الفصل الأول: نظام وطباع العناية الذاتية
الفصل الأول: نظام وطباع العناية الذاتية
الفصل الأول: نظام وطباع العناية الذاتية
العناية الذاتية الجسدية والنفسية والعاطفية والاجتماعية والروحية والإلهية تعني القدرة على العناية بصحة وسلامة الجسد والباطن، والحفاظ على النشاط والنضارة من خلال الفرد نفسه وطباعه الوقائية، مع التركيز على الوقاية في أوقات الصحة.
بمراعاة أنواع العناية الذاتية، يمكن تحقيق تغذية صحية، ونشاط بدني مناسب، ونوم كافٍ ومريح؛ وإظهار الثقة بالله وبنفسه؛ وتقليل التوتر والضغط النفسي؛ والتعبير عن الفرح والحزن والغضب بطريقة بناءة؛ وتلبية الاحتياجات الروحية للباطن وأداء الواجبات الدينية؛ والتحلي بالرفق والانسجام مع النفس والآخرين؛ والتواجد والارتباط البناء مع الأسرة والأشخاص المحبوبين، للوصول إلى حياة متوازنة وعالية الجودة.
إن الأسلوب المتقدم والمتسم بأعلى درجات الجودة في الحياة المتوازنة بين الجسد والباطن يُوجد في برنامج العناية الذاتية، الذي يمنح الجسد تخلقًا بالنظام والعفة والكفاية بطريقة ذكية، من خلال الضبط الذاتي والانفتاح الفردي، ويجعل مستوى الحياة ثقافيًا وعلميًا.
يعتبر نظام العناية الذاتية الحياةَ علاقةً وارتباطًا خاصًا ومميزًا بالله تعالى، ذا طابع رباني، يتجلى في كيفية الظهور وجودة الخلق بسمات بارزة مثل الولاية والمحبة والخير. بمعنى آخر، الحياة هي محبة الله تعالى.
يجب إدارة احتياجات الجسد والأمراض والاضطرابات باستخدام هواء نقي وصحي، وتغذية مادية ومعنوية مناسبة، وممارسة الرياضة والنظافة الفعالة، لتجنب اضطرار الجسد لتناول الأدوية الكيميائية للحفاظ على صحته وتعزيزها. فالاستخدام المستمر لهذه الأدوية يُضعف الجسد ويُوهن الأعصاب ويُسبب اضطرابات في الأداء، وقد يزيد من متوسط العمر ولكنه يُقلل من جودة الحياة وراحتها، ويُعرض راحة الفرد للانحدار ويُفضي إلى استنزاف الجسد. مثال ذلك دواء “ساريدون” الذي يُعطل الساعة البيولوجية ونظام الجسد الطبيعي، ويُسبب اضطرابًا في إيقاع النوم واليقظة. بعض الأشخاص الذين يتناولون الأدوية المهدئة والمسكنات يُصابون باضطرابات شديدة في النظام وفرط النوم، لدرجة أنهم قد لا يتمكنون، على سبيل المثال، من أداء صلاة الفجر.
التغذية المناسبة، إلى جانب الرياضة والنظافة، تُعد من الوسائل العلاجية الفعالة في بنية العناية الذاتية، التي تُضفي على حياة الإنسان جودة عالية، وعلى شخصيته تميزًا وراحة، وعلى نسيج الحياة سكينة.
نظام العناية الذاتية الإيراني، المتوافق مع مناخ وتربة وبيئة إيران، يقوم على فلسفة فريدة ومبتكرة وغير تقليدية تتمحور حول الوجود والظهور، وتعاون شبكي مفعم بالأمل وتكامل جماعي للقيم المشتركة في طباع الإيرانيين. وهو ليس بالضرورة فعالًا أو مستمدًا من ثقافات أخرى. فمن لا يمتلك ثقافة العناية الذاتية قد يقع في حياة مضطربة ومريضة، تفتقر إلى الجودة المناسبة وقليلة التمتع بالرضا والسرور.
ماهية العناية الذاتية
في جسد كل فرد، يوجد نظام طبيعي وفطري للعناية الذاتية والتنظيم الذاتي، يتولى هندسة وتأمين صحة وسلامة الجسد واستعادته.
الاهتمام بنظام العناية الذاتية للجسد والنفس والباطن عمومًا يجعل الجسد والنفس قويين، قادرين على الحفاظ على ذاتهما، ومتمتعين بالمناعة الذاتية والاكتفاء الذاتي، ولا يسمح للجسد بالحاجة الكبيرة إلى زيارة الطبيب أو وسيط علاجي، إلا في حالات الأمراض أو الاضطرابات الحادة. وهذا مشروط بتطبيق تعليمات نظام العناية الذاتية بوعي وإرادة واختيار وتنفيذ.
طباع وفطرة الجسد ظاهرة ذكية واعية، فالجسد يدير ويعتني بنفسه تلقائيًا بناءً على وعي طبيعي غير مكتسب. وعند حدوث اضطرابات أو أمراض، تدفع هذه البنية الطبيعية والذكية الجسد إلى النضال من أجل الحفاظ على بقائه.
إنه نظام متأصل في فطرة وطباع الإنسان، يشمل نظام الدورة الدموية وهضم الطعام والتنفس والعقل التلقائي، وهو في حركة وجهد مستمرين من أجل البقاء والتطور الفردي.
هذه البنية، رغم تسميتها بالطبيعية، تمتلك باطنًا يجعل الإنسان الفطري بنية ربانية وملكية، متمتعة بالإلهامات والتمثلات والوحي والعنايات المتنوعة، وإنسانًا إلهيًا يتجاوز الخوف والحسرة. وعلى النقيض، هناك إنسان جسداني محض، خالٍ من الباطن ومن إدراك فطرته اللاواعية.
البنية الطبيعية، أي العناية الذاتية الإلهية، يمكن تهذيبها وإضفاء الجودة والعيار عليها من خلال التعليم والاكتساب والإرادة والاختيارات الصحيحة، لتعزيز صحة وسلامة الجسد والباطن، لا أن يتعارض الإنسان المكتسب والمتعلم مع نظام العناية الذاتية الطبيعي والفطري والإلهي، فيُضعف الإنسان الفطري اللاواعي، أو يُفضي إلى انحداره ونسيانه بسبب عوائق الوعي الخاطئ أو الانحرافات.
نظام العناية الذاتية يُنسق بين الإنسان الإرادي والمكتسب والمختار والإنسان الفطري والطباعي، بحيث يكون وعي الإنسان المختار مطابقًا للاوعي الإنسان الفطري. ومن الطبيعي أن هذا التنسيق يتطلب معرفة نظرية وإرادة قوية للتنفيذ وإدارة وتسخير الميول الجسدية والنفسية واضطرابات أداء العقل والقلب والباطن، حتى لا يُصاب الإنسان الحقيقي والروحي والطبيعي بالمرض أو التدمير بفعل الإنسان المختار، أي الجسد النشط في الظاهر والمتأثر بالبيئة.
من لا يعرف العناية الذاتية، أو بسبب ضعف الإرادة والوهن والضعف، لا يهتم بهذا المحتوى الرفيع ولا يُفعله، أو يعيش حياة مفروضة خالية من الحرية، فإنه يُدمر إنسانيته الحقيقية والطبيعية والربانية، التي هي تعيّن إلهي، بغلبة إنسان ضعيف يتجلى في الضعف والاضطرابات والأمراض وبيئة استبدادية.
نظام العناية الذاتية موجود في أجساد بعض أنواع الحيوانات ضمن بنية وعي غريزي، وهم أيضًا يستفيدون من هذا النظام للحفاظ على صحة أجسادهم، لتجنب الحاجة إلى العلاج بالأدوية أو وسيط علاجي.
طباع الجسد الطبيعية
لكل جسد بشري بنية طباعية ومرامية خاصة به، فإذا أدرك الفرد هذه الطباع الطبيعية، تكون اختياراته وتفضيلاته صحيحة وموثوقة. إن الطباع الطبيعية تهدي الفرد إلى الاختيارات الصحيحة. في هذه الحالة، لا يكون الإنسان عبثيًا ولا جسده باطلًا، بل تكون حياته وفق أحكام إلهية خُصصت له في طباعه.
نظام العناية الذاتية للجسد يستمد إطاره وصراطه من هذه الأحكام الطباعية، إلى جانب قدرة الإرادة والاختيار الصحيح، فيحقق تغذية وتنفسًا وحركة ونومًا متناسبًا مع الفرد وبمقدار وجودة، ويلبي احتياجاته المعنوية. هذه الاختيارات إما أن تكون صحيحة ومتناغمة مع طباع وطبيعة الفرد، فتُكسبه هوية وشخصية وقيمة، وإما أن تكون غير ذلك، فيكون الفرد بلا صراط، وأسلوب حياته خالٍ من التربية الإنسانية، وهو شخص مستهتر وطائش.
في مجال النفس والباطن والروح، يجب أيضًا أن تكون هناك تربية وانتقاء. لا يمكن مشاهدة أي فيلم، أو قراءة أي كتاب، أو الاستماع إلى أي خطبة أو محاضرة، أو تصفح أي صفحة افتراضية، أو زيارة أي مكان ترفيهي، أو الارتباط بأي شخص مضطرب أو شاكٍ، أو الإيمان بأي شيء، أو اعتناق أي دين، أو العيش بلا برنامج أو نظام، كما أن كل جسد له فصيلة دم معينة لا يمكن أن يتبادل الدم مع أي فصيلة أخرى.
يجب معرفة الخير المناسب للجسد والنفس والمعنى، والسير في طريق وصراط خير الجسد، لا أن يقول المرء باستهتار إن كل ما يأتي خير وسعيد، فيحضر كل دعوة ويأكل كل طعام دون وعي أو مراعاة للتناسب.
إذا غابت العناية الذاتية والمحبة للنفس وللطعام وللظواهر، تنشأ أوهام وتمثلات وتخيلات كثيرة في الجسد، تُقصر العمر وتُصيب الفرد بالشيخوخة المبكرة، كأن كثرة هذه الاضطرابات وتراكم المواد غير المناسبة قد دهسته كسيارة مسرعة.
بعض الأطعمة، خاصة التركيبات الغذائية غير المتوافقة، عندما لا تتناسب مع جسد الفرد ونفسه ومعناه وطباعه، تُولد أوهامًا أو تُسبب الوسواس والخوف والقلق والتوتر، وظهور تشنجات عصبية في الجسد، خاصة في أجزاء من الوجه، أو النحافة المفرطة أو السمنة وزيادة الوزن. من أمثلة ذلك من يُكثر من رمش العين، أو يعبث بأصابعه باستمرار، أو يضع يده في أنفه أو سرته، فهذا الشخص يُعاني من توتر نفسي.
عندما يتناول الفرد أطعمة مختلطة ومشوشة دون انتقاء، وبطريقة ملوثة وغير متناسبة مع الجسد، أو يفتقر إلى نظافة النوم، فيستلقي للنوم في أي مكان، ويتقلّب أثناء النوم، ولا يكون نومه متآلفًا مع طباع جسده، أو يتناول هواءً ملوثًا بلا مبالاة، أو لا يستجيب لاحتياجاته المعنوية، فإنه يُصاب بهذه المشكلات.
من يفتقر إلى التربية المعنوية، ولا يُفعّل نظام العناية الذاتية المعنوية، ويرى كل شيء، ويقرأ كل كتاب، ويردد كل ذكر، ويؤدي كل عبادة أو زيارة أو مناسك دون تناسب أو توجيه، ولا يتدين وفق الحكم الإلهي الخاص به، يصبح شخصًا مُغرقًا في الأوهام والتوتر، ولا يتمتع جسده بالصحة والنظافة واللذة والفرح والرضا.
عندما تُغيب العناية الذاتية، تتلاشى جمالية الجسد، ولا تكون نسبة اللحم والماء والحرارة والطاقة فيه متوازنة لتجعل البشرة نضرة وحمراء، فتتجعد البشرة، وتكون التجاعيد غير متناسبة مع العمر، مما يُسبب الشيخوخة المبكرة وشحوب الوجه. فإذا لم تُنظم المياه والحرارة المناسبة للجسد، تتضرر البشرة وجمال الجسد، ويصبح الفرد قبيحًا ومشوهًا لا يراه أحد جميلًا بحسب أي ذوق. إذا نقصت المياه اللازمة للجسد أو برُد الجسد، يظهر أول أثر لذلك على البشرة، فتنكمش وتتجعد وتشيخ وتموت، لأن الأعضاء الداخلية تسحب المياه والحرارة المنهكة إليها.
الذوق هو التنوع في أمر صحي وسليم. الأطعمة الملوثة، والنوم السيئ، والهواء الراكد، وغياب التغذية المعنوية الصحيحة والمنتقاة المناسبة للجسد والباطن، تُقبح الوجوه، لأن جودة الحياة الشاملة للظاهر والباطن والعيش الصحي لا تُراعى. في هذه الحالة، يصبح التوتر والعقد والخوف استهلاكًا شائعًا للأفراد، فيُقبح وجوههم ويُساء خلقهم وطباعهم. يمكن تحويل قبح الوجه والجسد إلى جمال بالعناية الذاتية دون الحاجة إلى جراحات التجميل. أساس الجمال هو تغذية المعدة التي تنقل جودة الطعام إلى البشرة. لذا، تناول الأطعمة الفاسدة أو غير المناسبة، والإرهاق الشديد، وغياب نظافة النوم والراحة، قد يكون من عوامل القبح والهزال وشحوب البشرة.
على العكس، استهلاك الأمور المعنوية مثل العلم والمعرفة الصحيحة، أو التمتع بلذة نقاء الظواهر، يمنح الجسد نقاءً ومحبة ونشاطًا وجمالًا وسكرًا.
سكر العلم المنير والمعين للناس والمبدع يأتي في مرتبة تالية للأمور الموهوبة والاقتضاءات الربانية. والجمال أيضًا له سكره، لكن إذا كان الجمال متناسبًا، فهو كمال، وإلا فإن الجمال المفرط وغير المتناسب، الذي يعجز الفرد معه عن العناية الذاتية والعفة والكفاية، يُسبب أنواعًا من الأمراض والضعف، ويجذب الأشخاص الملوثين، ويُفضي إلى الانحراف، ويشبه استهلاكًا مفرطًا للتوابل مثل الزعفران، فيُسبب الاضطراب والتشنج.
الإنسان الطباعي المتأصل في طبيعة الإنسان يمكنه إدارة الإنسان المكتسب والقابل للتربية على المستوى العام والأولي، وجعل فطرة العناية الذاتية للإنسان ترعى الإنسان الإرادي والاختياري، بحيث يتكيف الإنسان المكتسب تلقائيًا وبطريقة مهندسة مع كل تنوع وموقف، ولا تُعرض حياته للضغط والقهر المضاعف أو المشقة غير المألوفة. مع تقدم الصناعة والمعرفة، تتسع نطاقات الاختيارات وقدرات إرادة الإنسان وتتطور.
كما يستطيع الجسد مواءمة حرارته الداخلية مع برودة أو حرارة البيئة الخارجية، وإلا لأصيب الإنسان بالسكتات القلبية أو الدماغية، فإن نظام العناية الذاتية، على مستوى واسع ومعقد، ينظم الجسد مع كل شيء من باطن الأرض إلى سطحها، ومن الفضاء إلى خارج الغلاف الجوي، وإلى أعماق البحار.
الفرد الذي يُعاني من اضطراب أو مرض، لا يعمل نظامه الداخلي بشكل صحيح، فيرتفع ضغطه أو حرارته أو ينخفضان، ويُصاب بحساسية مناخية مع تغيير المكان، ولا يعمل تنظيمه الذاتي ومناعته بشكل متوازن. لإعادة هذه التنظيمات إلى مستواها الأولي، يُوصى، على سبيل المثال، بتناول بصل المنطقة أولًا، لأن البصل يمتلك قدرة امتصاص عالية، ويُهيئ الجسد لامتصاص أفضل وأكثر توافقًا مع الأطعمة ومناخ المنطقة.
في نظام العناية الذاتية، يُوصى بتناول الأدوية والأطعمة المحلية. فالأدوية والأطعمة في كل منطقة تتنفس مع أهلها، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ولذا فهي أكثر ألفة وتوافقًا مع أجساد ونفوس سكان تلك المنطقة، وتختلف كثيرًا عن الأدوية والأطعمة الأجنبية والمستوردة.
الأطعمة المستوردة وغير المحلية تُعطل إيقاع الجسد الداخلي وتناغمه. والأدوية المستوردة، حتى لو عالجت جزءًا من الجسد، تُسبب في النهاية اضطرابًا وانحدارًا للجسد.
على أي حال، الإنسان ظاهرة تمتلك عناية ذاتية طبيعية وطباعية مستقلة، لا تحتاج إلى وسيط علاجي.
قوة الجسد ومناعته
إن جسد الإنسان مزودٌ بنظامٍ طبيعيٍّ قويٍّ يمتلك القدرة على إعادة بناء ذاته، ومعالجة اضطراباته وأمراضه ضمن إطار العناية الذاتية، دون الوقوع في فخ التجارة الملوثة للأدوية والطب الصناعي، الذي لا يُظهر رحمةً بالمرضى وآلامهم الناتجة عن الأمراض، بل يُحمّلهم تكاليف باهظة، بل وحتى يُورط بعض الأطباء الأخلاقيين الملتزمين في ألعاب سياسية.
كما أن غياب الهندسة الثقافية والاجتماعية يجعل أمن المجتمع بحاجة إلى وجود قوة قاهرة مثل الشرطة واستخدام عقوبات كالسجن، فإن الإهمال في مسائل النظافة والعناية الذاتية يُفضي إلى الإصابة بالأمراض والحاجة إلى زيارة العيادات والمستشفيات. وهذه المستشفيات قد لا تلتزم بدقة بمعايير النظافة الحديثة بسبب كثرة المراجعين، ونقص المرافق الصحية والرفاهية، وانخفاض رواتب الأطباء والممرضين، والتعرفات الطبية الحكومية المنخفضة، وتدني أجور التمريض.
إشراف الباطن على الجسد
يمكن للجسد أن يستمد من باطنٍ مفعمٍ بالطاقة، أي من الحياة والنعمة والحرارة والقوة، وأن يرتبط بهذا الباطن الذي يُشرف عليه. فالإشراف هو انعكاسٌ وتفاعلٌ تابعٌ للجسد. إذا قسمنا الجسد ذهنيًا وتخيليًا إلى أجزاءٍ صغيرةٍ جدًا، فإن كل جزءٍ يمتلك تعيّنًا (أي سعةً ومرتبةً) وتخصّصًا (أي صفاتٍ) يمكن أن يتطور ويتحول إلى نفسٍ، ثم إلى أمورٍ أعلى كالقلب الباطني والروح، ومجموع هذه الأجزاء يشكل الهوية والتعيّن الخارجي لفردٍ بشري. وقد تناولتُ هذا الموضوع فلسفيًا في كتاب “الوعي والإنسان الإلهي”.
ما يُسمى بالنفس هو عبارة عن أفعالٍ وانعكاساتٍ، وإشاراتٍ واهتزازاتٍ تنبع من داخل وباطن الجسد اللطيف إلى الجسد، وتظهر في شكل علامات. فكما أن تذكّر طعم الحموضة يُثير ينبوع اللعاب في الفم، يستطيع الباطن، من خلال الانتباه والتركيز، أن يُفيض بإشرافه وعنايته الخاصة ينبوعًا من الوعي والطاقة إلى القلب والعقل والجسد، ويُلقيها فيهما.
يمكن أن يتأثر كلٌ من الباطن والجسد والعقل بمدخلاتٍ وانعكاساتٍ خارجةٍ عن الجسد والباطن، متأثرةً بالاقتضاءات السابقة والأمور الربانية. فجزءٌ من هذا يتعلق بالفرد وذاته، ويُعبَّر عنه بالطباع والمنشأ والباطن، أو بتعبيرٍ مجازي بالنفس أو الروح، وجزءٌ آخر يتعلق بتاريخه المادي وجيناته.
أسس التطور الفردي
تتألف أسس التطور الفردي من ثلاث زوايا وثلاث ركائز رئيسية هي: المعرفة، والعبادة، والارتزاق.
المعرفة ليست مجرد معلوماتٍ عقليةٍ أو علومٍ مدرسية، بل هي القدرة على التسامي والمشاهدة والرؤية أو الوصول. والتسامي يتطلب جسدًا سليمًا وباطنًا نقيًا، والابتعاد عن الكثرة، والخلوة، والمحبة، والهمة، والوحدة.
العبادة الحكمية، أي التوجه إلى الله تعالى، تتحقق بالصلاة. يجب على الفرد أن يجعل مكانًا معينًا مكانًا لسجوده وصلاته، وأن يستمد من الصلاة النشاط، ويطرد من نفسه الغفلة والتكاسل والوهن.
أساس الارتزاق السليم هو التغذية والاستهلاك المتوازن، والاعتماد على الرزق الحلال، مع مراعاة القرب والبعد في الرزق والطعام. أي أن على كل فرد أن يستهلك من رزقه الخاص، دون أن يختلط أو يُحبس في ماله حق الزوج أو الأبناء أو الأقارب أو الجيران أو الغرباء.
الأكل الحلال واستهلاك الرزق النقي والطيب وتنوع الطعام يمكن أن يؤدي إلى أداءٍ صحيحٍ للدماغ في التركيز والذاكرة والجهاز المعرفي، وإلى الوعي وحكمة القلب.
التغذية والاستهلاك الشامل والمتنوع يهتم أيضًا بمجموعة الأمور المعنوية والتغذية الروحية بهدف تحقيق المعرفة والتقرب إلى الله. والارتزاق السليم هو الاستهلاك المتوازن، والأكل الجيد واللذيذ مع تجنب الإفراط أو النقصان في الأكل.
أسلوب التغذية السليم يُمهد للوعي ويوفر أرضية لتحقيق التقرب الإلهي. فالوصول إلى نطاقٍ قصيرٍ من السيطرة، الذي يتم عبر العقل والخيال، كتسخير الظواهر أو القيام بالسحر، ليس بالأمر الصعب جدًا. أما تحقيق التقرب المعنوي فهو صعبٌ وثقيل، ويتطلب التخلق بالآداب الإلهية والتقوى والقبول في مدرسة الله تعالى.
الحكمة القلبية والمعرفة الروحية تختلف كثيرًا عن العلم العقلي. فمن أجل الوعي الإلهي، كما ذكرتُ في كتاب “الوعي والإنسان الإلهي”، يجب أن يكون لدى المرء القدرة على التجرّد والتخفف، أي أن يعيش عاشقًا دون طمعٍ أو جشع.
الفرد الثقيل بالعناد والحقد والتكبر، المتورط في الحروب والعنف والطمع، لا يمكنه الوصول إلى الحكمة والمعرفة. فمن أجل الحكمة والمعرفة، يجب أن يكون للمرء قلبٌ ليّنٌ وعاشق. المعرفة هي الطريق القصير والنقي والمضيء والموثوق الذي يقود إلى إيجاد الله. فالله تعالى يتعامل مع عباده بالمحبة والحال واللعب، ويستقر في القلب، وهو حقيقة القلب؛ قلبٌ يمكن للجميع امتلاكه. فإذا كان القلب متوازنًا وقادرًا على التسامي، فإنه يجد الله.
يستطيع القلب، سواء في الخلوة أو في الجلوة والازدحام، أن يفوح برائحة النقاء والمحبة والرفق والأخلاق والسكينة والتواضع وحسن النية والخيرية والمحبة والإنفاق والإيثار، فيجد الله بل ويصبح حاملًا له.
أما الفرد الملوث بالمكر والخبث والتسلط والاستكبار، فلا يُوفق حتى للعلم العقلي، فكيف بالحكمة والمعرفة. فالفرد ذو العقل الملوث يصبح خطرًا، متكبرًا، مغرورًا، أو مجرمًا وعاصيًا.
هناك تناغمٌ وانسجامٌ بين ظاهر الجسد وباطنه، فظاهر الجسد يُظهر ما في الباطن. فالقوة والرشاقة والتناسب والجمال واللطافة في الجسد تدل على باطنٍ متوازنٍ وسليم، وعلى أن الفرد يمكن أن يكون خاليًا من الغرور، متمتعًا بالرفق واللين والتواضع والخيرية والإيثار والرحمة والنبل. وكذلك فإن الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية لها مظاهر جسدية، كمن لديه شهيةٌ لا تشبع ويتلذذ بالأكل، فيُصاب بالإفراط في الأكل.
أو قد يكون الفرد متأثرًا بعوامل معنوية، حيث تستقر الشياطين والجن في جسده كالديدان، فتُسبب آثارًا تخريبيةً واضطرابات. على سبيل المثال، قد يكون الفرد خاليًا من الشر، لكنه لا يهتم بالحفاظ على نفسه بحمل التمائم أو ترديد الأذكار الواقية، فيقع في الكذب والخداع المتكرر بسبب استضافة شياطين قد تُصيب روحه.
إذا وجد الشيطان وعوامل المعنى طريقًا للنفاذ إلى الروح، فليس من السهل تطهير الروح من الجن وعوامل المعنى. فإذا تمكن الشيطان من النفاذ إلى الفرد، فإنه، إلى جانب الكذب الذي قد يكون أحد فروع السادية، يُصاب بالحيرة والتشتت. لكن ما يمنع نفاذ الشياطين ويحول دونه هو الابتعاد عن المعاصي وتجنب الحرام. فبالعناية بهذا الأمر، لا تستطيع الشياطين المتسللة أن تستقر في الفرد أو تصبح قرينته.
ترك المعصية هو أقوى درعٍ وحرزٍ واقٍ ضد نفاذ العوامل المعنوية السلبية. فالفرد الذي يحرص على تجنب استهلاك الحرام والخيانة، ولا يتصف بالعنف، ولا يؤذي الآخرين، ولا يكذب، لا يمكن للشياطين أن تقترب منه. إنه متمتعٌ بحريمٍ وحرمةٍ وإشعاعاتٍ تحفظه آمنًا وسليمًا.
المعصية هي أرضية نفاذ العوامل المعنوية السلبية، والامتناع عنها يمنح الفرد حريمًا يجعل الشياطين تحترم مسافته وتبقى بعيدة عنه. فالفرد الذي تسيطر عليه الشياطين وتصبح قرينته يتغذى منها، وبعض أفعاله السيئة هي نتيجة استهلاكه أو سيطرة الشياطين وغيرها من الظواهر المعنوية السلبية التي تسربت إلى روحه واستقرت فيها، وهي التي ترتكب هذه الأفعال السيئة من خلال جسده. وقد يصدر عن مثل هذا الفرد أي فعلٍ سيء. فالأماكن المهجورة والحمامات والمقابر والأضرحة هي من الأماكن التي يحتمل أن تكون مأوى لشيطانٍ يتسلل إلى من يتردد عليها.
الفرد المبتلى بشيطانٍ قرينٍ لا ينفصل عن القلق والاضطراب والتشتت والحيرة. فالشيطان يتسلل إلى جسده وقلبه ويسيطر عليه، فيُسبب له القلق والخوف والتوتر. وللحماية من الأضرار المعنوية، يجب أن يكون المرء صلبًا في حياته، وأن يعتني بنفسه ويحافظ عليها.
حكمة وطبية العناية الذاتية
العلاج الكيميائي والصناعي، خاصة إذا كان تدخليًا ويتم بسرعةٍ وعنف، يُعد حركةً قسريةً وقاهرةً للجسد، وغير منسجمةٍ مع طباعه. أما نظام العناية الذاتية فله حركةٌ لينةٌ وسلسة، وبتعبيرٍ متخصص طبي، بل حكيم. فالطب التقليدي يعتمد أدويةً تتسم بالتعجيل في العلاج، أو بعبارةٍ أخرى، العلاج الضربي الطارئ والفوري المشحون بالتوتر والضغط. أما في الطب الحكيم، فالمبدأ هو توافق الدواء مع طبيعة كل جسد، وعلاجاته لها كفاءةٌ وتأثيرٌ طبيعي. ففي الطب التقليدي، قد يُسكن حقنةٌ مسكنةٌ مكان الألم، لكن بما أن هذا التسكين يتم بقوةٍ وفي عمليةٍ غير طبيعية، فإنها تُوقع الجسد في التوتر والتحفيز.
استهلاك الأدوية الكيميائية قد يكون مُسببًا للإدمان ويُشكل عادةً، وقد يكون كثير الآثار الجانبية وخطيرًا. بعض الأدوية الكيميائية تُحفز الجسد وتُثير النفس. فإذا أظهر الفرد حساسيةً وتفاعلًا مفرطًا تجاه أي شيءٍ أو أي شخص، لأن جسده ونفسه يتأثران باستمرارٍ وكثرةً من هذه العوامل، أو من أمورٍ مثل الفقر الاقتصادي والضغط المضاعف للعوز، الذي يجعل الفرد قليل القدرة وفاقد الطاقة للحركة والتطور والحفاظ على كرامته الاجتماعية، ويُورطه في الهم الذاتي وتآكل المعدة والإرادة والجسد والباطن والإيمان، أو الطمع والجشع المفرط وكثرة المال، أو من وسائل الإعلام والأفلام بمشاهدة العنف والقسوة والخيانة، فإنه يصبح عرضةً للإصابة بأمراضٍ خطيرةٍ مثل تفعيل الخلايا السرطانية.
تمتلك الخلايا السرطانية طاقةً وغنى وقدرةً عالية، بحيث يمكن للعلم في المستقبل، بزراعتها الموجهة في بيئاتٍ مدارة، أن يستخدمها لتلبية احتياجاته الطاقية.
يجب أن يكون الإنسان متوافقًا، ليّنًا، رحيمًا، ومرنًا، ليتمكن من التصالح والبقاء الطبيعي في عالم المادة الحديث، المليء بالتحديات والصراعات.
استهلاك الأدوية الكيميائية دون وصفةٍ من طبيبٍ ماهرٍ غير جائز، ولا يمكن بهذه الأدوية تحقيق العلاج الذاتي أو حتى العناية الذاتية وتمكين جهاز المناعة من تمييز الخلايا والجزيئات الذاتية عن الأجنبية، وتدمير العوامل الأجنبية أو تحييدها.
الطب، بمعنى الرفق الماهر والمستمر والمحبة الحاذقة، يشير إلى التسامح والرفق، ويعتبر الطب والعلم النفسي الحقيقي والموثوق هو ما يكون طبيبيًا. فالطبيب هو المتخصص في العلاج المحب والمشفق.
في مفهوم الطب، يُعطى عنصرا “الرفق” و”الحذاقة” أهميةً كبرى. فالحذاقة هي الجنس، والرفق هو الفصل المؤسس. الطبيب هو العالم الحاذق الدقيق والرفيق اللين الرحيم. لذا فالطبيب هو من يمتلك الدقة، ولا يتصف بالسطحية أو السذاجة أو التصديق السريع أو العجلة أو الاندفاع أو التسرع، وبكلمةٍ واحدة، لا يتسم بالظاهرية ولا يُغريه الانخداع بالعلامات الأولية. كما أنه يمارس اللين والتسامح والتوافق والرفق بمحبةٍ وشفقة، ولا يوجد في وصفاته وطرق علاجه عنفٌ أو تدخلٌ قسري.
الطبيب هو من يحب مريضه ويشتاق إلى شفائه وعلاجه، بحيث يرى المريض في أسلوبه المتسامح أنه رفيقٌ ومحبٌ ومشفقٌ وخيّر. الطبيب هو من يجمع بين الانتباه والدقة والوعي والعلم والتخصص مع اللين والعناية والابتعاد عن العجلة والاندفاع والعنف.
في الماضي، كان مصطلح الطب، الذي يتضمن عنصري الدقة واللين، يُستخدم للإشارة إلى “السحر”. كان الأطباء يُسمَّون سحرةً، لأن السحر المباح كان قادرًا على تهدئة الأشخاص المصابين باضطراباتٍ معنويةٍ أو نفسية، خاصة الأفراد العنيفين والمتوحشين، بأساليب لينة، وبسهولةٍ سلسة، فيجعلهم هادئين ومروضين، ويُحقق لهم التسكين والسكينة والتوافق والقبول.
كان علم الأبدان في الماضي يتضمن فرعين: “الطب” و”السحر”. وكان علم الأبدان يعتبر اللين والبساطة ضروريين للطبيب والساحر، ولم يكن يسمح بدخول الأفراد الفاقدين لهذه الصفة إلى نظامه القائم على الإشراف الأستاذي والنظام المحمي. فالسحر هو القدرة على التواصل مع العوالم والقوى المتوسطة، على عكس النبوة التي هي ارتباط الله تعالى، بصفته مبدأ الكون، بالنبي. ولهذا فإن النبوة تتفوق على السحر وتستطيع إبطاله وجعله غير فعال.
في الماضي، وخاصة في طب المغان (المحبوبين) الإيراني، كان للأطباء والسحرة نظام انتقاءٍ خاصٍ ومحدودٍ للغاية، ولم يتم اختيار الأطباء على طريقة الجامعات الحديثة لتعليم الطب والسحر، ولم يُسمح بتلويث هذا النظام القدسي بالتجارة الملوثة والسوداء.
كان علم الأبدان يعتبر السحر ضروريًا للصحة، ويُصنفه ضمن فروعه، لأن السحرة كانوا قادرين على تهدئة المجانين والمتمردين والأشخاص المصابين باضطراباتٍ نفسية. كانوا يمتلكون مهارةً في علاج الجنون والإصابات الشيطانية وما يُسمى بالبختك. هذه الاضطرابات المعنوية لا تُعالج بالرياضة، ولا بتغيير التغذية والعلاج الدوائي الطبي، ولا من خلال المناهج والمقاربات النفسية الشائعة. هذه العوامل المعنوية، مهما كان اسمها، تبقى غريبةً ومجهولةً للعلم الحديث.
العلوم التجريبية الحالية، على الرغم من اتساعها وتعقيدها، تتخصص فقط في تربية وتدبير الجسد – الذي تُعتبر النفس ضمن حدوده المادية – وذلك بأسلوب الاستقراء والتجربة التجريبية البحتة. لكن بعض مناهجها الشائعة، خاصة في مجال الطب والجراحات التدخلية التي تتضمن شق الجسد، وكذلك بعض وصفات الطب النفسي، تُسبب اضطراباتٍ نفسيةً وأحيانًا جسدية.
الطب الحالي قد فقد بعض تخصصات الطب المعنوي القديم، وخاصة النقاش التفصيلي حول العناية الذاتية.
في الماضي، كان هناك أطباءٌ قدسيون كانوا، بمجرد الاستماع إلى كلام المريض ومن طريقة حديثه، وبدقةٍ يمتلكونها في البصر ونظام السمع وبحدة الأذن، يقصرون أنفسهم ويتركزون في أذن وعين وكلام المريض، ومن خلال هذه الوسائل يشخصون مرضه دون الحاجة إلى الاختبارات المعقدة الحالية والأجهزة الصناعية المتقدمة.
كان المغان المعالجون في نظامهم العلاجي والتعليم الطبي قد تعلموا ثقافة الطب الفلسفي والحكيم، المتسم بالعلاج المعنوي وتطبيق نظام العناية الذاتية؛ مهاراتٍ أصبحت اليوم في عزلةٍ وغربة، بل وفي حالةٍ من الانقطاع.
العلوم التجريبية الحالية لديها قدرةٌ محدودةٌ على اكتشاف مثل هذه العلوم، لأن تلك المعارف كانت موهبةً للرجال المتفانين والساهرين والقدسيين. وللوصول إليها، يجب على الأقل أن يمتلك المرء أرضيةً لمنح الملكة القدسية، أي تلك القدرة الباطنية العالية التي بدونها لا يمكن الوصول في فهم الدين وتشخيص الأحكام الإلهية إلى الفقه والاجتهاد المعياري والمعرفة القدسية.
الإنسان هو تركيبٌ معنويٌ من ظاهرٍ وباطن، ويعيش في بيئةٍ لها نفس الوزن من الظاهر والباطن أو المادة والمعنى. والصحة والمرض أو اضطرابات الإنسان تابعةٌ لهذا، فهي ذات جودةٍ متعددة الأضلاع، تتأثر بالمعنى والجسد معًا، مما يتطلب مقاربةً كليةً تجاهها.
العلوم المعنوية فعالةٌ فيمن لهم، بتعبيرٍ غير علمي في الطب القديم، مزاجٌ دافئ، وبمصطلح العناية الذاتية الصحيح، حرارةٌ وطاقةٌ جسديةٌ عالية، وهم قادرون من خلال التطهير والتأمل على الاستفادة من الطاقات العالية. وتُعتبر إيران منطقةً خصبةً لأنها دافئةٌ ومعتدلة.
لا يمكن توقع ظهور المراتب المعنوية والاستفادة المعنوية من الأفراد الضعفاء الذين تقل قدرتهم على المصاحبة والامتصاص (أي ذوي المزاج البارد بتعبيرٍ غير علمي)، والذين تكون قدرتهم على الامتصاص أقل. مثل هؤلاء الأفراد يشيخون ويصبحون بائسين بسرعة.
استقلالية العناية الذاتية
في العناية الذاتية، لا يكون الفرد تابعًا لغيره. فالتبعية لأي قوةٍ في عالمٍ مليءٍ بالتنافس وتضارب المصالح وتزاحم الرغبات هي أمرٌ ضارٌ ونقطة اختراقٍ للأفراد النفعيين، وتؤدي إلى إعاقة التفكير الإبداعي ونوعٍ من الخمول والتفريط بالذات. هؤلاء الأفراد الضعفاء، الراكدون، المصابون بالجمود، هم من يسلكون في كل طريقٍ التقليد والتبعية لغيرهم، بل وأحيانًا التفريط بأنفسهم.
التقليد في مسار العناية الذاتية، حيث يمكن للمرء أن يثق بنفسه، هو بحد ذاته مرضٌ فكري، وفقدانٌ للهوية، ونقصٌ في الثقة بالنفس وإدراك القدرات والإمكانات العالية للجسد بمفرده، وباعتباره ذاتًا فرديةً ذات كفاءةٍ ذاتية (كرامةٍ داخلية) في خلق أرضيةٍ للنظافة والصحة، والحفاظ عليها وتطويرها، والتشخيص الذاتي الوقائي قبل الإصابة بالأمراض والاضطرابات والاحتياجات الظاهرة.
مستوى العناية الذاتية الطباعي
الإنسان ظاهرةٌ طبيعية، وفي عالم الحرية والاقتضاء، يتمتع بالإرادة وحق الاختيار بناءً على محتواه الذاتي. وبحسب جودة هذه الاختيارات وأسلوب حياة كل فرد، يحصل على قيمةٍ ومرتبةٍ معينة. فالحياة الخالية من الجودة تُقلل من مستوى الفرد وقيمته وتُنزله.
ليس ظاهر الحياة بالضرورة دائمًا مؤشرًا على مستوى حياة الفرد وقيمته الحيوية. فالأمراض والاضطرابات والقلق والآلام المُنهكة وغير المثمرة أو المقبضة تُقلل من مستوى الحياة.
يتمثل الاختلاف بين الحيوات في مستواها، ومستوى كل حياةٍ هو ما يحدد جودتها، وليس الكمية أو العمر. فالصحة والراحة والسكينة والأمل والسعادة واللذة هي مكونات جودة الحياة.
تحقيق هذه الأمور بالنسبة لكل فرد (غير المحبوب ذاتيًا وحقًا) هو أمرٌ اختياريٌ وإرادي، وعلى كل فرد أن يختار الأفضل ضمن إطار نظام العناية الذاتية ليرفع مستوى حياته ويطورها.
جسد الإنسان، بنظام العناية الذاتية الطبيعي الذي يمتلكه، يتمتع بالقدرة والتعيّن اللذين يمكنانه من الحفاظ على نفسه في كل بيئةٍ ومع كل موقفٍ يواجهه، والتكيف معه ليحافظ على بقائه في عالم المادة.
اليوم، قد تم التعرف على طباع الحيوانات مثل الكلب، ويسعى العلم إلى تربية كل حيوانٍ وفق طباعه الطبيعية، ومن خلال الأوامر والرموز التي تُوضع تحت تصرفه، يُصبح الحيوان قابلًا للتربية بسلوكياتٍ واعيةٍ وعلميةٍ تابعةٍ لرغبة مربيه، ويُدرب بالمودة التي تُقدم بعد تنفيذ الفعل أو النشاط المطلوب، وبشرطيته لخدمة الإنسان.
الهدف الأسمى لنظام العناية الذاتية هو السير في اتجاه خصائص طباع الجسد والصحة المعنوية للإنسان. اليوم، تُستخدم طرق علاجية غير دوائية مثل الاستفادة من البيئة الطبيعية، والنباتات، والأشجار، والضوء الطبيعي، والماء، والارتباط بالسماء والهواء النقي المنعش، وكل ما هو مبهج ومفرح بشكلٍ طبيعي.
ضوء الشمس وشروقها وغروبها والحركة من المشرق إلى المغرب تُنظم الساعة البيولوجية للجسد، وتجعل إيقاعها طبيعيًا، وتُحسن جودة النوم. حركة الشمس والاستفادة من ضوء هذا المصدر الطبيعي للطاقة تؤثر على حركة كل خليةٍ في الجسد، خاصة الخلايا العظمية، وإذا كانت في الوقت المناسب وبنسبةٍ متوازنة، فإنها تمنحها حركةً صحيةً وحيوية.
حركة الشمس وضوؤها تؤثر على المزاج، وتُقلل من القلق والمشاعر السلبية، وتمنح الفرد شعورًا بالحيوية والنشاط، وإحساسًا مصحوبًا باللذة والرغبة في مواجهة التحديات الجديدة للحياة بصورةٍ صحية، والتركيز على المعارف المطلوبة، والقدرة على حل المشكلات.
العيش في بيوتٍ خشبيةٍ يُعد نوعًا من العلاج، إذ يعلم العلم أن البيوت المبنية من الحديد والخرسانة والحجر لها آثارٌ سلبيةٌ مُنهكةٌ على دماغ الإنسان.
إذا اكتشف الإنسان نظام العناية الذاتية الطباعي والطبيعي للجسد والباطن، وسار في اتجاهه وعلى صراطه، أي وفق الخصائص والأوامر الطبيعية للإنسان الطباعي والخفي، فإن نظافته وصحته تُحفظ.
الأمراض والاضطرابات هي نتيجة عدم الانسجام وعدم التنظيم بين الجسد المكتسب والطباع الطبيعية غير المكتسبة. ومع ذلك، يجب أن تكون هذه الطباع الطبيعية قد حظيت بالعناية الذاتية الطبيعية عبر الأجيال المتعاقبة حتى لا ترث عيوبًا محتملةً عبر الجينات، أو أن تقوم بتصحيح نسلها وجيناتها.
إهمال الإنسان الطباعي وعدم ممارسة العناية الذاتية يمكن أن يُصيب الإنسان المكتسب بضعف الإرادة والاضطرابات والأمراض. في هذه الحالة، لا يكون للفرد صراطٌ طبيعيٌ ولا دينٌ طباعي، فيصبح متمردًا في فكره ولامباليًا في عمله، ويندفع إلى كل فعلٍ يستطيعه، تابعًا لميوله ورغباته، ويعيش بلا نظام، وبما أن الجسد لا يحيا وفق قاعدةٍ وصراطٍ طباعي، فإنه يُصاب بأنواع المشكلات الظاهرة والباطنة بحرية، وتصبح حياته خاليةً من الجودة والزاد، وعديمة النفع للحياة الأبدية. مثل هذا الإنسان يصبح أدنى من الحشرات، لأن الحشرات في حياتها الطبيعية تعرف ما تتبعه، وليست خاليةً من قالبٍ وبنيةٍ طبيعيةٍ أو صراطٍ غريزيٍ واعٍ.
يسعى نظام العناية الذاتية إلى جعل أسلوب الحياة، خاصة التغذية والنظافة، طبيعيًا ومتناسبًا مع جسد كل فردٍ بشكلٍ خاصٍ ومتنوع، وليس بوصفاتٍ عامةٍ تسعى إلى توحيد الأفراد في قالبٍ واحدٍ بظاهريةٍ وبدون حرية الاختيار والإرادة. في حين أن التنوع في استهلاك المنتجات الغذائية أو الدوائية وكذلك في استهلاك الأمور المعنوية هو قاعدةٌ أساسيةٌ في نظام العناية الذاتية الفعال والناجع.
إهمال مبادئ العناية الذاتية أو عدم الالتزام بها مع ضعف الإرادة والتردد في اتخاذ القرار يُصيب الأفراد بمشكلاتٍ جسديةٍ ونفسيةٍ ومعنوية، ويُصيب المجتمع بكثرةٍ بالتوتر والقلق والخوف والوهم والاضطراب والتردد والقلق والاكتئاب والعناد والعدوانية واضطرابات النوم والتشوش في الحياة. فكيف يمكن أن تكون الحياة مع مثل هذه الآلام حلوةً وسعيدةً ومُرضيةً ومُبهجةً وناجحة؟ بينما الجسد يمتلك نظامًا ذاتيًا كافيًا للعناية الذاتية يمكنه إدارة نفسه. فإن نبض هذا الجسد له تعيّنٌ ووعيٌ ومعرفةٌ طبيعيةٌ وإلهية، والله بِنظام الجسد الذاتي له تعيّنٌ رباني، وبهذه التعيّنات يديره. في الماضي، عندما لم يكن هناك نظامٌ طبيٌ حديث، كان البشر يعيشون حتى ألف عام. التغذية الفاسدة وغير المناسبة والانقطاع عن الأمور المعنوية والروحية دمرت الجسد وقصّرت الأعمار.
مدخلات الباطن تُشكل جودة الباطن ومرتبته وقوته وسلطته، فإما أن ترفعه إلى الأعلى أو تُهبطه إلى الأسفل.
الباطن الهابط إلى حضيض المادة والكثرة والتشتت يصاب بالركود والتكبر والتعلق بالأرض. وعلى النقيض، الباطن الصاعد إلى التجرّد والقدرة على التسامي والعروج والتركيز والوحدة والتجمع والبحث في ملكوت السماوات يمكن أن يصل إلى ذلك. مثل هذا الباطن يمكن أن يجعل نفسه غنيًا بالمحتوى، متمتعًا بأعلى المعارف والسلطات والنقاء والمحبة التي تحمل في طياتها القرب أو الوصول الإلهي. هذه السلطة ليست مجرد قدرةٍ ذاتيةٍ ملوثةٍ بالشرك والتكبر والغرور والشهوة والبخل النفسي، فإذا كانت كذلك، فإنها تُفسد الرغبات والمعارف والعبادات، بل كل كمال، وتجعله ضارًا، فلا ينتج عن السعي وراء أي كمالٍ سوى القسوة والقلب الحجري والصلابة والتعصب.
قلة الأكل ورياضة الجوع، أو سوء التغذية أو الإفراط في الأكل أو استهلاك الحرام، تُضعف الباطن وتجعله نحيفًا وواهنًا. أما التغذية الجيدة والمتوازنة والمناسبة، وأهم من ذلك استهلاك الحلال وتناول الرزق الخاص بالفرد، فتُضفي على الباطن نقاءً وجلاءً وجودةً ومستوىً عاليًا.
الإنسان لا يحترم نفسه ولا يحبها، ولا يُقدّر قيمته الحقيقية، وهو الذي يمكن أن يصل إلى مقامٍ جامعٍ وخاتم، ويستفيد من كل شيء، ويتحول إلى أي شيء، بل ويصبح ربانيًا وإلهيًا. لذا لا يستمتع بعمره ولا يعيش حياةً سعيدة، بل إن الحيوات منذ سن المراهقة تكون مليئةً بالألم والمرض.
التحرر من هذه الآلام والمعاناة يتطلب العودة الطبيعية إلى الإنسان الداخلي، وتناغم الإنسان المكتسب والتحصيلي مع الإنسان الطباعي والباطني، والالتزام بقوانين العناية الذاتية.
الإنسانيات الحية
علم النفس والطب النفسي الشائعان قد تحولا إلى معرفةٍ صناعيةٍ بالكامل وإلى ذكاءٍ اصطناعي. وإذا أرادا أن يصلا إلى الكمال، فلا بد أن تكون الإنسانيات الحية والتجريبية جزءًا من مهارتهما وتخصصهما.
الصناعة والذكاء الاصطناعي، اللذان يتوليان تشخيص الأمراض أو الاضطرابات النفسية، يتعززان من خلال نهجٍ نفسيٍ متسامحٍ وإنسانياتٍ مباشرة، خاصة علم النفس الذي يعتمد العناية الذاتية. فيصبح الإنسان مختبر نفسه، وباستخدام تعاليم وتعليمات المرشد الحاذق والمتمرس، يدرك نفسه وآلامها بصورةٍ تجريبيةٍ وضميريةٍ وحيةٍ ومباشرةٍ دون وساطة المعالج، ويعمل على تحسينها.
يستطيع الإنسان، من خلال زيادة معارفه والدراسة الدقيقة لخصائص وصفات وأحوال وتقلبات وأعراض جسده، إلى جانب الاستفادة من أنواع التكنولوجيا المتقدمة، خاصة الذكاء الاصطناعي، أن يحدد أمراضه واضطراباته ويعالجها، أو يقي نفسه منها في أوقات الصحة والعافية، ويصبح، بحسب معرفته ومهارته، طبيب جسده.
في العناية الذاتية، يراقب كل فرد بنفسه المشكلات والأعراض الجسدية باستمرارٍ ونظام، وبتسجيلها وإدخالها إلى برنامج الذكاء الاصطناعي، يسعى إلى اكتشاف العلاقات بينها. فقد تكون حكة الجلد مرتبطةً بالسعال، أو آلام البطن مرتبطةً بوخزٍ في القدم.
أعضاء الجسد لها بنيةٌ جماعيةٌ ومشتركة، واكتشاف العلاقة بين الأعراض وسلوكيات الجسد يتطلب اهتمامًا وانتباهًا دائمين. فالجسد، في ارتباطه بالظواهر، يتمتع بسلوكياتٍ وأعراضٍ ضمن نظامٍ مشتركٍ وجماعي، واكتشاف العوامل التي تتحكم بسلوكه أمرٌ صعبٌ للغاية.
في كتاب “الوعي والإنسان الإلهي”، تحدثت عن تجمع الجزيئات السابقة بالتوازي مع تدخل العوامل المعنوية والربانية كظاهرةٍ إنسانية، وعن عجائب الخلق والجذب والانجذاب والانعكاسات وردود الفعل لهذه الظواهر في جسد الإنسان، خاصة من خلال المسار العلمي التنازلي وخلق النور.
عمليات العناية الذاتية
العناية الذاتية هي من قبيل الحكمة العملية، وتتطلب الالتزام بالعمل. فاستهلاك الهواء النقي، ونظافة النوم، والتغذية، والتمارين الرياضية، وترديد الأذكار، إلى جانب المعرفة، يجب أن تكون مصحوبةً بالعمل. فالإخلال العملي بقواعد العناية الذاتية مضرٌ بالجسد.
كما أن صيانة وتدبير سيارةٍ أو آلةٍ ميكانيكيةٍ يتطلب فحصًا فنيًا وخدمات صيانةٍ عمليةٍ وتنفيذية، فإن الجسد أيضًا يكتسب القدرة على الخدمة من خلال جعل العناية الذاتية عمليةً وتنفيذية.
وكما أن دراسة بعض الكتب وحدها لا تكفي ليصبح المرء ميكانيكيًا، بل يحتاج إلى تدريباتٍ عمليةٍ تحت إشراف أستاذٍ متمرس، فإن العناية الذاتية تتطلب اكتساب المعرفة من مرشدٍ متمرس وتنفيذها باعتدالٍ وإرادة، وليس بحكم العادة، وتزداد فعاليتها بالتوجيه المرشدي.
إذا لم تُؤخذ العناية الذاتية من مصدرٍ موثوق، فلن يكون لها تأثيرٌ في ضبط الجسد وحمايته من الفساد والذنوب والأمراض والاضطرابات.
نظام العناية الذاتية لا يكون فعالًا إلا إذا كان قائمًا على التخصص. والمشكلة تكمن في أن هذا النظام قد انقطع عن إرث العلماء المحبوبين والمغان المتمرسين، وأصبح أسير خرافات السطحيين الذين يفتقرون إلى المحتوى والمعنى. فالسطحية والظاهرية، مع تقدم العلم واكتساب اطمئناناتٍ جديدة، تفقد الثقة الاجتماعية السابقة وتُحرم من الثقة والدعم الشعبي.
النظام الطبي التكميلي
يُشار إلى أساليب العلاج المعنوي في إطار الطب التكميلي أو ما يُعرف بالطب الفوقي. فالعلاج بالضغط، والعلاج بالطاقة، والعلاج بالماء، والعلاج بالأذكار، والعلاج بالجن، والطب الإبري، تُستخدم جميعها كجزءٍ من الطب التكميلي لعلاج الأمراض، شريطة أن تُعالَج بتخصصٍ عالٍ، وليس بمقاربةٍ سطحيةٍ أو خرافيةٍ باللجوء إلى غير المتخصصين أو المحتالين، حيث يحل الكذب والتزوير والخداع والاعتداء محل العلاج.
هذا الكتاب لا يدّعي تقديم طبٍ بديلٍ أو تكميليٍ يتعارض مع قوانين البلاد، بل يتحدث عن العناية الذاتية الكلية، وهي طريقةٌ منطقيةٌ وعقلانيةٌ تحظى بدعم نظام الصحة والعلاج ومنظمة الغذاء والدواء. العناية الذاتية لا تتطلب تدخل وسيطٍ أو طبيب، بل يتولى الفرد بنفسه، باكتساب المعرفة بهذه الطريقة، رعاية جسده. ومثل هذه الطريقة ليست محظورةً قانونيًا.
نظام العناية الذاتية شاملٌ وكلي، وإضافةً إلى الوقاية من الاضطرابات الداخلية أو علاجها، فإنه يُسيطر على الإصابات والاضطرابات المعنوية الناتجة عن العلاقات الخارجية ويعالجها.
النظام الكلي بالنسبة للطب الصناعي والطبابة التقليدية هو نظام العناية الذاتية، الذي يجمع بين الظاهر والباطن، ويتبنى مقاربةً تطبيقيةً ومتعددة التخصصات، مستفيدًا من الأمور المتاحة للجميع، مثل الهواء النقي الطاهر، والتنوع الغذائي، والإضاءة المناسبة، وغيرها من الأمور الطبيعية المبهجة، ونظافة النوم، والترفيه، والفرح، والنشاط، والحيوية، والأمور المعنوية، خاصةً من خلال استهلاكٍ متوازنٍ لاسم الرب للوقاية من الأمراض والاضطرابات أو علاجها، دون تدخل وسيطٍ علاجي، وبالاعتماد على الفرد نفسه، وبشكلٍ خاص بناءً على الطب الوقائي في أوقات الصحة والعافية، وبالاستفادة من التقنيات الحديثة.
لا يتحدث هذا الكتاب عن أسلوب الطب وعلم النفس الشائعين القائمين على المختبرات المتقدمة، التي لا تتوفر إمكانياتها ووسائلها لعامة الناس، خاصةً مع المشكلات الاقتصادية الحادة. بل إن الطريقة المقترحة تمكن الإنسان، من خلال تعزيز العناية الذاتية والاختبارات والمقاييس والعلامات المتاحة له، من تحديد اضطراباته ومشكلاته، حتى يصبح الفرد، بالاعتماد على ثقته بنفسه، من خلال التدابير الوقائية والعناية الذاتية المسموحة وفي حدود توازن الجسد، طبيب جسده وسيدًا عليه، دون أن يتدخل بتخصصٍ في نطاق عمل الطب وعلم النفس المهنيين في الأمراض الحادة، أو يقوم بالعلاج الذاتي بجهل.
في العناية الذاتية الواعية، يرجع الفرد إلى جسده وباطنه كمختبرٍ تجريبيٍ وضميريٍ أولي، ومن خلال المهارات والإجراءات التي ينفذها بنفسه، يصبح قادرًا على الحفاظ على نظافته وصحته وتطويرها، والوقاية من الأمراض أو الحد منها.
العناية الذاتية هي أفضل نظامٍ لصحة الجسد والقلب وعلاجهما. العناية الذاتية هي وصية القرآن کریم الكريم، حيث يقول في صيغة المفرد: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ [البقرة: 259]، أي: انظر إلى طعامك وشرابك. وهذه وصيةٌ بالعناية الذاتية المتعلقة بالنظر والبصر، وسأتحدث عنها لاحقًا. إن غياب نظام العناية الذاتية قد رفع معدل المشكلات والاضطرابات العصبية والنفسية التي تتجذر في قصور جهاز القلب. يسعى هذا الكتاب إلى صياغة العناية الذاتية المنظمة والمصنفة، وتقديمها للمرة الأولى بتفصيلٍ مسموحٍ ومنسجمٍ مع الثقافة الصحية المعاصرة إلى المجتمع العلمي.
نظام العناية الذاتية قادرٌ على الوقاية من الأمراض، كما أنه يمتلك القدرة على توقع الأمراض في مرحلة الكمون، حيث تكون مختفيةً في الجسد، واكتشافها وعلاجها قبل ظهورها.
الفرق بين الطب المعنوي والطب التقليدي
المقصود بـ”المعنى” هو الاهتمام بالعوامل غير المعروفة للعالم العلمي اليوم، والتي لا يمكن رؤيتها أو قياسها بأدوات البحث العلمي، وهي خارجةٌ عن الجسد والنفس البشرية، لكنها مؤثرةٌ في الصحة أو تسبب الاضطرابات. وبالتالي، فإن “المعنى” في هذا الكتاب ليس مرادفًا للتجرّد.
الاضطرابات المعنوية النفسية والجسدية تأتي من خارج الإنسان، من خلال قوى وعوامل معنوية، سواء كانت مادةً لطيفةً أو مجردة، وعلاجها لا يقع ضمن قدرة علم النفس العلمي الشائع، ولا الطب النفسي، ولا الطب العام، بل هو من اختصاص الحكماء القديسين أو الأولياء الذين يستطيعون التأثير في القوى المعنوية الخيرة أو الشريرة، والتحكم فيها بقوة تسخيرهم.
الأمور المعنوية هي كل ما هو خارجٌ عن متناول أدوات الرصد الصناعية، ويجب أن تكون المعاني ذاتها، وكلما زادت الأسماء والعناوين التي تُطلق عليها، طال الطريق، وبعد الفهم، وأصبحت الحقيقة أكثر صعوبةً في الإدراك. لتحقيق الصحة المعنوية والعلاج المعنوي، لا يكفي مجرد معرفة الأمور المعنوية، بل يجب عيشها.
المقصود بالطب المعنوي ليس اللجوء إلى الطب التقليدي الشائع، الذي يقع في الغالب تحت سيطرة أفرادٍ غير متخصصين، منقطعين عن إرث المغان، وعطارين غير مهرة، ولا يخضع عملهم حاليًا للرقابة النظامية. فعادةً ما تُعرض الأعشاب والمواد العطارية دون تغليفٍ مناسب، وبشكلٍ سائب، وإذا انتهت مدة صلاحيتها، تُقدم موادٌ فاسدةٌ للناس. فالأدوية العشبية تصبح فاسدةً بعد بضعة أشهر من انتهاء صلاحيتها، وتفقد خصائصها، ولا يجوز استهلاكها بعد ذلك، مثل الأغذية التي لها تاريخ انتهاء صلاحية. على سبيل المثال، الأرز يصبح عديم القيمة بعد عام، ويفقد خصائصه، وعلامة ذلك أنه يفقد رائحته وعطره.
الطب التقليدي لا يمتلك أدواتٍ صناعيةٍ مناسبةٍ للبحث، ولا التزامًا بالعلم، وأحيانًا تُدعى بعض الخصائص للأدوية الطبيعية بناءً على تحليلاتٍ عقليةٍ غير مثبتة.
طب ابن سينا، الذي كان من أمهر الأطباء العباقرة، لا يمكن مقارنته بأي حالٍ من الأحوال بالتقدم الطبي الشائع في القطاعات الصناعية وسيطرة الذكاء الاصطناعي الحديث. فالطب اليوم يحقق نجاحاتٍ باهرةً في إدارة العلاج وإدارة النظافة والصحة النفسية للمجتمع. ومع ذلك، فإن العناية الذاتية النابعة من العلوم المعنوية لم تحظَ بمكانتها المناسبة في الطب الحديث، كما أن الطب التقليدي لا يستطيع، بأعشابه ونباتاته الملوثة أو منتهية الصلاحية أو الفاسدة، وبدون رقابةٍ صحيحةٍ ومعايير لازمة، وبدون متخصصين متمرسين، وبدون استفادةٍ من الأبحاث الصناعية والتقنيات المتقدمة، أن يوفر حتى نظافة مواده وبعض العطارين، فكيف يمكن أن يكون أرضيةً مناسبةً لنشر ثقافة العناية الذاتية؟ بل إن العناية الذاتية المحلية يجب أن تُؤسس بشكلٍ مستقلٍ من خلال الثقافة التعليمية ونظام التعليم والتربية في البلاد.
الدواء العلاجي، ليكون فعالًا، يحتاج إلى تركيبةٍ دوائية، وليس هناك مادةٌ أو معنى يمتلك بمفرده خاصيةً علاجيةً لمرضٍ معين. والطب التقليدي ليس محدثًا وحديثًا في تركيب الأدوية، على عكس الطب الحدي‧ث الذي يمتلك تركيباتٍ دوائيةٍ متنوعةٍ من مواد كيميائية مختلفة.
الحكيم المعنوي يعرف جيدًا خصائص كل اسمٍ وذكرٍ وغيره من الأدوية المعنوية وتركيباتها الدوائية. فهو، على سبيل المثال، يصنع دواءً معنويًا قويًا وفعالًا بتركيب الأسماء الإلهية وفقًا لنوع المرض.
التركيبات الدوائية المتنوعة تتطلب اقتصادًا قويًا وتجارةً دوليةً لتوفير المواد الأولية الضرورية، والتمتع بمعرفة تركيبها. فالبلد الذي لا يستطيع الارتباط بالعالم، ويعاني من نقصٍ في توفير المواد الأولية للأدوية، أو لا يعرف علم الكيمياء وتركيب الأدوية، لن يكون قادرًا على علاج الأمراض بكفاءة، ولن ينجح في امتلاك صيدليةٍ كاملةٍ وشاملة.
إذا كان الطب صناعيًا فقط، ولم يُؤخذ المعنى فيه بعين الاعتبار بعيدًا عن الخرافات، ولم يكن كليًا، خاصةً إذا تلوث بالتكليف التجاري، فإنه يكون منحازًا وموجهًا وناقصًا، ويصل إلى طريقٍ مسدودٍ في علاج بعض الأمراض.
الفساد المالي في الطب الصناعي
من خلال العناية الذاتية، يمكن حتى الوقاية من بعض الأمراض الخطيرة وصعبة العلاج التي تتطلب علاجًا مكلفًا للغاية، والتطعيم ضدها. إن اعتبار الطبيب المرجع الوحيد لتشخيص الأمراض وعلاجها، في ظل نظرة بعض الأطباء التجارية لزيارات المرضى وعلاجهم والفحوصات والتحاليل واستهلاك الأدوية، حيث يرون في الزيارات المتكررة غير الضرورية وتوصيف التحاليل والأدوية المتعددة وسيلةً لجني الأموال وأداةً للابتزاز والطمع، هو نظرةٌ خاطئةٌ للوضع الصحي والنظافة، وتتعارض مع الاقتصاد المالي.
إذا لم يكن الأفراد، من خلال نظام العناية الذاتية، أطباء أجسادهم بشكلٍ عملي، فلن يمكن رفع المجتمع إلى مستوى الصحة والنظافة المعياري المناسب لمجتمعٍ حديثٍ ومتقدمٍ من خلال النظام الطبي والعلاجي فحسب، بل قد يصبح النظام الطبي أرضيةً ملوثةً للتجارة القذرة والكسب من آلام الناس وزياراتٍ غير ضرورية، بل وحتى عملياتٍ جراحيةٍ غير لازمة.
كثرة مراجعة الأفراد للأطباء مع أدنى صداعٍ أو إسهال، بما أنها تزيد من عدد المراجعين، تُصبح سببًا لمرضٍ أخلاقيٍ للطبيب، واستغلال هذه المراجعات، وإصابة النظام الطبي بالكسب الملوث والتجارة بأمراض الناس وآلامهم ومعاناتهم. فالدواء والأجهزة الطبية الصناعية لا تصبح دواءً لآلام الناس ومرهمًا طاهرًا لجراحهم، بل متاعًا قذرًا لجني الأموال والتجارة الطامعة. إذا أصبح نظام العناية الذاتية ثقافةً في المجتمع، يمكن السيطرة على هذا المستوى العالي من الانحطاط والانحراف ومعاناة الناس، والإشراف عليه وتنظيمه.
من المؤسف القول إن وفرة الأمراض وكثرة المرضى في العصر الحالي قد أدخلت الفساد المالي إلى طبقة الأطباء ومهنة الطب. فالفساد إذا تسلل إلى نفسٍ ما، حتى لو كانت تعرف الطب والطبابة، فإنها تصبح سببًا للمرض وتدمير الجسد والنفس، بحيث يعجز الطبيب الفاسد عن تشخيص أمراض المراجعين تشخيصًا صحيحًا، لأن الفساد يُولد العمى الفكري، ولا يترك للطبيب الفاسد رفيقًا صالحًا يُخبره عن آلامه الداخلية. وتصبح نفس الطبيب مليئةً بالآلام المخفية والمكتومة التي تثقل كاهله، وتُسبب له التوتر وأنواعًا من الاضطرابات النفسية، وتسد طريق النجاح والاستمتاع بالحياة أمامه.
الكثرة والوفرة، إذا كانت غير متناسبةٍ وغير صحية، تُصيب المكان بالشلل الفكري والاضطراب النفسي والعصبية والفساد المالي والتهرب الضريبي، تمامًا ككثرة العلم التي، إذا لم تُصحب بالمحبة والتواضع، قد تُؤدي إلى العجب والتكبر والاستكبار، أو الجمال الزائد الذي يمكن أن يُفسد الجميل إذا استُخدم بطريقةٍ غير مناسبةٍ أو غير مشروعة.
وفرة المرضى وغياب نظام انتقاءٍ خاصٍ للأطباء يمكن أن يحول الطب من نقاء الطبابة الرحيمة في خدمة الناس إلى تجارة، بل وحتى إلى سرقةٍ محترمةٍ لأموال المرضى أو خزينة الشعب أو مؤسسات التأمين من خلال زياراتٍ متكررةٍ غير ضروريةٍ وتوصيف فحوصاتٍ وتحاليل وأدويةٍ غير لازمة، تتم بناءً على تشخيصٍ مزيفٍ وتوصياتٍ من أطباءٍ غير أخلاقيين لأفرادٍ جاهلين.
للأسف، فإن الاستعمار الحديث، كما حول الرياضة البناءة إلى ميدانٍ عالميٍ للترويج للقمار المدمر للبيوت والرياضة الاحترافية المدمرة للإنسان، وحول الزواج الصحي والنكاح إلى الجنس والاستغلال للنساء وتهريب الفتيات للتجارة والربح الاقتصادي، وحول الموسيقى المبهجة والعلاجية إلى أصواتٍ قاسيةٍ ووحشية، قد لوث النظام الطبي بالمال والتجارة من خلال أساليب العلاج وتهريب أعضاء الإنسان، لزيادة ثروة مجموعةٍ مافيويةٍ بطمعٍ لا يشبع.
أضرار العلاج الدوائي الشائع
تتمتع العناية الذاتية بميزةٍ لا توجد في الطب الصناعي بالأدوية الكيميائية، وهي أن أنواع أدوية العناية الذاتية خاليةٌ من الضرر. فالعناية الذاتية، على عكس الأدوية الكيميائية، لا تُحسن عضوًا على حساب إلحاق الضرر بأعضاءٍ أخرى.
العديد من الأدوية الكيميائية تُسبب الإدمان للجسد، لأن المورفين يُستخدم في تصنيع بعضها.
من خلال العناية الذاتية، يمكن التغلب على المخاوف الصغيرة بمخاوفٍ أكبر. لكن الأدوية الصناعية والكيميائية المستخدمة للسيطرة على القلق والخوف لا يمكن استخدامها دون وصفةٍ من طبيبٍ نفسي، بل وحتى مع وصفة الطبيب، فإنها ليست خاليةً من آثارٍ جانبيةٍ كبيرةٍ وضارة، ولا يمكن استخدامها يوميًا لمدةٍ طويلة.
في الطب الشائع، تتسم الأدوية الكيميائية والصناعية بطابعٍ هجوميٍ لتسريع العلاج، مما يُخرج الجسد عن إيقاعه الطبيعي في امتصاص الطعام والنوم، ويُسبب أضرارًا جسيمةً لأجزاءٍ أخرى من الجسد من أجل علاج جزءٍ واحد. ولا يوجد دواءٌ خالٍ من الآثار الجانبية، كما أنها لا تُحقق علاجًا نهائيًا، فيظل المريض بحاجةٍ إلى استخدام الأدوية بشكلٍ مستمرٍ حتى وفاته. فعلى سبيل المثال، قد يُصيب استهلاك الأدوية الكيميائية المضادة للاكتئاب الفرد بحالةٍ قسريةٍ من فقدان الحافز وقطع الاستمتاع بأي شيءٍ بالكلية.
الأدوية التقليدية، وإن لم تكن كيميائية، فهي في الغالب خاليةٌ من معايير إنتاج الأدوية. بل يمكن اعتبارها، في حالة التركيب، خلطاتٍ تفتقر إلى النظافة والرقابة. هذه الخلطات لا تمتلك تركيبًا دوائيًا صحيحًا ومتوازنًا، ولا رقابةً نظاميةً قويةً وفعالة، وتفتقر إلى جهازٍ صحيٍ من مرحلة الإنتاج إلى التوزيع، كما تفتقر إلى طبيبٍ ماهر. فالعطارون، بمعلوماتهم المحدودة والجزئية، يقومون بتوصيف الأدوية التقليدية بطريقةٍ تجارية.
الطب الحديث والطبابة الحكيمة كلاهما بحاجةٍ إلى الاهتمام بنظام الشفاء الإلهي ضمن إطار نظام العناية الذاتية الشامل. وكل منهما، إذا فقد الإيمان بنظام الحياة الديناميكي النابع من نفَس الحياة الإلهي، فإنه يُصاب بنقصٍ نظاميٍ في العلاج.
الطب الشائع قد فقد نقاء الطبابة الحكيمة في الماضي، وتغلب عليه روح الرأسمالية والتجارة بأساليبٍ غير نزيهة، ملوثةً بالأموال القذرة. لذا، لا يمكن توقع الشفاء الإلهي من مثل هذا الطب التجاري.
الطب الحديث احتكاري، ويريد الفرد مع أقل ألمٍ أو أضعف مرضٍ أن يكون خاضعًا للطبيب فقط، وللأسف، لتجارة مافيا الطب. فمع فقدان العناية الذاتية، يتغلب الألم الذاتي أو الألم الطبي على الحيوات.
الطب الحديث، الذي ينقذ المريض من المرض بشكلٍ صناعيٍ وهجوميٍ في سرعةٍ غير طبيعيةٍ وغير منسجمةٍ مع إيقاع الجسد، والعلم الحالي يدعمه، هو مفيدٌ في بعض الأمراض الحادة، وبعد ظهور المرض يجب اللجوء إليه للعلاج. لكن القول إن الاستخدام المفرط وغير المنظم له، في ظل الطابع التجاري والتزوير في جزءٍ من الطب، هو بالتأكيد ضارٌ بالجسد، خاصةً أنه يمكن استبدال معظم المراجعات بنظام العناية الذاتية. فبعض المراجعات إلى الأطباء غير المحترفين هي بدايةٌ لتوسع المرض في إطارٍ احتكاريٍ واستعماريٍ تجاريٍ يفتقر إلى أخلاق الخير والرحمة، ولا يهم فيه سوى المال والتجارة. ومن علامات عدم صحة أسلوب الطب الحديث والصناعي ظهور أمراضٍ جديدةٍ وانتشارها عالميًا.
دستیار تحلیل محتوا
روی هوش مصنوعی مورد نظر کلیک کنید. متن به صورت خودکار کپی میشود.