ولا يُرفع هذا الاحتمال من أي مرتبة علمية. أما ما وراء المعرفة، وما وراء التعليل، ونفس الأمر، فسيُناقش لاحقًا.

 

المسلمات الأساسية وفلسفة الوجود

المسلمات الأساسية

تشكل الإدراكات الحسية بعض المفاهيم؛ لكن القضايا البديهية الأولى، في نظام القضايا والتصديقات، تظل عقلية وذهنية. يعتمد العقل في فهمها على ذاته، دون حاجة إلى إدراكات حسية لتأكيد مطابقتها للواقع أو تصديقها؛ إذ تتساوى بداهتها مع صدقها.

تتمتع كل قضية بديهية بيقينين: يقين بثبوت المحمول للموضوع، ويقين باستحالة ألا يكون الأمر كذلك. القضايا المفهومية والعقلية، إذا تناولت وصف الأشياء نظريًا للوصول إلى أفضل تطبيقاتها وأنسبها، يجب أن تكون برهانية، وأن تستند إلى قضية بديهية بسيطة ذات معيار ذاتي؛ إذ يكمُنُ معيار بداهتها ووضوحها في قابليتها للتصديق الإلزامي الفوري من العقل، دون الحاجة إلى تصديقات أو استدلالات خارجية.

بداهة الوجود والتفكير الفلسفي
يتكامل العقل الحسابي الاستدلالي مع علم المنطق كمنهج للتفكير، والفلسفة كمضمون لهذا التفكير. كلمة “فلسفة” مشتقة من اليونانية “فيلوسوفيا”، وتعني حب المعرفة؛ فـ”فيلو” تعني الحب اللامتناهي، و”سوفيا” تعني المعرفة. سنناقش لاحقًا ارتباط العلم بالحب، وكيف أن المعرفة والوعي لا يتحققان دون ارتباط ومحبة وانسجام وتآلف؛ إذ يجب التآلف مع ظاهرة ما، حتى لو كانت المعرفة ذاتها، لاختراق تعقيداتها. كما سنتناول تأثير المشاعر السلبية والعواطف المعارضة للتواصل السليم في تقليص المعرفة وفعاليتها.

المفهوم البديهي هو مفهوم بسيط خالٍ من التركيب، وفهمه الواضح لا يتوقف على شيء آخر. عمومية مفهوم الوجود وبساطته دليل على بداهته؛ أي أن فهم مفهوم الوجود لا يحتاج إلى مفهوم آخر. مفهوم الوجود العام والبسيط خالٍ من الماهية والأجزاء العقلية والجنس والفصل وأي تركيب، ولا يمكن تعريفه أو رسمه.

مفهوم الوجود الفلسفي هو أعم المفاهيم؛ إذ لا يعرف العقل مفهومًا أعم من الوجود بين المفاهيم الذهنية. التفات إجمالي يكفي لتصديق عمومية مفهوم الوجود. لا يتحقق أي مفهوم دون مفهوم الوجود. عمومية الوجود وبداهته تشكلان القضية البديهية واليقينية الأولى، وهي أساس كل الإدراكات وقاعدة كل القضايا والمعارف؛ فبدونها لا يتحقق أي إدراك. ترتبط المفاهيم الفلسفية بالوجود وأحكامه.

الوجود، بمعنى الاسم المصدري، هو الهوية؛ وبمعنى المصدر، هو الوجودية والكينونة. الموجود هو إنشاء ذهني، والواقع في العين هو الوجود. وجود الهوية يعتمد على ذات الهوية، لا على شيء آخر، ولا على الموجود بوصفه إنشاءً ذهنيًا. من عمومية الهوية يُستخلص مبدأ الهوية، الذي ينص على أن الوجود هو الوجود، وكل شيء هو ذاته.

الوجود مفهوم فلسفي؛ إذ تتحدث المفاهيم الفلسفية عن أنماط وجود الظواهر ومراتب ظهورها، لا عن حدودها الماهوية. لا توجد مفاهيم أو تصورات جزئية مقابلها، ويُدرك مصداق الوجود وأحواله بالمعرفة الحضورية. حقيقة الوجود البديهية هي مصدر حضور كل معرفة.

حقيقة الوجود تمتلك عينية وواقعية مستقلة ذات جوهر، وليست معلومًا ذهنيًا محضًا، ولا فرعًا يقابل الماهية؛ بل هي الأصل والعين وكل الحقيقة. كل ظهور تحقق بالوجود ومن الوجود.

الماهية ليس لها عينية أو واقعية خارجية أو شيئية، وهي باطلة، وانحراف من الفلسفة القديمة. مفهوم الماهية، بوصفه أمرًا ذهنيًا ومُنشأ من العقل مقابل الواقع العيني، لا يمتلك هوية خارجية في قضية وجودية؛ لأنه، بحسب ذاته، ليس وجودًا ولا عدمًا. الثبوت الخارجي شأن وفعل حقيقة تتسم بالكمال الأقصى، فوق الكمال، وفي نهاية الإطلاق والبساطة، لا تقبل العدم. لا يقبل الوجود العدم في أي موضع، ولا يُعدم ظهوره وتجليه، بل يتجدد باستمرار، ويحيا حياة أفضل دون أن يتخلله عدم أو بطلان.

العدم بطلان محض، لا شيئية له، ولا تحقق، ولا تغاير، ولا انفصال أو اتصال، ولا تركيب، ولا تشكيك، ولا شدة أو ضعف، ولا مرتبة، ليكون موجدًا لتعددية وجودية. كذلك الوجود لا يقبل هذه الأحكام، ويتسم بوحدة عينية. التركيب مع العدم هو عدم التركيب.

وجوديات فلسفية
يمتلك الوجود مفهومًا ومعرفيات، وحقيقة وعينية وجودية. يجب عدم الخلط بين هذين الجانبين. تحدثنا سابقًا عن مفهوم الوجود. حقيقة الوجود، كمفهومه، تتسم بالبداهة والوضوح، وهي بسيطة وغير متناهية، وإلا لكانت مركبة ومحدودة.

المعرفة الحضورية للعقل بحقيقة الوجود تسبق حتى المعرفة الحضورية للنفس وللوعي والتفكير ذاتهما. من بلغ مرتبة النفس يجد في باطنه إدراكًا شهوديًا وتجربة باطنية، فلا شعور ولا تجربة دون وجود شيء.

تُدرك بداهة حقيقة الوجود حضوريًا، ويجب استقبال الأمر الحضوري بالحضور، لا عبر وساطة مفهوم مرتبي ومُحقر. تعريفات وتوصيفات الوجود أو العلم والمعرفة، بسبب بداهة الوجود وبساطته، كلها تنزيهية ووصفية.

في ما وراء العقل، وفي عالم العين، الواقعية والحقيقة الثابتة هي الوجود. تكون حقيقته متاحة للقلب عبر منهج التآلف والمحبة والقرب والجذب، ولا تكفي بداهة مفهومه لتكوين فلسفة.

بساطة وتشخص الوجود
الوجود والهوية بسيطة محضة، غير مركبة، في نهاية الصفاء الوجودي والوحدة. حقيقة الهوية صرفة، بسيطة، خالية من أي تعين أو تحديد أو صفة أو ماهية أو شرط أو عدم أو جنس أو فصل، وفي نهاية الكمال والغنى والاستغناء، لا تقبل تركيبًا، ولا جزءًا، ولا حكمًا. إنها فرد متشخص، ولازم ذاتها العينية تشخصها، الذي لا يُدرك إلا بالشهود. القضاياُ المفهومية ليست إلا وصفًا اسميًا له، توضح طبيعته دون أن تضيف إلى حقيقته.

الوجود، إذا أُخذ بذاته، لا يحتاج إلى إثبات، وثبوته (تصوره) يتساوى مع إثباته (تصديقه)، ولا يقبل البرهنة أو الاستنتاج بأي حال. كل الأدلة التي تدعي إثبات الوجود والواقعية لا تصل إلى استنتاج. الوجود يمتلك ثبوتًا بينًا وبديهيًا، يجب التآلف معه، وبالحضور في equipe محضره تُدرك الضرورة في جوهره، لا عبر النقاشات المفهومية للعقل الاستدلالي المنغمس في المضاربة.

الفلسفة العينية تقوم على بداهة حقيقة الوجود، لا بداهة مفهومه. بداهة مفهوم الوجود وحقيقته جعلت القرآن الكريم في غنى عن ذكرها، كما لم يرد فيه إثبات ذات الحق تعالى. معرفة الذات الإلهية المقدسة، وهي الحق المحض والمطلق، مثل بداهة مفهوم الوجود وحقيقته، بديهية وفطرية لكل ظاهرة، وفي غنى عن الإثبات أو الاستدلال أو التفسير.

الوجود مصداق غير محدود، بطبيعته خالٍ من أي تحديد، ولا يكون موضوعًا لأي حكم، ومنزه عن أي وصف اسمي أو صفة أو تحديد مفهومي، حتى هذا الحكم ذاته. إنه غيب مطلق ومجهول مطلق؛ غيب لا يقابل الظهور. كل كلمة، حتى كلمة “الوجود”، تُستخدم في مقام التعليم للدلالة عليه. الحقيقة، بما أنها مطلقة، لا تقبل قالب المفهوم، ولا تنحدر بإطلاقها إلى مستوى العقل والذهن الضيق والسطحي لتصبح ذهنية. حقيقة الوجود مطلقة، غير متناهية، وفريدة، بل خالية من أي تحديد. الحقيقة المطلقة، بما أنها مطلقة، تمتلك كل شيء، ولا تقتصر على مكان، ولا تتوقف عند حد، وهي أزلية وأبدية، لا تقبل العدم في أي موضع. الوجودية خاصية ضرورية للوجود. الوجود لا يقبل اسمًا أو صفة، وهو سكون محض، وإلا لما كان مطلقًا.

التوحيد الوجودي يتحقق بكسر كل التعينات والفناء الكامل، لا بالعقل الاستدلالي. فهم العقل يتطلب الانتقال من المطلوب إلى المبادئ والأسس المناسبة، وتفصيل كل المعاني والمعارف المتضمنة، واستخلاص المقدمات المناسبة، وتحديد المطلوب، ثم الانتقال من المبادئ المحددة إلى المطلوب بترتيب وتسلسل خاص. كلا الحركتين تتطلبان مراعاة تعينات كثيرة تتعارض مع التوحيد الوجودي.

كمال الوجود وظهوره البسيط
كل هوية يُسلب عنها شيء تكون مركبة من إثبات (ثبوتها لذاتها) وسلب (نفي غيرها عنها). بالتالي، كل بسيط حقيقي تكون حقيقته بسيطة، لا يُسلب عنه شيء، ولا يتركب مع شيء، والتركب مع ذاته لا يحمل معنى، فيكونُ كلَّ الأشياءِ وكلَّ الكمالاتِ. كون الوجود جامعًا لكل الأشياء تأكيد على بساطته ووحدته، وأنه كل الحقيقة.

مع أن اسم الوجود هو الأوسع والأشمل للحقيقة، إلا أنه، بما أنه لا يعبر عن كامل ذات الله، يُستخدم اسم “الحق” في المناقشات الإلهية؛ لأن اسم الحق يتضمن مراعاة الذات أكثر من اسم الوجود، وهو أنسب لله تعالى.

الحق تعالى يمتلك كمال العلم والحب وكل كمال. العلم والحب وكل كمال وصفة، في مرتبة الذات، عين ذات الحق تعالى، غير منفصلة أو متمايزة أو مجعولة، ولا تكون مركبة انضماميًا مع الذات، بل متحدة معها. هذه الصفات ليست عارضة على الحق تعالى، ولا زائدة عليه.

يمتلك الله العلم والحب وكل وصف ببساطة، ولذا فإن صفاته الكمالية ليست زائدة على ذاته. العلم والحب وكل صفاته قائمة بذاتها، عين كل الصفات والكمالات، لا أنها في مرتبة الذات من جنس الظهور والتجلي، لكن في مرتبة التجلي تكون من جنس الظهور، متفاوتةً في درجة الظهور، ومتناسبة مع كل مرتبة، مع حفظ الجامعية وكمال التجلي والبطون معًا. هذه الحركة الحبية هي حياة وقوام وسلامة كل مرتبة وكل تجلي. يُلاحظ أن الجامعية تختلف عن الكمالية.

الظهور لا يمتلك ذاتًا مستقلة قائمة بذاتها، لكنه، بخلاف هذا الارتباط، يمتلك كل الصفات الكمالية بصورة حيثية وشأنية، مع مراعاة ظهوره وبطونه معًا. ليس من لوازم التجلي والظهور النقص أو التحديد أو التأخر أو الحدوث (التجلي بعد العدم). لا يلزم افتراض الظهور في الزمان أو تحديد بداية للتجلي. طاقة التجلي ليس لها بداية ولا نهاية، بل تتوسع وتتضخم باستمرار، فتختبر تعينات لا نهائية حتى تصل إلى تفكيك التعينات وتصبح غير محدودة.

طاقة التجلي، رغم انبساطها وتوسعها، لا تتحدد، ولا تنطفئ في مكان ما؛ لأنها تعبير وجودي لا نهائي يتغذى منه الوجود، ومنه يستمد العلم والمعرفة والنظام، وحتى الوحي الإلهي. بحسب تعبير القرآن الكريم، يمكن للعالم المادي والأرض الفيزيائية أن تبلغ مرتبة ارتقاء تجعلها متمتعة بالوحي الإلهي، حاملة لمعارف وقضايا إخبارية غامضة، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ (الزلزلة: 1-5). أي حين تُزلزل الأرض زلزالها الشديد، وتُخرج الأرض أثقالها، ويقول الإنسان: ما لها؟ في ذلك اليوم تحدث أخبارها، بما أوحى إليها ربها.

كل تجلٍ وظاهرة، رغم قدرتها على التشارك المتبادل والتعايش مع غيرها من الظواهر، ليست إلا أشياء بسيطة غير مركبة. مع ذلك، يُدرك كل تجلٍ بنسبية ذهنية وشهودية، وهذه النسبية هي حكم العقل ورؤية المتأمل وتعين النفس أو طباع الفرد العارف. هذه النسبية تجعل المعرفة العلمية للواقعيات نسبية، وتصنع الظواهر مركبة، مقيدة، محدودة، وذات مرتبة ونسبية.

النسبية ليست وصفًا لنص الحقيقة أو العين أو الظهور بحد ذاته، بل وصف للإدراك والمعرفة. على عكس التعددية الظهورية، وهي أمر واقعي، لا مجرد نتاج شهود الفاعل العارف. كذلك، فإن الشهود نفسه لا يمكن دون تعين وتجلٍ وتحقق التعددية الظهورية؛ فلا شهود دون أن يتعين شيء. الظهور والشهود كلاهما متفاوتان في درجة الظهور، حتى في نطاق التعددية والوحدة.

منطق القضايا واللغة الطبيعية
في اللغة الطبيعية، تُستخدم القضايا للتعبير عن المعاني والحقائق، لكنها تخضع لقيود السياق اللغوي والثقافي. وأما في العوالم المتعالية، فالمعنى والواقعية والصدق والثبات هي الحاكمة، ولا تتقيد بحدود اللغة البشرية، بل تتجاوزها إلى حقائق مطلقة تُدرك حضوريًا.

علم الدلالة وفهم المعنى
علم الدلالة يهتم بدراسة المعاني وكيفية انتقالها عبر اللغة والرموز. فهم المعنى لا يقتصر على تحليل الجزئيات اللفظية في سياق الأحكام أو المفاهيم، بل يتطلب استيعاب العلاقات الباطنية بين اللفظ والمعنى، والتي تتجلى في التآلف مع الظاهرة المعرفية.

اعتبار القضايا الذهنية
إن المفهوم التأملي والذهني، على غرار التجربة والاستقراء، يتمتع بمظهر وسطح وواقعية ذهنية، لكنه مقيد بحدود المفاهيم والعقل المتفكر. لا يتسنى له الوصول إلى عمق الواقع أو الحقيقة المطلقة؛ لذا يجب، وراء هذا المفهوم، السعي نحو الحكمة والمعرفة عبر الإدراك الذهني أو المعرفةِ النفسانيةِ أو العقل القدسي.

في نطاق المفهوم الذهني، يمكن للمفهوم أن يحل محل الإدراك الحسي أو الوعي الشهودي، بشرط مراعاة دوره كبديل وطبيعته الذهنية، وعدم الخلط بينه وبين الواقع الخارجي أو تلك الإدراكات. المعرفة والعلم يمتلكان طابعين متباينين، إذ يختلفان عن الفنون الأداتية والمعلومات التقنية. فما يشكل أساس شخصية الإنسان ومضمونه المعنوي، وجوهر سعادته ونجاته، هو العلم المنتِج والمعرفة والشهود الباطني، وهي تختلف عن الفنون الصورية والظاهرية، أي المعارف الشكلية والتقنية التي تقتصر على الجوانب الخارجية دون الجوهر الباطني، والتي تنتمي إلى المفاهيم الذهنية أو القضايا أو الإدراكات الحسية.

نظام القضايا يؤدي دورًا آليًا وتسلسليًا في تكوين الوعي وإظهاره، وهو محتوى العقل المادي. عندما يتطابق العقل مع شيء عيني وتتوجه الإرادة لفهمه، تتحدد أولوية التفكير وتحليل ذلك الشيء في الدماغ، فيُولد الوعي من الإشارات الخارجية، وبالرجوع إلى نظام القضايا الذهنية، تتشكل المفاهيم والقضايا الذهنية. هذه الأنواع من الوعي، في العقل المادي، تنتمي إلى المادة والطبيعة الفيزيائية.

الفنون القائمة على نظام القضايا تمثل أرضية لتجاوز الساحة الفيزيائية للعقل والعلم، وتُمهد لظهور منصة القلب الباطني والحكمة النورانية، وصولاً إلى الكمالات المعنوية والمعرفة الربوبية والإيمانية. إنها وسيلة للوصول إلى الحكمة والمعرفة غير الفيزيائية والمجردة. تُكتسب الأنواع العَددية من الوعي والفنون القضائية تدريجيًا، قضيةً قضية، وَعلى امتداد الزمن، وتُحفظ كذلك. لكن إذا اكتسبت هذه الأنواع من الوعي أصالة وموضوعية، وفقدت دورها الآلي، فإنها تصبح مدمرة للشخصية، وتمثل عائقًا أمام الوصول إلى الباطن، وحجابًا يحول دون المعرفة الحقيقية والإيمان الصادق، وسببًا للانحطاط وسدًا في طريق السعادة والنجاة.

>

دستیار تحلیل محتوا

صادق خادمی؛ دعوتی به عمیق‌تر اندیشیدن
مناسب برای: پژوهشگران و اساتید.

روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی می‌شود.

Perplexity خودکار + کپی
DeepSeek
Grok
ChatGPT
Gemini
راهنمای استفاده:
موبایل:نگه داشتن انگشت + Paste
کامپیوتر:کلید Ctrl + V

آیا این نوشته برایتان مفید بود؟

صادق خادمی وب‌سایت

دیدگاهتان را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *